العودة   روايات 2 > ~~ اقرأ أونلاين ~~ > روائع القصص والروايات أونلاين

آخر 10 مشاركات
برنامج تحويل صيغ الفيديو Xilisoft Video Converter Ultimate 7.8.1 Build 20140505           »          أسطورة حامل الضياء (الجزء الثاني) - سلسلة ما وراء الطبيعة - العدد 79           »          افضل برنامج لقرائة الكتب الاليكترونية Foxit Reader 6.2.0 Build 0429           »          Orbit Downloader 2.8.14 Unattended Edition برنامج التحميل الشهير في نسخة جديدة           »          كتاب عن سباكة المعادن .           »          برنامج التحميل من اليوتيوب باعلى جودة YouTube Video Downloader PRO 4.8.4.0           »          لعبة الأكشن و الأثارة الرائعة Game of Thrones           »          عبة الاكشن الرائعه Arma Tactics v1.3942 كامله + ملفات الداتا           »          برنامج رائع لعمل تأثيرات على الصور للاندرويد XnRetro v1.67           »          برامج لنسخ الاسطوانات و الوسائط المتعددة Nero 2014 Platinum 15.0.10200 Final

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 14-09-2011, 01:49 PM
aladdin_99 aladdin_99 غير متواجد حالياً
د. علاء الدين
كاتب

التميز البرونزى  


/ قيمة النقطة: 10

التميز الذهبى  


/ قيمة النقطة: 30

التميز الفضى  


/ قيمة النقطة: 20

التميز البرونزى  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الكاتب المميز  


/ قيمة النقطة: 10
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
الدولة: مصر
النوع: ذكر
المشاركات: 2,421
نقاط التقييم : 3724
Arrow :: ُمحـــال :: د/يوسف زيدان .... الرواية الجديدة (( حلقــات متجددة ))






ُمحـــال

رواية

د/يوسف زيدان

===================

الحلقة الأولي (( كلابشة ))

===================

الحياةُ تُحيِّرنا، بأن تُبهرنا بالبرَّاقِ من ألوانها كى نرتادَ دروبها فرحاً وغفلةً، ثم تفجؤنا فى الحنايا الصوادم أَمْ تُراها تحتالُ علينا، بأن تمنحنا أحياناً ما يُحاذى أحلامنا، ويفوق، فنُسرف فى الطمأنينة ونختالُ بين الخيالات؟.. مَنْ يدرى؟ لعل الحياةَ لا تكترثُ بنا أصلاً، فنُلاحقها نحن بصنوف الحِيَل حتى يغمرنا التعلُّقُ بالتمنِّى، والتقلُّبُ فى الترقُّب، والأملُ فى اهتبالِ النوال. عسانا أن ننسى مع مَرِّ السنين، أننا فى خاتمة التطواف مسلوبون لا محالة، ومحجوبون.
هذا الشابُّ عشرينى العُمر، الرائقةُ سُمرته، المستكينُ فى جلسته على حافَّة البحيرة. محجوبُ اللحظةِ عما ينتظره اليوم، وغداً، ولا يشغله الآن إلا اصطيادُ بضع سمكاتٍ تكفى للغداء، وقد لا تكفى. الأسماكُ رخيصةٌ فى أسوان، لكن صيدها أرخصُ وأروحُ للصيادين الهواة من أمثاله. بعد حينٍ سيأتيه الباصُّ الذى ذهب إلى المطار قبل الفجر، لتوصيل فوج السائحين الأجانب الذين جاءوا قبل يومين، وبعد ساعتين، سوف يطيرون إلى القاهرة بطائرةٍ مخصوصة. لابد أنهم أغدقوا على المندوب السياحى والمرشد الذى صحبهم، ولعلهم أسعدوا السائق ببعض الدولارات. سوف يأخذه سائقُ الباصُّ من هنا إلى محطة القطار، ليبدأ رحلة عملٍ جديدة تضيف إلى رصيده المخبوء، مالاً جديداً.
هو لا يعرف فى غمرة غفلته الهانئة هذه أنه سوف يستعيد سعادة تلك اللحظة لاحقاً ويحدِّق فى أعماق ذاته، بعدما يصل به عمرُه إلى الأربعين. العشرون سنُّ الحجْبِ بالفتوة، والأربعون بدء الكَشْفِ والنبوَّة. لو انتهك له الحجابُ الآن، لأفاقَ من أوهامه وكَفَّ عن التحليق بأجنحة الأحلام، حتى تملَّكه الأملُ المستحيلُ فى الزواج بفتاةٍ نوبية من جماعة المتُّوكِّى، تكون ساحرةَ الحضور ومُحبة مانحة. تُشبه هذه البحيرةِ، هادئةِ الحنوِّ، المتموِّجةِ صفحتُها بانتظامٍ آسرٍ، مع نسمات النور الرقيق الآتى بصحبة هذا الصباح الشتوى البديع.
رُوحُه ترتاحُ عند حوافِّ البحيرة، فيأتى إليها دوماً بعد صلاة الفجر ويرمى بوصة الصيد فى الماء، ثم يسكن حتى تطمئن سمكةٌ وتنخدع بالطُعم، فتعلق فى الطرف المغمور وتصير طعاماً.. حتى لو خلت البحيرة من الأسماك، وكفَّتْ عن المنح، فسوف يظل يأتى للجلوس على ضفافها، وسيظل يكتب فيها الأشعار التى لم يخبر بها أحداً، قط، ولن يقرأها إلا لهذه البحيرة الحنون، التى يؤلِّف الشعر من أجلها. الظِّلُّ يدلُّ. لا يحتاج النظر فى ساعة يده ليدرك أن عقاربها تلامسُ السادسة، ولن يقلق على وصول الباصِّ ليأخذه فى تمام السابعة والنصف، لأن المواعيد مرعيةٌ عند العاملين بالسياحة وغيرُ قابلةٍ للقلق.
هامَ بعينيه من جديدٍ على وجه الماء، فغمرَه الشعورُ الزُّورُ بأن البعيد قريب. البحيرةُ تُحرِّضُ الحالمين وتحنُّ على الوحيد المغترب حين تستخفُّ بالمسافات، وتستهينُ بتلك الحدود المرسومة لفصل المتصل بين مصر والسودان، الحدود، فوق الأوراق يرسمها السَّاسةُ بحسب المصالح والأهواء، ثم يزرعون عندها السياج وينثرون حولها المسلَّحين فتمسى حائلاً لا يحولُ ولا يزولُ، إلا بالإذن أو بالسلاح. الصغارُ يرونها فى الرسوم فيصدِّقون بها، وقد يقتتلون من أجلها حين يكبرون، لأن الوهمَ يُمسى بعد حينٍ حقيقا.. فيصير التيهُ للناس طريقا.
العام الماضى كتب للبحيرة قصيدة يسألها فيها عن اسمها، وعما رأته طيلة السنوات الثلاثين الماضية، فلم تجبه. الناسُ هنا يسمونها البحيرة دون إضافة، أو يفصِّلون للأغراب فيقولون «بحيرة السد» وأما الكتبُ المدرسيةُ فهى تحتال على الصِّبيان وتسمِّيها بحيرة ناصر. كانوا يشتهون فى مصر النصر بعدما افتقدوه طويلاً فى الحروب، فوضعوه عنوة فى التسميات استجلاباً له وتيَمُّناً باسم رئيسهم ناصر..
«الناصرْ ربنا، وهوَّ المستعان» يزعق الحاجُّ بلال بذلك كلما سمع اسم عبدالناصر، مع أن صوته فى العموم خفيضٌ، لكنه لا يحب الرئيس الذى حَرَمه من بيته النوبى المشرفة نوافذه على النيل، من فوق ربوة صارت اليوم قاعاً للبحيرة. الحاجُّ بلال المؤذِّن رجلٌ وديعُ القلب، طيبٌ، لكنه كأهلِ النوبة كلهم يَأْسَى لسابق الأيام ولم يستسلم بعدُ للنسيان. وهو كبقية كبارهم سِنّاً يؤكد أن جبلاً من الذهب كان يلمع عند الفجر بناحية الشرق، حتى طمَّ الماءُ بعد السدِّ فانطمر الذهبُ مع الدفائنُ، وينطمر الزمانُ النوبىُّ، ويوقن الحاجُّ بلال أن بجوف النيل سكاناً يعيشون حياتهم تحت الماء، كان أهلُ النوبة قديماً يعدُّون الطعام فى المناسبات، ويرسلونه لهم على صفحة النيل.
كان رزقُ الأسماك
اهتزت الزاويةُ العاليةُ المحصورةُ بين البوصة والخيط، فانتبه الغافلُ وجذب الطرف المغمور بسرعة، فأتت السِّنَّارةُ بسمكة بُلطيَّة فى حجم الكَفّ تتراقص ألماً ويأساً. استخفَّ به الفرحُ فانفلتتْ منه قَهْقهةُ شابٍّ سودانىِّ الأب، مصرى الأم، يعيش بأسوان بعيداً عن أهله الأوَّلين. أعاد السنارة إلى البحيرة وفيها طُعمٌ جديد، وعاد لحاله السابق مستغرقاً فى اللا شىء الغامض السحرىّ.
من بعيدٍ رأى الصيادين الصامتين فى قاربهم النحيل، يرمون بطول أذرعتهم شباكَهم الآمِلةَ فيما تمنحه البحيرةُ من أسماكٍ يشتهونها كباراً، وكذلك يشتهيها تجارُ سوق السمك بأسوان، ويشتهيها من بعدهم الآكلون. الصيدُ رزقٌ حلالٌ، ممنوحٌ، فالبحيرةُ الممتدة بلا اعتبارٍ للحدود لا تشترط شيئاً حتى تمنح وتُخرج خيرها، وهى لا تأخذ كى تعطى. العاطى سوف يأخذُ بعد حينٍ، لا محالة، وأما المانحُ فهو المحبُّ الواهب. والحبُّ والوهبُ صفةُ الأمهات، شبيهات البحيرات، المانحاتِ من دون اشتراط المقابل وبلا ارتباطٍ بأحوال القابل.
هذا سِرُّ الأمومة
أُمُّه فى أُمِّ دُرمان. تعيش بعيداً عنه مع إخوته السبعة، فى بيتٍ واسعٍ بتلك البلدة المرتمية كالمغمى عليه على الضفة الغربية للنيل، قُبالة العاصمة الخرطوم. أبوه اختارها مسكناً للأسرة لأنه يتاجر فى الجلود، يجلبها زهيدةَ الثمن من ناحية «سِنَّار» النائمة فى الجنوب الشرقى للسودان، ويأتى بها إلى التجار الكبار فى أسوان ليرسلوها إلى المدن الكبيرة، فتغدو غالية الثمن من بعد انخفاض أسعارها هناك.
كُلُّ كثيرٍ فى موطنه رخيصٌ زهيد، لكنه يغلو إذا انتقل. أسكن الأبُّ أسرته فى أمِّ درمان ليمرَّ بهم فى ذهابه والإياب، فيستقر معهم أياماً فى البيت القريب من الشارع الواسع. حيث الحياةُ أهدأُ من الخرطوم، وأرخصُ، وأنسبُ للأم والأبناء الصغار. أمُّ درمان هى الجانبُ الأفقرُ من الخرطوم، والأطيبُ، مع أن كلا الجانبين طيبٌ وفقير.
■ ■ ■
قبل سنواتٍ أربع، انتهى من سِنى مدرسته الثانوية متأهِّلاً للجامعة، وصار عليه أن يعمل إلى جانب الدراسة، ليساعد أباه الكادح ويترقَّى بذلك إلى مرتبة الرجال. الرجلُ لا بد له من عملٍ، لأن البقاءَ بالبيوت شأنُ النساء ولا يليق بالرجل التشبُّه بهنَّ. هذا ما تعلَّمه من أبيه منذ الصِّغَر، ضمن أصولٍ صار مع الوقت يراها تامة اليقين، ولا مجال فيها لجدال: إذا تشبَّه الرجالُ بالنساء والنساءُ بالرجال، فسوف تقوم القيامة عن قريب. لا تأكلْ من حرامٍ مهما عذَّبك الجوع، فالموت جوعاً أهونُ من عيش الحرام. إذا فعلت الزنى فسوف يُفعل فى أمك وأختك، فكما تدينُ تدان. الموتُ بشرفٍ، أفضل لك من العيش مع العار.
ذهب مع أبيه إلى «سِنَّار» مرةً فنفرت روحه من هناك، فهو لا يهوى النواحى الحافلة بأراذل أهل الجنوب، ولم يُطق زهومة الجلود. ومع دخول العام 1990 جاء إلى أسوان مع أبيه فى إجازة نصف العام، وبتوفيق الرحمن جرى الاتفاق على بقائه هنا للعمل فى سوق السياحة الرائجة، مع مذاكرة مقررات قسم الاجتماع.. قبل ابتداء الصيف تكسد السياحة ويقلُّ الزُّوارُ، فيذهب إلى الخرطوم ليؤدى الامتحانات ويسكن شهور الصيف اللاهب فى حِضن الأُسرة.
لولا قريب أُمِّه «حَمَدون أبوغابة» مدير المكتب السياحى، لما تمكَّن من إيجاد فرصةٍ فى السياحة التى يتنافس على رزقها الوفيرِ المتنافسون، ولولا الصديق القديم لوالده «الحاج بلال» لما سكن بهذا البيت المنـزوى بالطرف الجنوبى من أسوان، ناحية الخزان، واطمأن فيه. هو حوشٌ فيه حجرتان، ملحقٌ بالزاوية التى يؤذِّن فيها الحاجُّ بلال ويؤمُّ المصلِّين القلائل، ثم يقضى ساعات نهاره فى صنع السِّلال التى يأخذها منه تاجرٌ بدينٌ مستديرُ الوجه، يُشبه القِطَّ. يعطيه فى مقابلها حفنة جنيهاتٍ، يمنحها الحاجُّ بلال لابنته الوحيدة «محفوظة» أمِّ الأطفال الكثيرين، الغائب أبوهم فى العراق منذ عامين. لا يأتيهم منه مالٌ ولا خبرٌ.
أناسٌ هنا يهمسون بأنه هجرهم إلى غير رجعةٍ، لأنه مسجونٌ بالعراق فى موضعٍ سرىٍّ رهيب، داخله مفقودٌ. وآخرون يؤكِّدون أنه متنعِّمٌ هناك ولن يعود أبداً، لأنه تزوَّج من عراقيةٍ باهرة الحسن، بيضاء الحنايا كالحليب الصابح، يُسبى حسنها عقول الناس ويُنسى الرجال عيالهم. بعدما طال انقطاعه وانقطع من عودته الرجاء، صارت «محفوظة» مع مَرِّ الأيام بائسة الحال، تشبه السِّلال القديمة.
الناسُ تُشبه بعضها بعضاً، وبعضهم يُشبه بقية الأشياء. الحاجُّ بلال شبيهٌ لأبيه لكنه أَسَنُّ منه، وأنحفُ وأضعف، وكلاهما يشبه طيورَ الحقل الكادحةَ ناقرةَ الأرضِ دوماً لإيجاد الرزق القليل. السائحون وزوَّارُ الآثار يشبهون المهاجرةَ من الطيور، والملوَّنةَ من العصافير الأنيقة المتنقلة بين جزائر النيل. فى الجانب الجنوبى من السودان، يسكر الرجالُ الضِّخامُ ليلاً بأردأ الخمور، ويمرُّون من الطرق المظلمة وهم يترنَّحون، فيشبهون بهيئتهم قردة الغوريللا.
■ ■ ■
علت الشمسُ من خلفه، وتعالت على الطريق أصواتُ السيارات. الساعةُ تعدَّت السابعة، وعليه الاستفاقة من سريانه فى الآفاق البعيدة، والإسراع بدسِّ البوصة فى موضعها السرى بين الصخور، استعداداً ليوم عملٍ جديد. لكنه لن يفيق قريباً من حلمه الجامح الطموح. أن يحصل الصيف القادم على شهادة الجامعة، ثم يعود من السودان إلى أسوان ليقيم بقية عمره مع امرأته النوبية التى ستكون بإذن الله مَتُّوكِّية، ولسوف يُرزق منها بكثير من الأولاد، ويجتهد فى العمل حتى يبنى بالمال الحلال بيتاً واسعاً، ويجعل حجرةً منه مفتوحةً على الشارع لتكون مكتباً سياحياً، سوف يديره بكل الكدِّ حتى يدرَّ عليه المال الوفير، فيساعد أسرته فى السودان ثم يأتى بإخوته حين يكبرون، كى يعاونوه فى العمل ويكونوا مثله مَيْسورى الحال.
صباح الخير
انتبه لصوت السائق، فالتقط السلَّة وقفز إلى الباصِّ برشاقة شابٍّ متحمسٍ، يُدمن التمنىِّ. استوى على الكرسى المخصَّص للمرشدين وهو يُحيِّى السائق بالمعتاد من الكلمات الصباحية، وقبل أن يسأل أخبره الرجلُ الطيب عن الفوج القادم: هى رحلةُ منتصف العام الدراسى، من كلية العلوم بالإسكندرية، عددهم أربعة وثلاثون طالباً وطالبة وثلاثةٌ من الأساتذة معهم أُسَرُهم، المشرفةُ على الرحلة اسمها الدكتورة «هداية أبوالفتح» سيقضون بأسوان أربع ليالٍ فى فندق أبوسمبل، ثم يسافرون إلى الأقصر بالقطار.
السائقُ يتكلم بسرعةٍ وهو يبتسم، فيبدو مع وجهه النحيل وأسنانه المتكسِّرة النافرة، شبيهاً بالفئران. لا بأس فى هذا الشبه. فالفأرُ كائنٌ مسكينٌ بائسٌ، يسكن الجحر ويسكنه الذعرُ، وهو لا يعرف الغرور لأنه لا يتميَّز بالألوان. للفئران لونٌ واحد وهمٌّ وحيدٌ، هو اقتناصُ القليل ثم الفرار إلى الجحور.
أخبره «سهيل العوَّامى» مرةً بأن فئراناً بيضاء تشبه الأرانب، تعيش قرب بلدة اسمها «موشا» بمحافظة أسيوط، والناس هناك يأكلونها سِرّاً. وهذا عجيبٌ مثل بقية القصص التى يسمعها من «سهيل» فلا يصدِّق بها، لكنه لا ينكرها عليه.
لهجةُ السائق تدلُّ على أنه نوبىٌّ من جماعة «الفَجِّكِّى» لكن وجهه غيرُ مألوفٍ. لعله مستأجَرٌ موسمياً للعمل، أو هو وافدٌ جديد. سأله مستفسراً عن اسم الكريم وعمله السابق، فقال الرجلُ إن اسمه «صابر السوَّاق» ويسكنُ على طريق الأقصر، وهو يعرفه من قبل. قال: رأيتك مراتٍ فى المواقع يا زول، فقد كنتُ أعمل مع شركة «ترافكو» لكنى تركتهم قبل أسبوع، هم استبعدونى لأنى طلبتُ زيادةَ الأجر إذا زاد العمل.
معرفة خير بإذن الله
لا يبعد الطريق من موضعه المختار لصيد السمك، عن ميدان «محطة القطار» بأكثر من عشرين دقيقة سيراً بالباصِّ، خصوصاً فى مثل هذا الصباح الباكر.. السائقُ عَبَر من فوق الخزان ثم مال مع ضفة النيل يساراً، وسار مسرعاً نحو المحطة وهو يترنَّم بأغنيةٍ نوبيةٍ قديمةٍ مُبهمة الكلمات. عندما تكاثرت البيوتُ وكثرتْ الدكاكين، استمهل السائق حتى يعطى ما اصطاده لدكَّان الأسماك، لِشيِّه عند الظهيرة.
وعند الحوض الذى بزاوية الدكَّان غسل وجهه ويديه بصابونٍ معطرٍ، وخرج مسرعاً ليستكملا الذهاب إلى المحطة التى دنت.. قبل وصولهما أدار السائقُ مذياعه، فصدحت الآياتُ بصوت عبدالباسط عبدالصمد: وسِيقَ الذين آمنوا إلى الجنة زُمَراً..
غاص لوهلةٍ فى جوف أفكاره، فقال فى نفسه إن الفوجَ سيبقى ثلاثة أيام، يعنى ستأتيه مائة وخمسون جنيهاً أخرى. سوف يبلغ مجموعُ جنيهاته المدَّخرة عند الخال حَمَدون، مع المخبوءة فى الكيس تحت قائم السرير، أربعة آلاف إلا خمسين. قد تصل معه حصيلةُ هذا الموسم إلى قرابة سبعة آلاف، فالأمورُ هذه السنة رائجةٌ والطلبُ عليه فى ازدياد.
الحمد لله الوهَّاب. لا يفصله الآن عن هذا المال الحلال، إلا استقبال الفوج القادم بعد قليل واصطحاب الرحلة من الغدِ إلى المزارات، واحتمال صخب الطلاب وميلهم إلى الاستظراف خلال الأيام الثلاثة، مع سكب المعلومات الأثرية المعتادة لآذانٍ تكون فى أغلب الأحيان غير منصتةٍ.
الأجانبُ ينصتون أكثر، وأكثرَ يدفعون. لكنه لا يحب العمل معهم، ولم يستخرج بعدُ رخصةَ الإرشاد السياحى اللازمة لصُحبتهم. الخفراءُ ومشرفو الآثار يعرفونه، ولن يمنعوه أو يحرجوه بطلب الرخصة إذا اصطحب أجانب معدودين.
والحصول على هذا الترخيص ليس عسيراً عليه، فلديه الكثير من المعلومات عن الآثار، ولسانه طلقٌ بالإنجليزية، وهيئته مقبولة، وجامعىّ. لكنه لا يسعى للعمل مع السيَّاح الأجانب، مع أنهم لطفاء وأكثر كرماً من المصريين الفقراء، كيلا يزاحم المرشدين المعتَمدين.. ولأنه قد يرى من الأجانب ما لا يحب ويرضى.

.


  #2  
قديم 16-09-2011, 05:03 PM
الصورة الرمزية Dr.mostafa
Dr.mostafa Dr.mostafa غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: cairo
النوع: ذكر
المشاركات: 624
نقاط التقييم : 64
افتراضي رد: :: ُمحـــال :: د/يوسف زيدان .... الرواية الجديدة (( حلقــات متجددة ))



حضرتك هتنزلها حلقات ولا فى لينك للتحميل
ولا ده ديمو بس كده
ارجو الافادة


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 17-09-2011, 01:33 AM
aladdin_99 aladdin_99 غير متواجد حالياً
د. علاء الدين
كاتب

التميز البرونزى  


/ قيمة النقطة: 10

التميز الذهبى  


/ قيمة النقطة: 30

التميز الفضى  


/ قيمة النقطة: 20

التميز البرونزى  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الكاتب المميز  


/ قيمة النقطة: 10
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
الدولة: مصر
النوع: ذكر
المشاركات: 2,421
نقاط التقييم : 3724
افتراضي رد: :: ُمحـــال :: د/يوسف زيدان .... الرواية الجديدة (( حلقــات متجددة ))



السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
أهلا أخي الكريم
الرواية تصدر في حلقات أسبوعية بجريدة المصري اليوم
وسأقوم بنقل هذه الحلقات تباعا ً إلي هنا
خالص التحية والتقدير


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 22-09-2011, 01:46 AM
aladdin_99 aladdin_99 غير متواجد حالياً
د. علاء الدين
كاتب

التميز البرونزى  


/ قيمة النقطة: 10

التميز الذهبى  


/ قيمة النقطة: 30

التميز الفضى  


/ قيمة النقطة: 20

التميز البرونزى  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الكاتب المميز  


/ قيمة النقطة: 10
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
الدولة: مصر
النوع: ذكر
المشاركات: 2,421
نقاط التقييم : 3724
Arrow رد: :: ُمحـــال :: د/يوسف زيدان .... الرواية الجديدة (( حلقــات متجددة ))




الحلقة الثانية

كلابشة ( 2 )

فى عامه الأول بأسوان، خرج إلى فوج أمريكى كمندوب استقبالٍ ومساعد مرشد. بعد أذان العصر أعطته امرأةٌ منهم، يابسةٌ كالغابرين، مائة دولار ملفوفةً فى ورقةٍ فيها رقم حجرتها بالفندق. طلبتْ كأنها تُملى عليه، أن يجلب لها قطعةً من الحشيش الجيد ويأتى مساءً إلى غرفتها للمبيت، ولسوف تعطيه مائة دولار أخرى فى الصباح. لم يفهم فاستفهم من الشاب المرشد، الخبير، فأجابه:
- عادى. هات لها الحشيش من سالم الجعفرى، بعشرين دولار أو بستين جنيه، وخد الباقى. لو كيَّفتها فى الليل، ممكن فى الصبح تعطيك أكتر. بسْ خد معاك كَبُّوت علشان موضوع الإيدز.
- أستغفر الله، أستغفر الله.
- خلاص يا عم، إنتَ حُرّ. بسْ رجِّعْ لها الفلوس بسرعة، علشان تلحق تلاقى غيرك.
أعاد المال للمرأة، فمطَّت شفتيها اليابستين مستغربةً رفضه. أخذتْ من يده ورقة الدولارات وهى تنظر إليه بقرفٍ شديد، كأنه هو الداعى للفواحش. معاذَ الله. ليلتَها صلَّى فى البيت ما فاته طيلة النهار، ثم فتح مصحفه على قصة النبى يوسف مع امرأة العزيز، والصاحبات الخليعات، وراح يقرأ حتى هدأت روحه ونام حامداً رَبَّه على نعمة الإسلام.
بعدها بعامين مرض المرشدُ المعتمَدُ، فجأةً، فجاء إليه المندوب يدعوه للخروج إلى معبد فِيلَة مع فوجٍ ممتاز، كلهم إنجليز. كان فيهم فتاةٌ فاتنةُ الألوان، ممتلئةُ البدن، لا تحتمل الحرَّ ولا الملابس. لم تعرض عليه أىَّ شىءٍ بلسانها، لكنَّ عينيها كانت تعدُ بالكثير إذا تجرَّأ فاقترب. هو ما اقترب وهى ما أفصحت، لكنها سألته فى يومها الثالث إن كان يودُّ السفر إلى «مانشستر» للعمل هناك، والعيش الأفضل ببلادٍ أفضل. قالت إنهم لن يحتاجوا منه إلا بعض المعلومات البسيطة عن شمال السودان، والقبائل الكثيرة التى تعيش مع المشكلات هناك، وقد يرسلونه إلى تلك النواحى فى زياراتٍ قصيرة. اضطرب قلبه ورفض بأدبٍ، وبأسفٍ استقبلت رفضه الذى وصفته بالغريب، ثم تركت معه عنوانها ورقم التليفون وهى ترجو أن يتغيَّر رأيه قريباً. هو ليس ساذجاً ولن يتغيَّر له رأىٌ، ولن يحيد أبداً عن رجائه فى الجنة، وعن الأمل فى التنعُّم بظلِّ الله يوم القيامة. الحاجُّ بلالُ يردِّد دوماً على مسامعه حديثاً نبوياً يقول: سبعةٌ يظلُّهم الله بظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه، شابٌّ نشأ فى طاعة الله.. ولكنْ الحاجُّ بلال لا يكمل الحديث، بذكر بقية المستظلّين السبعة.
الموسم الماضى كان مباركاً كثير الخير، فمع ابتداء خريف عام ١٩٩٢ أتت الوفودُ وفيرةً، فصار الرزقُ الحلالُ متاحاً. فى الحادى والعشرين من شهر أكتوبر، اتصل به الخال «حَمَدون» ليخبره، بل ليأمره، بالاستعداد للخروج فى الصباح التالى بصحبة سائحٍ وحيدٍ، كبير السن، إلى معبد أبوسمبل بجنوب أسوان. هو موعد اللحظة المدهشة التى يخترق فيها نورُ الفجر البهو الطويل للمعبد البديع، ثم يقع فى نهايته على تمثال رمسيس الثانى، فيشرق فى الظلام المحيط وجهُ الملك، والآلهة الجالسون بجانبه. المشهد يتكرر كل عام مرتين، لكنه يظل دوماً مُدهشاً ومُثيراً لأسئلة السائحين: كيف حَسَب المصريون القدماء حركة طلوع الشمس ومسار شعاعها بهذه الدقة؟ وكيف نحتوا فى ظاهر الجبل هذا البنيان الهائل، وفى جوفه هذا المعبد البديع الذى تجلس بآخره تماثيلُ الآلهة، حول الملك؟ وكيف خابت مصرُ وتدهورت، بعدما بلغت تلك الدرجات العُلى؟
يومَها ركب السيارة التى أتتْ بالرجل من الأقصر، واتخذ بهما السائقُ سبيله الأسفلتىَّ، مسرعاً نحو المعبد الجنوبى البعيد عن أسوان بساعتىْ سيرٍ أو ثلاث. السائحُ هادئ الصوت والملامح، على وجهه النحيل لحيةٌ خفيفة تعطيه هيئة المشايخ الطيبين، وصلعته اللامعة الدالة على الذكاء، تعطيه هيئة المرموقين من الرجال. فورَ ركوبه إلى جوار السائق أعطى السائح الخرائط المعتادة، فأخذها شاكراً إياه بلفظٍ عربىٍّ فيه عُجمة الأجانب. بدايةٌ طيبة. بعدما وصلوا إلى هناك عصراً، ترك السائحَ الأنيق عند الفندق وذهب للمبيت فى النُّـزُل المخصَّص للعاملين، على وعدٍ باللقاء قبل الفجر بساعةٍ للعروج إلى المعبد الشهير، قبل الشروق.
وصلوا خلف المعبد فى غبش الليل الأخير، ومع ضوء الزُّرقةِ التى كَسَتِ السماء عرج مع السائحِ التلَّة التى فيها المعبد، وفى الطريق راح يسردُ ما يعرفه عن المنطقة، وعن نقل المعبد بعد بناء السد، من مكانه المغمور اليوم بالماء إلى مكانه الحالى فوق الربوة. كان السائحُ يسمعُ صامتاً، ويهزُّ رأسه مرةً بعد مرة. بعدما اكتمل صعودهما واستدارا يساراً، فأطلَّتْ عليهما واجهةُ المعبد الهائلة، لم يشهق الزائرُ من روعة ارتفاع التماثيل مثلما يفعل عادةً السائحون. بدا الرجلُ مبهورَ النظرات، ولكن بغير الاندهاش المتوقَّع من مثله.
شهدا مع الحاضرين اللحظة المدهشة، عند قُدس الأقداس، وبعد خفوت شعاع الشمس وانزوائه من فوق وجه الفرعون، والآلهة المجاورة، عدا إله الظلام الذى لا يقع عليه الشعاعُ، استكملا زيارة المعبد والأروقة الحافلة بالتماثيل، والواجهة المبهرة، ثم هبطا من عندها إلى حيث ينتظر السائق بسيارته. فى طريق العودة طلب السائحُ وهو يبتسم بلطفٍ مثل المنهكين، الجلوس حيناً ليرتاح واستقرَّ على حجرٍ كبيرٍ، وهو يُولى نحو البحيرة وجهه. كانت الشمسُ الغاربةُ من خلفهما تملأ الأنحاء بلون الذهب العتيق، وتمدُّ الظِّلَّ طويلاً فوق الرمال والحصى، حتى تلتقى عند حافة المنحدر الظلالُ.
مع نسمات المساء أجال السائحُ عينيه فى الأنحاء، ورَنَا نحو البحيرة بأسى ثم رفع وجهه إلى السماء كمن يبتهل إلى جهة الشرق، وهو مُسبل الجفنين. بعد لحظات التأمُّل، مَدَّ السائحُ يده فى حقيبته الجلدية الخفيفة فأخرج علبةً فيها طعامٌ غريبٌ، عرض عليه قطعةً منه وهو يقول بعربية الأعاجم «حلال، حلال» شكره مُمتنعاً، فراح الرجلُ يأكل وحده على مهلٍ، ولما انتهى أخرج من جيبه الجانبى كتاباً أخذ يقرأ فيه، وهو يؤرجح رأسه برفق. وعند موضعٍ يعرفه، رفع الرجلُ صوته بلغةٍ غير معروفة، ثم توقف فجأة عن القراءة، والتفت إليه وهو يقول بالإنجليزية الساخرة ما ترجمته: كان رمسيس الثانى ذكياً، بنى لنفسه معبداً فى النصف الغربى من النيل، النصف الذى كان يملكه، فالتجربة المريرة عَرَّفته حدوده.
- عفواً يا سيد، لكن رمسيس الثانى كان يملك مصر كلها وليبيا والصومال وفلسطين.
- لا. بل كان بهذه البلاد مجرد عابرٍ، وقد عبر والتهمه الماء. وهذه الأرض الممتدة من ضفة النيل الشرقية إلى الضفة الغربية من نهر الفرات، مِلكٌ لأناسٍ آخرين. مِلْكٌ لليهود.
- آه، فهمتُ. ولكن عفواً، أين سند هذه الملكية؟
- ها هو السند فى يدى، التوراة. وفى يدك سندٌ آخر، رأيتك تقرأ فيه بالأمس فى السيارة. أم أنك لا تؤمن بالقرآن الذى تقرأه؟
- أستغفر الله. بل أؤمن بكل حرفٍ وكلمة فى كتاب الله.
- إذن، ستجد فى قرآنك أننا نملك الأرض مرتين، الأولى كانت فى زمن سليمان، والأخرى صارت قريبة المنال.
- هل يمكننا الذهاب الآن، فالسائق طال انتظاره وسوف ينـزلُ علينا ظلامُ الليل.
عندما التقيا فى الصباح التالى، رفض بحسمٍ الدولارات الخمسين التى مَدَّها الرجلُ اليهودىُّ، وعاد معه إلى أسوان من دون كلام كثير، وعند الموضع الذى ركب منه قبل يومين، نزل من السيارة السياحية وانسرب من فوره إلى مسكنه. فى المساء قصَّ على الحاجِّ بلال ما جرى، فردَّ عليه بما معناه: لا تشغل بالك، قُمْ معى لنصلِّى العشاء فقد آن وقت الأذان.
■ ■ ■
ذكريات
وصل به الباصُّ إلى محطة القطار، فوجدها صاخبةً كحالها دوماً فى النهار. مدخلها يحوطه الجائلون من الباعة ذوى الجلابيب المتَّسخة، وحولهم المشترون فى الأردية البيضاء النظيفة، وفى الأنحاء رجالُ الشرطة بالملابس السوداء. الأبيضُ والأسود هما لونا الحياة فى أسوان، للملابس وللناس، ومنهما يتولَّد الإحساس بأن الفواصل حاسمةٌ. فى أسوان وشمال السودان، لا يرحب الناس بالتزاوج بين الجماعات والقبائل، ويحبُّون للولد أن يتزوَّج من بنات عمومته أو من عشيرته الأقربين. لعل نزعتهم للانعزال تعود إلى ميلهم لهذين اللونين، لكنه قد سمع رَسَّاماً يقول يوماً إن الأبيض والأسود ليسا بلونين، أصلاً، إنما هما سَلْبُ الألوان.
أنزله السائق أمام مدخل المحطة، وذهب ليركن الباصَّ وهو يقول بصوتٍ يكسوه الابتسام، إن القطار لن يأتى قبل ساعتين أو ثلاث، ولسوف ينام على المقعد الخلفى حتى تصل الرحلةُ. الساعة تعدَّت الثامنة ولا تلوح بعدُ دلائل وصول القطار، لا بأس، سوف يتجوَّل فى الميدان حتى يأتى القطار.. دار على المحال وبين عربات الباعة الجائلين، واشترى موسين دسَّهما فى محفظته لحين الحاجة، وفطيرةً دسَّها فى جوفه وهو جالس على المقهى القريب من مدخل المحطة. بعدما شبع طلب شايَه، وأخرج من جيب قميصه المصحف، وقرأ من حيث توقف بالأمس، عند أول سورة النور: سورةٌ أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آياتٍ بيِّناتٍ لعلكم تذكَّرون، الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة.. الزانى لا ينكح إلا زانية أو مُشركة والزانية لا ينكحها..
سبحان الله، لماذا يأتى ذكرُ الزنى والزوانى فى ابتداء سورة اسمها النور؟ وكيف يفعل الزناةُ ما هو خليقٌ بالبهائم؟ اللهم لا تأخذنا بما فعل السفهاء منا، فأنت اللطيف الخبير. قال ذلك فى نفسه، وعاد إلى تلاوته الخافتة، وهو يرشف شايَه على مهل، حتى أشرقت روحه حين وصل إلى الآيات: الله نورُ السماوات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح..
قرأ حتى «والله بكل شىء عليم» ثم أغلق المصحف ودسَّه ثانيةً فى جيبه، على أمل معاودة القراءة من أول سورة الفرقان. التفت بحنينٍ إلى ناحية النيل القريب من المحطة، فحلَّقت به الأمانى من جديد بأجنحة الجمال والرِّقَّة. النيلُ جميلٌ فى أسوان ورقيق. فى سنَّار حيث يجرى النيلُ الأزرق، وبين الخرطوم وأمِّ درمان حيث يلتقى الرافدان الأزرق والأبيض، لا يبدو النيل جميلاً مثلما هو هنا. نيلُ أسوان أرقُّ وألطفُ وأنظفُ، ولا تفوحُ من حوافِّه رائحةٌ عَطِنة فى الشتاء، مثلما هو حاله هناك. كاد يبتسم لحظة اكتشف أنه يشبه النيل، فهو مثله أسمرُ وطيبٌ وطويل.
أفاق من استغراقه حين مرَّت من أمامه فتياتٌ ثلاث، غزلانيات، يمشين بالمرح والخفة المحبَّبة من أمثالهن. كادت عيناه تغوص وراء حركة الأرداف والنهود، لولا أدركه إيمانه فغضَّ النظر، بعدما تبيَّن أنهن من النوبيات الفَجِّكِّيات.. وبينما يرشُّ الماء أمام مقهاه، لتسكين التراب واستجلاب البارد من الهواء، داعب «مسعود القهوجى» الفتيات عند مرورهن به باسمات، بأبياتٍ من الشِّعر المعروف هنا بمربعات النميم:
يا سِتّ الجمال مَحْلى الجمـال فيكى
مهما أسوِّى، بالوصف مـا أَوْفيكـى
بالـروح والبدنْ والقليب، أَفْديكـى
بـسْ سيبى عيونى، تعـايـن فيكـى
لم تسمع العابراتُ إلا ابتداء الأبيات، وابتعدن ضاحكاتٍ غير مكترثاتٍ بمداعبته. اقترب منه «مسعود» الشهير هنا بخفة ظلِّه، وأسند كتفه إلى حَلْق باب المقهى وهو يؤرجح بيده الدلو الفارغ، ثم راح يرنو إلى ناحية السماء مبتسماً ومترنِّما بأبياتٍ أخرى لا يُداعب بها أحداً:
يا سِتّ الجمال، إنتى علىَّ نويتـى
عاينى، كِيفْ فى الشباب سَوّيتـى
جرَّحتِ القلوبْ والعيـونْ بكّيتـى
حرام عليكى، جَرَّحتى وَلاَ دَوّيتـى
لأهل أسوان شغف بهذه الأشعار، وهم ينشدون منها فى الأعراس البهيجة مئات الأبيات المتتالية. للأعراس فى أسوان شأنٌ كبير. أسوانُ يسكنها النوبُ والعرب والريفاوية، وكل قومٍ منهم بما لديهم فرحون، وبأصول جماعتهم يعتدُّون. النوبيون منهم جماعتان كبيرتان، الفَجِّكِّى والمتُّوكِّى، وكلتاهما تقول إنها أصل النوبة والأكثر أصالةً من الأخرى. جماعة الفجِّكِّى هى الأكثر عدداً وامتداداً على ضفتى النيل، والذين يعيشون منهم فى السودان يسمون أنفسهم المحَسّ، ويستعلون بعزلتهم على العرب. والعربُ بدورهم يستعلون عليهم بأنهم أصل الإسلام، وبأنهم الأكثر والأقدر من النوب، والأقوى. الله تعالى هو القوى المتين، وليس البشر الفانون.
أصوله هو عربيةٌ خالصة، فأبوه من جماعة «الجعليين» الساكنة شمال السودان، وأمه «جعفرية» كان أهلها يسكنون مصر مع بقية الجعافرة، ثم تزحزح بعضهم جنوباً فصاروا بالصدفة تحت حدود السودان، وأصبحوا بعد حينٍ يعتزُّون بأنهم سودانيون ويفتخرون. الناسُ تعتزُّ بما تسوقه المصادفات، ويفتخرون بما لا يختارون.
أخبره أبوه يوم جاء به إلى أسوان، بأن العرب هنا قُرشيون وأعراب. من القرشيين «الجعافرة» أهل أمه والخال حمدون، ومنهم «الأدارسة» الأشراف آل بيت النبوة، وأقلُّهم فى العدد «العبابدة» أحفاد عبدالله بن الزبير بن العوام. والأعراب أنواعٌ، منهم المهاجرون والأنصار والعليجات.. واكتشف هنا مع مرور الأيام أن لهذه الجماعات على اختلافها، صفاتٍ وملامحَ متقاربة. السُّمرةُ النقية، وميلُ الصغار للنحافة والبالغين للبدانة، والعيونُ القريب لونها من لون الوجه والشعر. العجيبُ هو ملامحُ جماعة «الكُشَّاف» من نوبة الفجِّكِّى، فكثير منهم شُقْرٌ زُرْقُ العيون، ويقال إنهم أصلاً من المماليك الذين لجأوا إلى الجنوب فى زمنٍ قديم، واستقروا بهذه النواحى وتزاوجوا مع أهلها أيام كان هذا التزاوج ممكناً.
الزواجُ أجملُ ما يمكن للشابِّ أن يفعله، بل هو الهدف النهائى له، فهو يعمل ليكسب مالاً يتزوَّج به، ويبنى البيت أو يشتريه ليتزوج فيه، ويحبُّ فتاةً بكل جوارحه ليتزوَّج منها، ويكون له أولاد لأنه تزوَّج أمهم. الزواجُ سببُ الحياة وسرُّها، ومنتهى الأمل منها. راقتْ له هذه الخواطرُ حين جالت برأسه، وغسلت قلبه بعطر النعناع. لو شاء، يمكنه الزواج بفتاةٍ جعفريةٍ ممن يسكنون جنوب مصر أو شمال السودان، فهم أخواله ولن يرفضوه. لكنه يهوى النوبية المتُّوكية التى لم يرها حتى الآن، ويتمنَّى أن يراها قريباً ولا يعترض أهلها كثيراً، فيظفر بها فى نهاية المطاف.
الأمنياتُ فَرْحَةُ الوحيدِ، الوحيدةُ.


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 28-11-2011, 11:25 AM
طلال كريم طلال كريم غير متواجد حالياً
مشرف منتدى الأخبار

مشرف مميز  


/ قيمة النقطة: 10

مشرف مميز  


/ قيمة النقطة: 10

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
الدولة: الإمارات
النوع: ذكر
المشاركات: 18,064
نقاط التقييم : 1168
افتراضي رد: :: ُمحـــال :: د/يوسف زيدان .... الرواية الجديدة (( حلقـ



مشكور اخي الكريم
في انتظار بقية الحلقات



اضغط هنا للبحث عن مواضيع طلال كريم

توقيع طلال كريم

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم (من قال سبحان اللّه والحمد للّه ولا اله الا اللّه واللّه اكبر مئة مره باليوم غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر)


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 28-11-2011, 06:32 PM
Syrian Voice Syrian Voice غير متواجد حالياً
Banned
 
تاريخ التسجيل: Nov 2011
الدولة: سوريا
النوع: ذكر
المشاركات: 34
نقاط التقييم : 50
افتراضي رد: :: ُمحـــال :: د/يوسف زيدان .... الرواية الجديدة (( حلقـ



شكراً لك علاء الدين... من المؤكد أنني بانتظار أعمال كاتب رواية عزازيل والتي شغلت الناس.. وبانتظار الحلقات القادمة.


رد مع اقتباس
  #7  
قديم 10-02-2012, 08:35 PM
akhrasjam akhrasjam غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: lebanon
النوع: ذكر
المشاركات: 1
نقاط التقييم : 50
افتراضي رد: :: ُمحـــال :: د/يوسف زيدان .... الرواية الجديدة (( حلقــات متجددة ))



نتمنى تنزيل الرواية كاملة بعد نشرها كاملة في الصحيفة


رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الرواية التي أثارت زوبعة || عزازيل .. ليوسف زيدان killertiger القصص والروايات 42 12-09-2010 11:29 PM
فخرى صالح.. فى معنى الرواية العربية الجديدة عاشق المنتدى أخبار الكتّاب والندوات الأدبية والإصدارات الجديدة 0 27-05-2010 08:07 AM
الرواية الاكثر جدلا (عزازيل ) للدكتور يوسف زيدان-الفائزة بجائزة بوكر للرواية العربية hossamoz الموضوعات المكررة 1 21-12-2009 05:43 PM
الرواية الاكثر جدلا (عزازيل ) للدكتور يوسف زيدان-الفائزة بجائزة بوكر للرواية العربية hossamoz الموضوعات المكررة 0 21-12-2009 05:30 PM
صورة المثقف في الرواية المصرية الجديدة عاشق المنتدى المقهى الثقافي 3 13-12-2009 08:27 PM


الساعة الآن 09:05 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir