العودة   روايات 2 > ~~ إبداعـــات الشـعـر والقـصـص والروايــات ~~ > القصص والروايات > الإبداعات بأقلام الأعضاء > الروايات والقصص الطويلة بأقلام الأعضاء

آخر 10 مشاركات
رواية "أحداث إيانسيا" بقلمي           »          مشغل جميع انواع الفيديوهات الرائع Light Alloy 4.8.4.1 Build 1735           »          كتاب أسلوب القرد ، كتاب أسلحة الكونغ فو(السيف العريض والرمح).           »          ((التكنيكات لأحزمه الايكيدو من الاصفر الى الاسود ))           »          ~ خربشــــات روح ~           »          برنامج صيانة واصلاح ويندوز 7 والتخلص من الفيروسات Windows 7 Manager 4.4.9           »          سلسلة حالات خاصة بلا باسوورد على الميديا فاير           »          سلسلة رجل المستحيل كاملة 175 عدد           »          ~ سجل حضورك اليومى بصورة على ذوقك ~ متجدد يومياً           »          ¨•♥.عبر عن مشاعرك بصوره من صور الانمي متجدد يوميا¨•♥.

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 16-04-2012, 08:58 PM
الصورة الرمزية ~خيال~
~خيال~ ~خيال~ غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
الدولة: عالم الخيال
النوع: أنثى
المشاركات: 969
نقاط التقييم : 163
افتراضي ~عين الأسير~ رواية خيال علمي



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

أحببت أن أشارككم إحدى رواياتي المكتملة، وهي ربما الوحيدة التي تندرج تحت اسم الخيال العلمي..
لا تخافوا، هي لا تتحدث عن أسلحة ليزر وانتقال عبر الزمن ومن هذه الأشياء..
سأعرض لكم نبذة عن القصة..
للأسف لا يمكنني عرض الغلاف لأنه كبير نوعاً ما..
لكنني سأضع وصلة لملف pdf لكل فصل على حدة، في المدونة الخاصة بي، تزامناً مع عرضها هنا، لمن يريد تنزيل الفصل وقراءته في الوقت الذي يناسبه..

ولمن يريد زيارة المدونة، فليضغط على توقيعي..

تعديل (يمكن رؤية غلاف الرواية بالضغط على الصورة)



الرواية عبارة عن إحدى وعشرين فصلاً.. لن أتأخر كثيراً في وضع الفصول.. وكلما نزل فصل جديد، سأضيفه في هذه المقدمة ليسهل الوصول إليه..

أتمنى لكم قراءة ممتعة.. وأتمنى رؤية ردودكم عليها..

هذه نسخة Pdf كاملة للرواية.. ولمن يحب تنزيلها ليضغط على زر الداونلود في جانب الصفحة

[سجل معنا ليظهر الرابط. ]


{فصول الرواية}

[سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]



اضغط هنا للبحث عن مواضيع ~خيال~

توقيع ~خيال~

رواياتي

[سجل معنا ليظهر الرابط. ]

[سجل معنا ليظهر الرابط. ] - [سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ] - [سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]


مدونتي




التعديل الأخير تم بواسطة ~خيال~ ; 29-06-2013 الساعة 11:00 AM
  #2  
قديم 16-04-2012, 09:00 PM
الصورة الرمزية ~خيال~
~خيال~ ~خيال~ غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
الدولة: عالم الخيال
النوع: أنثى
المشاركات: 969
نقاط التقييم : 163
افتراضي رد: ~عين الأسير~ رواية خيال علمي





مقدمة

منار - مهند؟
مهند - نعم يا منار؟
منار - لقد ضحك الصبية عليّ مجدداً.. نادوني بالغريبة.
مهند - لا عليك منهم يا منار.. إنهم يغيظونك لأنهم يجدونك سهلة الاستثارة.
منار - أنا أكره هذا اللقب.. افعل شيئاً..
مهند - لا بأس يا صغيرتي.. غداً سأؤنبهم.
منار - وستؤدبهم؟
مهند - سأفعل.. سأؤدبهم بشدة..
منار - وستشتري لي الحلوى؟
مهند - من أين لنا بالحلوى في هذه القرية المنقطعة؟
منار - تذهب إلى المدينة وتشتري لي الحلوى..
مهند - ليس هناك من وسيلة مواصلات للمدينة إلا التي يملكها أبو سعيد وهو قد رحل إلى المدينة اليوم.
منار - تفعل ذلك وإلا غضبت منك.
مهند - حسناً حسناً.. سنرى بشأن ذلك.
منار - أنا أحبك كثيراً يا مهند.. سأذهب الآن.
أسيل - لماذا لا ترفض لها طلباً؟
مهند - أتسألين يا أسيل؟ أنت أختي وتعرفين السبب.
أسيل - بل لا أعرف.. أنا لا أعاملها بهذه الطريقة كي لا أفسد تربيتها.
مهند - لا حيلة لي في أمري.. أنا مدين لها بذلك.
أسيل - مدين لفتاة لم تتجاوز الخامسة؟ لماذا تحمل نفسك المسئولية دائماً؟
مهند - لأنها مسئوليتي أنني كنت غافلاً لزمن طويل..
أسيل - لكنك لم تتجاوز العشرين من عمرك.. من سيحاسبك على إطاعتك للأوامر؟؟
مهند - أنا أحاسب نفسي.. وهذا يكفيني مدى الحياة..
أسيل - ستكبر منار وتنسى كل ما مرت به.. فحاول أن تنس أنت أيضاً..
مهند - هذا ما أدعو الله به ليل نهار.. أن أنسى..

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

الفصل الأول: الغريبة

رفع مهند رأسه والعرق يتصبب منه رغم برودة الجو، فمسحه بذراعه وهو يضع قطعة حطب أخرى أمامه ويهوي عليها بفأسه ليشطرها شطرين.. فيزيحها ويضع أخرى مجدداً.. كانت الشمس ساطعة رغم عدم قدرتها على تبديد البرودة المنتشرة في الأجواء.. والهواء يتلاعب بالأشجار والحشائش باستمتاع..
بعد لحظات من العمل المتكرر، جلس مهند جانباً ليرتاح متأملاً المكان حوله.. كانت الجبال تنتشر حاجبة الأفق في الزوايا الأربعة.. والمزارع تغطي الوادي المتسع بين الجبال.. وأسفل الوادي تتناثر المنازل البسيطة التي تشكل القرية الصغيرة المنعزلة التي يعيشون فيها.. ومن وسط القرية يمتد الشارع القديم الذي يقود إلى المدينة ليغيب بين الجبال العالية.. ورغم أنهم يعيشون في الألفية الثانية، إلا أن توليد الكهرباء ضعيف في هذا المكان المنعزل مما يجبر أهلها على استخدام الطرق البدائية في حياتهم، ويجبر مهند على عمل كهذا لاستخدام الحطب في إشعال النار..
تنهد مهند وهو يتأمل قطع الخشب المكومة جانباً.. فسمع صوتاً من خلفه يقول "علام التنهد؟ أتعبت؟"
التفت ليرى أسيل قادمة حاملة له الماء، والهواء يتلاعب بشعرها الأسود كظلام الليل فتزيحه بيد واحدة للوراء لينسدل خلفها، وملامحها الناعمة تشي بهدوئها وطيبتها اللا متناهية، أما جسدها فطويل كأخيها، حتى لتبدو أكبر من السابعة والعشرين.. تناول مهند منها الماء ليشربه دفعة واحدة وهي تجلس إلى جواره تتأمله مبتسمة بعينين سوداوين وادعتين.. كان فاحم الشعر غزيره حتى ليمتد ويلمس كتفيه بإهمال.. بشرته لاحتها الشمس سمرة خفيفة، وعيناه السوداوان حادتين وإن اكتسبتا لمحة ملل بدت واضحة وهو يزفر مرة أخرى.. يحيط بوجهه لحية وشارب خفيفين.. أما جسده الفارع فذو تناسق ملحوظ وطول بيّن حتى ليبزّ أقرانه ويبدو بينهم أكبر عمراً..
قطع تأملاتها صوته القائل بريبة "علام تتأملين؟"
ابتسمت قائلة "أتأمل وسامة أخي الذي قارب الثلاثين من عمره وهو عازف عن الزواج.. ألهذا الحد فتيات القرية قبيحات بنظرك؟"
قال بلا اهتمام "الزواج لا يصلح لمن هم مثلي"
قالت بضيق "ومن هم الذين مثلك؟ في أي خانة تضع نفسك؟؟"
قال مطرقاً "أنت تعرفين.. لا حاجة بك للسؤال"
قالت بزفير "الماضي انتهى ومحي من ذاكرتنا جميعاً.. عليك نسيانه والعيش حياة طبيعية كغيرك من البشر"
تنهد قائلاً "هذا ليس بيدي.. ما حدث منذ عشر سنين كان كصفعة لي.. أفقت بعدها من حياة مظلمة كنت أعيشها.. والآن بعد أن صحوت لا يمكن أن أغفر لنفسي ما فعلت"
ربتت على كتفه قائلة "لا تقل ذلك.. أنت كنت مأموراً.. عشت حياتك تتلقى الأوامر وتنفذها.. الحمد لله أنك صحوت وعدت لنا.. الآن لا أحد يلومك على شيء"
قال مهند بضيق "يكفي أن ضميري يثقل كاهلي.. فما ذنب المسكينة منار؟ إنها تشقى إلى اليوم بسببي.."
قالت أسيل مشفقة "لا تقل ذلك يا مهند.. إنها تدين بحياتها لك.. لا تنس ذلك"
ثم ابتسمت مشيرة إلى الأمام "ألا تسعدك رؤياها بصحة وعافية، والراحة تملؤها وهي تعيش في كنف أخ يحبها ويسعى لإسعادها؟"
رفع بصره ليرى منار تصعد الطريق الحجري المؤدي إلى منزلهم الصغير.. أشعة الشمس تنعكس على شعرها العسلي فيتلألأ منعكساً على بشرتها البيضاء المشربة بحمرة.. وجهها دائري بعين عسلية ذهبية اللمعة.. أنف صغير وشفتين مزمومتين بضيق.. جسدها ضئيل حتى ليخالها المرء طفلة.. وهي ترفع طرف ثوبها الأخضر مسرعة في مشيها..
قال مهند معلقاً على منظرها "لا تبدو هذه الفتاة سعيدة في هذه اللحظة"
فقالت أسيل "لا بد أنها تشاجرت مع فتيات القرية مجدداً.. ستغضب وترضى بعد قليل"
صمت مهند وهو ينظر إليها حتى أصبحت في مواجهتهم واستطاع أن يلمح تلك العصابة التي غطت بها عينها اليسرى، وعلى الفور نهض بحنق قائلاً "يا لها من حمقاء.."
وأسرع إليها وأسيل ترجوه "اتركها يا مهند.. ستكف عن هذه الأعمال عندما تكبر"
قال بغيظ "وهل تعتبر صغيرة في الخامسة عشر؟"
سمعته منار فوقفت مكانها بارتباك وهو يقترب منها، ولما تمالكت نفسها ابتعدت وهي تخفض وجهها وتدير ظهرها له.. لكنه أدارها نحوه مجدداً ونزع العصابة بشيء من العنف آلمها قائلاً بحدة "ألن تكفي عن هذا يا منار؟ لم تعودي طفلة"
رفعت رأسها بتحدٍ قائلة "كنت أتمنى أن تدرك ذلك أنت.. من حقي أن أفعل ما أشاء طالما لا يسيء إليّ ذلك.. وأنا قد سئمت سخرية الجميع"
نظر مهند إلى عينيها زافراً.. كانت العصابة قد تركت علامة خفيفة حول عينها اليسرى، بينما كانت هي تنظر إليه والتحدي يلتمع في عينها الخضراء عشبية اللون.. لم يدر ما يقوله لها.. فكونها تحمل عينين مختلفتين في اللون لطالما أثار خوف القرويين منها، ثم سخريتهم وتندرهم عليها.. لكنهم لا يعرفون.. ولو عرفوا لأثار هذا خوفهم أكثر..
انتبه مهند على قول منار "لقد بلغت الخامسة عشر من عمري.. وهي تتيح لي فعل ما أريده دون رقابة منك"
أثار هذا غيظه مجدداً فقال بحدة "لكنني أخاك الأكبر.. ولا يمكنني أن أوافق على أفعالك هذه.. أتظنين القرويين سينسون اختلافك عنهم لمجرد إخفائك لها؟ بل هذا سيجعلهم يلاحظون أكثر.. أنت مختلفة وعليك تقبل ذلك.."
لكزته أسيل وهي تقترب هامسة باحتجاج "مهند.. لا تقل هذا"
لاحظ المرارة التي طغت على وجه منار وهي تقول "أعرف ذلك.. لكن شكراً لتذكيري"
غزاه الندم على تسرعه في قول ما قال.. فخفـّت النبرة الحادة من صوته وهو يقول "لست أذكرك بذلك لكن أطلب منك تجاهله"
غمغمت منار وهي تمسح على عينها اليسرى بيدها "كيف أتجاهل شيئاً وأنا أراه كل يوم؟ ليتني ولدت بعين واحدة، لكان الأمر أهون مما أنا عليه الآن"
غلبه الإشفاق من قولها، فقال محاولاً التسرية عنها "لا تقولي ذلك يا صغيرتي.. أنت بأتم صحة وعافية والحمدلله.. وهذا ما يجب أن تتذكريه دائماً"
قالت منار بشيء من الاحتجاج وهي تطرق "ألم أقل لك لا تنادني بهذا اللقب؟ لقد كبرت حقاً.."
ابتسمت أسيل وهي تتركهما قائلة "ها قد بدأنا من جديد"
صاحت منار خلفها قائلة "لا يعجبني هذا اللقب.. أنا لم أعد صغيرة"
ابتسم مهند معلقاً "لازلت طفلة بنظري.. طفلة لم تتجاوز الخامسة من عمرها اعتادت أن تنام إلى جواري كلما أيقظها حلم مزعج"
احمرّ وجهها وهي تقول "لكنني لم أعد في الخامسة.. كما لم تعد الأحلام تخيفني"
ضحك مهند وهو يقول متجاوزاً هذا الأمر "لم تخبريني.. ما الذي حدث لك في القرية اليوم؟"
ترددت وهي تقول "لا شيء مهم"
ألحّ عليها قائلاً "لا تحاولي خداعي.. الغضب كان يقفز من عينيك.. هيا قولي الحقيقة"
أشاحت بوجهها قائلة "وليد قال إنه يرغب بالزواج بي"
بدت صدمة الخبر واضحة على وجه مهند، لكنه قال بعد لحظة صمت "وما الذي ضايقك في ذلك؟"
قالت حانقة "لأنه لا يرغب بالزواج بي حباً.. بل ليثبت للناس أنه لا يخاف من منظري.. ثم إنه يريد أن يغيظ خطيبته السابقة أمل التي تخلت عنه.. لأنه يعرف أنها تكرهني.. وأنا لست لعبة في يديه"
ثم أضافت بغيظ "شاب بغيض"
فقال "إذن رفضت طلبه؟"
قالت بصوت عالٍ "طبعاً"
قال "كان من المفترض ألا تصديه بهذه السرعة.. ربما فهمته خطأ.. أنت الآن في سن زواج وعليك أن تتأنّي في الاختيار"
قالت مشيحة "لا حاجة لي بالاختيار"
فسألها بدهشة "ولم ذلك؟ لن يكون وليد هو الأخير حتماً"
تجنبت نظراته وهي تقول "إنني عازفة عن الزواج الآن"
قال مهند وضحكة تلتمع في عينيه "أحقاً لا تريدين الزواج؟ لم يكن هذا ما سمعته منذ عشر سنين"
احمرّ وجهها مجدداً وهي تقول "لست أدري عم تتكلم.. أظن أن أسيل تناديني"
واندفعت إلى المنزل وهو ينفجر ضاحكاً لخجلها وتصنعها النسيان.. ثم غمغم مبتسماً وهو يعود لعمله "يا صغيرتي الحبيبة.. أحقاً نسيت كل شيء؟"

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

قبل عشر سنين

هبّ مهند ناهضاً من فراشه ويده تقبض على مسدس وضعه تحت وسادته وهو يصغي للضوضاء خارج غرفته، عندما فـُتِح الباب ليرى ظل منار الضئيل الذي لا يوحي بتجاوزها الخامسة من العمر.. فترك يده تفلت المسدس وهو يقول متنهداً "أهو أنت يا منار؟ ما الأمر؟"
أتاه صوتها شاهقاً بالبكاء وهي تقول "لقد حلمت به ثانية"
قال في إشفاق وهو يشير إليها "تعالي ولا تخافي"
ركضت لترتمي في أحضانه وهي تبكي مرتجفة بخوف، فاحتواها بين ذراعيه وهو يهدهدها قائلاً "لا بأس يا صغيرتي.. لا تخافي من شيء مادام أخوك البطل مهند إلى جوارك.. لن يمسك أحد بسوء أبداً.. هيا يا حبيبتي لا تذرفي الدموع"
قالت منار منتفضة "لقد حلمت بذلك الرجل مرة أخرى.. كان يمسك سكيناً كالتي يذبحون بها الخراف ويجري خلفي.. كان يحاول قطع رأسي.. لقد ناديتك مراراً لكنك لم تأت لتنقذني.. لماذا لم تأتِ؟"
غاص قلبه في صدره وهو يقول "إنه مجرد حلم.. والأحلام لا تتحقق يا صغيرتي.. عندما تنهضين يختفي كل ما رأيته في الحلم.."
صمتت منار وإن ظلت تنتفض خائفة.. فأجلسها على ركبته وهو يقول "أليس الله تعالى أقوى من كل الناس؟"
هزت رأسها إيجاباً، فمسح دموعها عن وجنتيها وهو يقول "إذن توجهي إليه بالدعاء.. ادعيه بكل ما تتمنينه وسيتحقق بإذن الله"
ففردت منار كفيها أمام وجهها وأغمضت عينيها وهي تتمتم بصوت لم يسمعه مهند.. ابتسم للجدية البادية على وجهها وأخذ يمسح على شعرها العسلي حتى انتهت ونظرت إليه بوجه يتلألأ.. فسألها "بم دعوت؟"
قالت بفرح "دعوت بالكثير الكثير من الأشياء"
قال مبتسماً "أخبريني أيتها الشقية"
فأخذت تعدد على أصابعها قائلة "دعوت الله أن يموت ذلك الرجل الذي يريد ذبحي"
غمغم مهند بنبرة مريرة "لقد استجاب الله دعائك قبل أن تدعي به يا صغيرتي"
لم تنتبه لقوله وهي تكمل "ودعوته أن يحبني الأطفال في القرية كي أجد من ألعب معه.. وأن نحصل على الكثير من الأموال كي نبني منزلاً أكبر من هذا.. وأن تنجب العنزة توأماً كي يصبح لدينا الكثير من العنزات.. وأن أذهب معك إلى المدينة في المرة القادمة كي أشتري لنفسي الكثير من الحلوى.. وأن.."
قاطعها مهند ضاحكاً "كل هذا؟ يا لك من جشعة"
فأكملت وهي تتطلع إليه بعيون لامعة "وأن لا يتزوج أخي مهند"
نظر إليها بدهشة وقال "لماذا أيتها الحقودة؟"
أجابت وابتسامة فرحة ترتسم على شفتيها "لكي أتزوجك عندما أكبر"
ظل ينظر إليها بدهشة لثوان ثم انفجر ضاحكاً وقال "تتزوجينني؟ إنني أكبرك بخمسة عشر سنة.. عندما تكبرين لتصبحي عروساً سأكون أنا كبير السن كجدك"
فقالت بسرعة "لقد دعوت الله أيضاً أن أكبر بسرعة حتى أصبح بعمرك.. وسيستجيب الله لي.. أليس كذلك؟"
مسح مهند على شعرها قائلاً "قد لا أعجبك عندما تكبرين"
قفزت لتتعلق بعنقه قائلة "أنا لا أريد الابتعاد عنك يا مهند.. أرجوك.. لا تتركني"
ابتسم وهو يضمها إليه قائلاً "لا تخافي يا صغيرتي الحبيبة.. لن أتركك أبداً.."

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

اقتربت أسيل من منار التي كانت تربت على قطة ناعسة وهي تجلس على العشب خلف المنزل ساهمة الفكر.. فقالت لها "ما بك يا منار؟ تبدين مغمومة.."
قالت منار دون أن تنظر إليها "لا شيء مهم.."
ابتسمت أسيل وهي تراها تراوغ، فوضعت أمامها دلواً قائلة "هاتي بعض الماء من البئر القريبة.. عليّ تحضير الطعام قبل أن تصرخ معدة مهند"
لم تبتسم منار وهي تحمل الدلو وتمشي إلى البئر متثاقلة.. بينما عادت أسيل إلى المنزل لتجد مهند يطل من نافذة المنزل الأمامية.. فسألته "إلام تنظر؟ لو كنت تبحث عن منار فهي في الخلف"
تساءل بدهشة "ولماذا قد ابحث عنها؟"
هزت كتفيها معلقة "لقد بدت متضايقة بعد افتراقها عنك.. ظننتك عدت لمضايقتها وربما تبحث عنها لتعتذر..”
علق مهند مبسماً "يا خبيثة.. أنا لا أبحث عن منار ولم اضايقها بشيء.. بل انتظر قدوم سامر.. لقد وعد أن يأتي اليوم ليساعدني في بعض الأعمال"
بدت السعادة على وجه أسيل وهي تتجه إلى المطبخ قائلة "هذا معناه أن عليّ تحضير الوجبة لأربعة"
فتح الباب في تلك اللحظة ليدخل شاب بعمر مهند قائلاً بمرح "هل سمعت كلمة وجبة؟ أكاد أموت من الجوع"
ابتسمت أسيل ومهند يقول "أيها الشره.. هل أتيت لمساعدتي أم للأكل؟"
ضحك سامر قائلاً "وما الضير في فعل الاثنين؟ أسيل طباخة ماهرة وأنا أحب طعامها"
تورد وجه أسيل بسرور وهي تقول "اطمئن.. ستتذوق أشهى طعام في حياتك"
قال مهند "دعك من الطعام الآن.. هل جئتني بما وصيتك به؟"
قال سامر وهو يناوله لفافة متوسطة الحجم "خذ، مع تحيات أبو سعيد أبرع حداد في القرية"
علق مهند "والوحيد أيضاً..”
فك مهند اللفافة ليخرج خنجراً حاداً في جراب بسيط الصنع، وإن كان متقناً، فتناول الخنجر من جرابه وتأمله قائلاً "إنه ماهر بالفعل.. سيفيدني هذا الخنجر في أعمالي.. وهو بالتأكيد أخف من الذي أملكه"
تناول سامر خنجر مهند القديم من فوق الطاولة وهو يضيف بلهجة مسرحية "وهو مفيد في أشياء أخرى أيضاً.. كمقاومة اللصوص الذين يعج بهم المكان"
غمغم مهند دون أن يلتفت إليه "لا يوجد لصوص في هذا المكان الهادئ، ثم إن هناك طرقاً أكثر فعالية من استخدام خنجر.."
قال سامر وهو يلوح بالخنجر "لا تستهن بهذه القطعة الصغيرة، فهي تنجح حينما تفشل باقي الأدوات.. كالهجوم من مسافة قريبة.."
انتبه مهند في تلك اللحظة إلى منار التي دخلت المنزل حاملة دلو الماء بوجه مغموم، فهمّ بأن يسألها عما جرى عندما فوجئ بسامر يندفع إليه ضاحكاً وهو يقول "دافع عن نفسك يا رجل.."
ابتعد مهند عن طريقة بحركة سريعة، لكن اندفاع سامر تسبب في جرح ذراع مهند اليسرى تحت ندبة كبيرة كانت تحتل أعلى ذراعه..
قطب مهند وجهه وهو يضع يده على الجرح حيث بدأت الدماء تسيل بينما صاح سامر "سامحني يا صديقي.. لم أدرِ أنك غير منتبه إليّ"
قال مهند "لا عليك.. ليس بالشيء الكبير"
في تلك اللحظة علت شهقة أفزعتهم.. فخرجت أسيل من المطبخ متسائلة "ما الأمر؟"
نظروا جميعاً إلى منار التي أفلتت الدلو لينسكب الماء أرضاً وأحاطت رأسها بيديها تنظر مذهولة إلى الدماء وهي تصيح "لا.. لا.. لا تفعل أرجوك.. لا تفعل"
أسرعت أسيل إليها لتهدئها بعد أن فهمت ما حدث قائلة "لا تخشي شيئاً يا منار.. إنه مجرد جرح بسيط.. لم يصب مهند بضرر كبير"
لم يبد على منار أنها تسمعها وعيناها مثبتتان على الدماء وهي تقول ذاهلة "لا تفعل ذلك يا مهند.. لا تجرح نفسك.. أنا أكره الدماء"
ثم صرخت بهستيريا "أنا أكرهها.. لا أحب رؤيتها"
أسرع مهند إليها وربت على كتفها قائلاً "ما الذي تقولينه يا منار؟ إنه جرح بسيط وغير مؤذٍ"
نظرت إليه منار وهي تصيح ذاهلة "لماذا تجرح نفسك هكذا؟ لماذا تغرس الخنجر في ذراعك وتلطخني بالدم؟"
فهم مهند ما كانت تقصده، فأمسك كتفيها قائلاً "لقد فعلت ذلك مضطراً لمصلحتك.. حتى لا يتبعوننا.."
صرخت منار بهستيرية "أنا أكره الدم.. لقد كنت ستقتل نفسك كما فعل ذلك الرجل.. لقد انفجر الرجل ولطخني بالدم.. وأنت كنت ستنفجر أيضاً.. لماذا.. لماذا؟"
هزها وهو يقول بحدة "لم يكن ذلك ليحدث.. هو لم تكن لديه خبرة في انتزاع جهاز التتبع.. أما أنا فبلى.. كنت مدرباً على انتزاعه دون أن أفعّل نظام الحماية فيه، ولقد فعلت ذلك كي لا يتبعوننا.. أتفهمين يا منار؟ فعلت ذلك لأحميك منهم"
ظلت منار تنظر إليه ذاهلة وأسيل ترمقها عاضّة على شفتيها عندما تعالى صوت سامر يقول "عم تتحدثون؟"
نظروا إلى وجهه الذاهل فلمح مهند شيئاً من الفهم والذعر في عينيه، فقال لأسيل "أدخلي منار إلى غرفتك وهدئيها.. واتركيني مع سامر وحدنا"
سحبت أسيل منار الذاهلة إلى غرفة قريبة، فيما اقترب مهند من سامر الذي قال بذهول "جهاز تتبع؟ هل كنت تعمل في الجيش؟"
قال مهند وهو يحاول تلفيق قصة مقنعة في ذهنه "اهدأ واجلس يا سامر.. تلك قصة طويلة وسأخبرك بها"
ابتعد سامر عنه وهو يشير إليه بإصبع مرتجف "أنت نزعت جهاز التتبع من ذراعك.. أهذا هو سبب الندبة الكبيرة في ذراعك؟ أيمكن أن تكون ذلك الضابط المارق من الجيش والذي بحثوا عنه لفترة طويلة؟"
قال مهند بحزم "اهدأ يا سامر.. سأشرح لك كل شيء فلا تقفز إلى الاستنتاجات"
أشار سامر إلى الغرفة قائلاً "أتكون إحداهما هي الفتاة التي اتهموك بتهريبها من الجيش؟ أهي أسيل؟ أم بالأصح هي منار؟ أجل.. لابد أنها منار.. قالوا إنها مصدر معلومات مهمة يبحث عنها الجيش.. ألهذا كنتم تتكتمون عن ماضيكم الغامض؟"
قال مهند وقد استشعر خطراً "اجلس يا سامر.."
قفز سامر للوراء صارخاً "لا تقترب مني.. إياك"
واندفع خارجاً من المنزل بخطوات راكضة وهو يتلفت خلفه.. فزفر مهند بحنق وقلق وهو يلتفت لتضميد جرحه.. ثم توجه إلى الغرفة ليجد منار على الفراش وأسيل جالسة ساهمة بقربها.. فسألها بقلق "ماذا حدث لها؟"
قالت أسيل "أغمي عليها عندما أدخلتها هنا.. لكنها بخير بإذن الله.."
اقترب ليتأمل وجهها الذي أغرقته الدموع فيما سألته أسيل "ما الذي جرى اليوم؟"
تنهد مهند قائلاً "لقد عادت إليها ذاكرتها، أو بالأصح جزء منها عندما رأت الجرح والدماء.. لكننا حتى الآن لا نعرف ما الذي تذكرته"
قالت أسيل "أتمنى أن يقتصر تذكرها على تلك الساعة ولا تتذكر ما حدث قبلها.. لن تقدر على العيش بشكل طبيعي إن فعلت"
قال مهند "لا أعتقد أننا سنعيش بشكل طبيعي بعد اليوم.. إذ لا أعتقد أن سامراً سيصمت أمام ما سمعه، وأخشى ما أخشاه أن يصل الخبر إلى سمع قيادة الجيش.. لقد فقدت حذري عندما فوجئت بعودة ذاكرة منار، وهو خطأ سيكلفنا الكثير.."
قالت أسيل بقلق "لماذا لم توقفه؟"
أجاب وهو يغادر الغرفة "لأنه صديقي.. ولم أرغب في إيذائه"
ثم عقب "لا تتركي منار بمفردها"
هتفت خلفه "إلى أين؟"
أجابها "لأصلح ما فسد.. سأذهب إلى سامر فوراً"

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~



اضغط هنا للبحث عن مواضيع ~خيال~

توقيع ~خيال~

رواياتي

[سجل معنا ليظهر الرابط. ]

[سجل معنا ليظهر الرابط. ] - [سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ] - [سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]


مدونتي




التعديل الأخير تم بواسطة ~خيال~ ; 11-09-2012 الساعة 07:50 AM
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 16-04-2012, 10:43 PM
الصورة الرمزية ~خيال~
~خيال~ ~خيال~ غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
الدولة: عالم الخيال
النوع: أنثى
المشاركات: 969
نقاط التقييم : 163
افتراضي رد: ~عين الأسير~ رواية خيال علمي



الفصل الثاني: ذكريات
قبل عشر سنين

توقف مهند لاهثاً بين الأشجار يراقب ما حولهم، ثم عاد إلى منار التي كانت ترتجف برداً وخوفاً منطوية على نفسها والدماء تغمر ملابسها، بينما عصابة طبية تحيط برأسها الحليق.. فمسح على رأسها هامساً "لا تخافي يا صغيرة.. سآخذك إلى حيث لا يجدك أحد"
نظرت إليه بعينين دامعتين وهي تبكي قائلة "لا أريد أن أعود.. لا أريد أن أعود.. سيؤلمونني مرة ثانية"
غمغم في إشفاق "يا لك من طفلة تعيسة.. ما الذي جنيتِه ليفعلوا بك هذا؟"
وأضاف بصوت مرير "والأقسى أنني كنت مشاركاً في كل هذا.. يا لي من أحمق عديم التفكير.. كيف أنقدت لإرادتهم دون مناقشة؟"
لم تفهم منار ما يقوله وإن ظلت ترمقه بعينين متوسلتين.. فابتسم لها وقال "لا تخافي.. الفرج قريب"
ونظر إلى شاشة الجهاز في ساعده والتي تشير بوضوح إلى اقتراب عناصر الجيش من موقعهم.. فقال "لو يعلمون كم أفادتني أجهزتهم بالهروب لما صنعوها.. لكنها في الوقت ذاته تشير إلى موقعنا بوضوح.. لابد أن أتخلص من جهاز التتبع"
فتح جرابه المربوط إلى فخذه وتناول خنجراً حاداً فيما اتسعت عينا منار وهي تقول برعب "لا تفعل ذلك.. لا تؤلمني.. أرجوك"
قال مهند مهدئاً إياها "لن أفعل ذلك.. لا تخافي"
ورفع كم يده اليسرى ليكشفها إلى أعلى الذراع.. وأخذ يتحسس ذراعه بخبرة حتى استطاع لمس الجهاز المعدني المزروع تحت جلده.. فرفع الخنجر بيده اليمنى وجرح به ذراعه اليسرى بسرعة وإتقان حول الجهاز دون أن يظهر الألم على وجهه.. عندها تعالى صراخ منار الهستيري وهي تحمي وجهها ورأسها بذراعيها صائحة "كلا.. لا تفعل.. ستنفجر أيضاً.. ستنفجر كذلك الرجل.. أرجوك توقف"
لم يتوقف مهند وهو يستأصل الجهاز خلال ثوان معدودة.. ثم ضم منار الصارخة ليسكتها قائلاً "لا تصرخي أرجوك.. لقد انتهى الأمر.. اصمتي كي لا يستدلوا على موقعنا"
أخفت وجهها بين ركبتيها وهي تبكي بحرقة، بينما نهض مهند واتجه إلى شجرة قريبة فغرز فيها الجهاز، ثم اقتطع قطعة من قميصه وضمد جرحه الذي يسيل دماً ويقطر أرضاً.. بعدها حمل منار بدون تأخير وركض مبتعداً عن المكان وهو يقول "ستكونين في أمان قريباً.. لا تخافي"
ظلت منار تبكي على كتفه حتى هدها التعب فنامت، بينما ظل مهند راكضاً يغير طريقه بعد أن يتفحص جهاز الجيش الذي يشير إلى موقع عناصر الجيش منه.. حتى غيبته الغابة وسط ظلامها الدامس..


~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

نهضت منار صارخة "كلا.. لا أريد أن أرى ذلك مرة ثانية"
أسرعت إليها أسيل تهدئها قائلة "ما الأمر يا منار؟ هل كنت تحلمين؟ أنت بخير الآن فاهدئي"
ارتمت منار عليها باكية وهي تقول "لا أريد أن أرى الدماء.. لا أريد أن أرى مهند يتأذى.. إذا حدث ذلك من سيبقى لي؟ من سيحميني؟ لا أريد أن يتركني مهند"
قالت أسيل وهي تمسح على شعرها "لن يحدث ذلك.. ومهند لن يتركك أبداً مهما حدث.. لم يكن ذلك إلا جرح بسيط أصيب به"
رفعت منار وجهها إليها وهي تقول بتوسل "لا أحب أن أراه مجروحاً.. قولي له ألا يفعل ذلك.. أرجوك يا أسيل"
ابتسمت أسيل قائلة "ألهذه الدرجة يهمك أمره؟"
أخفت منار وجهها بين يديها هامسة "هو الوحيد الذي بقي لي.. ليس لي في هذا العالم سواه"
قالت أسيل معاتبة "وأنا.. ألست أختك أيضاً؟"
قالت منار مطرقة "أنت أختي الحبيبة.. لكنه الوحيد القادر على حمايتي"
ورفعت وجهها إليها قائلة بتوسل "لا أريد أن أعود مرة ثانية.. لا أريد أن أتعذب"
سألتها أسيل بحذر "تعودين إلى أين؟ ما الذي تذكرته؟"
قالت منار منتفضة "لست أدري.. كل ما أتذكره هو منظر مهند وهو يجرح نفسه.. كنا في غابة مظلمة، وكنت خائفة أرتعد.. شعرت أنني أكره الدماء.. شعرت أنني رأيت رجلاً يفعل ذات ما فعله مهند، لكنه لم يتمّه لأنه انفجر ملطخاً إياي بدمه، شعرت أنني هاربة من مكان مظلم مخيف، وأنني أفضل الموت على العودة إليه"
وتمسكت بأسيل قائلة "أرجوك.. أخبريني ما الذي حدث في طفولتي؟ من أنا؟ ولماذا هذه الأحلام المخيفة تطاردني؟ أكاد أجنّ.."
ربتت أسيل على كتفها مهدئة وقالت "لا تفكري كثيراً.. تلك كانت حادثة صغيرة.. لكنها لم تبارح مخيلتك من وقتها.. وقام عقلك الباطن بتأليف تلك الأحلام كي يجد متنفساً من تلك الذكرى"
قالت منار بعصبية "لا أصدقك.. هناك بقعة مظلمة في ذاكرتي.. وفي حياتي.. أجهل كل شيء حدث قبل أن أبلغ الخامسة من عمري.. من أنا؟ أين ولدت؟ من هم أبواي؟ لماذا تخليا عني لتقومي أنت ومهند بتربيتي؟ أين والديكما؟ لماذا نعيش في هذه البقعة المنعزلة حيث الكل يرانا غرباء؟ من أنا حقاً؟؟"
قالت أسيل وهي تقف "أنت اختنا منار طبعاً.. لا تدعي أفكارك تأخذك بعيداً.. انتظري عودة مهند وهو سيشرح لك كل شيء"
وخرجت مغلقة الباب خلفها لتقطع حبل النقاش.. فانطوت منار في سريرها مغمغمة "لو كان سيشرح لي لفعل ذلك منذ زمن.. لكن الجميع حريص على إخفاء كل شيء عني، غير عالمين أنهم بذلك يعذبونني"

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

كان المساء قد حل عندما دلف مهند إلى الدار، فتلقته أسيل سائلة "أين كنت يا مهند؟ قضيت النهار بطوله دون أن تأكل شيئاً"
قال مهند وهو يرمي جسده على أحد الكراسي "لقد بحثت عن سامر في أرجاء القرية كلها.. يبدو أنه لم يخبر أحداً عما جرى، فقد أخبرني الجميع أنهم رأوه مرتبكاً خائفاً يتلفت دون أن يتفوه بكلمة.. لكن لا أحد يعرف أين ذهب"
قالت أسيل "ربما انزوى ليفكر بالأمر.. كانت صدمة له ولا شك.."
قاطعها مهند قائلاً "بل لقد رحل إلى المدينة لإبلاغ الجيش"
هتفت أسيل "لا يمكن أن يفعل ذلك.. سامر شاب طيب وهو يحبنا.. لا يمكن أن يتسبب لنا بضرر"
نظر إليها مهند قائلاً بهدوء "لا تنسي أنه شخص يتجنب المتاعب، ولا يحب أن يزج نفسه في أي خطر.. الأكيد أنه خشي أن نصيبه بأذى لو وقع في أيدينا"
قالت أسيل بمرارة "كلا.. لا أستطيع تصديق ذلك"
فقال مهند "لقد قالت لي زوجة الحداد أبو سعيد أن سامر جاء إليه وألحّ عليه بالذهاب في سيارته إلى المدينة.. وقد ذهبا قبل أن آتي إليها بمدة.. فما الذي يجعله يغادر بهذه السرعة؟ لو أن القرية تملك تمديدات هاتفية لاتصل بالجيش وانتهى الأمر.. لكن لحسن حظنا أننا اخترنا قرية بدائية كهذه"
تساءلت "لحسن حظنا؟"
أجابها "سيستغرق سامر ثلاث ساعات ليصل إلى المدينة، وساعة أخرى ليصل إلى الجيش ويخبرهم بما عرفه ويدلهم على مكاننا، ثم ساعة أخرى لتصل إلينا عناصر الجيش باستخدام الطائرة المروحية.. وهي أسرع من السيارة بالتأكيد"
ونظر إلى ساعته قائلاً "طبقاً لتقديري فإنه الآن يقف أمام ضباط الجيش.. معناه أن أمامنا ساعة لنخلي المكان ونهرب"
قالت بقلق "كيف نهرب وليس هناك من وسيلة مواصلات إلا التي يملكها أبو سعيد؟"
أجاب بابتسامة "وما الذي تظنين كنت أفعله طوال عشر سنين؟ كنت واثقاً أن هذا اليوم سيأتي، واحتطت له جيداً"
لم تفهم قصده وهو يتلفت سائلاً "كيف هي منار؟"
قالت أسيل "إنها نائمة الآن.. لقد كادت تأكلني بأسئلتها.. بدأت تشك بكل شيء، وهي موقنة أننا نخفي أمراً"
قال مهند وهو ينهض "لا عليك منها.. سأتولى أمرها فيما بعد.. سأذهب لتناول لقمة أسد بها جوعي.. أما أنت فأريدك أن تجمعي أغراضنا الأساسية.. أوراقنا، أموالنا، وأي شي قد يدل على هويتنا.. يجب أن نرحل خلال عشرين دقيقة على الأكثر"
نهضت أسيل ملبية طلبه فيما توجه هو إلى المطبخ ليتناول بعض الطعام الذي برد، وخلال خمس دقائق كان يدلف إلى غرفة منار المظلمة ليراها نائمة في فراشها متدثرة لا يظهر منها إلا خصلات من الشعر العسلي.. فجلس على طرف سريرها متلمساً خصلاتها برقة، ثم همس "ألا زلت نائمة يا صغيرتي؟"
فتحت عينيها، وحالما رأته نهضت جالسة وهي تقول بقلق "كيف هو جرحك؟ ألا زال ينزف دماً؟"
ضحك من قلقها قائلاً "ليس لهذه الدرجة.. لم يكن جرحاً بليغاً بل هو أقرب للخدش.. لكن شكراً لاهتمامك.."
رجته منار هامسة "أرجوك.. لا تدعني أراك مجروحاً.. هذا يبث في رعباً شديداً لا أستطيع تمالكه"
أدرك مهند أن خوفها ناتج عن ذكرياتها عما حدث في طفولتها، فربت على كتفها قائلاً "عليك بتجاوز هذا الأمر يا منار.. تلك أحلام لا واقع لها من الصحة.."
أطرقت بحزن لم يخف عليه، فقال بسرعة ولهجة عملية "انهضي وتناولي بعض الطعام.. نحن مغادرون خلال ربع ساعة"
قالت بدهشة "إلى أين؟"
قال باقتضاب "سنغادر القرية.. إلى أي مكان آخر في هذا العالم"
نهضت واقفة متسائلة بقلق "لماذا؟ ما الذي حدث؟"
أجابها وهو يفتح الأدراج ناثراً ما فيها "لم يحدث شيء.. لكن ذلك اضمن لسلامتك وسلامتنا جميعاً"
قالت بإلحاح "ما الذي تقصده؟"
قال بحزم "هل لك في إطاعتي بصمت؟ ليس هذا وقت الأسئلة"
صمتت على مضض وهي تراه ينبش الخزائن ويجمع بعض الأوراق.. ثم نهضت خارجة من الغرفة لتجد أسيل تفعل الشيء ذاته في غرف المنزل كلها.. فوقفت قربها متسائلة "أسيل.. ما الذي يجري هنا؟ ما سر هذه الرغبة المفاجئة بالابتعاد؟"
قالت أسيل وهي منشغلة بعملها "لا أسرار.. هناك ظرف قاهر يدفعنا لذلك"
صاحت منار "مم نهرب؟ أجيبيني؟"
أتاها صوت مهند من خلفها يقول "ألن تكفـّي عن هذه الأسئلة؟ هيا سنغادر بعد قليل"
صمتت منار غير راغبة في مناقشته.. وبعد عشر دقائق كان الثلاثة يغادرون المنزل بعد أن أطفئوا أنواره، واتجهوا عبر طريق خلفي مرتقين أقرب الجبال، وقد حمل مهند على ظهره حقيبة بها كل ما يلزم لهروبهم..
بعد مسير صامت لفترة قصيرة، توقف مهند الذي كان يقودهم عن السير وقال "سندخل الآن كهفاً سيؤدي بنا إلى خارج سلسلة الجبال هذه.. لكنه سيكون سيراً شاقاً"
اتجه بهم إلى صخرة متوسطة الحجم، فزاحها بشيء من الجهد كاشفاً كهفاً غير مرتفع السقف حتى ليضطر داخله للانحناء.. فأشار لهما قائلاً "تقدماني وكونا حذرتين.. لا تشعلا الضوء إلا بعد أن أغلق الفتحة حتى لا نجذب انتباه أحد"
أسرعتا داخلتين بصمت إلى الكهف المظلم، فتبعهما مهند وقام بعدها بإعادة الصخرة إلى مكانها قدر الإمكان.. لكن نظراً لاختلاف موقعه ظلت فرجة صغيرة من الكهف ظاهرة.. فقال "لابد أنهم سيكتشفون أمر الكهف.. لكن ليس قبل عدة ساعات على الأقل، وهو وقت كاف لنا لنهرب"
أضاء مصباحه ذو السوار الذي يربط على رسغ اليد، ففعلت كل منهما الشيء ذاته ليتبدد جزء لا بأس به من ظلام الكهف.. ثم أعطى لأسيل الخنجر الذي أعده أبو سعيد قائلاً "سأمشي أنا في المقدمة وأنت في المؤخرة، ومنار تتوسطنا.. أمسكي هذا الخنجر للطوارئ، فالله وحده يعلم ما يمكن أن نواجهه.. ومسدسي لا يفيد في مكان ضيق كهذا"
أخذت أسيل الخنجر بوجه مضطرب، فسألها "ما الأمر؟"
قالت مرتجفة "لماذا علينا أن نمر بكل هذا مجدداً؟"
ألقى مهند نظرة خاطفة على منار التي اتسعت عيناها وهي تصغي لحوارهما، ثم قال "ليس هذا وقت النقاش.. فلنسرع"
وسار أمامهما وهما تتبعانه.. لا يسمعون إلا صوت أحذيتهم تتردد في جنبات الكهف العميق..

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

قبل عشر سنين

تفحصت أسيل جهاز ضبط التدفئة وهي تحاول تعديله قائلة "إنه يعمل بأقصى طاقته يا عمتي.. لا يمكنني رفع الحرارة أكثر من هذا"
قالت العمة العجوز وهي تهز كرسيها الهزاز أمام التلفاز قائلة "لكنني أشعر ببرد شديد.. عظامي لم تعد تتحمله"
ابتسمت أسيل مشفقة قائلة "البرد شديد هذه السنة.. سأحضر لك معطفاً من الصوف لتدفئتك"
وخرجت من الغرفة متجهة إلى موقع آخر في المنزل عندما سمعت طرقاً شديداً على الباب، فتجمدت في مكانها هامسة "من الذي يطرق بهذه الشدة في مثل هذا الوقت من الليل؟"
سمعت العجوز تصيح من غرفتها "من الذي يطرق يا أسيل؟"
أجابت أسيل "لا أدري يا عمتي.. سأرى حالاً"
وذهبت إلى الباب ضاغطة على الشاشة بجواره، فلم تر إلا ظلاً طويلاً لرجل يحمل شيئاً والأمطار تغرق الشاشة فتمنع الرؤية الواضحة.. مما زادها خوفاً وهي تقول عبر الجهاز "من الطارق؟"
سمعت صوتاً متقطعاً لم تفهم منه كلمة.. فصاحت "أفصح عن هويتك وإلا لن أفتح لك الباب.."
جاءها صوت متقطع تبينت منه "... يا أسيل.... أنا... مهند.. أخو...."
فاتسعت عيناها صائحة بشك "أخي مهند؟ أهو أنت حقاً؟"
أجابها "بلى..... بسرعة"
فأسرعت تفتح الباب بارتباك لترى مهند واقفاً وسط الظلام والأمطار تغمره.. وبين يديه فتاة في الخامسة من عمرها غائبة عن الوعي، وقد حلق شعرها ولف رأسها بضماد غطى نصف وجهها.. فشهقت أسيل قائلة "من هذه الفتاة يا مهند؟ وما بال ذراعك؟"
دلف مهند إلى المنزل مسرعاً وقال "أغلقي الباب بسرعة.."
أسرعت تغلق الباب والعمة تصيح من الداخل "من القادم يا أسيل؟"
أسرعت إليها أسيل باضطراب قائلة "هذا مهند يا عمتي.. لا تقلقي"
وغادرت غرفتها مغلقة الباب لتعود إلى مهند الذي وضع الفتاة المبللة على أحد الكراسي قائلاً "ألديك بعض الملابس لها؟ ولي؟"
أجابت أسيل وهي تتطلع إليه "لا نملك هنا أي ملابس لفتاة بعمرها.. ولا لشاب بطولك.."
ثم همست "مر وقت طويل يا مهند.. ما الذي ذكرك بي؟"
حدجها صامتاً، ثم قال وهو يجلس على كرسي آخر "احزمي ما تحتاجينه من متاع.. سترحلين معنا"
اتسعت عيناها بدهشة قائلة "إلى أين؟"
أجاب "لا أدري.. لكن لا أستطيع تركك هنا بمفردك.. لابد أنهم سيأتون بحثاً عنك"
تساءلت بقلق "من هم؟"
نظر إليها وقال "الجيش.. لقد هربت منهم.."
غطت فمها بذعر وهي تصيح "هربت؟ لكن لماذا؟"
نظر إلى الفتاة قائلاً "من أجل منار.."
هزته أسيل صائحة "وأبي؟"
أطرق مهند قائلاً "فليرحمه الله.."
سقطت أسيل جالسة أرضاً وهي تغمغم بذهول "توفي؟"
قال مهند "لا وقت لكل هذا.. يجب أن نغادر الآن.."
انسابت الدموع من عينيها هامسة "لماذا لم تنقذه من الموت يا مهند؟"
أجاب بخشونة "الموت لا يمكن تأجيله يا أسيل.. هيا، فالوقت يداهمنا"
حاولت أسيل منع نفسها من البكاء وهي تقف متسائلة "وماذا عن عمتي؟ ما الذي سيحدث لها؟"
قال مهند "لن يصيبها مكروه.. فهي لا تمت لنا بصلة دم.. لن يصيبوها بأذى"
همست وهي تغادر إلى غرفتها "أتمنى ذلك.."
توجه مهند إلى غرفة العمة العجوز وطرقه قبل أن يدلف قائلاً "كيف حالك يا عمة؟"
نظرت إليه العمة مبتسمة ببرود وهي تقول "ما الذي أتى بك إلينا في مثل هذه الساعة يا فتى؟"
أجاب مهند وهو يضع يديه في جيبه "لقد جئت لأخذ أسيل"
اتسعت عيناها بذعر قائلة "تأخذها؟ إلى أين؟ لماذا؟"
قال مهند "لقد حان وقت ذهابها معي.. لم تقصّري في تربيتها أبداً طوال هذه السنين.. لكنني لا أستطيع تركها هنا"
ظلت تنظر إليه عاجزة عن الحديث، عندما دلفت أسيل هامسة من بين دموعها "أنا جاهزة"
نظرت إليها العجوز قائلة بصوت مرتجف "أحقاً أنت راحلة؟"
ارتمت أسيل معانقة إياها قائلة "يجب أن أذهب.. كي لا يصيبك أي ضرر من بقائي معك"
سألتها العجوز "ماذا تقصدين يا ابنتي؟"
قبلتها أسيل قائلة "ليس هذا وقت الشرح.. لا أستطيع التعبير عن مدى امتناني وحبي لك.. لكنني سأعود يوماً ما.. ثقي بذلك يا عمتي"
وأمسكت يدها تقبلها والعجوز تقول "فليحفظك الله تعالى"
غادر مهند الغرفة وأسيل تتبعه مترددة، فيما مسحت العجوز دمعة من عينها هامسة "لمن أعيش بعد الآن وقد تركتني زهرة حياتي؟ فليحفظك الله تعالى يا أسيل"


~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

بعد مسير نصف ساعة بظهور منحنية، استدار الكهف بهم يميناً وارتفع سقفه سامحاً لهم بالاعتدال واقفين، بعد أن آلمتهم ظهورهم من الانحناء.. تطلع مهند إلى الفتاتين المتألمتين وقال "تحملا قليلاً.. لا يمكننا التوقف للراحة إلا بعد الوصول إلى مكان آمن"
سألته أسيل وهم يستمرون بالسير الحثيث "هل تملك فكرة عن المكان الآمن؟"
صمت مهند قليلاً ثم أجاب "ليس بالضبط"
فقالت بقلق "ماذا تعني؟ ما الذي سنفعله بعد الخروج من سلسلة الجبال؟"
أجاب مهند "لقد تفحصت الطريق بعد الجبال.. أملنا الوحيد هو في الوصول إلى جزيرة الأعاصير"
صاحت أسيل "جزيرة؟ لكن نحن في وسط البلاد.. أقرب ميناء يبعد عنا...."
قاطعها قائلاً "ثلاثة أيام بالسيارة.. أعرف ذلك.. لكن لا خيار أمامنا"
اعترضت أسيل قائلة "لكن مع المعلومات التي لدى الجيش سيضعون حواجز تفتيش في كل مكان.. لن نتمكن من الحركة بحرية.."
قال مهند بضيق "أعرف كل ذلك.. لكنني خططت للأمر جيداً في ذهني.. فهّلا وثقت بي؟"
صمتت أسيل على مضض بينما همست منار "مادام الحديث مسموحاً الآن، هلا شرح أحدكم لي الأمر؟"
لم يجبها الاثنان وهما يتجنبان النظر إليها، فأسرعت في خطوها حتى واجهت مهند وأوقفته قائلة "أنتم مدينون لي بتفسير ما يحدث"
قال مهند "ليس هذا وقته يا منار.. كل ما يمكنني قوله أن الجيش في أعقابنا الآن.. لذا علينا أن نهرب بأسرع ما نستطيع"
قالت مقطبة "الجيش يبحث عني أنا بالذات.. أليس كذلك؟"
لم يجبها وهو يقول "انتبها.. هذه المنطقة خطرة، قد تتهاوى الصخور في أية...."
قاطعته منار بغيظ "أنت تتهرب مني.. كلما سألتك راوغتني بينما لا تفعل ذلك مع أسيل.. لماذا؟"
قال بحدة "لأنني أرغب بحمايتك وتجنيبك ما لست بقادرة عليه.. لا أريدك أن تعيشي حياة تعيسة.. ألا يمكنك فهم هذا؟"
لم تجد منار ما تقوله وقد أذهلتها حدته وعصبيته، فتبعتهما صامتة وهي تقلب حديثه في عقلها محاولة إيجاد بصيص ضوء.. بعد ساعة كاملة وصل الثلاثة إلى فجوة هائلة وسط الطريق، تطلعت أسيل إلى قاع الفجوة فلم تر شيئاً لعمقها.. ثم نظرت إلى مهند الذي توجه إلى صخرة ثابتة قرب الفجوة وقد ربط عليها حبل ممتد إلى الطرف الآخر منها حيث ربط على أحد التشكيلات الصخرية الممتدة إلى سقف الكهف.. فسألته "كيف استطعت أن تربطه في الجهة المقابلة؟"
أجاب مهند "لن تعرفي المغامرة التي قمت بها كي أصل إلى هناك.. كدت أفقد فيها حياتي مع افتقاري للمعدات اللازمة"
غمغمت "ولم تبح لي قط بهذا؟"
أجابها "لم أرغب بإقلاقك بشيء كهذا.. تعالي فستكونين الأولى"
اقتربت لتراه يمسك بقطعة حديدية يمر الحبل عبرها، ومنها يتدلى حزام جلدي عريض، فقال لها "اجلسي على هذا الحزام وادفعي نفسك، وسيقوم بالانزلاق إلى الجهة الأخرى بيسر.. لأنها تقل في الارتفاع عن هذه الجهة.. ولا تخافي فقد جربتها عدة مرات"
فعلت كما يقول لها.. ووقفت قرب الحافة بقلق، قبل أن تلتفت إليه متسائلة "وماذا ستفعلون أنتم؟"
أجابها "هناك حبل مربوط بقطعة الحديد هذه، ومتى انتهيت منها فسأقوم بسحبها إليّ من جديد"
فغمغمت "ولم أنا الأولى؟.."
أجابها بشيء من الضيق "أنا مضطر للبقاء للاطمئنان أنكما ستستخدمان الزلاجة هذه بالشكل الصحيح، وتحسباً لأي خطر يأتينا من خلفنا"
عاودت النظر إلى الهوة بشيء من القلق، فشجعها قائلاً "هيا أسرعي، لا نملك الوقت كله لتأمل المكان"
تمتمت أسيل بكلمات لم يسمعوها، ثم أغمضت عينيها وهي تدفع نفسها متجاوزة الحافة.. فانزلق بها المزلاج البدائي وهي تحبس أنفاسها حتى وجدت قدمها تلامس أرضية الكهف، عندها فتحت عينيها وهي تقف متنهدة بارتياح.. نزلت عن الحزام الجلدي صائحة لمهند "يمكنك سحبه الآن.."
فجذب مهند المزلاج بسرعة.. ولم يمض وقت طويل حتى كان الثلاثة يقفون معاً وأسيل تقول "ماذا الآن؟"
قال مهند "سنكمل طريقنا.. بقيت أمامنا ساعة واحدة تقريباً لنخرج من الكهف إلى الجهة الثانية من الجبال"
عندها قالت أسيل "ألا نأخذ قسطاً من الراحة؟ انظر إلى وجه منار المتعب.. لن تتحمل هذا المجهود بلا شك.."
لم تنبس منار بكلمة ومهند يحدجها بنظرة متفحصة، ثم قال "لا بأس.. لكن لعشر دقائق فقط"
جلست أسيل بارتياح وإلى جانبها منار، بينما أنزل مهند حقيبته وناول كلاً منهما بعض الماء.. ثم جلس مسنداً رأسه إلى جدار الكهف متجاهلاً نظرات منار المتسائلة والتي تحاصره بها كلما التقت عيناهما.. لم يدر حتى متى يمكنه مراوغتها والتكتم على الأمر.. لكن ما يخفيه في صدره، والذي لا تعلم أسيل إلا شذرات عنه، كفيل بأن يغير حياة منار تماماً، ويغير علاقتها به وبأسيل وقد يدمرها.. وهو ما ليس بقادر على تحمله..
ملأت المرارة حلقه وهو يتذكر بدايات الأمر كله.. أحقاً هو من ساقها لذلك العذاب بنفسه؟ لا يمكنه الآن أن يصدق أنه كان بتلك القسوة وانعدام الرحمة..

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

قبل اثنتي عشرة سنة

طرق الباب بشيء من القوة في منزل صغير وسط ضاحية هادئة من العاصمة، وبعد لحظات فتحت الباب شابة تطلعت إلى مهند، وعلى الفور ارتسم القلق على محياها وهي تقول بارتباك "أنا في خدمتك أيها الضابط.. ما الأمر؟"
سألها مهند بلهجة جامدة "هل أنت السيدة منى أحمد زوجة مهندس الاتصالات عمر خالد؟"
أجابت متلفتة خلفها بقلق "نعم.. هي أنا، ما الأمر؟"
قبل أن يقول مهند كلمة أخرى ظهر من خلف الشابة رجل وقال عاقداً حاجبيه "أنا عمر خالد.. ماذا تريد أيها الضابط؟"
لاحظ مهند أنهما لم يكونا يتجاوزانه بالعمر إلا بست أو سبع سنين، لكن ملابسه والشارات عليها كانت تعطيه سلطة مطلقة عليهما وهو يقول بلهجة آمرة "أنتما مطلوبان للمثول أمام قادة مركز القيادة التكنولوجية.. فوراً والآن"
تطلع الزوجان إلى بعضهما البعض بقلق وعمر يقول "ما السبب؟ هل هم بحاجة لخبراتي في العمل أم ماذا؟"
ظهرت من خلفهما في تلك اللحظة فتاة لا تزيد عن الثالثة من عمرها وهي تتهادى في خطوها وشعرها العسلي يلتمع بنور الشمس وهي تلتصق بمنى وتشير بإصبعها خلف مهند صائحة "ماما.. سيارة"
ابتسم مهند باستخفاف وهو يقول "أهذه ابنتكما منار؟"
ضمت منى ابنتها إلى صدرها وهي تقول بشيء من الذعر لسبب مجهول "وهل تعرف اسمها أيضاً؟"
أجاب مهند وهو يعود لوقفته الجامدة والابتسامة الباهتة تذوب فوق شفتيه "في الواقع القيادة التكنولوجية تريد هذه الفتاة بالذات"
اتسعت عينا الزوجان بهلع وعمر يصيح "لماذا؟ ما الذي يريدونه من ابنتي؟"
أجاب مهند ببطء وكأنه يستلذ بتعذيبهما "في الواقع، ابنتكما هي واحدة من مجموعة اجتازت اختبارات الصلاحية التي أقامتها القيادة التكنولوجية على الأطفال منذ أسبوع.. لذلك ستنضم هي وباقي المجموعة إلى مركز القيادة التكنولوجية في الوقت الحالي"
امتزجت الحيرة بالذعر ومنى تسأل بصوت مرتجف "أي اختبارات؟ منار لم تخضع لأي اختبارات منذ أسبوع.."
أجاب مهند "بلى، أجريت لها بعض الاختبارات في المركز الصحي لهذه المنطقة.."
شهقت منى وهي تصيح "لكن.. معنى هذا أنكم خدعتمونا.. لم تكن تلك الاختبارات خاصة بأحد أمراض الأطفال.."
لم يرد مهند عليها وعمر يقول بغضب "ستدفعون ثمن ذلك.. سأقاضيكم ولو دفعت أموالي كلها.."
أبتسم مهند بجانب فمه وهو يشد جسده قائلاً "ستفعل؟"
فوجئ الزوجان بمجموعة من الجنود تحيط بهما وهم يشهرون أسلحتهم في وجوههم، وعلى الفور قبضوا عليهم وسط مقاومة الزوجين ومهند يقول "المقاومة ليست في صالحكم.. هكذا تثبتون للقيادة أنكم لا تنوون إبداء أي تعاون معهم، وهي إشارة سيئة"
صرخ عمر مقاوماً الجنود "ما الذي تريدونه من ابنتي؟ ما الذي ستفعلونه بها؟"
اقترب مهند منه وغمغم في أذنه ببرود "حقاً لن ترغب بمعرفة هذا أبداً"
قبل أن يجيبه عمر فوجئت منى بزوجها يتهاوى على الأرض حيث حمله الجنود إلى سيارتهم المدرعة، في نفس اللحظة التي شعرت بوخزة في مؤخرة رقبتها شهقت لها قبل أن يتلاشى المكان المحيط بها، وآخر ما تذكره قبل أن تتهاوى هو صراخ منار المذعور وهي في قبضة أحد الجنود، وابتسامة صارمة جامدة أعطت لصاحبها سنين من العمر تتجاوز ما عاشه فعلاً..

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~



اضغط هنا للبحث عن مواضيع ~خيال~

توقيع ~خيال~

رواياتي

[سجل معنا ليظهر الرابط. ]

[سجل معنا ليظهر الرابط. ] - [سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ] - [سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]


مدونتي




التعديل الأخير تم بواسطة ~خيال~ ; 11-09-2012 الساعة 07:52 AM
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 16-04-2012, 10:53 PM
سيف الله المسلول سيف الله المسلول غير متواجد حالياً
Banned
 
تاريخ التسجيل: Mar 2012
الدولة: مصرنا العزيزة
النوع: ذكر
المشاركات: 34
نقاط التقييم : 50
افتراضي رد: ~عين الأسير~ رواية خيال علمي



قصة جميلة


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 17-04-2012, 12:16 PM
الصورة الرمزية ~خيال~
~خيال~ ~خيال~ غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
الدولة: عالم الخيال
النوع: أنثى
المشاركات: 969
نقاط التقييم : 163
افتراضي رد: ~عين الأسير~ رواية خيال علمي



شكراً على مرورك وردك الجميل..



اضغط هنا للبحث عن مواضيع ~خيال~

توقيع ~خيال~

رواياتي

[سجل معنا ليظهر الرابط. ]

[سجل معنا ليظهر الرابط. ] - [سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ] - [سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]


مدونتي



رد مع اقتباس
  #6  
قديم 17-04-2012, 02:09 PM
الصورة الرمزية فتاة الغروب
فتاة الغروب فتاة الغروب غير متواجد حالياً
كاتبة

الوسام البرونزى 2  


/ قيمة النقطة: 10

التميز الذهبى  


/ قيمة النقطة: 30

التميز الفضى  


/ قيمة النقطة: 20

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

التميز الذهبى  


/ قيمة النقطة: 30

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10

التميز البرونزى  


/ قيمة النقطة: 10

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10

وسام الإبداع  


/ قيمة النقطة: 10
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: أطهر البقاع مكة المكرمة
النوع: أنثى
المشاركات: 11,542
نقاط التقييم : 4656
افتراضي رد: ~عين الأسير~ رواية خيال علمي



التهمت الحروف التهامًا
يبدو أنها رائعة
متحمسة للغاية للتتمة



دمتِ مبدعة



اضغط هنا للبحث عن مواضيع فتاة الغروب

توقيع فتاة الغروب

.
.
اللهم إنا استودعناك أهلنا واخوتنا في أراكان وغزة وتركستان الشرقية
وسوريا والعراق وأفريقيا الوسطى وفي كل مكان . اللهم احفظهم بحفظك
واحرسهم بعينك التي لاتنام . اللهم لاترنا بهم مكروها يا رب العالمين




رد مع اقتباس
  #7  
قديم 17-04-2012, 03:46 PM
الصورة الرمزية ~خيال~
~خيال~ ~خيال~ غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
الدولة: عالم الخيال
النوع: أنثى
المشاركات: 969
نقاط التقييم : 163
افتراضي رد: ~عين الأسير~ رواية خيال علمي



اتمنى ان تكون بمستوى توقعاتك.. والا تخيب ظنك في النهاية..
شكرا على العبارات المشجعة..



اضغط هنا للبحث عن مواضيع ~خيال~

توقيع ~خيال~

رواياتي

[سجل معنا ليظهر الرابط. ]

[سجل معنا ليظهر الرابط. ] - [سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ] - [سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]


مدونتي



رد مع اقتباس
  #8  
قديم 18-04-2012, 10:32 PM
maielhussein maielhussein غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الرياض
النوع: أنثى
المشاركات: 203
نقاط التقييم : 51
افتراضي رد: ~عين الأسير~ رواية خيال علمي



رائعة جدا
متابعة معكي بكل شغف
خاصة أنني من محبي روايات الخيال العلمي


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 19-04-2012, 04:32 AM
الصورة الرمزية ~خيال~
~خيال~ ~خيال~ غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
الدولة: عالم الخيال
النوع: أنثى
المشاركات: 969
نقاط التقييم : 163
افتراضي رد: ~عين الأسير~ رواية خيال علمي



رائع
كسبت المزيد من المتابعين
maielhussein
شكرا لك مرورك وردك الجميل



اضغط هنا للبحث عن مواضيع ~خيال~

توقيع ~خيال~

رواياتي

[سجل معنا ليظهر الرابط. ]

[سجل معنا ليظهر الرابط. ] - [سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ] - [سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]


مدونتي



رد مع اقتباس
  #10  
قديم 19-04-2012, 06:36 AM
الصورة الرمزية ~خيال~
~خيال~ ~خيال~ غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
الدولة: عالم الخيال
النوع: أنثى
المشاركات: 969
نقاط التقييم : 163
افتراضي رد: ~عين الأسير~ رواية خيال علمي



الفصل الثالث: المطاردة

أطلت أم سعيد من نافذة دارها المجاورة للشارع الوحيد في القرية، وتأملت نهاية الشارع التي تغوص بين الجبال بقلق، ثم التفتت إلى ابنها سعيد الجالس باسترخاء وسط الدار يقضم بعض الفاكهة.. فقالت بغيظ "ألا تذهب لترقب عودة أبيك؟ ليس معتاداً على الذهاب إلى المدينة في وقت متأخر من النهار.. وهو بالتأكيد قد تأخر"
قال سعيد ذو الخامسة عشر من عمره "لا تقلقي هكذا.. مع هذا الظلام سيقود أبي ببطء شديد.. ولن يصل قبل منتصف الليل"
قالت الأم بقلق وهي تعود للتطلع إلى الشارع "وهذا ما يزيد خوفي.. فأبو سعيد لم يتعود أو يحب القيادة ليلاً.. أخشى أن يصيبه مكروه"
ثم قالت بضيق "ما كان عليه أن يطيع سامر.. ما حاجته للذهاب إلى المدينة في ذلك الوقت؟ لقد ضيّع يوم أبي سعيد بلا فائدة"
همّ سعيد بالتعليق بملل عندما تناهى إلى سمعهما صوت هدير في السماء.. فقفز سعيد واقفاً وركض خارج المنزل ومعه أمه وهما يتطلعان إلى السماء بدهشة وقلق، في نفس اللحظة التي فتحت فيها نوافذ أغلب منازل القرية وأصحابها يرفعون أبصارهم ويتجادلون بدهشة عارمة.. وبعد لحظات تراءت لهم خمس طائرات مروحية من خلف الجبال، وأنوارها تضيء منازل القرية..
كان من النادر أن تمر عند القرية أو فوقها طائرات من أي نوع، فكان هذا حدثاً جديراً بالفرجة وإن أخذوا جانب الحذر بأن امتنعوا من الجري خلفها وهي تبتعد مرتفعة إلى حيث انتصب منزل مهند.. فتزايد الهمس واللغط بين القرويين فيما وضعت أم سعيد يدها على قلبها وهي تغمغم "ما هذه المصادفة؟ أخشى أن تحمل هذه الطائرات فألاً سيئاً"
ثم جذبت ابنها سعيد قائلة "أسرع إلى هناك واستكشف الأمر.. قد يحملون أنباء عن والدك"
قال جار لهم بسخرية "اهدئي يا أم سعيد.. ألم تري شعار قوات الجيوش الموحدة على الطائرات؟ لا أظن أن أخبار أبي سعيد بهذه الأهمية ليرسلوا هذه الطائرات"
غمغمت أم سعيد "وما أدراك أيها السفيه؟"
أشارت إحدى الجارات قائلة "لماذا استهدفوا منزل مهند وأخواته؟ هل يبحثون عن موقع للهبوط؟"
أجابها رجل آخر "لو كان كذلك لهبطوا في ساحة القرية فهي أنسب المواقع.. لابد أن أمراً يخص مهند قد أحضرهم"
انبرى الجار الأول يقول بلهفة "كنت أعلم أن ذلك الشاب يخفي أمراً.. فمنذ جاءنا منذ عشر سنين وهو لا يخالط أحداً.. لم يحاول حتى تبرير سبب مجيئه المفاجئ إلى مكان مقطوع كهذا.. بل انزوى في ذلك المنزل المهجور مع أختيه ولم يكلف نفسه بطلب مساعدة أحد لترميمه"
أسرعت إحدى الجارات لتقول "ثم إن تلك الفتاة لتثير الذعر في نفسي.. أترون لون عينيها المختلفين؟ إنها لتبدو أقرب لقطة شريرة، كما إن لون شعرها غير معهود في هذه الأرجاء.. إنها أقرب لساحرة منها لفتاة صغيرة"
انبرت جارة أخرى تقول "أرأيتم كيف نظرت ذات يوم إلى الصبي ابن أبي كريم.. ويومها سقط الفتى مريضاً بحمى أسبوعاً دون أن يستطيع أي دواء شفاءه.. إنها عينها الخضراء تثير الشر أينما نظرت"
تبادل الجميع معتقداتهم عن منار باهتمام واستمتاع بينما أشاحت أم سعيد مغمغمة "ليتكم تعلمون طيبة قلبها كما أعلمها.. ليس من شر سوى الذي يسكن قلوبكم أيها التعساء"
في تلك الأثناء، وفور أن هبطت الطائرات الخمس قرب منزل مهند.. هبطت منها ثلة من جنود الجيش بعتادهم وانطلقوا بشكل مدروس يحيطون بالمنزل المظلم.. ثم نزل قائدهم صامتاً يتأمل المكان، ومن خلفه نزل سامر بخطوات قلقة خائفة، ثم غمغم "هذا منزلهم.. أعتقد أن دوري قد انتهى بهذا.."
أشار إليه القائد بحدة ليصمت، ثم أعطى علامة الانطلاق إلى الجنود، فهجموا على المنزل من كل الجهات يفتشون كل زاوية فيه.. لكن لم تمض دقائق حتى جاء أحد الجنود إلى القائد قائلاً "المنزل خال أيها القائد.."
عقد القائد حاجبيه وقال لسامر "يبدو أن ردة فعلك كانت واضحة أكثر من اللازم.."
انكمش سامر على نفسه بقلق والقائد يقول للجندي "فلينتشر بعض الجنود في المكان ويبحثوا عنهم، ولتنطلق الطائرات باحثة في الجبال.. لابد أنهم اختبئوا في الجوار فلا مكان لهم ليهربوا إليه"
أدى الجندي التحية وأسرع ينقل الأمر لبقية الجنود.. بينما قال القائد لسامر "أتعلم شخصاً في القرية له علاقة صداقة بمهند قد يحاول تخبئته؟"
هز سامر رأسه نفياً وقال "لقد كنت صديقه الوحيد، أو هكذا ظننت.. فهو لم يحاول إقامة علاقات مع أحد، وانغلق مع أختيه في هذا المكان المنعزل"
ابتسم القائد ساخراً وقال "يا للسخرية.. منذ عشر سنين خان مهند صديقه وتسبب في إعدامه بتهمة التساهل مع خائن.. والآن يخونه صديقه الوحيد ويقوده للإعدام"
وضحك بقسوة أثارت رجفة في جسد سامر دون أن يتجرأ على التعليق.. ولما صمت القائد غمغم سامر "أيمكنني الذهاب؟"
نظر إليه القائد مبتسماً وسأله "لم تخبرني.. من غيرك يعلم بحقيقة مهند والفتاة التي معه؟"
أجاب سامر بلهفة "لا أحد.. أعلم أن هذا الأمر يعد ضمن الأسرار العسكرية، لذلك لم أخبر أحداً.. حتى أبو سعيد الذي قام بتوصيلي لا يعلم شيئاً"
هز القائد رأسه راضياً وهو ينظر إلى جندي يقف قربهما مستعداً وغمغم "هذا يقلص خطر انكشاف أمرنا"
وأشار إلى الجندي قائلاً "أدّ مهمتك.."
نظر سامر بسرعة إلى الجندي ليراه يشهر سلاحه في وجهه، فصاح وقد فهم الأمر "لكن لماذا سيدي القائد.. لقد أخبرتكم بكل ما أعرفه فلماذا تحاول قتلي؟"
أجاب القائد بصراحة "حتى لا ينتشر خبر عثورنا على الفتاة، فأمرها من ضمن الأسرار العسكرية فائقة السرية"
صاح سامر وهو يتراجع "لكنكم نشرتم إعلاناً منذ عشر سنين.. العالم كله يعرف أنكم تبحثون عنها"
ابتسم القائد قائلاً "ذلك الإعلان أدى الغرض المطلوب منه.. تجنيد المغفلين أمثالك للبحث عنها أحدهما.. والأمر الثاني إعلام الجهات العليا بأن الفتاة لم تعد لدينا"
وضاقت عيناه مضيفاً "ونريدها أن تظل معتقدة بأننا لم نجدها"
صاح سامر باسترحام "أرجوك.. لا تقتلني.. لا.."
قطع صياحه صوت طلق ناري أسكته للأبد، فقال القائد "ادفنه.. لا أريد لأحد أن يعلم بأنه جاء معنا"
صدع الجندي بالأمر والقائد يغمغم متطلعاً إلى المنزل "وأخيراً يا مهند.. وقعت في يدي"

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

خرج الثلاثة من فتحة الكهف ليجدوا أنفسهم في الجانب الآخر من سلسلة الجبال، وأمامهم يمتد سهل واسع لا أثر للحياة فيه، فغمغمت أسيل "طريقنا كان سهلاً بطريقة غريبة.. لم يعترضنا شيء ولم يلاحقنا أحد"
قال مهند وهو يزيح صخرة ليسد المخرج الذي جاءوا منه "لا تتفاءلي كثيراً.. لقد جربت الممر عدة مرات لأتأكد من سلامته.. لكنني لا أضمن ألا يلاحقنا أحد.. هذا هو أنسب الأوقات لو أرادوا فعل ذلك، فلابد أنهم انتهوا من تفتيش القرية، لو كان تقديري صحيحاً"
تساءلت منار بقلق "هل سيكون أهل القرية على ما يرام؟"
أجاب مهند "لا أدري حقاً.. فلم أعد أعرف ما يدور برؤوس رجال الجيش.."
سألت أسيل بقلق أكبر "وسامر.. هل سيكون بخير؟"
قال مهند وغضب بادٍ على وجهه "لا أعلم.. وعليك أن تصرفي تفكيرك عن هذا الشاب.. فلن يعود لك أبداً"
اعترضت أسيل قائلة "لماذا تقول هذا؟ لربما انحلت المشاكل وعاد سامر إلينا.. إنه شاب طيب رغم كل شيء"
صاح مهند بغضب "قلت اصرفي تفكيرك عنه.. لم يعد ذلك الشاب يناسبك أبداً"
قالت أسيل "ولكن.."
صاح مهند "أنا لن أرض بتزويج أختي إلى خائن.. عليك أن تدركي ذلك الآن.. هذا الشاب الذي كان يوماً ما خطيبك خاننا، وأراد تسليمنا إلى مشنقتنا.. ما كان يضره لو جلس واستمع للحكاية من دون إطلاق الأحكام؟.. أنا قمت بلغيه من قاموس الصداقة.. وعليك بفعل شيء مماثل"
أجهشت أسيل بالبكاء فأسرعت منار إليها تضمها وهي تقول لمهند بعتاب "لماذا تقسو عليها يا مهند؟ ألا تراعي مشاعرها؟"
قال مهند دون أن يلتفت إليهما "علينا الإسراع في سيرنا قبل أن يجدونا.."
صاحت أسيل خلفه وسط بكائها "وما أدراك أنه قام بالتبليغ عنا؟ ربما غير رأيه بعد تفكير ولم يفعل.. وربما كان رحيله لسبب آخر.."
قاطع حديثهم صوت طائرة مروحية تقترب، فصاح مهند فيهما "اختبئا خلف الصخور.. احمي منار يا أسيل"
أطاعتاه وهما تختبئان خلف صخرة ضخمة أخفتهما عن الأنظار، في نفس اللحظة التي ظهرت فيها الطائرة من خلف الجبال فوقهم تماماً وهي تسلط نورها وسط الظلام.. شهقت الفتاتان بفزع وهما تريان شعار الجيش على الطائرة فيما صرخ مهند وهو يراقب الطائرة "مهما حدث، إياكما أن تظهرا أو يشعر بوجودكما أحد.. أسمعتما؟"
صاحت أسيل "ما الذي ستفعله؟"
صاح فيها بغضب "أطيعيني دون مناقشة.. أخفوا أنفسكم جيداً"
وأخرج مسدسه بسرعة فيما الطائرة تستدير في الجو لتواجهه، فهمست منار بصوت مرتجف "ما الذي يحاول فعله؟ سيقتلونه.."
هدأتها أسيل وهي تراقب ما يفعله مهند بقلب واجف.. كانت الطائرة قد اقتربت من مهند الذي وقف ثابتاً مصوباً مسدسه في منظر بدا سخيفاً للقوة التي تبدو عليها الطائرة مقارنة بمسدسه الصغير.. لكن مهند لم يرتبك وهو يطلق رصاصة شقت السماء واخترقت الزجاج الأمامي للطائرة لتستقر في كرسي قائد الطائرة لا تبعد بضع مليمترات عن خوذته.. فصاح القائد "تباً لك.. لست هيناً أبداً"
وأطلق رشاشات الطائرة بكثافة باتجاه مهند الذي ركض بعيداً عن موقع الفتاتين وأحد الجنود الأربعة الذين في الطائرة يصيح بقائدها " لا تقتله.. لازلنا نجهل مكان الفتاتين.."
قال القائد "لا تخف.. سأعيقه عن الهرب.. والفتاتان في مكان قريب ولا شك.."
وانخفض بالطائرة أكثر ورصاصاته تنهمر على مهند الذي حاول المناورة بين الصخور رغم خطر ركضه في منطقة منحدرة كهذه، والقائد يغمغم "لن تفلت أبداً.."
هوى مهند في تلك اللحظة وتدحرج أرضاً قبل أن يستقر أسفل الجبل بعنف وحركته تهمد تماماً.. فصاح قائد الطائرة "أتمنى أن تكون حياً أيها الوغد، مازال أمامنا حديث طويل"
وقال للجنود الأربعة الذين معه "حان الوقت يا شباب.. فور نزولنا فتشوا المنطقة جيداً قبل أن تهرب الفتاتان من بين أيدينا.."
في تلك اللحظة كانت منار تصيح وهي تقف "يا إلهي.. لقد أصيب مهند.."
جذبتها أسيل وهي تقول بصوت مرتجف "اجلسي يا منار.. لا يجب أن يرونا"
دمعت عينا منار وهي تجلس وتهمس باكية "لا تمت.. أرجوك لا تمت يا مهند"
لكن مهند لم يتحرك من مكانه، بينما أكملت الطائرة دورة واستعدت للهبوط مثيرة الغبار في كل مكان.. وحالما استقرت أرضاً خرج الجنود منها ليتجه اثنان إلى مهند بينما تفرق الآخران بحثاً عن منار وأسيل.. انحنى أحد الجنديين على جسد مهند وأداره ليواجهه وتفحصه بسرعة.. كانت الدماء تنزف من رأسه ومن أماكن متفرقة من جسده، بينما لازال قلبه ينبض.. فقال الجندي "يبدو مغمى عليه فإصاباته بليغة.. لكنه لازال حياً.."
وأشار لرفيقه مضيفاً "احمله إلى الطائرة وقيده فيها قبل أن يستيقظ.."
حمله الجندي الثاني عائداً إلى الطائرة بينما انضم الأول إلى رفاقه في البحث.. وفور أن وصل الجندي حاملاً مهند إلى الطائرة حتى رماه داخلها قائلاً للقائد وهو يستخرج القيد الإلكتروني "أبلغ القيادة بعثورنا على الهارب، وبقي علينا إيجاد الفتاتين.."
لكن ركلة أصابته في وجهه ومهند يقول "ليس بعد.."
التفت قائد الطائرة بدهشة لتصيبه لكمة في وجهه ليرتطم بجانب الطائرة تبعتها ضربة على مؤخرة رأسه أفقدته الوعي على الفور، بينما قفز مهند إلى الجندي الأول قبل أن يتمالك نفسه وعاجله بضربتين قبل أن يصدر صوتاً، ثم لكمة عنيفة أسقطته أرضاً والدوار يكتنفه.. ولم يشعر إلا بمهند يحيط يديه خلف ظهره بالقيد الإلكتروني وهو يغمغم "حتى بعد مرور عشر سنين مازلتم بدون كفاءة تذكر.. ما الذي يدربونكم إياه؟"
وجذبه ليعيده إلى داخل الطائرة قبل أن يلاحظ بقية الجنود ما حدث، وأخذ يفتش الطائرة بسرعة والجندي يقول له من بين دواره "لن تستطيع التغلب علينا جميعاً أيها الخائن.."
استخرج مهند مسدساً طويل الفوهة وهو يقول بابتسامة للجندي "شكراً لكم لإحضاركم هذا"
همّ الجندي بالصراخ لكن مهند عاجله بطلقة في جانب رقبته شهق لها الجندي وهو يتجمد للحظات قبل أن يسقط رأسه على صدره فاقداً للوعي، فاستدار مهند إلى قائد الطائرة وهو يغمغم "مسدس التخدير هذا أضمن من ضربة يدي.. لا مفر من فقدان الذخيرة على هؤلاء الجنود"
وأطلق عليه طلقة مشابهة قبل أن يجره والجندي الآخر ويرميهما خارج الطائرة، ويعود ليجلس على كرسي القيادة وهو يستعيد ما تعلمه منذ زمن عن قيادة الطائرة رغم التغير الذي طرأ على لوحة التحكم بسبب تقدم العلم خلال عشر سنين..
في تلك اللحظة كانت أسيل ومنار في مخبئهما لا تجرؤان على النظر خارجاً أو حتى على الهمس بعد أن رأتا انتشار الجنود بحثاً عنهما وأسيل تتمسك بالخنجر الذي أعطاها إياه مهند بيد مرتجفة.. لكن عيونهما كانت تفضح الرعب الشديد بداخلهما من القبض عليهما وما يتبعه من أخطار.. مرت دقائق طويلة بدت لهما كدهر وهما تنصتان لكل صوت داعيتان أن تحدث معجزة تخلصهما مما هم فيه..
لكنهما فوجئتا بأحد الجنود يعتلي الصخرة التي تختبئان خلفها وهو يشهر سلاحه في وجهيهما صائحاً لرفاقه "لقد وجدتهما أخيراً.."
وأشار لهما ليخرجا قائلاً بغلظة "تحركا هيا، ولا تقوما بأي فعل غبي.."
صاحت أسيل مرتجفة وهي ترفع الخنجر محذرة "لا تقترب منا.."
ضحك الجندي وهو يركل يدها ليلقي الخنجر بعيداً مغمغماً "يا للغباء.."
وأشار لهما إشارة واضحة، فوقفت الاثنتان رغم رجفة اجتاحت جسديهما، وخرجتا من المخبأ لتريا بقية الجنود يحثون السير إلى موقعهم.. فأرسلت منار ببصرها إلى الطائرة بحثاً عن مهند بيأس، بينما الجندي يتأملهما لثوان، قبل أن يجذب منار قائلاً لرفاقه "أعتقد أن هذه هي الفتاة المطلوبة"
حاولت منار التملص منه وجندي آخر يقول ناظراً إلى أسيل "يبدو كذلك، فالأخرى أكبر سناً من أن تكون مناسبة.."
عندها رفع الأول سلاحه في وجه أسيل قائلاً "إذن لا حاجة بنا لوزن زائد.. القائد يريد هذه الفتاة والضابط الخائن فقط"
شهقت أسيل وهي تتراجع بينما صاحت منار "اتركها ولا تؤذها.."
قال الجندي بسخرية "بأي حق تأمرينني؟"
لكن الجندي الآخر جذب سلاحه بعيداً وهو يقول "ليس بعد.. لا تقتلها الآن.."
قال جندي ثالث "هل تقول إن علينا تركها؟ ماذا سنقول للقائد؟"
أجاب الثاني بابتسامة خبيثة "سنقول إننا أتممنا مهمتنا وقضينا على هذه الفتاة، لكنني في الواقع سآخذها معي.."
ولكز رفيقه مضيفاً "ستكون الفتاة رسمياً قد ماتت، ولن يأتي أحد ليطالب بها أبداً"
انتفضت أسيل برعب والنظرات تحيط بها عندما صاحت بها منار "اهربي يا أسيل.."
استجابت أسيل تلقائياً وهي تستدير وتركض بأقصى ما تستطيع رغم معرفتها بكونها هدفاً سهلاً، فتعالت ضحكات الجنود وأحدهم يقول "يبدو أن لدينا فرصة لنمرح قليلاً.."
قبل أن يتحرك أحدهم تعالى صوت الطائرة وهي ترتفع من موقعها، فغمغم أحدهم "يبدو أنهم مستعجلون للرحيل.."
مطّ الجندي الأول شفتيه وهو يقول موجهاً سلاحه إلى أسيل "معنى هذا ألا وقت لدينا للألاعيب.. هذه الفتاة يجب أن تموت الآن.."

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

أدى الجندي التحية لقائده وهو يقول "سيدي، جميع الطائرات قد انتهت من تفتيش الجبال المحيطة دون نتيجة إيجابية.."
قال القائد وهو مسترخ على كرسيه في ساحة القرية "فليستمروا بالبحث.. إنهم لا يملكون وسيلة مواصلات وسيستغرقون وقتاً للخروج من الجبال.."
قال الجندي دون أن يتحرك "سيدي.. الفرقة ج-5 لم تقدم تقريرها بعد.. وهم لا يستجيبون لاتصالاتنا"
قطّب القائد معلقاً "ربما نزلوا من الطائرة لسبب من الأسباب"
قال الجندي "قائد الطائرة لا يترك طائرته أبداً.."
أسند القائد رأسه على قبضته وهو يغمغم "هذا حق.. هناك شيء مريب يحدث عندهم ولاشك"
وأضاف للجندي "أؤمر الفرقتين ج-3 وج-6 التوجه إلى موقع الفرقة ج-5 حالاً، وليرسلوا لي بتقرير سريع قبل أن يتصرفوا بأي تصرف مهما كان الأمر"
أدى الجندي التحية قبل أن ينصرف مسرعاً، بينما تطلع القائد إلى أهالي القرية الذين تم جمعهم في ساحة القرية والجنود يفتشون المنازل بدقة.. ثم قال "هل يعلم أحدكم ممراً يجتاز الجبال من القرية إلى الخارج؟ من يجيبني أضمن له حياته.."
تململ الجمع بقلق وهم ينظرون لعمدة القرية الذي تقدم قائلاً بغضب "ليس قبل أن تخبرونا سبب كل هذه الفوضى.. ما الذي يجري هنا؟"
أجاب القائد "الذي يحدث هو أنني أحاول الحفاظ على أمنكم.. مهند هو مجرم فار، وقد قتل عدداً لا بأس به من الجنود في الجيش.. يجب أن نجده قبل أن يمارس هوايته على أهالي القرية الذين لا حول لهم ولا قوة"
هتف العمدة بلا خوف "هراء.. لقد قضى مهند معنا عشر سنين لم يمس شعرة من طفل هنا.. لماذا تبحثون عنه بهذه الطريقة؟ ولماذا تعرضون حياة أهالي القرية للخطر؟"
اعتدل القائد في كرسيه وهو يقول بصرامة "حقاً إنكم ناكرو الجميل.. على العموم لم تأتني أية تعليمات بالحفاظ على حياتكم، ولن يلومني شخص لو أمرت بإعدامكم جميعاً.. لكن هذا مرتهن بتعاونكم معنا"
انتفض أهالي القرية وهم يتراجعون، بينما ضمّت الأمهات أبنائهن بخوف والعيون تلتصق برشاشات الجنود المصوبة تجاههم.. لكن هذا التهديد لم يخف العمدة الذي قال "لن أتعاون معكم ما لم أعرف سبب ملاحقتكم لمهند.."
همّ القائد بالرد عليه عندما جاءه أحد الجنود مسرعاً وأدى التحية قائلاً "سيدي، طبقاً لإحصائية أجهزة التتبع، فإن اثنين من جنودنا فاقدي الوعي.."
وقف القائد باهتمام وهو يقول "في أي فرقة؟"
أجاب الجندي "في الفرقة ج-5.. أحد الجنديين هو قائد الطائرة.."
ابتسم القائد بجذل وهو يقول "إنهم هناك إذن.. مرحى يا مهند.. لم تفقدك السنون مهاراتك أبداً"
ثم قال للجندي "فلتتجه جميع الفرق إلى موقع الفرقة ج-5، وجهز طائرتي الخاصة، فسأذهب هناك على الفور.."
أسرع الجندي لتلبية أمر القائد، بينما التفت القائد إلى جنوده الذين يحرسون أهالي القرية قائلاً "لا يتحرك أحد من مكانه هنا.. ومن يحاول الهرب اقتلوه فوراً"
وغادر فاركاً كفيه بجذل مغمغماً "ستسقط أخيراً أيها الضابط.."

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

رأي مهند من الطائرة ما يحدث لمنار وأسيل، فأسرع بطائرته باتجاههم وهو يفتح الباب المجاور له مصوباً مسدسه باتجاه الجنود، فقد كان من الخطر استخدام أسلحة الطائرة والاثنتان قريبتان من الجنود.. أما في الأسفل، فقد كادت أسيل تسقط على وجهها وهي تركض وضحك الجنود يزيد فزعها، عندما سمعت صوت طلق ناري وشعرت في الآن ذاته بلسعة نار في ساقها اليسرى أسقطتها أرضاً وهي تصرخ بينما كانت منار تصيح وهي تحاول الإفلات من الجنود "لا تطلق النار.. أرجوك لا تفعل"
ضحك الجندي بسخرية وهو يصوب باتجاه أسيل مجدداً ويغمغم "حقاً؟"
لكن رصاصة أصابت مسدسه ألقته بعيداً تبعتها رصاصة أخرى في ساقه أسقطته على ركبتيه صارخاً "تباً.. ما الذي يجري هنا؟"
التفت الجنديان الباقيان إلى الطائرة ليريا مهند يطل من بابها وهو يصوب سلاحه باتجاههما، فرفعا سلاحيهما صوبه وأحدهما يقول "يا للشيطان.. ما الذي حدث؟"
عاجلهما مهند بطلقة أصابت سلاح أحدهما وأسقطته بعيداً بينما سارع الثاني ليطلق النار على مهند.. لكن الأخير جذب عصا القيادة لترتفع الطائرة بسرعة وهو يطلق رصاصة أخرى تفاداها الجندي الذي واصل إطلاق النار على الطائرة وهي تدور فوقهم.. أما الأول فقد أسرع إلى سلاحه الذي سقط ثم جذب منار الذاهلة إليه وهو يوجه السلاح إلى رأسها صارخاً "اهبط بالطائرة وإلا فجرت رأسها.."
لم يكن مهند يسمع كلمة مما يقوله لكن المعنى وصله واضحاً وهو يحاول تفادي طلقات الجندي الثاني، لكنه استدار إلى الجندي الممسك بمنار وهو يغمغم "لست أظن رؤساءك أعطوك الإذن بهذا.."
وأطلق طلقة بيد ثابتة أصابت الجندي في جبهته ألقته صريعاً على الفور، وفي نفس اللحظة أصابت طلقتان ذراع مهند الممسك بالسلاح، لكنه لم يتراجع وهو يطلق باتجاه الجندي الثاني ليرديه بدوره.. ووسط ذهول منار وأسيل اللتين وقفتا تنظران إليه، استدار مهند إلى الجندي الثالث والأخير الذي كان يزحف باتجاه سلاحه باستماتة رغم ساقه المصابة، فتناول مهند سلاح التخدير قائلاً "لا يمكنني قتلك الآن.. إن حظك سعيد اليوم"
وأحكم التصويب ثم أطلق لتصيب الجندي رصاصة التخدير وتسقطه يحاول تمالك نفسه لئلا يغيب عن الوعي..
لم يكن المكان صالحاً للهبوط، فنزل مهند إلى أسفل الجبل بالطائرة وهبط بها في مكان منبسط، ثم خرج منها وأسرع يرتقي الجبل باتجاه منار وأسيل.. أما منار فقد أسرعت إلى أسيل وهي تقول "هل أنت بخير؟"
أجابت أسيل وهي تحاول تمالك نفسها "أنا بخير، لكنني نزفت شيئاً كثيراً.."
كان جرح الرصاصة واضحاً في ساقها بالإضافة إلى رضوض جسدها وكدمة في خدها جراء السقوط، فحاولت منار معاونتها على النهوض وهي تقول "يجب أن نهرب إلى الطائرة.. هل تستطيعين الوقوف؟"
حاولت أسيل الوقوف مستندة على منار وهي تنتفض، لكنها تهاوت أرضاً على الفور هامسة "لا أستطيع.."
وصلهما مهند في تلك اللحظة، فأسرع إلى أسيل قائلاً "انتظري.. يجب أن نربط جرحك كي يتوقف النزيف.."
عالج جرحها بقطعة مزقها من قميصه ومنار تنظر إليه، ثم قالت له بقلق شديد "أنت مصاب أيضاً يا مهند.. وهناك شجّ في رأسك.."
قال بسرعة "سأعالجه فيما بعد.. والآن اسبقينا إلى الطائرة، سأحمل أسيل وألحق بك على الفور.."
وتناول قطعة أخرى ليربط ذراعه حيث أصابته الرصاصتان.. فهبطت منار الجبل وهي تلتفت إليهما بين لحظة وأخرى بقلق، بينما حمل مهند أسيل ولحق بها ببطء خشية الوقوع وأسيل تغمغم "أستطيع السير بالاستناد عليك.. إن ذراعك مصابة"
قال مهند "لا تحملي همّي.."
قالت معترضة "كيف لا تريدني ألا أخاف عليك؟ كدت أفقد صوابي عندما رأيتك تسقط هامداً بلا حراك"
علق قائلاً "تلك كانت خدعة.. تعمدت ألا أصيب قائد الطائرة لأني أريد الطائرة سليمة.. وأوهمتهم أنني فقدت وعيي كي أجبرهم على النزول"
أطرقت أسيل للحظات، ثم قالت دون أن تنظر إليه "لقد قتلت أولئك الجنود.."
قال بشيء من السخرية "فعلت ما هو أفظع عندما كنت معهم.."
اعترضت قائلة "لكنك تغيرت.. كنت صغيراً عندها ولم تقدر عاقبة ما تفعله.. أما الآن.."
قاطعها قائلاً "الآن حياتك وحياة منار في خطر.. وعليّ أن أدافع عنكما بأي سبل ممكنة.."
همست أسيل "أرجوك.. لا تقتل أحداً بعد الآن.. لا أريدك أن تندم كما فعلت عندما.."
ونظرت إلى منار التي تسبقهما عازفة عن إكمال جملتها، لكن مهند سارع ليقول "لا مجال للمقارنة.. هؤلاء الجنود يستهدفون حياتنا.. أما هما، فكل ما حاولاه هو إنقاذ عائلتهما.. الجنود اعتدوا علينا، أما هما، فنحن من اعتدى على حياتهما الآمنة.."
لم تغب المرارة في صوت مهند عن أسيل، فسكتت لئلا تثير حزنه أكثر وهي تمسح بيدها الدماء التي تسيل على وجهه هامسة في سرها "بالفعل.. لا مجال للمقارنة أبداً.."

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

قبل عشر سنين

تعالى صوت جهاز الإنذار في قاعدة القيادة التكنولوجية وفرقة من الجنود تنتشر في ساحة القاعدة باحثين عن الهاربين، وبينهم سار مهند وهو يتفحص ما حوله متجهاً إلى سيارته التابعة للقاعدة وخلفه خمسة من الجنود، فصعد جوار السائق المتأهب للانطلاق والجنود ينضمون إليهما، وعلى الفور انطلقت بهم السيارة خارج القاعدة إلى الغابة المحيطة بها وهم يتبعون طريقاً محدداً.. وبعد دقائق تعالى صوت من جهاز الاتصال في يد مهند، فضغط زراً فيه وهو يقول "ما الأخبار سيدي القائد؟"
أجابه قائده عبر الجهاز "لقد تم العثور على سبعة أطفال من أصل عشرة.. وبقي ثلاثة أفلحوا بالهرب مع ذويهم خارج القاعدة.."
قال مهند "لدينا هنا في جهاز التتبع إشارات ثلاث تدل عليهم.. فهل انطلقت الفرق الأخرى؟"
أجابه القائد "ستنطلق على الفور.. المهم الآن أن تتبع إشارة (نجمة – 2) فهي الأهم بالنسبة لنا.. أما الباقيان فستتبعهما الفرقتان الأخريتان، وسيتم القضاء عليهم فقد تم الاستغناء عنهم.."
لم يخالج مهند أي شعور بسماعه هذا القول وهو يجيب "فوراً سيدي.."
وأنهى الاتصال قائلاً إلى السائق "اتبع الإشارة بسرعة.."
علّق السائق وهو ينظر إلى جهاز التتبع الملحق بالسيارة "إنهم يتبعون طريقاً سينتهي فيه الشارع المعبّد، وسيضطرون للهرب على الأقدام بعدها.."
قال مهند "لسوء حظهم بالتأكيد.."
لم ينبس أحدهم بكلمة وهم يتبعون خطاً وهمياً يرسمه جهاز التتبع وسط الظلام الدامس المحيط بهم في الغابة الشاسعة.. وبعد لحظات بدت لهم سيارة القيادة متوقفة في جانب الطريق، فوقفوا بجوارها ومهند يترجل من السيارة ويدور حول السيارة الأخرى متفحصاً بنظرة سريعة، ثم أشار للجنود قائلاً "الحقوا بهم بسرعة..إشارتهم تدل على النهر.. قد يحاولون الهرب عبره إلى الضفة الأخرى.."
أسرع الجنود ملبين أمره وهو يقول للسائق "أبلغ القيادة بعثورنا على السيارة، وابق متأهباً للعودة بنا في أسرع وقت، فالطفلة بحاجة لعناية عاجلة في القاعدة"
أطاعه السائق وهو يجري اتصاله، بينما أسرع مهند خلف جنوده وهو يلقي نظرة على جهاز التتبع في يده بين لحظة وأخرى.. ثم تلقى اتصالاً من أحد الجنود وهو يقول "لقد قبضنا عليهم.. كانوا يحاولون عبور النهر.."
أسرع مهند باتجاه النهر، ولم يكد يخرج من بين الأشجار الكثيفة للغابة، حتى تراءى لعينيه النهر المتلألئ بنور القمر.. ووسطه وقف عمر حاملاً ابنته منار الفاقدة الوعي، وجواره وقفت زوجته منى والذعر باد في عينيها وهي تحاول حماية ابنتها بجسدها.. وحولهما وقف الجنود مشهرين أسلحتهم..
اقترب مهند من موقعهم، فسمع عمر يقول بارتجاف "كيف وجدتمونا؟"
قال مهند مبتسماً "الفضل لكما، فكل منكما قد زوّد بجهاز تتبع لمثل هذه اللحظات"
صاح فيه عمر "ما الذي تريدونه منا؟ ألم يكف ما فعلتموه حتى الآن؟"
قال مهند بغير انفعال "الفتاة التي تحملها لم تعد لكم.. إنها جزء من عملية مهمة تمولها الدولة.. ولا يحق لكم الاعتراض"
صرخ عمر "إنها ابنتي.. لن أسمح لكم بتعذيبها أكثر من هذا.. سنة كاملة وأنتم لم ترحموا ضعفها.. فمتى ينتهي كل هذا؟"
أجاب مهند "البرنامج المخطط يدوم لخمس سنين على الأقل.. هذا لو كنا متفائلين.."
صاحت منى باكية "أيها الوحوش.. ما الذي فعلناه لتعذبونا هكذا.."
اقترب مهند من الزوج قائلاً "أنت بهربك هذا تعذب ابنتك.. إنها في مرحلة حرجة الآن وهي بحاجة للبقاء تحت العناية المركزة كي لا تفقد حياتها.. يجب إعادتها إلى القاعدة فوراً"
ابتعد عمر للخلف صائحاً "لن أسلمها لكم أبداً.. فحياتها لا تهمكم كما تدعون.."
قال مهند بابتسامة باهتة "بل تهمنا أكثر مما تهمكم.. فهي جزء من تكنولوجيا جديدة تتلهف عليها القيادة.."
وقفت منى حائلاً بينه وبين زوجها قائلة بحزم وسط دموعها "لن أدعكم تأخذونها إلى القاعدة.. حتى لو كلفني منعكم حياتي"
استل مهند مسدسه بحركة خاطفة وأطلق عليها النار وسط ذهول زوجها لتسقط أرضاً بلا روح.. فصرخ عمر بحرقة "أيها الخسيس.. لقد قتلتها.."
وركع بجوار زوجته ليضمها إليه صائحاً "قتلتها بلا رحمة.. من أي جماد خلقتم؟"
قال مهند ببرود وهو يصوب السلاح إليه "في الواقع، لقد أمرت القيادة بتصفيتكم.. فوجودكم ما عاد له أي أهمية.. وخروجكم معناه تسرب أسرارنا"
وتردد صوت طلق ناري ثانٍ في الغابة الهادئة، بعدها أجرى مهند اتصالاً مع قائده وهو يقول "أتممت المهمة سيدي.. تمت تصفية الهدفين وسنعود بـ (نجمة – 2) إلى القاعدة فوراً.."
أجابه القائد قائلاً "أحسنت أيها الضابط.. لقد أنقذت رقاباً كثيرة كانت ستطير لو أفلحوا بالهرب.. عودوا فوراً إلى القاعدة قبل أن يراكم أحد"
أنهى مهند الاتصال مشيراً إلى الجندي الذي حمل منار قائلاً "أسرع إلى السيارة وكن حذراً.. هذه لحظات حرجة لا نريد أن نفقد الفتاة فيها.."
وأشار إلى بقية الجنود مضيفاً "نظفوا المكان من أي أثر.. لا أريد أي دليل على ما جرى هنا.."
وغادر تاركاً جسدي عمر ومنى وسط النهر والدماء تصبغ المياه بحمرة بدت بشعة تحت ضوء القمر..


~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

وضع مهند أسيل بحرص على كرسي الطائرة وهو يقول "إن لم تتحركي كثيراً فستكونين بخير.."
ثم التفت إلى منار التي جلست في الطائرة دافنة وجهها بين ذراعيها، وسألها بقلق "ما الأمر يا منار؟ هل أصبت أنت أيضاً؟"
هزت رأسها دون أن تنظر إليهما مغمغمة "لا أحب رؤية الدماء.. أشعر بالرجفة لدى رؤيتها"
لم يعلق على قولها وهو يربط أسيل بحزام الأمان، ثم قال لمنار "اربطي نفسك بحزام الأمان.. لن يكون طيراننا سلساً أبداً"
أطاعته منار بصمت وهو يصعد إلى الطائرة ويغلق بابها مغمغماً "بهذه الوسيلة، لن ينقضي وقت طويل قبل أن نصل إلى هدفنا.. ولن يعترضوا طريقنا ما لم يبلغ أحد عن وجودنا.."
اعتدلت منار في جلستها وهي تنصت بقلق، ثم قالت "أتسمعون؟ هناك المزيد من الطائرات قادمة إلى هنا"
تناهى صوت هدير المراوح إلى سمع مهند، فجذب عصا القيادة إليه قائلاً "تباً.. هذا أسرع مما توقعت.."
ارتفعت الطائرة بحدة والفتاتان تتشبثان بما حولهما وأسيل تقول "لا يمكننا الهرب منهم.. لابد أنهم عرفوا باستيلائنا على الطائرة"
قال مهند وهو يستدير بالطائرة عائداً إلى الجبال "شيء أكيد ماداموا يملكون أجهزة لاستقبال إشارات أجهزة التتبع.. لابد أنهم عرفوا كم جندياً مات وكم أغمي عليه.. وهذه الطائرة عليها أجهزة تتبع أيضاً وسيعرفون إلى أين نتجه بدون أن يلحقوا بنا"
فتساءلت منار بقلق "إذن ما الحل؟ لن نستطيع الهرب بهذه الطريقة"
قال مهند وهو يراقب عدادات الأسلحة المزودة بها الطائرة "المهم الآن أن نقضي على من هم خلفنا.. وبعدها سنضللهم مادمنا نعرف قدراتهم.."
انخفض بالطائرة في موقع لا يبدو فيه للقادمين وهو ينتظر، وبعد لحظات ظهرت ثلاث طائرات أمامهم بسرعتها القصوى، فعاجلها مهند بإطلاق صواريخه قبل أن تنتبه لموقعه.. وقبل أن تتفاداها أقرب الطائرات أصابها صاروخ انفجرت على إثره منيرة الجبال القريبة بضوء مبهر، بينما ارتفعت طائرتين على الفور والصاروخين الباقيين يصيبان الجبال مفجرة جزءاً منها..
ارتفع مهند بعدها وهو يعاجل الطائرتين بإطلاق الرشاش باتجاههما وهما تستديران تجاهه وتطلقان أربعة صواريخ بتزامن واحد.. شهقت منار بفزع وهي ترى الصواريخ تتقدم باتجاههما، لكن مهند ارتفع في اللحظة المناسبة لتصيب الصواريخ الأربعة الجبال والضغط الناشئ عن الانفجار يسبب اهتزاز الطائرة بشكل مخيف، لكن مهند هدأ الفتاتين الخائفتين قائلاً "تشبثا جيداً ولا تخشيا شيئاً.. لن تسقط الطائرة بإذن الله تعالى"
لم تعلقا بكلمة والقلق يعتريهما، أما مهند فقد أحكم سيطرته على الطائرة وهو يتوغل بين الجبال ويراقب الطائرتين عبر شاشة الجهاز محاولاً تفادي الرصاصات المنهمرة خلفه، ثم في حركة سريعة ارتفع بالطائرة وهو يخفض سرعتها، فمرت إحدى الطائرتين من تحته والأخرى تخفف سرعتها بدورة متتبعة حركته، لكن مهند زاد سرعة طائرته وهو يهبط بها عمودياً لتضرب أرجلها مروحة الطائرة الأولى تحته.. وبسبب الحركة المفاجئة والضغط الكبير انكسرت مروحة الطائرة وهي تهتز وتميل جانباً باتجاه الجبال.. فغمغم مهند وهو يرتفع بطائرته متفادياً رصاص الطائرة الثانية "بقيت واحدة.."
ظلت الفتاتين تتطلعان حولهما بخوف وقلق عندما أضاء الليل الانفجار الذي أصاب الطائرة الأولى بعد اصطدامها بالجبال.. أما مهند فقد استمر يراوغ الطائرة الثانية قبل أن يستغل التفاف الجبال الذي منحه شيئاً من الحماية ضد هجوم ملاحقيه ليستدير بالطائرة وهو يقول "تشبثا جيداً.. سيكون اصطدامنا بهم عنيفاً هذه المرة.."
قالت أسيل برعب "لا تقل لي إنك تنوي.."
قال وهو يندفع بالطائرة عائداً باتجاه ملاحقيه "لا تخافي شيئاً.."
فوجئ الجنود في الطائرة الثانية بمهاجمة مهند لهم وهو يطلق رصاصات رشاشه عليهم.. فانخفض قائد الطائرة وهو يصيح "أهو مجنون لينتحر؟"
لكن مهند كان أسرع وهو يضرب مروحة طائرتهم بجسم طائرته في نفس اللحظة التي أطلق عليهم صاروخه الأخير.. وبسبب الاصطدام كانت الطائرة أقل ثباتاً من تفادي الصاروخ الذي أصابها بسرعة لتنفجر على الفور، أما طائرة مهند فقد اهتزت بدورها نتيجة للاصطدام وهي تميل باتجاه الجبال والفتاتان تصرخان برعب، لكن مهند استطاع السيطرة عليها بسرعة ومهارة ليعيدها في الجو بعيداً عن الجبال قائلاً "قلت لكما ألا تخافا.. ألا تثقان بي؟"
حاولت منار تمالك أعصابها وهي تغمغم "هذه هي المرة الأولى التي أركب فيها طائرة، ولا أظنني سأكرر هذه التجربة أبداً.."
أما أسيل فقد تساءلت "هل نجونا من ملاحقينا؟"
قال مهند وهو ينظر إلى شاشة الجهاز أمامه "ليس بعد.. هناك واحدة أخرى قادمة باتجاهنا.."
نظرتا حولهما بقلق دون أن تريا شيئاً وسط الظلام، أما مهند فقد زاد سرعة طائرته وهو يتفحص ذخيرة الطائرة قائلاً "لقد استهلكنا الصواريخ جميعها ويكاد الرصاص ينفذ.. يجب أن نبحث عن حل جذري للقضاء على الطائرة الأخيرة"
لم تعلقا بكلمة والخوف يعود إليهما، أما مهند فقد انشغل بتفكيره بضع لحظات، ثم تناول مسدسه وهو يقول "قد تكون هذه فكرة مجنونة، لكنني أراهن على مهارتي في التصويب، وأرجو ألا تخذلني في وقت كهذا.."
وأطلق طلقة باتجاه النافذة المجاورة له ليحدث ثقباً فيه، ثم كسر ما تبقى من الزجاج بقاعدة المسدس والهواء يندفع بقوة إلى الطائرة.. فتساءلت أسيل "ما الذي تفعله؟"
قال وهو يستدير عائداً باتجاه القرية "أهيئ الجو المناسب"
وتطلع إلى شاشة الجهاز ليرى مؤشر الطائرة الأخيرة تقترب منه، وما هي إلا لحظات معدودة حتى ظهرت الطائرة من بين الجبال وأنوارها تضيء المكان.. وداخلها كان القائد يقول بغضب "تأكد من جهاز التتبع، ما الذي حدث لطائراتنا؟ لا أرى إلا واحدة فقط"
قال قائد الطائرة بتوتر "لا أثر لها يا سيدي، وهذا معناه أن شيئاً ما حطم جهاز التتبع الملحق فيها"
ضرب القائد لوحة التحكم بيده صائحاً "تحطمت؟ أي شخص هو مهند ليحطم ثلاث طائرات دفعة واحدة وهي في السماء؟ هل يملك أجنحة؟ أم أن جنودنا لا يملكون عقلاً؟"
لم يعلق قائد الطائرة بكلمة وهو ينظر إلى الطائرة الأخيرة المندفعة نحوهم والقائد مستمر بصياحه، ثم قال بقلق "سيدي، يبدو أن خللاً ما قد أصاب طائرتنا ج-5.. باندفاعهم هذا سيصطدمون بنا"
تطلع القائد باهتمام إلى الطائرة دون أن يتمكن من رؤية قائدها في ظلام الليل، ثم غمغم "هذا معناه أن مهند قد تغلب على الجنود جميعهم وسيطر على الطائرة"
وصاح في قائد الطائرة "تجنبها فوراً.. إن مهند هو الذي يقودها وهو ينوي إسقاطنا دون شك.."
مال قائد الطائرة جانباً وهو يقول "هو أحمق بالتأكيد لو ظن أنني سأقف منتظراً إياه.."
لكنه رأى مهند في تلك اللحظة يمد يده من النافذة المكسورة بمسدسه وهو يصوب بإحكام، وقبل أن ينتبه من غفلته أطلق مهند طلقة واحدة اخترقت زجاج النافذة الجانبية وأصابت قائد الطائرة في عنقه لترديه على الفور وهو يسقط فوق لوحة التحكم.. فصاح القائد والطائرة تهتز وتميل جانباً بعنف "أيها الخبيث.. أهذا ما سعيت إليه؟"
ودفع قائد الطائرة جانباً محاولاً السيطرة على الطائرة قبل أن تسقط أو ترتطم بالجبال، لكن مهند كان قد استدار عائداً بطائرته وبطلقة أخرى أصاب المروحة في ذيل الطائرة في أضعف نقاطها، فتحطمت على الفور لتفقد الطائرة توازنها كلية وهي تدور حول نفسها بعنف وتتهاوى.. عندها ارتفع مهند وهو يستدير إلى الشرق ويبتعد وسط الظلام قائلاً "انتهينا.."
تنهدت منار بارتياح وهي تقول "هل نجونا؟"
رأت مهند يضرب لوحة التحكم في الطائرة بعقب المسدس، فسألته بقلق "ما الأمر يا مهند؟ ستعطل الطائرة"
لم يجبها وهو يكسر شاشة جهاز التتبع بعنف، ثم يدخل يده وسط الزجاج المنكسر ويقطع الأسلاك قائلاً "هكذا سيفقدون أثرنا، ولن يغدو لجهاز التتبع أي فائدة.."
قالت منار برجفة "لماذا تجرح نفسك هكذا؟ ألا تشعر بالألم؟"
صمت مهند وهو يستدير بالطائرة إلى الشمال، فيما منار تنظر إلى جراحه محاولة التغلب على الذعر الذي يتنامى في صدرها.. كانت دائماً تتجنب رؤية الجراح والدماء.. والآن ذعرها تنامى بعد أن تذكرت ومضات من ماضيها لم تكن ترغب بتذكرها..
بعد لحظات تغلبت على رجفة جسدها وتناولت منديلاً من جيبها وأمسكت يد مهند التي جرحت لتربطها جيداً وهي تغمغم “وماذا عن جرح رأسك وذراعك؟ أنت مصاب من كل الجهات..”
علّق قائلاً “جرح رأسي سطحي.. أما ذراعي فسأعالجها بعد أن نهتم بأسيل”
التفتت منار إلى أسيل لتراها مقطبة والألم ينضح من ملامحها، فسألتها بقلق "ما بالك يا أسيل؟"
لم تجبها أسيل، فالتفتت منار إلى مهند قائلة "أرجوك.. اذهب إلى أقرب مستشفى، يجب أن نعالجها.."
قال مهند "حاولي احتمال الألم يا أسيل.. سنذهب إلى مكان تجدين فيه العلاج.. لكن لا يمكننا اللجوء إلى المستشفى وإلا قبضوا علينا"
لم تفهم منار ما عناه، فصمتت وهي تنظر إلى أسيل ومهند بقلق.. ثم تساءلت "متى سنبلغ هدفنا؟"
أجابها مهند دون أن يحول بصره عما أمامه "سنصل مع انتهاء نهار الغد.."
قالت بشيء من الاستغراب "ألم تقولوا إن الميناء بعيد؟"
فسّر الأمر قائلاً "الطائرات أسرع من السيارات، والطائرات التابعة للجيش أسرع من مثيلاتها بكثير.. هذا سيختصر الكثير من الوقت.."
تساءلت وهي تنظر إلى أسيل "هل ستكون أسيل بخير حتى ذلك الوقت؟"
قال "أتمنى هذا.. فليس أمامنا سوى الانتظار.. لا يمكننا تعريضها للخطر بالذهاب إلى المستشفى.."
سألته بقلق "إذن من الذي سيعالجها؟"
صمت قليلاً قبل أن يجيب "نحن ذاهبون إلى جزيرة الأعاصير، وفيها يعيش شخص أعرفه حق المعرفة.. هو دكتور، وسيعالجها بالتأكيد"
سمع صوت أسيل تقول "ألن يفضح أمرنا؟"
هز رأسه نفياً وهو يقول "كلا.. إن ابنه صديقي، وهو شخص طيب حقاً.. سنبقى عنده لمدة قصيرة حتى نستجمع أفكارنا ونقرر إلى أين سنهرب"
قالت أسيل بشيء من السخرية "إلى أين سنهرب؟ الجيش يسيطر على البلاد بأكملها، وخروجنا منها مستحيل تماماً.. وحتى لو أفلحنا بالهرب فالجيش سيتعاون مع شرطة أي دولة نذهب إليها وسنظل ملاحقين لبقية حياتنا أو حتى نستسلم.."
قطب مهند معلقاً "الاستسلام غير وارد.. لا تيأسي فالحل موجود ولا بد، فقط علينا التخطيط للأمر جيداً"
صمتت أسيل ومنار تتطلع إليهما، ثم قالت وهي مطرقة "أنا آسفة لأنني أسبب لكما كل هذا العذاب.. لو كنت أملك الشجاعة لسلمت نفسي لهم وأنقذت حياتيكما"
ضحك مهند بسخرية وهو يقول "أنت ساذجة حقاً.. تعتقدين أن الجيش سيتخلى عنا بعد أن يقبض عليك؟ ليس من مصلحتهم تركنا أحياء كي لا يصل خبر ما يحدث في القاعدة إلى الخارج أبداً.."
صمتت منار وقلقها يتعاظم شيئاً فشيئاً بعد حديثه هذا.. دون أن تعرف مخرجاً لكل هذا الذي يمرون به..

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~



اضغط هنا للبحث عن مواضيع ~خيال~

توقيع ~خيال~

رواياتي

[سجل معنا ليظهر الرابط. ]

[سجل معنا ليظهر الرابط. ] - [سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ] - [سجل معنا ليظهر الرابط. ]
[سجل معنا ليظهر الرابط. ]


مدونتي




التعديل الأخير تم بواسطة ~خيال~ ; 11-09-2012 الساعة 07:54 AM
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
العنكبوت - رواية خيال علمي رائعة (ل د.مصطفى محمود) تخيل هذا !! جساس الكتب العربية 39 12-05-2013 11:26 PM
للمرة الثانية - رواية خيال علمي رائعة للدكتور مصطفى محمود جساس الكتب العربية 13 22-04-2012 05:02 PM
د. احمد خالد توفيق..ملف قصص الخيال العلمي.. خيال علمي عربي.. هل هو خيال علمي؟ Esra2 Gadelhak د. أحمد خالد توفيق 2 17-02-2011 03:09 PM
خيال علمي .. المهمة .. بقلمي د. عروة الروايات والقصص الطويلة بأقلام الأعضاء 21 21-05-2010 07:32 PM
البعد الخامس رواية خيال علمى tatfat القصص القصيرة المنقولة 11 11-06-2009 11:31 PM


الساعة الآن 03:31 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir