العودة   روايات 2 > ~~ إبداعـــات الشـعـر والقـصـص والروايــات ~~ > القصص والروايات > الإبداعات المنقولة > الروايات والقصص الطويلة المنقولة

آخر 10 مشاركات
سلسلة ما وراء الطبيعة           »          لعبة امير بلاد فارس Prince of Persia Shadow&Flame v2.0.2 كاملة           »          تحميل لانشر مميز ومتعدد المميزات Glovebox Launcher Premium v2           »          تحميل لعبة القتال الرائعة Worms 4 Mayhem           »          عملاق صناعه الفيدوهات والمؤثرات على الصور Photodex ProShow Producer 6.0.3410           »          الإعلام المصري يطالب بطرد الفلسطينيين وضرب غزة           »          برنامج محاكاه Trimble Total station وكتاب لتعليم استخدامه.           »          طبيب نرويجي لاوباما: ليلة بمستشفى الشفاء ستغير التاريخ           »          احتجاجات عالمية من أجل السلام في فلسطين           »          بالفيديو.. قناة المانية تكشف: سبب مقتل المستوطنين الثلاثة جنائي ولم يتم خطفهم بالضفة الغربية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #11  
قديم 06-05-2010, 10:01 PM
الصورة الرمزية semeramis
semeramis semeramis غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: egypt
النوع: أنثى
المشاركات: 516
نقاط التقييم : 191
افتراضي رد: حتى لا تموت الروح ... قصة حب حقيقية



8– لوعة الحب والانتظار


منذ الوهلة الأولى لخطبتي لمنال ، أدركت أنها من النوع الكتوم الذي لا يفصح عن مشاعره بسهولة ، وأدركت أنني مقبل على مرحلة من العذاب والضنى .. كنت أحبها ، ولم أكن أملك من الوسائل ما أستطيع أن أعبر به عن هذا الحب ، أما هي فقد كانت متحفظة ، حريصة كل الحرص في كلماتها وتعبيراتها ..

وكان الرقيب ، وما أدراك ما الرقيب ، يعد علينا أنفاسنا .. وكان عندنا فوق ذلك وقبله رقابة ذاتية ، ربما حدثتك عن أمثلة لها يوما ..
المهم أنني كنت أحب وممنوع من التعبير ، ولا شك يا صاحبي أن أشق أنواع العواطف على القلب هي العواطف المكبوتة التي لا يملك الإنسان التعبير عنها وإبرازها ، ولقد استسلمت لهذا الحب الصامت ، الذي كان يشقيني فعلا أكثر من كونه يسعدني .. حتى أنني كثيرا ما عدت من زيارة منال ، وقد كنت أثناء الزيارة على أحسن حال من الانطلاق والسعادة ، كنت أحدثها عن نفسي ، عن آمالي وطموحاتي ، عن أعمالي عن بعض ذكرياتي المختلفة .. عن بعض قضايا الساعة ، وكانت تحدثني أحاديثا مقتضبة ، لكنها كافية للتعرف عليها وعلى أفكارها واهتماماتها ، وأعمالها .. كنت في حضرتها سعيدا ، رغم الرقابة ، ورغم الحرمان .. لكنني أكون سعيدا بمجرد القرب منها والحديث إليها ، وتصل سعادتي ذروتها حين أستمع إلى النغم الذي يصدر من فمها على هيئة كلمات يجملها صوتها الرخيم الفخم ..

فإذا عدت من زيارتها إلى بيتنا شعرت بكآبة شديدة واكتئاب حاد .. كنت أشعر كأنني فقدتها ، فقدت منال ، وفقدت السعادة ولو إلى حين ..
لم أعد أطيق صبرا على فراقها هذا الأسبوع الطويل الممل ، حتى تحين موعد زيارتي المقبلة ..

أمي لاحظت هذا الهم الذي يصيبني عقب كل زيارة تقريبا ، وظنت بي الظنون .. وحاولت معرفة الأسباب والتخفيف عني ، ولم يكن شيء ممكن أن يخفف عني سوى الارتباط الدائم بمنال ..
أما هي فقد كانت تتفنن في تعذيبي ، وازدياد لوعتي وأشواقي ..
كان والدها مريضا بالكلى ، ورأيت أنا ذالك فرصة سانحة ، لأتصل هاتفيا ببيتهم كثيرا للاطمئنان على صحة الوالد العزيز ، ولم أكن أرجو إلا أن أسمع صوتها ، أن أسمعه فقط ، وكنت مستعدا أن أقسم بأغلظ الأيمان أنني لن أكلمها كلمة رقيقة واحدة ..
ومع ذلك ماذا تظن أنها كانت تفعل معي ؟

لم تكن ترد ابتداء على الهاتف ، فكان الذي يكلمني في كل مرة شخص مختلف .. وكنت أتعمد أن أتحدث في البيت في أوقات لا يتواجد فيها أخواها ، وحين كانت ترد على الهاتف وتعرف أنني أنا المتصل ، كانت تجيبني :
لحظة واحدة .. ثم تناول سماعة الهاتف إلى أمها ، أو تذهب بها إلى أبيها المريض على فراشه ليرد علي بنفسه ..
كنت أشعر وأنا على الطرف الآخر أنها تفعل ذلك بارتباك وحذر شديد وكأنني سأخطفها عبر أسلاك الهاتف !!!

ولكن أشد ما كان يؤلمني طيلة شهور من خطبتنا أنها لم تكن تنطق اسمي ، لم أسمع اسمي من فمها ولو لمرة واحدة ..

كان بعض أصدقائي المقربين ممن يعرفون ما اشتهرت به بينهم من حياء وتحفظ ، ويسمعون عن التزام شقيقة عصام ( خطيبتي ) يتندرون علينا في مجالسنا المشتركة قائلين :

إن عماد وخطيبته من النوع الذي يقول حضرِتك ، وسعادتك .. ويا أفندم .. إنها خِطبة في ثكنة عسكرية ..

كانوا يضحكون ، وكنت أحترق ، ولم يكن شيء مما يحدث في لقاءاتي بمنال يمكن أن يتسرب إلى لساني ، لقد كان كل ما بينا من الأسرار المقدسة ..

لقد كان ومازال .. حتى أنني أؤنب نفسي كثيرا وأنا أفشي هذه الأسرار الآن .. وأراجع نفسي المرة بعد المرة من الغرض الذي من أجله أكتب عنها ..

وربما بعد فترة من الجهد والعناء في الكتابة والتدوين .. أمزق ما كتبت من أوراق .. حفظا لأسرارها المقدسة .. وأقسم بالله أنه لولا أن تلك المواقف البسيطة ، والمنمنمات العاطفية ، تشكل فسيفساء الشخصية الإنسانية ، ما كنت لجأت إلى تدوينها .. لكنها معالم الإنسان في شخص منال ..

ذكرت لك أن أصدقائي كانوا يتندرون عليَ ، وكنت أحترق ، لأن هذا ما كان يحدث فعلا ..

لقد كانت تخاطبني بحضرتك ، وأفندم .. وكأنني ضابط المباحث المكلف بالتحقيق معها !!

بعد فترة من الزمن لم أعد أطيق ، وكنت قد قرأت إعلانا ما ، بان كلية التربية تعقد دبلومة دراسية في التربية لخريجي الجامعة العاطلين من أمثالي ، لإعدادهم كمدرسين في مجالات تخصصاتهم الدراسية المختلفة .. كانت مدة الدراسة في هذه الدبلومة عام دراسي كامل ، وكانت بمصروفات تعتبر كبيرة إلى حد ما ..

ولم أكن يا صديقي ممن يطيقون الدراسة والبحث .. على الرغم من أنني شغوف بالبحث الأكاديمي شريطة أن يكون على طريقتي الخاصة دون التقيد بمواعيد وامتحانات ، وغير ذلك من تعقيدات الدراسة الأكاديمية ، لكنني وجدتها فكرة عظيمة .. وقررت أن أتقدم للالتحاق بهذه الدبلومة التربوية ..

ثم قررت إغراء خطيبتي بالتقدم إليها ، ولقد كانت هذه خطة خطرة ، بل خطرة جدا ، لقد كانت منال في هذه الأثناء تعمل مدرسة في إحدى المدارس الخاصة ، وكان عليها إذ ذاك أن تضحي بعملها ، وكانت هي مضطرة لعملها للإنفاق على احتياجاتها الخاصة كفتاة .. وليس معنى ذلك أن أسرتها لم تكن تنفق عليها ، لكن هي كانت لها نفقاتها وأنشطتها الخاصة وكانت لا تحب أن تطلب نفقتها من أحد ..
ولكنها فعلا استجابت لإغرائي وتقدمت إلى الدبلومة ..

وأصارحك القول أن غرضي لم يكن شريفا بتاتا من هذه الخطة .. لقد قررت العودة للدراسة ، بشرط أن تعود منال للدراسة لنصبح طالبين معا في الجامعة من جديد ..
لم أكن في هذه الخطة مهتما بالدبلومة ولا الدراسة ولا التربية ، ولو لم تتقدم منال إلى الدراسة فيها ، فلم يكن أسهل علي من سحب أوراقي والاعتذار عن الاستمرار ..
كانت هذه من المرات القليلة في حياتي التي استخدمت فيها وسيلة غير شريفة للوصول لهدفي ..

تصورت أنني بذلك أؤمن وسيلة لرؤيتها ولقائها كل يوم .. تخيلت أنني ممكن أن أعيد الحب الشرعي إلى أيام الجامعة وانطلاق الشباب !!

لكن منال قد علمتني درسا لم أنسه ..

كما أنني استفدت .. استفدت فعلا من دراساتي في تلك الدبلومة .. لقد كانت العلوم الإنسانية من هواياتي ، فإذا بي أنغمس إلى أذني في دراسة علوم النفس على مختلف أنواعها ومسمياتها من الصحة النفسية ، إلى علم نفس النمو ، إلى فلسفة التربية .. وغيرها من الدراسات الثرية تماما ، والتي أشبعت نهمي بتلك العلوم إلى حد كبير ..

استجابت منال إلى إغرائي وتقدمت للدراسة في الدبلومة ، وتخلت عن وظيفتها لتتفرغ للدراسة ، ولأنها من الطالبات المواظبات والمجتهدات ، على عكسي تماما في هذا الجانب ، فقد كانت تأتيني بالأخبار أولا بأول ، وكنت أنا ما أزال مرتبطا بعملي كبقال غارق في الجبن والزيتون بأنواعهما ..

لم أفكر مرة أن أذهب إلى الكلية لأسأل عن مصير أوراقي التي تقدمت بها .. لكنها أخبرتني أن أسماء المقبولين قد أعلنت ، وأنها وجدت اسمي بين كشوف الأسماء .. وحمدت الله بيني وبين نفسي وتنفست الصعداء ، أنها تتذكر اسمي هذا الذي لم تذكره أمامي مرة واحدة منذ خطبتنا ، كأنه في ذاته كلمة خارجة عن حدود الأدب واللياقة ..

وأخبرتني أن علي أن أذهب إلى مستشفى الجامعة بالإسكندرية لإجراء الكشف الطبي المطلوب ، وكان يوما واحدا محددا لجميع طلاب الدبلومة ، وسعدت كثيرا بهذا الخبر ..

ربما استطعت أن أقابلها في رحاب جامعة الإسكندرية ، وأن أتحدث معها ، ولو قليلا فقط بعيدا عن الرقابة المشددة ..

لكنني تلقنت الدرس الأول يا صديقي .. لم يكن متاحا لي أن أحادث خطيبتي خارج جدران غرفة الصالون .. تلك الغرفة التي تحبنا ونحبها .. وفي وجود مقص الرقيب الذي نجح حتى الآن في حذف اسمي باعتباره لفظا خارجا على الآداب العامة ..

فهمت من خلال هذه الرحلة إلى جامعة الإسكندرية أنه ممنوع الاقتراب أو حتى محاولة الاقتراب ..

أسقطت الدبلومة من حساباتي .. طالما الأمر لن يعدو رؤيتها من بعيد لبعيد .. واستمررت في عملي ..

لكن الدراسة كانت قد بدأت ، وخلال أسبوعين كاملين لم أذهب خلالهما إلى كلية التربية مرة واحدة .. عرفت منها أن الحضور مهم ، وأن الدراسة شيقة جدا ، وأنها تحضر جميع المحاضرات ..
وهي تدعوني بوضوح وحسم ، أو تستطيع أن تقول بمنطقية أن أحضر جميع المحاضرات ..

ولك أن تتخيل يا صديقي وقع هذا الطلب على نفسي .. أنا الذي طيلة دراستي الجامعية الطويلة لم أحضر عدد من المحاضرات تتجاوز عدد أصابع اليدين ..
خلال كم سنة ؟
لا لن أشبع فضولك في هذا الجانب .. يكفيك أن تعلم أن سنوات دراستي في كليتي العملية كانت أكثر من أربع سنوات بكل تأكيد !!

تفكرت طويلا في هذا الأمر .. هل أستطيع فعلا أن أحضر المحاضرات في تلك الدراسة الاختيارية غير الإجبارية ؟
ولم لا ؟
مازالت الفرصة سانحة أمامي أن أراها كل يوم ، ولأن أتفوق في دراستي أمامها ، فمازال الرجل يبحث في عصرنا عن مظاهر التفوق ليثبت لامرأته جدارته بها ، وأن أعطيها كذلك فرصة لتعرف عن شخصيتي شيئا خارج حدود جدران صالون بيتهم .. تعرفني بين أصدقائي وزملائي ..
وليكن ..

بدأت فكرة الدبلومة فكرة خبيثة تماما .. لعبة ، وانقلبت اللعبة ، وضحيت بعملي من أجل الدراسة ..
وانتظمت فيها ، ودرست ما مجموعه أكثر بكثير من كل دراساتي الجامعية السابقة .. وأحببت المواد الدراسية ، وكنت أراها كل يوم .. ربما في البداية كانت تتجاهل نظراتي .. لكن مع الوقت أصبحنا سويا نحضر المحاضرات من أجل أن تلتقي عيوننا عدة مرات أثناء المحاضرة ..

كنت قد ذكرت لك الضوابط التي أفهمتني منال إياها دون أن تنطق بكلمة
وكانت تلك الضوابط أو الفرمانات تنص على أنه :
- الكلام خارج البيت ممنوع منعا باتا
- ممنوع أي محاولة للقاء أو الاحتكاك .. أثناء اليوم الدراسي ..
- مسموح فقط بتبادل النظرات بين الحين والآخر

لكن أهم من كل هذا أنني أدركت بما لا يدع مجالا للشك حقيقة مشاعرها نحوي .. تجلى ذلك في نظراتها ، وتجلى في شيء عجيب جدا لا يمكن تصديقه بسهولة ، حتى أنني نفسي ، لم أستوعبه في أول الأمر ..

كنت أرى منال في الكلية وبين زميلاتها بوجه ، وكنت أراها حين لقائنا الأسبوعي في صالون بيتهم بوجه آخر مغاير تماما !!..

كانت أمامي في لقاءاتنا ، مطمئنة الوجه ، هادئة البال ، يسطع على جبينها النور الذي حدثتك عنه سابقا ، وأستشف الرضا من خلف معالم وجهها ، الرضا وشيء من السعادة .. نور روحاني هادئ لكنه مؤثر تماما ..

أما في الكلية وبين زميلاتها ، فكانت معالم الجدية التي ربما تصل إلى حد الخشونة ، والنظرات الجادة ، والحركات الحادة ، والحرص الذي يجعل الفتاة التي أمامي هناك ، فتاة مختلفة كل الاختلاف عن خطيبتي ..
أدركت مع نفسي وبعد طول مراقبة .. أن جمال منال من النوع الذي يشع من الداخل ، ينبعث من روحها .. أشعر به حين تكون هي وادعة راضية مطمئنة ، وهو يختفي تماما إذا أثارتها مثيرات أو لم تكن في حالة من الرضا والطمأنينة الكاملة ..
وأدركت أن منال تطمئن إلي ، وتسعد لوجودي معها ..

وأهم من هذا كله فإن الدبلومة أعطتنا حياة مشتركة وموضوعات ومواقف وأشخاص مشتركة يمكن أن يتناولها حديثنا ، وبدأ تحفظ منال في حديثها معي يقل شيئا فشيئا ، دون أن ينتهي كلية ، ودون أن تنطق اسمي !

كنت قد طلبت منها ذات مرة أن نراجع بعض ما نحفظ من القرآن معا في لقاءاتنا ، كانت هذه فكرة جديرة بالموافقة والتشجيع ، وكان غرضي فيها شريفا تماما ، كان من أجل الاجتماع على القرآن ، وليس حول القرآن أي لعب أو غرض .. لكنها اعتذرت .. اعتبرت أن ترتيلها للقرآن أمامي فيه نوع من الفتنة لحلاوة صوتها ، وقبلت اعتذارها ، أو لم يكن مناص من قبوله ، وإن لم أرضَ ..

وفجأة وبعد عدة أشهر وعشرة .. ودون مقدمات من ناحيتي .. حدثت المعجزة .. بل المعجزات ..
ثلاثة أو أربعة مفاجآت توالت فوقعت على قلبي وقوع الغيث على قرية ميتة فتحييها من موات ..

كانت المفاجأة الأولى أني اتصلت بها ، أو أقصد ببيتهم هاتفيا لأطمئن على صحة الوالد ، كان الوقت ظهرا ، وكان الغرض شريفا ، فلقد أسقط في يدي تماما أن تمن علي بحديث في الهاتف .. لكنني فوجئت بأنها هي التي ترد علي في الهاتف ، ترددت قليلا واضطرب صوتها ، لكنها أكملت الحديث ، وأعطتني إجابة شافية عن حالة والدها الصحية .. واستمرت في الحديث ، حتى هممت أن أسألها : لم لا تناول السماعة لأحدهم أحدثه .. ابتسمت لنفسي لنكتتي الصغيرة .. وودعتها على الهاتف باحتشام ووقار ..

ثم كانت المفاجأة الثانية في زيارتي التي أعقبت هذه المكالمة الهاتفية ، إذ أخبرتني أنها موافقة على مراجعة ما نحفظ من القرآن معا !!!
بعدها مباشرة سافرت إلى القاهرة لقضاء يومين عند أقارب لي في القاهرة ، وحضور معرض القاهرة الدولي للكتاب ، وكنا أيامها على مشارف شهر رمضان ، واشتريت مجموعة قيمة من الكتب من المعرض ، في حدود ما تسمح به ميزانيتي ، ولم أنسها ، فلقد خصصتها ببعض الكتب ، لكن كلها كانت كتبا لا يمكن أن أهديها إياها إلا بعد عقد الزواج ، لكني اشتريت لها لعبة .. كانت لعبة الصور المجزأة ( البازل ) ..

وفي لقائنا التالي وكان الأخير قبل شهر رمضان ، كان من حسن طالعي ، أن والدتها هي الرقيب هذه الليلة ، ورقابة الأم فيها من التجاوز ما ليس في رقابة أحد أسدي كوبري قصر النيل ..

لم أعطها هديتها مغلفة كما جرت العادة بيننا من قبل ، ولو فعلت لأخذتها شاكرة في حياء ، ثم لم تفتحها أمامي .. لكنني قمت بتفريغ صندوق اللعبة ونشرتها على الطاولة في الوسط بيننا ، ثم نهضت من على مقعدي واقتربت من الطاولة ، ودعوتها ، فنهضت واقتربت هي الأخرى من الطاولة من الجهة المقابلة .. وأريتها اللعبة ، وحاولنا معا من بعيد ، فمازالت طاولة صالونية على الطراز الفيكتوري – كما يقول الإنجليز في أدبهم – حاجزا بيننا ، لكننا اقتربنا .. اقتربنا إلى الحد الذي لم أعد أحتمل فيه أي صبر أو فراق ..

وكانت المفاجأة الرابعة ، يوم جئت أخبرها فقبل الأسبوع الأخير من رمضان : أنني سوف أعتكف في المسجد الأيام الأخيرة وأنني لن أحضر لزيارتهم إلا في العيد .. فرجتني ألا أفكر فيها أثناء الاعتكاف حتى لا يفسد اعتكافي ، فوجئت برجائها ذلك العفوي البريء ، فنظرت إليها طويلا حتى احمر وجهها وأطرقت إلى الأرض ، وأعتقد أنها ظنت أنها أخطأت ..

وفي الفترة التي تلت ذلك ، أدركت أننا بدأنا مرحلة جديدة في علاقتنا معا ، مرحلة لا مصارحة ، ولكن لا تحفظ ..

وأتذكر جيدا أن سؤالا ظل يحيك في صدري أتحين فرصة لأسألها إياه .. حتى ظننت ذات مرة أن الفرصة قد حانت .. كان الحارس هذه المرة هو عصام .. وكان من عادته أن يجلس متجاهلا لنا تماما ولا يشاركنا الحديث ويتركنا نتحدث بما نشاء ، ونظرت إليه مرة بعد مرة فإذا به قد أغمض عينيه وأسند رأسه إلى مسند مقعده ، وظننت أنه قد استغرق في النوم ، خاصة أنه بقى على هذه الحالة أكثر من عشرة دقائق كنت أراقبه فيها بمعدل نظرة كل دقيقة .. حتى استوثقت من نومه فتجاسرت ، وطرحت سؤالي :

- منال .. أنني إلى الآن لم أسمعك مرة واحدة تناديني باسمي .. لماذا ؟

سمعت منال السؤال ، وعصرها الحياء عصرا ، ولم تعد تدري أين تضع عيناها أتطرق إلى الأرض أم تنظر تجاهي ، أم ناحية شقيقها ؟.. ورأيت كفيها تتشابكان في توتر ، لكنه كان توتر لذيذ ، يجيبني ولو نصف إجابة على سؤالي ..
كان حياؤها وهي على هذه الصورة التي لا تعرف فيها أين تختبئ مني أو تحتجب عن ناظري ، كان في حد ذاته فتنة ، وعاهدت نفسي ألا أعرضها لمثل هذا الحرج بعد الآن ..

ومضت بنا الأيام على هذا النحو ، وقد رضيت تماما بهذا القدر الهائل من الانفراج ، ووطدت نفسي ألا أطلب المزيد ، وإنما كنت ألح على أهلها وأهلي بالتعجيل بعقد الزواج ، لقد نضجت الثمرة وحان وقت قطافها ..

لم تكن الظروف مهيأة .. ولقد حدثت بعض مواقف طريفة بعد ذلك .. لكن أشدها وقعا وتأثيرا كانت محدودة العدد ، عظيمة الدلالة ..

فجأة توتر الجو حولنا .. أقصد الجو السياسي العام .. بدأ تضييقا منظما على جماعة الإخوان ، وبالتالي على نشطاء العمل الإسلامي .. وزادت حدة الاعتقالات واتسعت رقعتها ، كان ذلك تمهيدا للمحاكمات العسكرية التي أعقبت ذلك بعدة شهور ..

وبدأت أشم في الجو رائحة خطر .. وأن الأمر هذه المرة جد لا هزل ، ربما أقبل الشباب على ضربة تضاهي في قوتها ضربتي عامي 54 ، و65 ..

هكذا قدرت بشيء من الجزافية ، وفي هذه الأثناء ، كانت الامتحانات الجامعية تقترب .. وأصبح الجو مشحونا من كل اتجاه .. وأتذكر أنني في هذا الوقت على وجه التحديد كتبت رسالة إلى قريبي الذي يعيش في الخليج طالبا منه أن يبحث لي عن تأشيرة وعمل ، وأطلعته على الظروف السياسية والأمنية التي تبرر طلبي هذا بعد طول تمنع ورفض .. لأنني اعتبرت الأجواء ممطرة ..
وأتذكر أنني كنت أستعد للامتحانات وكنت جالسا أستذكر بعض دروسي ، قبل ظهر أحد أيام الجمعة ، وقبيل صلاة الجمعة بوقت محدود لا يتجاوز ثلث الساعة ، جاءني أحد الأصدقاء ، طالبا مني أن أحضر إلى المسجد للقيام بخطبة الجمعة حيث اعتذر خطيب هذا الأسبوع في اللحظات الأخيرة ، وحاولت إفهامه أنني غير مستعد بأي نوع من الاستعداد .. وحاولت أن أجعله يراني غارقا في أنواع من الكتب الفلسفية ، وأن ذهني الآن بعيدا عن أي نوع من الموعظة الواجبة في مثل هذه المناسبات ، إلا أنه أصر مخيرا لي : إما أن أخطب الجمعة ، وإما أن يغلق المسجد ..

واخترت أن أخطب .. ونزلت معه على عجل ، ولم يكن في ذهني موضوع حقيقة ، فلما صعدت المنبر ، وجدتني أتحدث عن الابتلاء والمحن ، حديث من يعيش أجواء المحنة ، كانت الخطبة مؤثرة تماما ، حتى أعدها من أفضل خطبي على الإطلاق .. ولم يكن ذلك نابعا من شيء إلا من قدر استشرافي لمستقبل خانق محتمل ..

في هذه الأجواء ، اقترب موعد يوم ميلادي .. لم أكن لأتذكره تماما .. ولم أكن قد نسيته ، تستطيع أن تقول لم يكن عندي اهتمام به بوجه خاص .. حتى كانت زيارتي لمنال اليوم السابق لتاريخ ميلادي مباشرة .. وكانت قد أعدت لي هدية .. تلك الهدية التي أحتفظ بها دائما أبدا ..
لم تكن هدية عادية .. لقد عبرت عن كل شيء ..
كانت هديتها عبارة عن كتاب وكتيب ..
أما الكتاب فقد كان ديوان شعر للشيخ يوسف القرضاوي بعنوان لفحات ونفحات ، وأما الكتيب فقد كان عن علي عزت بيجوفيتش رجل الإسلام في البوسنة وفي أوربا كلها ..
كانت الهدية تقدير ، ورسالة ..
شاعرية القرضاوي وصلابة بيجوفيتش ..

أما الإهداء فقد كان تحفة نادرة من الرقة والعاطفة والتقدير ، ولئن أهديت هدايا كثيرة في حياتي من أحباب كثر ، لكن لم يكن ولن يكون مثل هذا الإهداء .. كانت جملة من عبارتين كتبت على الصفحة الأولى من ديوان الشعر :

إلى أرق قلب ، وأعذب لسان .
إلى .. عماد
كنت قد أخذت الهدية من منال شاكرا ، ولم أفكر في فتحها أمامها ، تحسبا لأي مفاجأة ، فلأعطي لنفسي فرصة اختيار التعليق المناسب على مهل .. وعندما انصرفت من الزيارة ، لم أطق صبرا على عدم معرفة محتوى الهدية ، ونوع الكتاب الذي اختارته لي ، فقد كنت أدرك من تغليف الهدية ، أنه كتاب .. وكنت في شوق بالغ لقراءة عنوانه ، وطال بي الطريق من منزلها إلى منزلنا ، ولم أدرِ لم تطول الطرق وتقصر دائما على عكس أمنياتنا ورغباتنا ؟!
ووصلت إلى منطقة خالية من الشارع ، والذي كان في مجمله خاليا بعد منتصف الليل .. وفضضت الغلاف الخارجي ، وأخرجت ديوان الشعر ، ثم كتيب ( بيجوفيتش ) من داخله ،

وما أن قرأت الإهداء .. حتى توقفت في الشارع لا ألوي على شيء ..
شعرت أنني أريد الرجوع إليها فأقبل رأسها وكفيها .. ولو من فوق الخمار والقفازين .. فكرت في أن أتصل بها هاتفيا ، لأقول لها لقد وصلت رسالتك يا أعظم روح ، وأرق وجدان ، وأكبر حب ..

لقد كان قلبي يخفق بقوة وسرعة أكثر مما يمكن أن يتحمله جسدي .. لقد كنت سعيدا فوق ما تخيلت مدى القمة التي تصلها سعادة أي إنسان ..

وكان علي رغم مشاعري المحمومة ، أن أمضي إلى طريق العقل ، فأنقل قدماي في بطء وجزل إلى منزلي .. وما أن وصلت إلى شارع منزلنا حتى لمحت مخبرا سريا .. يحمل لاسلكيا بيده ويتحدث فيه وينتظر الإشارات .. كان هذا المخبر يقف أسفل بيتنا تماما ، وربما بالقرب من بوابة المنزل تماما ..
ودق قلبي بعنف ووجل ، لكن هذه المرة لم يرقص من السعادة ، ولكنه ارتعش من الخوف حتى كاد أثناء رعشته أن يتوقف ..
ونظرت في ساعتي ، فوجدتها قد تعدت الواحدة صباحا ..

لقد كان الجو العام موحيا ، ولقد كانت توقعاتي لها ما يؤيدها ، ولكن لم أكن توقعت أن تجري الأمور بهذه السرعة ، فإن المباحث حينما تقرر توجيه ضربة ، فليكن اسمي مدرجا في المرحلة التاسعة أو العاشرة أي بعد عدة شهور .. أما الآن فهذا غريب مثير ومقلق إلى أبعد حد ..
وصعدت الدرج وأنا أرتجف ، وحمدت الله أن وجدت أخي مستيقظا ، فسألته هل جاء أحد يسأل عني ، فأجاب بالنفي ..
تركته ودسست الهدية الحبيبة ، وأنا أتألم من أن تكون لحظة السعادة الغامرة هي نفسها لحظة القلق المطبق ، دسست هديتي أسفل وسادتي .. وخرجت إلى الشرفة أترقب ..
وتوقعت أن يأتوا في غضون من ساعة إلى ساعتين .. ومرت الدقائق بطيئة ثقيلة موحشة ، ولم يكن في الشارع أي مستيقظ ، سوى هذا الصوت المزعج الذي ينبعث من جهاز اللاسلكي ..
وظللت على هذه الحالة حتى آذان الفجر ، وكان آذان الفجر بالنسبة لأمثالنا بمثابة صافرة الإنذار التي تنطلق عقب انتهاء الغارة الحربية معلنة بالأمان وإمكانية الخروج من المخابئ .. إنهم لا يأتون أبدا بعد أذان الفجر ، فالحمد لله قد مرت الليلة ..

أما ما حدث لي هذه الليلة فهو من أسراري التي كتمتها عن الجميع ، حتى أنه يعد من الأسرار النادرة جدا التي لم أخبر بها منال !

أعقب ذلك أنني أحببت أن أكتب لها أرق إهداء ممكن على بطاقة معايدة بمناسبة عيد الأضحى ، فلم أكتب سوى جملة واحدة عادية جدا ، لأن الكلمات هربت ، ولأنني خشيت من التفتيش الذاتي ..

لم تقنعنِ البطاقة ، وفي أول فرصة لاحت لي .. قد كان الدور على أم منال للمناوبة أقصد لمرافقتنا .. وتركتنا بضع دقائق لقضاء بعض شؤونها ..

فاستغللت الفرصة واعتذرت لمنال عن بطاقة المعايدة .. قلت لها :

- أعرف أنها كانت باهتة ..

أجابت بحياء وهي مطرقة إلى الأرض :

- لكنني قرأت ما خلف السطور .. وفهمت كل ما لم تكتبه ..
كانت تطمئنني ، وكانت تقطع الطريق على استكمال كلماتي .. لكنني تجاسرت وقلت لها :
- أردت أن أكتب على البطاقة عبارة ( أحبك جدا )

أما رد الفعل الذي أعقب تجاسري على النطق بهذه الكلمة ، فقد كان مذهلا .. شعرت بأن منال تغوص في مقعدها ، كأنها ترجوه أن يبتلعها فيغيبها عن عيني ..

ولما لم يستجب لها المقعد ، نهضت واقفة وكل جسدها يهتز ، وخرجت من الغرفة .. غابت دقيقتين .. ثم أحضرت كوب من الماء وقالت لي :

تفضل ..

وللمرة الثانية عاهدت نفسي ، ألا أعرضها لأكثر مما تطيق .. هي تعرف ، وأنا أعرف .. فما فائدة هذه المراهقة ؟؟
لم ولن أجد إجابة .. لكنه الواقع كما كان ..

لكني اكتفيت بذلك فلم أراهق بعد هذا الموقف ، وأجلت كل مشاعري إلى الليلة السابقة لعقد الزواج ..


رد مع اقتباس
  #12  
قديم 07-05-2010, 11:03 PM
الصورة الرمزية semeramis
semeramis semeramis غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: egypt
النوع: أنثى
المشاركات: 516
نقاط التقييم : 191
افتراضي رد: حتى لا تموت الروح ... قصة حب حقيقية




9 – لم أكن في الضنى وحدي
كما لعبة ( البازل ) بالضبط .. تحتاج لتجميع أجزاء الصورة حتى تتضح معالمها ، وهكذا لا يمكنني أن آخذ كل الحقيقة من روايتي ، أو من معايشتي بمفردي ، فما ذكرته سابقا لم يعدو أن يكون نصف الحقيقة فقط ، أما نصفها الآخر فهو مع منال التي تركته في مذكراتها قائلة :

عرفت كثيرا من صديقاتي وأخواتي اللواتي تضيف لهن مرحلة الخطوبة ، أو حالة الحب ، تضيف لهن شيئا أو أشياء ..
كأن تكون لحياتهم معنى أو معاني ، ثم تكتمل هذه المعاني في مرحلة الخطبة ، أو يضفن إلى شخصيتهن شيئا بحالة الحب ،
بعض هؤلاء تكن مكتملات الشخصية ويكون الارتباط برجل هو المكمل الأخير لتلك الشخصية ، وبعضهن لا تكن كذلك ، غير أنها تعيش الحب لحظات سعيدة حالمة ، دون أن يكون له أثرا عميقا على شخصيتها وتعاملاتها ومداركها ، فهي لا تتغير ، وتستخدم الحب كوسيلة للترفيه أو التنفيس أو المتعة ..
وقليل ممن عرفت كانت حالة الحب تغير حياتهن تغييرا جذريا ، بحيث تنقلب الفتاة من حالة إلى حالة أخرى مغايرة تماما .. كأنها ولدت من جديد ..
ولقد كنت أنا من هذا النوع الثاني .. كنت من القليل من الفتيات .. لقد قلبت حالتي مع عماد كياني كله ، وغيرت من شخصيتي تغييرا كاملا ..

أحببت عماد ، ولم أكن قبل معرفتي به قد حلمت بهذا النوع من الحب ، كنت في طفولتي وبداية شبابي قد سمعت كثيرا من قصص القريبات والجارات ، كانت كل واحدة منهن تعاني مع زوجها أو مع أهله ، أو مع كلاهما معا .. ولم أكن أسمع من أمي ولا من واحدة من زائراتها تحمد الله على حياتها ..

والأشد من ذلك ، أنني نشأت في بيت عائلة ، بالطبع كان لأبي وأمي شقة خاصة بهما ، لكن البيت نفسه كان بيت عائلة ، فكنا في البيت مع جدتي ، وعماتي ، وأعمامي قبل زواجهم ، وكانت أمي دائمة الشكوى لنا ولخالاتي ، من العديد من المشكلات اليومية مع كل طرف من تلك الأطراف ..
وكانت هذه المشكلات تؤثر تأثيرا مباشرا على العلاقة داخل الأسرة بين أبي وأمي ، وبين أبي وبيننا جميعا ..
لم أكن أشعر بالاستقرار ولا الهدوء ، ولم يكن يمر يوما دون مشكلة من تلك المشكلات المتكررة ..
فإذا أضفت إلى ذلك مشكلات الجيران ، وما كانت تحكيه أمامي بعض الصديقات .. كان كل هذا يؤثر في نفسيتي تأثيرا عميقا ..

لقد كنت ومازلت أتعجب من بعض أمور في الحياة الاجتماعية للناس ، وفي الطبيعة البشرية للإنسان ..
مثال على ذلك أنا وشقيقتي والتي تكبرني بعام واحد ، ولذا فإن إدراكنا لكم المشكلات الاجتماعية يكاد يكون متساويا لاقتراب السن ، ومع ذلك تكونت لدى أختي عقدة عميقة من فكرة سيطرة الرجل ، ومن فكرة تقبل أم الزوج ( الحماة ) ، ومن قبول المعيشة في بيت عائلة .. ومن أشياء كثيرة .. جعلتني أتوقع ، أن تصنع نفسية سوداوية ..

بينما أنا التي كنت أمر بنفس تلك الظروف ذاتها ، وأتغذى على نفس تلك الأفكار .. كنت على النقيض تماما ..
كنت دائما ما أشعر بأن جزء من الحقيقة ناقص .. بأن كل شاكية من هاتيك الشاكيات كان في إمكانها أن تصنع شيئا يخفف شكايتها ، لكنها لم تفعل ، مكتفية بلعب دور الضحية والمظلومة ..
وكنت أنا أراهن نفسي أنني لو وضعت في نفس الظروف تماما ، فسوف أفعل شيئا مختلفا ، سأكسب حب هؤلاء جميعا ..
سأستطيع أن ألعب عدة أدوار في وقت واحد .. دور الزوجة المحبة ، والابنة الطائعة ، والأم الحانية ، وزوجة الابن البارة بأم زوجها وأخوته وأخواته .. كانت هذه هي نظرتي الدائمة للحياة ..

وأنا لا أدعي وأنا أكتب هذه السطور أنني نجحت في ذلك تمام النجاح ، فهذا ما لم أشهد به لنفسي ، ولكنني أتعجب فقط من الفوارق في الطبيعة البشرية ، حين تتحد عوامل الوراثة والبيئة والتربية ، ثم تنتج أكلا مختلفا ألوانه ..

والظاهرة الاجتماعية الأخرى التي كنت أتوقف أمامها كثيرا .. هي أنني كنت ألاحظ كل امرأة أعرفها تقريبا كيف تكون راضية بخطيبها قبل الزواج ، منجذبة إليه ، مؤمنة به ، حتى إذا تزوجا بدأت المشكلات ، وانتهى الرضا والانجذاب والإيمان .. تلاشى كل ذلك وتحول إلى اتهام ، وتعويل على النصيب الذي ابتلاها بهذا الزوج !!!

كل هذه العوامل البيئية والتربوية التي أثرت على تكوين شخصيتي ، كانت تتصارع في المقابل مع معنى آخر مختلف تماما للعلاقة الزوجية .. لتكوين الأسرة الإنسانية البسيطة ، علاقة تقوم على السكن والمودة والرحمة .. علاقة نفس انبثقت من نفس ، وروح خرجت من روح ، وسكن يقضى على كل هاجس أو توتر ، ومودة ورحمة خلقها خالق كل الأزواج ..
طالما تساءلت أليس هذا هو قانون الله تعالى ؟

كنت كثيرا ما أحضر احتفالات الأعراس الإسلامية في المساجد .. وأسمع الخطباء يتبارون ، في ذكر علاقة المودة والرحمة ، وخيرية النبي صلى الله عليه وسلم لأهله .. كلهم إذن يعلمون ذلك ، وكلهن كذلك يدركنه .. فما الذي يحدث حينما يلتقيان ؟
أين تذهب المودة والرحمة ؟

بين عوامل البيئة والظواهر الاجتماعية ، وبين الاقتناعات العقلية التي يطمئن إليها القلب ويحميها النص المقدس .. كان الصراع يتأجج ، ولقد اخترت الانحياز الكامل لما يطمئن إليه القلب .. لابد أن الله تعالى لم يرفع المودة والرحمة من القلوب ، غير أن الإنسان هو الذي لا يهتدي إليهما ..

لقد كنت منذ البداية أنوي ، بل قررت أن أفعل المستحيل لأن أحب خاطبي أيا كان .. طالما رضيت به ووافقت عليه .. وأن أبحث عن نعمة السكن والمودة والرحمة .. وكنت أتخيل هذه المودة على شكل اطمئنان وهدوء ورضا ..
وكانت دعوتي الدائمة منذ تفتحت عيناي على مشكلات الحياة الاجتماعية .. دعوتي المخلصة المخبتة لله تعالى : أن يرزقني الزوج الصالح الذي يحافظ على نقاء قلبي ، وأن تتحقق بيننا المودة والرحمة .. كان هذا دعائي في كل سجدة خاصة في صلاة الفجر ..

لكنني لم أكن لأطلب أكثر من ذلك .. كنت قد أدركت أن علاقات الحب الجارف ، والوله الشديد ، والتعلق الذي لا حدود له .. علاقات لا وجود لها إلا في الروايات الأدبية ، والأفلام السينمائية .. لكنها لا تحدث على أرض الواقع ..

لكل هذا عندما تقدم عماد لخطبتي أحببته هذا النوع من الحب الهادئ الرقيق .. لكن شخصيته لم تكن من هذا النوع .. لقد كان عاطفي مشبوب العاطفة .. وسرعان ما تحول حبي له إلى نوع من الحب أكثر رومانسية من كل ما قرأته في رواية أو شاهدته في فيلم ..

ربطت بيني وبين عماد منذ الوهلة الأولى .. خاصة بعد تعمده اختيار تاريخ ميلادي ليؤرخ به لعلاقتنا ، منذ هذه اللحظة ، لم يكن من الممكن التحكم في مشاعري تجاهه أو إخضاعها إلى أي عقل أو منطق ..
أحببته كأشد ما يكون حب فتاة ظمآنة محرومة ، لشاب مفعم بنداء العاطفة والاحترام ، وكان أحلى ما في هذا الحب ، أنه يأتي في إطاره الاجتماعي السليم ، خاطب ومخطوبة ..

لكنني رغم هذه المشاعر الفياضة التي كانت تضغط على أعصابي كله .. عانيت .. عانيت كثيرا جدا من عدم قدرتي على التعبير عن هذه المشاعر .. كنت أختزنها ، وأختزن معها إشارات عماد المتكررة ، فتضغط على نفسي ضغطا شديدا ..

لقد نشأت في أسرة ، تعتبر العاطفة حتى بين أفرادها عيبا ..
ولا أنسى أبدا أنني حاولت مرة وأنا في بداية سن المراهقة أن أعبر لأمي عن مشاعر حبي تجاهها ، فعاقبتني على ذلك عقابا شديدا ، كأني أتيت جرما شنيعا .. منذ هذه الحادثة وقد انعقد لساني تماما عن النطق بكلمة عاطفية رقيقة ..

ثم جاء عماد وأعطاني ما لم أستشعره في حياتي من قبل ، وحاول أن يحلل عقدة من لساني ، ولو أن عماد استطاع أن يحرك جبلا راسخا من مكانه ، ما تخيلت أنه ينجح في تحريك لساني ، ومع ذلك حركه حركة خفيفة لكنها ملفتة .. ولم يكن هو ليقنع بذلك ويرضى ، ولم يكن يدرك أن إلحاحه هذا فوق طاقتي ، لم يكن يدرك طبيعة التفاعلات التي تحدث داخل الأسرة ..

كان عماد يزورني في الأغلب الأعم مساء الخميس ليلة الجمعة ، وكانت زيارته الأسبوعية لي عيدا لنفسي ، أهيأ لها فيه كل أسباب السعادة والرضا ..
لكن أمي كانت تستقبل يوم الخميس منذ صباحه بنكد ظاهر ، وعصبية مفرطة ، وحدة عنيفة .. ومنذ الصباح تذكرني في كل لحظة أن لي شقيقة أكبر مني ، وأنها لم تخطب بعد ، وأن علي أن أراعي مشاعر أختي ، فهي شديدة الحساسية ..
وأصمت وتستمر أمي في حدتها وتحذيراتها .. وأسألها عن المطلوب مني حتى تهدأ قليلا ..
فيبدأ فيض الممنوعات :
لا تظهري فرحتك بمجيء خطيبك
لا تظهري لهفتك على موعده
لا تطيلي الحديث معه
اطلبي منه أن ينصرف سريعا ، لا داعي للسهر كثيرا ..
لا تظهري سعادة بعد انصرافه
لا تتحدثي مع أختك عن مشاعرك تجاهه ..
.... ..... ....

وبعد انصراف عماد تبدأ قائمة التقريع واللوم :
لقد سهر أكثر مما يجب
لماذا أنت مسرورة هكذا ؟
.... .... .....

ويستمر اللوم والتعنيف نهار يوم الجمعة كاملا وجزء من الليل .. وربما امتد إلى بقية أيام الأسبوع ، وربما عوقبت على خطأ لم أرتكبه بأن أمنع من الخروج في وسط الأسبوع ، لأنني سمحت لعماد أن يسهر أكثر مما ينبغي ..

أحيانا كان يفيض بي ، فأقول لأمي بصوت خافت لكنه معبر : لماذا لا تقولين له أنت يا أمي أن سهره الزائد يقلقكم ؟.. فأنا لا أستطيع أن أذكر له ذلك .. هذا أمر فوق طاقتي ..
وهنا يبدأ سيل آخر من السخرية والعتاب ..

أما أخوي الأشاوس .. فلقد صرت أنا وعماد لهما بمثابة الفريسة التي سقطت بين يدي صياد !!
بدت غيرتهما طاغية لا حد لها ..

في بداية علاقتي بعماد ، كان عصام يزورني في غرفتي قبل زيارة عماد ، فيلقنني ما يجب أن أقول ، وما يجب ألا أنطق به أو أفعله في حضوره ، يحذرني من الضحك بصوت ، أو إشعار عماد بسعادتي به ، أو التلميح إلى أي شيء من مشاعري تجاهه ، هذه عورات لا يجب أن تظهر من الفتاة المحترمة ..

ثم يجلس معي بعد الزيارة شارحا بعصبية وسخط الأخطاء التي وقت فيها ، أو وقع فيها عماد ، كان يجب ألا يقول هذه الكلمة ..

وأنظر إلى عصام بعجب متسائلة : وهل أنا مسؤولة عن لسانه ؟
ويجيب بحزم : كان يجب ألا تشجعيه على قول ذلك .. أشعريه أن هذا يضايقك ..
وكان علي أن أصمت ، فما في رأس عصام لن يتغير ، فما فائدة الجدال ؟؟

منذ أول لقاء في يوم خطبتنا نفسه .. بدأت التوجيهات والتحذيرات .. ثم بدأ اللوم العنيف بعد اللقاء .. كانت سهرتنا الأولى مع عماد وفي وجود عصام عقب الاحتفال بالخطبة مباشرة ..

نسيت أن أصف حفل الخطبة نفسه .. لقد كان عماد يجلس مع أبي وأخوتي ووالده وأخوته وأصدقائه في غرفة خارجية ، وبعض الأقارب .. وكان صوت المسجل ينبعث بالأناشيد الجميلة من عندهم ، أما أنا فقد كنت في غرفة داخلية مع أمي وأم عماد وخالاتي وصديقاتي .. لم يكن ثمة عريس وعروس كما يحدث في كل الحفلات !!

التي ألبستني شبكتي .. خاتم الخطبة ، والأنسيال ، هي والدة عماد نيابة عنه ، وكان الذي ألبسه خاتم الخطبة الفضي هو أبي ، فما كان عماد ليسمح لنفسه ، وما كنت لأسمح له أن يلمس كفي قبل العقد ..

وظننت بعد انقضاء الحفل ، وانصراف المدعوين ، أن من حقي كأي عروس أن أحتفل مع خطيبي بهذه المناسبة التي لا تتكرر في العمر كله .. وكنت ما أطمح فيه أن أجلس معه في وجود عصام ، ولكن في جو فيه شيء من الانفتاح وعدم التحفظ ، نعبر عن القليل ، والقليل فقط من سعادتنا ..
وكان جزاء طموحي هذا عقب انصراف عماد .. تقريع عنيف من عصام :

كنت تبتسمين بشكل زائد

السعادة كانت بادية على وجهك أكثر مما ينبغي

شكرته أكثر من مرة على هدية الخطبة ، لم يكن هناك داعٍ

تكلمت معه كثيرا دون تحفظ

أرجو ألا تتكرر هذه التجاوزات مرة أخرى ..

وفي زيارة عماد التالية إلينا ، كان من الطبيعي أن أستلهم جلسة أبي الهول أمام الأهرامات الثلاثة ، ففي بيتنا أربعة أهرامات وليس ثلاثة فقط !!

بعد فترة من الزيارة طلب عماد مني كأسا من الماء .. فلما انصرفت من الغرفة .. تبعني عصام بعد لحظة ، وقال لي :
- لماذا تجلسين هكذا صامتة كأنك أكلت لسانك ؟
الرجل لاحظ وجومك وسألني عن ذلك فأحرجني ..

أجبت :
- أنا أنفذ تعليماتك ..
قال عصام غاضبا :
- أنا طلبت منك التخفيف من الابتسام ، ولم أطلب منك الصمت التام .. هل فهمت ؟

ولم أكن أستطيع أن أفهم أو أستوعب هذه الأوامر المتداخلة والمتضاربة ..

أما بطاقات المعايدة ، وأغلفة الهدايا التي كان يحضرها لي عماد ، فقد كان يتم تفتيشها تفتيشا دقيقا بحثا عن كلمة مهربة هنا أو هناك ..

ويوم أن سألني عماد سؤالا محرجا كاد أن يقتلني به حياء .. حين ظن أن عصام نائما بجوارنا ، فسألني لماذا لا نطق اسمه أو أناديه به ..
لقد دعوت الله أن تنشق الأرض وأن تبتلعني ، فلا أخرج منها .. ولم أجبه بغير الإطراق إلى الأرض .. ومع ذلك ..

مع ذلك لم تمر تلك الليلة ولا الأسبوع التالي كله على خير ..
لقد ظل عصام في تحقيق كامل معي ، وظل يوبخني ، ويلومني أن أتحت لعماد أن يسأل مثل هذا السؤال الصريح ؟
أخيرا قلت له : يا عصام أريدك أن تلاحظ أمرا واحدا .. أمر واحد فقط من فضلك .. إن خطيبي عماد يدرس معي في الكلية وفي نفس المدرج ، ولو لم نكن أنا وهو أهلا للثقة ، لكنا الآن لسنا في حاجة للتعبير عن أنفسنا أمامكم .. في وسعنا أن نلتقي كل يوم ، ونحن نلتقي بالفعل .. بوسعنا أن نتحدث وأن نضحك ، وبكل حرية .. لكننا نراعي ربنا فهو الرقيب ، ولا نراعيك أنت .. هل فهمتني يا عصام ؟
ذهل عصام من مواجهتي له ، فهدد بإلغاء الدراسة ، فقلت له :
- لا تستطيع أن تهددني بذلك ، فلو احتكمنا إلى بابا فهو يرى أن من الطبيعي جدا أن يتحدث الخاطب ومخطوبته بدون محرم ، ما لم تكن خلوة ، ولو احتكمنا له لصرح لنا باللقاء في الكلية في وسط الطلاب .. فلا تلجئني لذلك ، لأنني لا أريد أن أفعل ذلك رعاية لله ، وصونا لهذا الخمار الذي أرتديه ..

بوادر قطيعة جديدة كانت على وشك البدء مع أخي عصام .. لكن حدثت أمورا أسرية أجلتها إلى حين ..

أما كشاكيل المحاضرات ، والكتب ، والمذكرات التي كنا نتبادلها أنا وعماد في الفترة الأخيرة من الدبلومة ، فكانت تخضع لرقابة صارمة ..
ومع ذلك كان يمرر لي فيها عماد بعض تعليقات في غاية العجب

وكانت أكثر التعليقات تكرارا بين ثنايا السطور :

( يا لذيذ يا رايق ) ..
كان هذا هو تعليقه المفضل ..

مرة وجدت كلمة مكتوبة بقلم رصاص ثم ممسوحة .. كانت ممسوحة بإصبعه مثل تلاميذ الروضة المهملين ، لعله لم يجد ممحاة ، أو أنه تعمد محوها بهذا الشكل لتلفت نظري ..
لقد كان مكتوبا قبل المحو كلمة : أحبك ..

ولم تكن بعض تصريحات عماد تخلو من مغامرة وصبابة .. وكنت أعذره ، وقد كنا نحفظ أثر : أن من عشق فكتم وعف فمات فهو شهيد ..
فالحب المكتوم الصامت سبب من أسباب الفتك بحياة الإنسان ..

كل هذه الحواجز وغيرها كانت تعجزني عن التعبير عن مقدار حبي لعماد .. أما هو فكان لا يعدم وسيلة للتعبير .. في صورة هدية أو نظرة أو كلمة .. لقد كان يغازلني أحيانا .. خاصة إذا كانت الرفيق لنا هي أمي .. ولم أسمع كلمة غزل واحدة مما قال ، لكني كنت أعرف أنه يغازلني عندما تحمر أذناه ، وتضيق عيناه ، ويخفت صوته ، يخفت كثيرا فلا أسمعه ، لكني كنت أشعر أن الجملة التي قالها وهو على هذه الحالة هي جملة غزل ، فكنت أستحي ، وأنظر إلى الأرض ، وبالطبع لا أطلب منه إعادتها لأني لم أسمعها ..

وكنا نقضي أغلب أوقاتنا معا في حديث مسترسل عذب كأنه ينحدر من مصب نهر ، ينطلق به عماد عن السيرة ، وكان عماد إذا بدأ بالحديث عن السيرة ، فلا يمكن أن يوقف تدفقه شيء ولا أحد ، وكنت أحب أن أسمع السيرة النبوية الشريفة منه ، كنت قد قرأتها من أكثر من كتاب من قبل ، ولكني لم أسمعها ولم أفهمها بمثل ما كنت أستوعبها من حديث عماد .. كانت له ملكة خاصة في ذلك .. كان يتعمق معانيها بشكل كبير ، وكان يخرج منها بدلالات وإسقاطات على الواقع المعاصر بشكل ملفت ، والأعجب من ذلك أن حديثه فيها كان متدفقا ، أي كلما استرسل استزاد ، فهو حديث يزيد ولا ينقص ، ويسري ولا ينقطع .. وأحببت أن أسمع السيرة منه دائما ..

وكنا نتناول الأحداث المحيطة الجارية وهموم الأمة .. وكانت له رؤية ورصد مختلف غالبا عما أسمعه في الدروس التي أحضرها ، ولم أكن بالضرورة أتفق معه في كل ما يذهب إليه من تحليل ، أو توقع ، لكنني كنت مفتونة بحديثه في السيرة النبوية تماما ..

وكان له باع في الشعر ، وحس رفيع جدا في ذلك .. كنت قد تعودت أن أسمع أشعار الحماسة والجهاد .. كانت هي الأشعار المتداولة في الأناشيد المشهورة التي طالما ترنمنا بها في ربوع الجامعة مثل :
لبيك إسلام البطولة كلنا نفدي الحمى
لبيك واجعل من جماجمنا لعزك سلما
لبيك إن عطش اللواء سكب الشباب له الدماء
لبيك لبيك لبيك ...

ومثل :
تهون الحياة وكل يهون
ولكن إسلامنا لا يهون
نضحي له بالعزيز الكريم
ومن أجله نستحب المنون

ونشيد :
يا دعوتي سيري سيري سيري
لا يوقفك ظالم أو غدر شرير

أما هو فقد كان يختار من الشعر أرقه وأعذبه .. كانت أشعارا وطنية ، لكنها مفعمة بالعاطفة .. وكانت اغلبها مما أسمعه لأول مرة ، فلم تكن تتردد إلا على لسانه .. وأنا أذكر منها مطلع نشيد كان له عنده مكانة خاصة يقول :

حبيبتي بلادي
نسيت في موائد الثناء
سيدا تعشق الفداء
أحب أن يراك مسجدا مقدسا ثراه
كفة الكلام عنده نصف كفة العمل
نسيته مقيدا
شغلت عنه بالبريق
ومن سيطفئ الحريق غيره
إن جهلت سره
حبيبتي بلادي
قد كنت أكتب الكلام من دمي
قد كنت أقرأ الحروف واحدا فواحدا لتقرئي لتفهمي
وكنت أعزف النشيد هامسا لعله إلى الفؤاد ينتمي
وكنت يا بلادي وكنت .. وكنت يا حبيبتي وكنت

....

وكان يحب أناشيد الشاعر هاشم الرفاعي المفعم بالشاعرية .. فيردد قصيدته التي مطلعها :

أبتاه ماذا قد يخط بناني
والحبل والجلاد ينتظراني
هذه السطور إليك من زنزانة مقرورة صخرية الجدران
لم تبق إلا ليلة أحيا بها وأظن أن ظلامها أكفاني
ستمر يا أبتاه لست أشك في هذا وتحمل بعدها جسماني

وكان لا يخرج من حالته تلك الحالمة الشاعرية ، إلا أذا أزعجه أحد أو موقف ما ، فقد كان ينقلب شخصا عنيفا في مجادلته ، ويحاول مقارعة الحجة بالحجة .. لقد دخل ذات مرة في حوار حاد جدا مع عصام ، في إثر الإعلان عن عملية إرهابية قامت بها جماعة الجهاد في مصر .. وكانت له حدة في آرائه ، وكان يصف أصحاب منهج العنف بخوارج العصر ، ولقد اختلف معه عصام اختلافا كبيرا فقد كان بالفطرة متعاطفا معهم ، بينما عماد كان حادا عليهم منفرا من أساليبهم ومنهجهم ..
أدركت أنني أمام صاحب رؤية ، فهو ليس ممن يرددون ما يذكر أمامهم دون تمحيص ..
وأحيانا أخرى كنا نقطع الوقت وهو يروي لي خطبة ألقاها في المسجد ..

ولقد ذكرتني رقته وشاعريته ، بأول نشيد أنشدته في حياتي للأخوات في المدينة الجامعية ، فقد كان يقول مطلعه :
أحباب ديني أخوتي
في ليلنا كالشمعة
تبكي وتحرق نفسها
في لهفة للدعوة

وقد كان عماد هو الذي عرفني على المنشد الرائع أبو راتب ..
فحفظت عنه من أجمل ما سمعت :

مضى الذين شغاف القلب يعشقهم
من الأحبة من حولي فوالهفي
وسرت حقل هشيم غربة وأسى
يجتاحني شرر التحنان والأسف
وا حر شوقي إليهم كلما هجست نفسي إليهم
ونفسي بهم مشبوبة الكلف
إني سئمت من الدنيا وزهرتها
ومل قلبي فراق قاداتها الألف
ماض وأعرف ما دربي وما هدفي
والموت يرقص لي في كل منعطف
كان عماد بتركيبة شخصيته التي جبلت على الرقة ، وتغذت على الشعر ، وترعرعت على الذوق الرفيع والحس العالي ..
كان يبدو أمامي كأنه طيف إنسان ، وليس جسد إنسان .. وأمام هذا الطيف انهارت حصوني الدفاعية ، وانهارت معها كل العقد النفسية التي ورثتها عن بيئتي المحيطة ، وأشرقت أمامي الأرض بنور ربها ، ولم أعد أرَ منها سوى الحب .. حب يتفجر متدفقا ولا يجد مسارب للتعبير عنه ، فأين يذهب سوى تحطيم السدود التي تقف أمامه ؟!

وكنت قد تعلمت خصلة أو خصالا من كثرة اختلاطي وعشرتي بقطتي الفقيدة ( بوسي ) .. لقد أحببتها وعايشتها حتى حد التقليد والمحاكاة أحيانا ، وأدركت أن هناك أمورا يمكن أن يتعلمها الإنسان .. يتعلمها حتى من الحيوان ..
وكان مما تعلمت من ( بوسي ) .. قوة وأهمية حاسة الشم ، فقد كانت القطة تعرف أبناءها ، وأماكنها ، وتعبر عن حبها بحاسة الشم ، فهي تتشمم قططها الصغيرة ، وهي تمرغ أنفها في ملابسي تتشممني .. ولقد ورثت هذه الخصلة العجيبة عنها ..

كان من أميز صفات عماد ولعه الشديد بالعطور ، وكانت أنواع عطره التي يستخدمها مميزة تماما ، فكانت نادرة ونفاذة ، ومحببة للنفس ، ولم أكن قد شممت مثلها من قبل ، كأنها تصنع له وحده .. وكان هو من النوع المفرط جدا في استخدام هذه العطور ، سواء عند زيارته لي ، أو حتى عند ذهابه إلى الكلية ..
كنت أعرف وصوله إلى الكلية قبل أن أراه ، من رائحته التي تنتشر في المكان على بعد عدة أمتار ..
ومنذ وعيت على هذه الحقيقة ، واتتني فرصة جديدة وفريدة للتعبير عن حبي ، فقد ادعيت لأمي أن من واجبي أن أقوم بتنظيف وتنظيم غرفة الصالون ، صباح كل يوم جمعة ، وقبل أن يدخلها أحد ، وذلك عقب زيارة عماد لنا مساء الخميس ، حتى لا يشق ذلك العمل على شقيقتي ، فأقوم به وحدي ، ورحبت أمي بذلك مسرورة ..

فكنت أدخل غرفة الصالون .. وأحكم إغلاقها على نفسي ، ثم ألقي بنفسي على المقعد الذي يجلس دائما عليه عماد أمامي في زيارته ، وأدفن وجهي فيه وأظل أتشمم عطر حبيبي ، وأستنشق رائحته ، حتى أرتوي ، وأحيانا كنت أضبط نفسي متلبسة بتقبيله .. تقبيل الغطاء القماشي للمقعد ..
ثم أقوم فرحة نشطة ، كفراشة تدور بأنحاء الغرفة أنجز أعمالي ، وأنا أتغنى بآخر ما سمعت من عماد من أشعار رقيقة .. حتى إذا انتهيت من إعادة ترتيب الغرفة ، عدت إلى مقعده ، كنحلة تمتص الرحيق ، تمتصه إلى آخر ذرة فيه حتى لا يستشعره أحد غيري ، فهو ملك خاص لي وحدي ..

كنت أنا أفعل هذا بينما هو يسألني محرجا إياي لماذا لا أنطق اسمه !!

نعم كنت لا أجرؤ على أن أنطق اسمه .. كان اسمه رقيقا ، كان كاسم التدليل ، وليس كاسم جاد ، وكنت أخشى أن أخرجه من فمي منغما ، كما كنت أدرب نفسي على النطق به بيني وبين نفسي ، فتقع الواقعة ..

وخلال فترة الخطبة جاءت فكرة الدراسة بدبلومة التربية ، نجدة من السماء .. كانت فرصة مواتية .. جعلتني أرى عماد كل يوم .. وأن ألاحظه بين زملائه .. كنت فخورة به .. كان متميز الشخصية بين الجميع ، وكنت أباهي به زميلاتي في الدراسة ، وكن يسألنني متعجبات .. كيف لا تلتقيان وتجلسان معا وتخرجان معا .. إنه خطيبك ، وليس مجرد حبيبك أو صديقك !
وأكدت أكثر من زميلة لو أنها تملك خطيبا ما تركته من يدها لحظة واحدة ..
كن يتضاحكن مني .. أما أنا فقد كان يكفيني تبادل النظرات .. لقد أصبح لدي حرية أوسع لأن أتبادل معه النظرات ، وأن تلتقي عيوننا ، لأن لقاء العيون عن بعد مختلف نوعا ما .. وقد كانت طبيعة جلستنا المعتادة في مدرجات الجامعة في الأقاليم أن يخصص مدرج اليمين للفتيات ، ومجرد اليسار للطلبة ..
وهذا كان من أبدع ما يكون حيث كنا نجلس متقابلين كل في مدرج .. ما يعطينا فرصة لتبادل النظرات أثناء المحاضرات ..

وعرفت عماد أكثر من خلال الدبلومة ، كيف يحاور ، متى يستفز .. تعامله مع الفتيات .. أو فلأقول نظرته إليهم ؟ .. لم أكن أختبره ، وما كنت في حاجة إلى اختباره .. لكنني كنت أستكشفه أكثر فأكثر ..

وكنت كثيرا ما أسأله عن رأيه في مواقف بعينها حدثت أثناء وجودي بالكلية ، وأن أعرض عليه بعض مشكلات الفتيات ، دون ذكر أسماء بالطبع ، ملتمسة منه رأيا في حلها ، وكان يشير كثيرا بآراء اجتماعية قاسية لكنها ناجحة .. كأنها جراحة يجريها طبيب من أجل الشفاء التام ..

كنت أتمنى أن يوافق الأهل على إتمام عقد الزواج قبل امتحانات آخر العام ، حتى تكون فرصة لنذاكر معا ، لكنهم رفضوا رفضا قاطعا ..

وظل أمر عقد الزواج معلقا ، ترجئه الظروف والأعذار المختلفة .. حتى وجدت من عماد صلابة غير عادية في المطالبة بتحديد واضح لموعد العقد .. لقد كان حازما جدا هذه المرة في طلبه ، وحاول أبي وأمي التسويف والمماطلة ، لكنه كان عنيدا جدا هذه المرة ، وأعلن تصميمه وإصراره على تحديد موعد عقد الزواج بعد انتهاء الامتحانات بأسبوعين ..
حتى احتدم النقاش لأول مرة بين أبي وبين عماد .. ووجدت نفسي تلقائيا ودون وعي مني أنحاز علنا إلى صف عماد ، وأقول لأبي :
التعجيل بموعد العقد أفضل يا بابا ..

ونظر لي كل من أبي وأمي نظرات قاسية متوعدة ، لكنني كنت قد أعلنت رأيي .. واحتراما لمشاعرهما نهضت من مكاني .. لم أترك عماد في المعركة وحده .. كنت أشعر أنني من خلال كلمتي التي أعلنتها أمام الجميع قد ربحنا معا أكثر من نصف الجولة ..
وبالفعل بمجرد انصرافي ، أخذوا يناقشون معا التفاصيل .. بعدما أصبح رأينا أنا وعماد نهائيا !!!
أخيرا وبعد طول لهفة وانتظار ، سيكتب لحبنا أن يكون شرعيا كاملا ، سيكتب لنا أن نتبادل كلمات الحب دون شعور بإثم ، ودون خوف من رقيب ..

كنت أدرب نفسي على أول جملة سألقيها في أذن عماد بعد العقد مباشرة ..

اطمأن قلب عماد فلم يعرضني لحرج بالغ بأسئلته الصعبة ، ولم يلح علي بكلمات خفيضة الصوت أفهمها ولا أسمعها .. لم تتغير رقته ، لكنه على ما يبدو عزم على الصبر إلا من بعض تلميحات ، كنت لا أفهم المقصود منها على وجه كامل ، لكني كنت أدرك أن وراءها معنى من معاني الغزل ..

ذات مرة سألني سؤالا فقهيا غريبا ، قال:
لماذا من سنن الصيام ، تعجيل الفطر ، فيكون بعد آذان المغرب مباشرة ، وتأخير السحور إلى ما قبل الفجر ؟

تحيرت قليلا ، ولم أدر جوابا مناسبا تماما ، كما لم أفهم مناسبة لتوقيت طرح السؤال .. وبعد لحظة صمت .. أجاب هو :
لأن الله سبحانه يدربنا على التزام أوامره ، وليس هذا مرتبطا بقدرة الإنسان على الاحتمال والصبر ، فنحن مثلا نستطيع تحمل الصيام إلى بعد صلاة العشاء ، ولكن عندما يأمرنا الله بالفطر ، فعلينا أن نمتثل ..
نظرت إليه موافقة ، فهي على ما تبدو وجهة نظر صحيحة .، ولكنني مازلت في حيرة من توقيت طرح هذا الموضوع ..
ولاحظ هو حيرتي ، إن لم يكن قد تعمد إثارتها ، فأردف يقول :

وعلى هذا يجب أن يكون منهج حياة المسلم ، فنحن نلتزم بالضوابط .. عندما يحل الله تعالى أمرا أو أمورا بعد طول تحريم ومنع ، فكما التزمنا بالمنع وصبرنا ، فعلينا أن نلتزم بلحظة التحليل ونفطر على ما أحله الله لنا ..
خشيت من الفكرة ، شعرت أنه يمهد لعمل ما ..
لكنه لم يصرح ، وأنا لم أجرؤ على الاستزادة .. وتركنا الأمر معلقا ..

وظلت الأمور تجري على هذا المنوال ، حتى فاجأني ليلة عقد الزواج ، وكان قد حضر للاتفاق معي على بعض التجهيزات الخاصة بالاحتفال بالمناسبة .. وفوجئت بأن عصام يدعوني لمقابلته ثم ينصرف متذرعا بقضاء شأن ، ولم يكن ذلك من عادته أبدا ، كنت قد دخلت إلى الغرفة في اللحظة التي خرج عصام منها ، ودون قصد مني كنت قد أغلقت الباب خلفي .. وانتظر عماد لحظة حتى جلست في مكاني على مقعدي المخصص ، ثم نهض واتجه إلى باب الغرفة ففتحه قليلا .. وحمدت صنيعه في نفسي .. فإنه حتى قبيل العقد بليلة واحدة يصر على أن تكون علاقاتنا منضبطة ..

ثم عاد وجلس أمامي ، وقال بصوت خفيض ، لقد استأذنت من عصام لمدة خمسة دقائق للاتفاق على أمور خاصة بترتيبات الحفل ، ثم طلب مني مباشرة ألا أضع أي ( مكياج ) على وجهي غدا ، قائلا في حياء .. إنه يريد أن يتذوق الفاكهة كما هي ، دون تدخل صناعي .. ، ثم قال لي كلمة انتفض لها جسدي كله ، وقفز قلبي من مكانه .. لقد ذكرني أنه غدا سيتذوق .... سيتذوق ... ... سيتذوق .....

لا لن أستطيع أن أذكر أكثر من ذلك .. لقد ارتجفت تماما ، وقد أذهلني ما قال .. وظللت بعض لحظات حتى استطعت السيطرة على نفسي .. كنت خلالها مركزة نظراتي على الباب المفتوح قليلا ، وكأنني أحمد الله أن الباب مازال مفتوحا .. وبعد برهة صمت هائلة .. قلت له :
إذن فسوف أطلب من بابا تأجيل العقد ..
فصاح دون أن يملك نفسه قائلا :
إلا هذا الطلب ، فلم أعد أحتمل أو أطيق ، ولو فعلت ذلك لكنت تحكمين علي بالموت ..

وأدركت أنه لم يحضر من أجل الاتفاق على أي شيء ، سوى على هذا الطلب المذهل .. لكن كل تجهيزات العرس كانت قد أعدت سلفا ، كانت ترتيبات العقد أن يتم في مسجد الحي ، وكان قد طبع بطاقة الدعوى التي كانت في غاية الرقة والأناقة ، وكان يتصدرها الحديث الشريف : أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف .. رواه أبو داود

وقد اتفق مع الفرقة التي ستحيي الحفل بالأناشيد الجميلة بعد الخروج من المسجد .. كان عماد يريد أن يحي تراثا دعويا قديما أوشك على الانقراض ..

ورغم كل حبي لعماد وولهي به .. إلا أنني كنت ناقمة عليه .. ناقمة عليه حقا ، لأنه لم يرحمني حتى في ليلة العقد ، ولكنه أوقد مشعلا من نار في قلبي ، كما أحرجني إحراجا كاد يعصف بي ، لولا رحمة الله ..

ماذا يريد هذا الرجل ، وإلى أين يذهب بي ؟

لقد ظلت تحذيرات الأسرة والأهل ، تتوالى علي منذ تحديد موعد العقد إلى ليلتنا هذه ، وكأنني سينعقد زواجي على الثعلب المكار ، وليس على بشر مهذب كل التهذيب ، رقيق كل الرقة ، استطاع رغم عاطفته المشبوبة أن يتحمل عشرة أشهر وأسبوع دون أن يرتكب حماقة كبرى ، إلا اللمم بطبيعة الحال !!!


رد مع اقتباس
  #13  
قديم 08-05-2010, 10:58 PM
الصورة الرمزية semeramis
semeramis semeramis غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: egypt
النوع: أنثى
المشاركات: 516
نقاط التقييم : 191
افتراضي رد: حتى لا تموت الروح ... قصة حب حقيقية



10 - 1 - ليلة العقد


ليلة العقد كانت حلمي الدائم ، وأملي الحبيب ، منذ سنوات طويلة ، كانت تتداعي لي صورها متداخلة في سعادة وحبور غامض ، لم أكن أدرك أو أعرف ما يجب أن يكون فيها ، إنما كانت خيالات بعيدة باهتة ، كل ما أعرفه عنها أنها سعيدة بشكل أكبر حتى من قدرتنا على استيعاب السعادة ..
في فترة الخطبة ، أصبح تفكيري في ليلة العقد وحلمي به يأخذ أشكالا أكثر تحديدا ، لكنها كانت أشكالا تتراقص في مخيلتي كأنها أكبر من الواقع ، وأقرب إلى الخيال ، كنت أشعر أنني في هذه الليلة سأحصل على ..
سأحصل على أشياء تفوق الوصف ..
سيكون لي حبيب ، كيف سيكون وضع هذا الحبيب ؟
كيف ستكون علاقته معي ؟
كيف سيعبر كل منا عن مشاعره تجاه الآخر ؟
تخيلت في البداية أنني سأحصل على شقيق وصديق مثل عصام .. كانت هذه هي الصورة المبدئية ، شقيق وصديق أثق به وأعتمد عليه ، أتكلم معه ، أتكلم معه في كل شيء وعن كل شيء دون قيد أو تحفظ ، أمتزج به .. أصارحه بما في نفسي ، وآه مما في نفسي هذه ..
إن نفسي تشبه البئر العميقة الغائرة شديدة الظلمة ، ولكنها مليئة بالكنوز والأسرار معا ، وإني أريد أن أخرج كل ما يختلج داخلها ، وكل ما تموج به ، أريد أن أعرض عليه كنوزها ليستثمرها لي ، ونسعد بها سويا ، وأريد أن أخرج له أسرارها المظلمة ليقضي على هواجسها وكوابيسها ، حتى لا تبقى النفس الغائرة البعيدة تخيف تظلم ، وإنما تسعد وتنير فقط ..
كنت أعرف أن عماد في أشد الشوق واللهفة إلى أشياء بعينها ، وكنت أشد منه لهفة وشوقا إلى أشياء أنا الأخرى ..
كنت أدرك لهفته على أن يسمع اسمه منغما من بين شفتي ، وكنت أنا أكثر شوقا إلى أن أنطق بهذا الاسم ( عماد ) ، أنطق به طويلا عاليا ، أسكبه في مسمعه رقة وحنانا ، كما تسكب النحلة من عسلها في زهرة جميلة ..

كنت أريد أن أجهر باسمه بعدما تغنيت به طويلا وكثيرا هامسة به دون أن يسمعني أحد ..
وكنت أشد لهفة إلى أن أعبر له أو أقول له ، بل كنت أشد لهفة ، إلى أن أسمع نفسي أنطق بكلمة ( الحب ) ذات الوقع الجميل والأثر الرائع ، التي حرمت من التفوه بها بين أسرتي على مدار عشر سنوات ، كنت متشوقة في شغف إلى أن أقول له كلمة :
أحبك ..

كنت أشعر أن في داخلي مرجلا يغلي بالعاطفة والأشواق ، ولم أعد أطيق الاحتمال ، وكنت في أشد اللهفة على أن ألقي ما في براكين قلبي المضطرمة بالحب الكبير .. وكنت أريد مع ذلك شيئا ثالثا ، هو أن ألمس كفه بكفي ..
ثلاثة أشياء تمنيتها ، وشعرت أن الحصول عليها هو بمثابة الحصول على منتهى السعادة الإنسانية في الأرض .. لو ملكت هذه الأشياء الثلاثة ، فإنني أملك بذلك كل شيء يمكن أن يملكه إنسان على وجه الأرض ..
كنت أدرك أنني لو حققت أمنياتي الثلاث هذه ، فإن الزمن نفسه سيتوقف ، ليخلد اللحظة .. ليقدسها ..
حلمت بهذه اللحظة ليال طويلة ، وفكرت فيها أياما كثيرة ، وانتظرتها في ترقب بالغ شديد ..


10 - 2 - تابع ليلة العقد

وكنت أدرك أن للعاقد على زوجته بعض حقوق ، كنت أسمع عنها من أخوات دخلن هذه المرحلة ، لكني كما ذكرت من قبل كنت أتصور كل هذه الأشياء بشكل مبهم متداخل ، فلم يكن يعنيني من الأمر كله سوى الأشياء الثلاثة التي بها أشعر أنني حزت الدنيا بحذافيرها ..
لقد كانت لحظة فريدة خالدة أظن أنها كانت أجمل لحظة في حياتي الماضية ، وكذا في حياتي القادمة ، ولئن عببت من ألوان السعادة بعدها عبا ، إلا أن هذه اللحظة تبقى فريدة وحدها ، لأنها كانت المفتاح والمدخل ، ولولاها ، لما شعرت بسعادة قط ..
لقد تحققت أمنياتي الثلاث دفعة واحدة في لحظة ، لم أعد أشعر فيها بشيء يدور حولي ، وكأنني غصت في أعماق نفسي ، وبدأت أتعمق فيها إلى قرار مكين ، وأخرجت منها أضواء وأنوارا وكنوزا مذهلة ، وألقيت عنها أسرار وظلمات ، فطرحتها بعيدا عني ، وكنت أتحرك داخل ذاتي ، كنت أغلف نفسي بسعادة لم أعد أشعر معها بما يمكن أن يكون في العالم الخارجي ..
تحققت هذه اللحظة فور هبوطنا من السيارة التي أقلتنا إلى الإسكندرية ، فوضعت ذراعي على ذراعه أعلقها بها ، ولقد كان كل ما بي متعلقا به ، ولمسته أخيرا ، لأدرك فقط أنه حقيقة .. حقيقة واقعة ، وليس حلما أو خيالا أو طيف إنسان ، ها هو ذراعه تمس ذراعي ، فهو إنسان حقيقي بلحم وشحم ..
وقلت له :
( عماد )
يا لها من حروف رائعة بديعة ..
انتظرها طويلا
وانتظرتها أطول
قلت له بوضوح وبصوت مسموع ، لا أثر فيه لهمس ، وإن كانت خلايا جسدي كلها تهمس به ، ودقات قلبي كانت تهتف به في نفس اللحظة ، تساعدني على أن أجهر بالكلمة الجميلة .. ثم .. ثم ألقيت ما في نفسي من حمم الحب الملتهبة ، مرة واحدة لتستقر النفس ، وتلفظ ما يموج بها ويضطرم من مشاعر حارقة ملتهبة ..

- عماد .. إني أحبك .. جدا .. جدا .. جدا ..

هكذا تحققت كل أمنياتي في لحظة واحدة بعد غروب يوم خميس ..
ولو قدر للكون كله أن يتلاشى وأن يتوقف ، وللقدر أن يوقف حياتي عند هذه اللحظة ، فما كنت سأصبح أكثر سعادة من ذلك ، فلم أكن أنتظر بعدها أي سعادة أو متعة أو لذة أخرى .. تحققت كل أمنياتي في الحياة ، ولم أكن أنتظر حتى مقابل من عماد ولا رد فعل منه .. كانت كل أمنيات الحياة عندي مرتكزة على تلك اللحظة ..
ولو أن شاعرا أراد أن يختصر كل دواوين الشعر التي قيلت في العشق والهوى ، والحب والجوى ، ولو أن كل قصص الحب ورواياته وأفلامه ومسلسلاته ، أراد لها واصف أن يلخصها في سطر ، وأن يختزلها في جملة .
ولو أن كل كلمات الغزل والعشق والهيام المعسولة الرائعة في الوجود ، كان يمكن إجمالها في جملة واحدة ..
لم يكن ذلك يخرج أبدا عن سطر بدأت به حياتي ، ووصلت معه إلى القمة ..

عماد .. إني أحبك .. جدا .. جدا .. جدا

فهل سمعتم بيتا من شعر أجمل من ذلك ؟ وهل عرف الناس أغنية يمكن أن تكون أروع من ذلك ؟ وهل قرأ الوجود قصة حب أسمى من هذه ؟..

عماد إني أحبك .. جدا ..جدا .. جدا ..

نطقت بها أخيرا .. لا لأسعده فقط ، فما عدت أفكر في أن سعادته جزء منفصل عن سعادتي وإنما سعادتنا معا هي سعادة واحدة ..
لقد اكتملت سعادتنا معا ..
أما هو .. أقصد أنا ..
أقصد ..
لا أدري ..
فلم أكن في هذه اللحظة أميز بين هو وأنا ، أو أشعر أننا شخصان .. بل امتزجت معه تماما فصرنا روحا في جسدين ، ونبضا واحدا يصدر من قلبين يرددان لحن الوجود الخالد ..
أحبك .. أحبك .. أحبك ..

أقصد أنه لو جاز لي أن أعبر عنه بضمير الغائب ، أنه لم يجب ، لم يعرف كيف يجيب ، فلم يزد على أن ضغطت ذراعه ذراعي المتعلقة بها ، يشعرني أنني معه وهو معي .. فقط
ولم ينطق لعدة دقائق تالية .. ولم يستطع حتى أن ينظر إلي ..
ولقد صارحني بعد ذلك أنه كان في حالة من السعادة ، تمنى معها لو لم يكن في الطريق العام قط ، لأنه خشي إن هو نظر إلي ، أن يعتبرنا الناس مجانين فعلا لما يمكن أن يحدث بيننا..

قال لي :
- لم أجب ، لأنها كانت لحظة لم أعد أعتقد فيها أن قدمي تلامس الأرض ، بل كنت أطير هائما أحلق في سماء السعادة العليا ..

أما أنا فلم أكن ألامس الأرض بقدمي ك>لك .. كنت في حالة من السعادة لا تكون إلا بين اليقظة والمنام ، أو أن تكون في عالم علوي ليس على الأرض .. كنت أشعر أنني هائمة ، روحي ترفرف ترتشف من السعادة ، التي غابت فيها الجوارح عن الوجود .. كنت أشعر بعد هذه اللحظات أننا نعيش من الداخل ، أننا خلعنا عنا الجسم الخارجي الذي يمثل لنا أسوارا وحواجز ، وألقيناه عنا ، كما يلقى الناس ثيابهم ، لتلتقي أنفسنا الشفافة ، وتتعانق قلوبنا النابضة بالحب ..
لم يعد لحواسنا الخارجية وجود ..
كانت هذه حقيقة مشاعري ، وليست هذه محاولة مني لجعل اللحظة شاعرية أكثر مما كانت ..
فإني أتذكر دقات قلبي وقلبه أكثر من خطوات أقدامنا ، ومن كلماتنا ..
لم نعد نتكلم ، كان القلب هو الذي يتكلم ، والقلب هو الذي يسمع ..
ولقد مضينا على كورنيش بحر الإسكندرية ، لا نعي تماما حقائق الوجود ..
قال لي كلمات كثيرة ، وكنت أستقبلها بقلبي ، كما علقت على بعضها بقلبي أيضا ..

قال لي :
أنه قرأ أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تقول أن النساء مطمورات في الرجال ..

وقال :
أنا لا أعرف على وجه التحديد معنى كلمة مطمورات .. لكني أفهم ، أو أستشف من معناها ، أن النساء متعلقات بالرجال ولهات بهم ..

وقلت له : وأنا مطمورة بك يا حبيبي ..

وقال لي :
أنه قرأ أن السيدة عائشة قالت : لقد خلق الرجل من الأرض فجعلت نهمته في الأرض ، أي أموالها وثرواتها وسيادتها ، والنساء خلقن من الرجل فجعلت نهمتهن في الرجل ..
نظرت إليه ولهى ولم أعقب

وروى لي حلما أو رؤيا ..تهت معه فيها ، وكنا نقترب على الكورنيش من محطة الرمل تقريبا ..
.
.
10 - 3 - تابع ليلة العقد

وروى لي حلما أو رؤيا ..تهت معه فيها ، وكنا نقترب على الكورنيش من محطة الرمل تقريبا ..
كان يحلم .. أننا معا في الكلية ( الدبلومة ) ، وأنه كان ينظر إلي ، وأنا أختلس النظر إليه ، حتى لاحظ الطلاب والطالبات ذلك ، وبدت ابتسامات ، وانتشرت همهمات ، ولاحظت أنا ذلك فأشحت بوجهي عنه ، حتى لا أزيد من لفت الأنظار .. وأن قلبه كان يدق بعنف لأنه كان لا يحتمل فراق نظراتنا ولو للحظات قليلة .. وكان معه – في الحلم أو الرؤيا – مذكرات أو ملخصات ، وكان يريد أن يعطيها لي ..
ثم خلا المعمل فجأة ، وانصرف جميع الطلاب ، وكذا الأستاذ .. ربما كانت فترة استراحة أو انتقال إلى محاضرة أخرى في مدرج آخر ..
غير أني بقيت في مكاني ، فجاء إلي ، ومد يده لي بالمذكرات فتناولتها منه وأنا مطرقة إلى الأرض ، لكنه لم يملك نفسه – في الحلم أو الرؤيا – فقبلني ..

عندما وصل إلى نهاية روايته لرؤيته أو حلمه .. شعرت بتهدج صوته وتردده ، وكان كأنما يسأل نفسه أيذكر كل ما رءاه أم يتوقف عند حد معين ؟ وظل الصوت يرتعش ، حتى خشيت أن يسقط مني في البحر المظلم .. ولم أشأ أن أعقب ..

وانتابني في تلك اللحظة إحساس غريب جميل .. هو أجمل إحساس يمكن أن ينتاب امرأة في حياتها ، وأظنه إحساسا ينتاب كل فتاة في مثل هذه المناسبة ..
أحسست أنني أميرة ..
هو يعاملني كأميرة ..
كأميرة كانت حتى صباح هذا اليوم من عامة الشعب ، وفجأة عند العصر ، تم اختيارها لتكون ( السندريلا ) وتصبح الأميرة العظيمة الهائمة ..
فكنت في تلك اللحظة أشعر بشعور الأميرة ، لا كأميرة من تلك الأميرات اللاتي ولدن أميرات ، وعشن حياتهن كلها كأميرات ، وإنما كفتاة من العامة ، تم اختيارها للتو أميرة حقيقية متوجة !
لكنه كان يقف أمام الأميرة يطلب ودها ورضاها كما يقف واحد من الرعاع بباب الأميرة الفاتنة ، أو كأحد أفراد حرسها المطيعين المهذبين ..
ولقد أشعرني فعلا بأنني الأميرة السعيدة الفاتنة الآمرة للقلب ، المسيطرة على كل شيء ، لكنه لم يكن يدرك أبدا أنني في نفس هذه اللحظة كنت أشعر أنه هو الملك ..
فكنت أميرة نعم ، أما هو فكان مليكي الآمر الناهي .. المليك الذي تسترضيه الأميرة بكل كيانها ..
ولا يمكنني أن أتخيل أن لحظة جلوس أي ملك وأميرته على العرش لأول مرة في حياتهما ، ممكن أن تكون أسعد بالنسبة لهما ، من هذه اللحظة بالنسبة لي ، لقد توجني عماد أميرة حبه ، فتوجته ملكا على قلبي ورأسي وروحي وكياني كله ..
هذا الإحساس ظل يسكنني فترة طويلة ، حتى أنني أذكر أننا بعد عودتنا إلى منزلي ، وبعد أن صلينا العشاء مع شقيقي عصام ، ثم استأذنت لتبديل ملابسي ، وخرج عصام من الغرفة وقلبه يحترق من الغيرة ، ثم عدت إلى عماد بعد ذلك إنسانة أخرى ، عندما رآني لأول مرة بلا خمار .. نظر إلي مذهولا ، كانت عيناه تتفحصني يريد أن يتعرف علي .. فلم يكن قدر أن يراني بهذه الصورة .. وداعبت أنفه رائحة لطيفة ، فغازلني قائلا :
- عطرك جميل
قلت له :
- ليس عطرا ، وإنما هو زيت الشعر له رائحة حلوة قوية ..
سألني بحرص من يريد أن يحفظ عني كل أدواتي واستخداماتي : ما اسمه ؟
قلت له وقد ملأني الإحساس الذي انتابني على الكورنيش :

- سأقول لك ولكن بشرط ألا تعقب .. اسمه .. زيت الأميرة ..

ونظر إلي ولمحت التعقيب في عينيه أكثر مما سمعته من شفتيه .. وضحكنا معا ، وهو لا يملك إلا أن يسمعني التعقيب .. وهو يقول :

- حقا إنك لأميرة ..

كنت أشعر بالكلمة أكثر مما تعنيه حروفها ..
وظللت معه على الكورنيش هائمة حتى عرجنا إلى محطة الرمل ، ثم أحضر لنا ( أيس كريم ) من النوع الفاخر الذي كنا نحبه ، ولم أكن أشعر بأن طعم ( الآيس كريم ) الرائع الذي كنت أحبه جدا ، والذي كان مميزا وراقيا تماما من هذا المكان ، لم أشعر أن طعمه قد أنساني مذاق كلمتي الحلوة التي عطرت فمي منذ نطقت بها :

عماد .. أنا أحبك .. جدا .. جدا .. جدا

كان النطق بها أجمل من ( الآيس كريم ) وأحلى من ( الشكولاته ) التي كنت مغرمة بها إلى حد الهوس ..
لم أفق من غيبوبة الحب اللذيذة إلا على صوت ..
لا .. في الحقيقة لم يكن صوتا ..
بل كانت وكزة تنبيه خفيفة في الكتف ..
.
.
10 - 4 - تابع ليلة العقد

لم أفق من غيبوبة الحب اللذيذة إلا على صوت ..
لا .. في الحقيقة لم يكن صوتا ..
بل كانت وكزة تنبيه خفيفة في الكتف ..
ونظرت إلى جواري في انتباه مفاجئ .. كانت سيدة رقيقة تمشي مع زوجها بجوارنا ، ولقد حاولت لفت انتباهي للبقعة الكبيرة التي أحدثها سقوط قطعة محترمة من ( الآيس كريم ) على خماري ( السكري ) ..
إنني عندما أستعيد ذكريات هذه اللحظات ، لا أشك أن السيدة الرقيقة المحترمة نادت علي ، أو حاولت تنبيهي بالكلام قبل أن توكزني برقة في كتفي ، وأنني كنت في شغل شاغل عن سماع أي شيء حولي ، أو ربما أنها قدرت أنني لا يمكن أسمعها وأنا على هذه الحالة ، ففكرت أن تنبهني بتلك الطريقة الرقيقة ..
وعندما أفكر بتلك الطريقة تنتابني موجة من الحياء والخجل .. لقد أشهدنا خلق الله تعالى على حبنا في هذه الليلة ..
لكن لم لا ؟
لقد كانت ليلة التتويج على أية حال ..
ومضينا بعد ( الآيس كريم ) نتمشى من جديد ، ولم نعد نعرف الطرقات ولا الشوارع التي كنا نحفظها تقريبا ، فلم نعد ندري أين نسير ، ولكننا كنا نعرف أننا معا ..
وغنى لي في رقة وحب وهيام .. أغنية لابد أنها لامست شغاف قلبه ، كما أثر إحساسه بها في نفسي وقلبي ..
طول عمر قلبي خالي وبيهرب مالغرام
من كل رمش جارح من نظرة وابتسام
كانت العيون تقابله وتلمح بالكلام
كان يهرب حتى قبل ما يرد لهم سلام
لحد عنيك ما قابلوني نسيت روحي وتاه عقلي
وضحكنا طويلا ، وأنا أقول له معقبة :
- ولكني لا أريدك أن تنسى روحك .. ألست أنا روحك ؟
ولا يجب أن يتوه عقلك .. فعقلك هو الملك الذي يسير حياتنا ، فكيف تسمج له أن يتوه منك ؟

ثم حان وقت العودة ، وتحيرنا كثيرا .. من أي الطرق التي تداخلت علينا نعود ؟
وفي طريق عودتنا عرجنا على محطة الرمل ، فاشترى عماد ( فيشارا ) ومضينا أخيرا إلى المرافقين لنا شقيقي عصام ، وصديق عماد صاحب السيارة الذي دعانا بسيارته لهذه السهرة الممتعة ..
وفي السيارة في ظلام الليل الحالك في طريق عودتنا بعد منتصف الليل .. زال عني كل التحفظ الذي بدا علي في طريق الذهاب عصرا ، وزالت رهبتي تماما ..
كنت في طريق الذهاب أتحاشى نظرات عماد المتكررة إلي ، وكنت طوال ساعة أو أكثر قطعتها السيارة في الطريق .. أردد في نفسي جملة واحدة ، أريد أن أحفظها حفظا لا يدع لي مجالا للتلعثم أو التردد ، وكنت أعيش في حالة من توقع ظلالها ، ووقعها على نفس عماد .. كنت أعصر كفي بكفي الأخرى ، أو أدق على ركبتي في توتر ..
أما في طريق عودتنا فلم يعد مجال للتوتر ، ولم تعد حواجز .. كنت أنا وعماد مطمورين في بعضنا البعض ..
وكان يداعبني ( بشقاوته المحببة ) فيمد كفه في كفي ليأخذ منها ( الفيشار ) ، وتنبهت أنه يحب ( الفيشار ) فسكبت كمية من ( القرطاس الورقي المميز لفيشار محطة الرمل ) في كفه ، فعاد ووضعها في كفي ، وهو يهمس أنا لا أحب إلا أن آخذها حبة ، حبة من كفك .. فإن لها طعما آخر ..
وهمست له دون أي تكلف : ( يا شقي )
ثم لم أتمالك نفسي بعد هذا التعقيب ، ووجدت نفسي في جوف الظلام أختلس قبلة أطبعها على كتفه الأيمن حيث كنت جالسة عن يمينه ..
كانت لحظة أخرى من لحظات الإنعتاق من جاذبية الأرض وظلالها وقوانينها ..
كانت لحظة أخرى من لحظات التحليق فوق السحاب .. كنت هائمة تماما غير مدركة لجوارحي ..
وأظن أنه من الصعب أن يصدقني أحد حين أقول : أنني لم تدفعني الجوارح ، ولا أي إحساس بالرغبة عندما طبعت على كتفه هذه القبلة الخاطفة ، وإنما كانت تدفعني الروح ، ويستحثني القلب ، ولم يكن لها أي طعم خارجي ، بل كل طعمها كان في الداخل حيث النفس والروح والقلب ..
ولقد أشعرني حينها أنني كنزه الغالي الثمين ، ولست مجرد أميرة فقط ، لقد اقترب مني وهمس :
- ليس الآن يا حبيبتي .. نحن في السيارة على الطريق ، ولا أحب أن يطلع أحد على أسرار مشاعرنا ..

10 - 5 - تابع ليلة العقد

وحاولنا بعدها أن نلتزم الصمت والهدوء ، وحاول أن يتباعد عني ..
كانت لحظات شاقة طويلة وقاسية .. ولم يكن صديقنا صاحب السيارة يدرك ما نعانيه فكان يبطئ في سيره ليعطي لنا أكبر فرصة ممكنة للتعبير عن مشاعرنا مستغلين الظلام الدامس ..
ولم تكن بنا حاجة إلى هذا الظلام الدامس .. لقد ولد حبنا في النور ، ووصل ذروته في النور ..
وما أروع الحب وأجمله وأعظمه حين يولد في النور ، وينمو في النور ، ويصل ذروته في النور ..
نعم كان حبنا في النور ، ولا يجب أن يعجب أحد من ذلك ..
إن كل من رآنا معا كان يدرك أننا نحب ، كما لم يحب حبيب حبيبا في عالمنا من قبل ..
وكل من كان ينظر لأحدنا منفردا ، كان يوقن أنه يحب ..
وكل من كان يسمع كلماتنا المتراقصة على الشفاه تعزف للحياة لحن الحب .. كان يدرك إلى أي مدى نحن نحب ..
لقد كانت إلتماعة الحب تتألق في نظرات عيوننا .. ولقد كان نور الحب القدسي الطاهر يشع من وجهينا ..
إن كل من تعامل معنا سواء عن بعد أو قرب ، وسواء كنا معا ، أو لم نكن ، كان يدرك ببساطة ووضوح : أن كل منا يحب ..
إنه حب قوي جريء لا أثر فيه لخوف أو اضطراب ، بل هو حب مشرف يزين صاحبه ، ولا يخدش كرامته أو يسيء إليه .. أنه حب يتألق تحت سمع المجتمع كله وبصره ، في أبهة وعظمة وكبرياء ، كما تتألق الجوهرة الثمينة الرائعة بين حبات عقد ثمين ..
إن الجواهر المسروقة تظل مدفونة في الظلام محرومة من التألق والتوهج متناغمة مع مصادر النور ، أما الجواهر المملوكة لأصحابها بطرق شرعية لا غبار عليها ، فإنها تتألق دائما تحت الأضواء الباهرة ، يباهي بها صاحبها في إنفة وكبرياء ، وثقة واطمئنان ..
ولقد كان حبنا أنا وعماد جوهرة فريدة رائعة ، حصلنا عليها بطريق لا غبار عليها ، ولا شك فيها ، فكان يتوهج متلألأً كلما سقط عليه النور الباهر ..
لقد كانت هذه الليلة .. ليلة العقد .. هي أعظم ليلة في حياتي ..
كانت حدا فاصلا بين ما قد كان ، وبين ما هو آت ..
في ليلة واحدة نضجت إنسانيتي كلها لأصبح إنسانا كاملا ، بعدما عشت طويلا نصف إنسان ..
لقد فتحت في هذه الليلة باب حياة كاملة من الحب والسعادة والسكينة والرحمة ..
حياة تموج بالأحداث ، وتعج بالمواقف ، لكنها ، تتراءى أمام ناظري كأطياف عرائس خيالية ..
كأرواح تتراقص في الفضاء .. تحيا في حبور ، وتعيش في جمال أخاذ كأنه الخيال أو أبعد من الخيال ..
حياة جميلة حالمة أعيشها ، وأدركها ، وأعرفها ، ولكنني لا أملك القدرة على التعبير عنها أو وصفها .. حين تعجز كلماتي ، وتفشل مترادفات اللغة عن التعبير ..
ولذا أترك لعماد أن يعبر عن بعض ذكرياتنا عنها ..
وقد لمحته يكتب عنها فيستفيض ، وإن لم يكن قد سمح لي بقراءة ما كتبه بعد .. لكنني سوف آخذه منه حتما لأقرأ سطور سعادتنا في مذكراته ..

الحلقات القادمه : 11 – ذكريات العقد
ان شاء الله


رد مع اقتباس
  #14  
قديم 08-05-2010, 11:05 PM
الصورة الرمزية Princess Amira
Princess Amira Princess Amira غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: Egypt
النوع: أنثى
المشاركات: 700
نقاط التقييم : 134
افتراضي رد: حتى لا تموت الروح ... قصة حب حقيقية



أول مرة آخد بالي من الرواية دي،، ان شاء الله هقرأها وأعلق عليها لاحقا



اضغط هنا للبحث عن مواضيع Princess Amira

توقيع Princess Amira

لا إله إلا الله محمد رسول الله



رد مع اقتباس
  #15  
قديم 09-05-2010, 08:29 PM
الصورة الرمزية semeramis
semeramis semeramis غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: egypt
النوع: أنثى
المشاركات: 516
نقاط التقييم : 191
افتراضي رد: حتى لا تموت الروح ... قصة حب حقيقية



منوره يامرمر بإنتظارك وأكيد هتعجبك ياقمر


رد مع اقتباس
  #16  
قديم 09-05-2010, 08:36 PM
الصورة الرمزية semeramis
semeramis semeramis غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: egypt
النوع: أنثى
المشاركات: 516
نقاط التقييم : 191
افتراضي رد: حتى لا تموت الروح ... قصة حب حقيقية



11 –1- ذكريات العقد

1 – ذكريات العقد

استيقظت صبيحة يوم العقد ، وكان يوم الخميس الأول من شهر يوليو ، 7 /7 فهو تاريخ لا ينسى ، استيقظت بعد الفجر بقليل على رنين متواصل لجرس الباب .. ولم أكن استطعت النوم إلا منذ ساعتين فقط على الأكثر ، ومع أول دقة لجرس الباب ، كنت أول من استيقظ من أهل البيت !
ونظرت حولي وقدرت الوقت الذي استيقظت فيه ، وعرفت على وجه اليقين - لا التخمين - السبب الذي من أجله دق جرس الباب بهذا الإلحاح في هذا الوقت المبكر جدا من الصباح ..
كنت أول الواصلين إلى باب الشقة ، تبعني أبي الذي استيقظ فزعا على صوت رنين الجرس المتواصل ..
كان القادم أحد أصهار والدي ، جاء يخبرنا بوفاة قريب لنا على درجة وثيقة من القرابة ، استرجعنا :
إنا لله وإنا إليه راجعون ..

انهار أبي على أول مقعد بجوار باب الشقة ، حتى بدأ يستجمع وعيه ، وكانت أمي قد لحقت بنا في الصالة ، ونزل عليها الخبر نزول الصاعقة ، فهي أم العريس ، التي طالما اشتاقت إلى فرحة حقيقية في حياتها ، وها هي علامات الفرح تنزاح من أمام عينيها ، وأنوار الفرح قد أطفأت في قلبها الحاني ، وأسدلت ستائر سوداء قاتمة سميكة على مسرح البهجة والأمل ..

لا أريد أن أسترسل في هذه الذكرى كثيرا ، لأن الميت كان عزيزا على قلوبنا جميعا ، وقرابته اللصيقة ، ومسؤولية أبي باعتباره كبير العائلة ، لم تجعل أمامنا كثير من الاختيارات ، وكان الاختيار الوحيد الممكن هو أن نتحمل مسؤوليتنا كاملة ، فكنت مع أبي أول من مررنا على أسر العائلة ، أسرة ، أسرة ، نبلغهم بالخبر ، وتولينا مسؤولية العزاء على المقابر حتى كنت آخر النازلين منها عقب الدفن ، وبين الوقتين كنت قد اتخذت مع أصهاري إجراءات إلغاء مراسم الفرح ..

استدعيت عصام هاتفيا على عجل ، لكنه لم يتمكن من الحضور إلي ، فكان هاني هو الذي وافاني في البيت وعلى وجهه أشد علامات القلق والرهبة ، لقد ترك عمال الإضاءة يعملون في تزيين واجهة بيتهم بأنوار الفرح .. وكذا عمال الفراشة ..
أخبرته بما حدث باختصار ، وبقرارنا الذي لم يكن لنا بد من اتخاذه تقديرا لظروف العائلة ووضع أبي بالنسبة لها ..
وكان هاني في الحقيقة رجلا يقدر المواقف ، وتطوع هو بتعديل كافة الأوضاع مع أسرته ..
حيث لم يعد هناك عرس ولا احتفال ، وإنما يعقد العقد في صمت شامل ..
على أن تحضر أسرتي العقد ، ثم تنصرف بالكامل .. فيما عدا أنا بالطبع فأبقى مع عروسي وأسرتها .. تنصرف الأسرة لا لتقدم واجب العزاء ، ولكن لتتلقى العزاء في فقيد العائلة .. رحمه الله !!!

وأنا في هذه اللحظة أحمد الله أن جعلني ، كما جعل منال ، من الذين يموتون وحاجة الفرد منهم في صدره لم تتحقق ، وهكذا أمي ، وهكذا أبي .. وأنعم بها من صفة ، إنها وصفٌ وصفَ به النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار رضي الله عنهم .. ونحن نرضى أن نشاركهم هذه الصفة العظيمة المباركة ..


ووصلنا إلى الإسكندرية ، وقد ترك صديقنا (علي حمدي ) السيارة في أحد الشوارع الجانبية بالقرب من النادي الشاطئي الذي دعانا لتناول المشروبات فيه ..
أخبرنا ( علي ) بدعوته وأشار لنا إلى مدخل النادي ، ثم هبط من السيارة هو وعصام ، وسبقانا إلى النادي ..
بينما هبطت أنا من السيارة ، واتجهت لأفتح للعروس الباب ، وهبطت هي الأخرى وقد مددت لها ذراعي لتعلق ذراعها بها ، وتلامسنا .. وهممت أن أمشي فجذبتني برقة ، وهمست في أذني :
- عماد .. أحبك جدا .. جدا .. جدا

ولم تكن كلمات .. لكنه كان لحنا .. اللحن الخالد ..
ولن أقول انتهى اللحن ، ولكن أقول منذ لحظتها ، وبدأ لحن الحب يعزف ..
اللحن الذي كنا نعده سويا منذ شهور كلحن صامت ، بدأ الآن يعزف بصوت مسموع على آلة واحدة لا يعرفها كثير من الناس كآلة من آلات الموسيقى ، هي القلب ..
تقدمنا في الشارع إلى النادي ، ولم أكن أمشي ، ولكني كنت أطير .. لم أستطع السيطرة على نفسي ، كنت هائما لدرجة أننا عندما التحقنا بالموجة البشرية في انتظار عبور الطريق في شارع جمال عبد الناصر إلى جهة الكورنيش .. نظرت إلينا امرأة مسنة في دهشة بالغة ..
فتاة ترتدي الخمار في ذراع شاب .. لكنهما هائمين تماما !

11 – 2 - تابع ذكريات العقد



في النادي جلسنا ، وتناولنا بعض المشروبات ، ثم بحثنا عن مسجده الصغير لأداء الصلاة .. وبعدها مضينا إلى محطة الرمل ، وتمشينا على الكورنيش ونحن ننظر إلى زبد البحر ..
تحدثنا ، وكان حقيقا علي أن أقول لها .. كما قالت لي ..
ولقد كنت أعرف هذه المناطق جيدا ، جيدا جدا ، محطة الرمل وشارع صفية زغلول ، والانطلاق منه إلى محطة مصر و ( محمد أحمد لشطائر الفول والفلافل ) ..
كنت أعرف هذه الأماكن بحكم دراستي أحيانا في الإسكندرية ، وبحكم أنني جبتها يمينا ويسارا مئات المرات ..
ولقد كانت هي تعرفها أيضا بحكم دراساتها الجامعية الدائمة في الإسكندرية ، ومع ذلك فقد تهنا في الطريق ..
لقد ضللنا الطرق ، أو ضلت منا الطرق ..
ورغم أن هذه الشوارع كلها موازية للكورنيش ، فإننا أخذنا وقتا طويلا للخروج من التيه ، والعودة إلى مكان سيارتنا ..
وصدقت في دندنتي لها بصوتي الأجش الخشن :

لحد عنيك ما قابلوني
نسيت روحي وتاه عقلي ..

ودعنا محطة الرمل بعد أن اشتريت ( فيشارا ) .. وفي محطة الرمل شيئان لا يمكن أن أذهب إليها دون أن أشتريهما :
( الآيس كريم ) ، و( الفيشار ) ..
أما ( الآيس كريم ) فكان في بداية نزولنا إليها ، حينما بدأنا نتوه عن العالم من حولنا ، ونذهل عن أنفسنا ..
وكما نظرت تلك المرأة المسنة إلي بعين الريبة ونحن بصدد عبور طريق جمال عبد الناصر ، فإن امرأة لطيفة حيية اقتربت من منال ، ونحن نلعق ( الآيس كريم ) ونبهتها إلى تلك البقعة الكبيرة التي أحدثتها على خمارها الفضفاض .. فاستحت منال ، وهي تطرق بعينيها إلى الأرض ..

وأما ( الفيشار ) فأخذناه معنا في السيارة .. كان ظلام الليل على الطريق فاتنا ، وكنت أضع حبات ( الفيشار ) في كفها ثم أتناولها من بين كفيها حبة .. حبة ..

ثم احترمت أن معنا رقباء في السيارة ، وأمامنا بقية السهرة في الغرفة التي على الطريق .. تسمع الأشواق ، وتنتظر ..
الغرفة التي عاصرت صمتنا وصبرنا وصومنا .. ومن حقها أن تشهد الليلة بعض فرحنا ..
ثم .. لفنا الصمت !!
حاول صديقي بدهاء أن يطيل بنا الطريق ، أو يطيل بنا الزمن على الطريق .. فاتخذ الجانب الأيمن ، وتبع سيارة نقل كبيرة ، متذرعا بأن ضوء السيارات في الجهة المقابلة يؤذيه في عينيه .. لكن هذه الحيلة لم تخرجنا عن صمتنا .. لقد كان تقديسنا للخصوصية يلزمنا بالصبر مهما طال الطريق والزمن ..

وفي غرفة الصالون .. الغرفة التي شهدت لقاءنا الأول بدأنا حياتنا معا بصلاة العشاء ، وكان معنا عصام ، ثم ودعنا ودخل حجرته لينام .. أو هكذا قال ..
وانصرفت خلفه منال .. ثم عادت بعد دقائق .. عادت فتاة جديدة ، لم أكن قد رأيتها من قبل .. عادت زوجة بعدما كانت خطيبة ..

ورفرف الحب بأجنحته النورانية على جو الغرفة ..
وأشرقت شمس الرحمة .. وغشيتنا السكينة .. وتنزلت علائم المودة ..
ولم ننسَ .. أبدا لم ننسَ ، أن اللذين يجمع بينهما الله في علاه ، لا يمكن أن يخونا الأمانة ..
نعرف أن في عقد الزواج فسحة ومباحات عظيمة واسعة ، لكن التمتع بها لا يعني التجاوز إلى ما وراء ذلك ، مما لا يتوقعه العرف الاجتماعي ولا يستصيغه إلا بعد الزفاف ..
كان اتفاقنا إذن على ذلك اتفاقا مقدسا ، وإن لم يكن مكتوبا أو مسموعا .. لقد اتفقنا عليه منذ أول لحظة بدقات قلوبنا وخلجات نفوسنا ، وومضات عيوننا ..


11 - 3 - تابع ذكريات العقد


ظللت أنظر إلى منال فترة من الزمن أملأ عيني من تقاطيع وجهها ، وأحاول أن أقيس هيئتها .. كانت العباءة والخمار الفضفاضان المهفهفان اللذان رأيتها بهما مرات عديدة بعدد لقاءاتنا السابقة كلها ، قد حجبا عني كثيرا .. حتى بدت لي كأنني لم أعرفها من قبل .. كانت أميرة حقيقية ..
وعرفت يا صديقي عرفت يقينا ، بل قل رأيت عين اليقين ، فلقد كنت عرفت في يقين من قبل ، ولكني الآن انتقل من المعرفة إلى المعاينة ، رأيت عين اليقين ، أن من يتوكل على الله فهو حسبه ..
وتساءلت أين هذه الأميرة الجالسة أمامي في جمال وفتنة ، من تلك الصورة التي استطعت أن اختلس منها نسخة من عصام ، وبنيت عليها تخيلي عن خطيبة الغد وزوجة المستقبل ؟
وأين آراء الأهل التي كانت لا تراها جميلة بالدرجة المطلوبة ؟!
لقد توكلت على الله ، وها أنا أرى اليوم أنه تعالى حسبي .. وها هي أميرة حبي بجواري ، كما لم أحلم بفتاة من قبل ..
إنها الروح .. الروح مرة أخرى .. تلك الروح الفاتنة الرائعة التي تجذب القلب والعقل والروح بجاذبية ساحرة آثرة ..
لا أدري هل كانت تشعر بما يجول في خاطري أم لا ؟
وأغلب الظن أنه لم يكن يمكنها ذلك ، فهي بعد العقد لم يظهر لها شيئ جديد من شخصيتي ( من حيث مظهري على الأقل ) .. أما أنا فكنت أستكشف المعالم الجديدة لكنزي العظيم ..
وصدّقت رسول الله صلى الله عليه وسلم .. صدّقته في حديثه وهو الصادق المصدوق :
ما رزق عبد من نعمة في الدنيا بعد تقوى الله خير من المرأة الصالحة ..

ولا تظنني يا صديقي أبالغ ، أو أصبغ ذكرياتي بصبغة إيمانية ، لم يكن موعدها وزمانها في تلك اللحظة التي ينتظرها العشاق ..
ما أحدثك به الآن كان هو الحقيقة تماما ، لقد توكلت على الله ، فأعطاني فوق ما أريد وأتمنى وأتخيل ، وصدّقت نبي الله ، فصدقني الله تعالى وعده .. وعلمت أنني أملك الآن خير كنوز الدنيا جميعا ( امرأة صالحة ) .. نظرت إليها فبهرتني .. وأعلم يقينا أني لو أمرتها لأطاعتني ، ولو غبت عنها لحفظتني ..
وماذا يريد الإنسان من الدنيا أكثر من ذلك وأعظم !!

وبعد فترة وجيزة من تبادل المشاعر الرقيقة ، وجدت اللحظة قد حانت أخيرا لفعل ما .. هذا الفعل الذي لم تخلُ منه رواية رومانسية ، ولا فيلم سينمائي عربي كان أو أجنبي ، وربما لا يخلو منه إعلان من إعلانات دور العرض السينمائي ، تلك التي تسمى ( أفيشات الفيلم ) ، هذا الفعل الذي سيطر على حياتي عمرا من الزمن ، لكنني قد صبرني الله .. حتى أقبل موعد الفطر بعد طول صيام .. وأقدمت على الفعل ، لكنه جاء قويا بقوة الشحنة العاطفية ، عميقا بعمق أثره الدفين في النفس .. عنيفا بحكم عدم التجربة وانعدام الخبرة ..

وكان رد الفعل عليها قاسيا حقا .. لقد سقطت منال على المقعد متهالكة ، يكاد لا يكون في جسدها نبض .. وشعرت بحالها ، وأبصرت الشحوب الحاد على وجهها ، وأخذت أتلطف بها حتى بدأت تستفيق بعد دقائق .. وأخيرا لمحت الدموع تترقرق في عينيها ..
أشفقت عليها بكل ما في الكلمة من معنى ، وحاولت إخراجها من حالتها بأي وسيلة ، ولقد نجحت ، ولم أغادرها حتى عادت البسمة تتألق على وجهها ، ونور الشمس يسطع على جبينها .. لكنني كنت حانقا .. رغم أن قلبي كان عندها .. لكنني أيضا كنت حانقا ، وإن لم أبدِ لها إلا الرقة والتفهم ..



11 - 4 - تابع ذكريات العقد

انصرفت إلى بيتنا ، ولكني تقريبا لم أنم ..
كل ما مر في يومنا السابق ظل يتفاعل في مخيلتي ، إلى قرب وقت صلاة الجمعة ، ولقد كنت أنا المكلف بخطبة الجمعة لهذا الأسبوع ، وهي كما ترى نقلات سريعة .. إنها الطبيعة البشرية معقدة التركيب !!

وعقب صلاة العصر ، كان واجبا علي أن أزور منزل زوجتي لأقدم هدية الزواج .. لم أكن أعول كثيرا على لقائها .. لقد كانت الجرعة الشاعرية المكثفة التي حصلت عليها مساء أمس مشبعة تماما ، ولم أكن أتخيل أن يسمح لي أخوتها بالانفراد بها في اليوم التالي مباشرة ..
لكن القدر كان رحيما بقلوبنا التي لم تعد تحتمل الظمأ بعدما ذاقت حلاوة وعذوبة الري .. لقد استقبلتني منال ، وكان استقبالها حافلا تشرق على وجهها ابتسامة رائعة ، ولم نجلس إلا قليلا ، حتى فوجئنا بحضور عدد من الزائرات ، جئن للتهنئة بالزواج للأم وابنتها ..
جذبتني منال للصعود إلى سطح المنزل .. حيث كانت الشقة من الداخل غير مهيأة للاستقبال بعد مناسبة الأمس ..
كانت تصعد بي الدرج وهي في غاية السعادة .. كانت كأنها تطير ، وكأن قدميها لا يلمسان الدرج ..
أهم ما كنت أشعر به وقتها أن منال قد أخذت المبادرة .. كانت هي التي تبادر إلى التعبير عن المشاعر الفياضة ، كنت أشعر أنها تحتفل بي ، أنها تكافئني على صبري خلال فترة الخطبة ..
لقد برزت شخصيتها تماما ، هذه الشخصية اللذيذة الشاعرية الرقيقة ، المنطلقة أيضا حين يسمح لها الانطلاق في حدود الضوابط !

وفي أحد أركان السطح سمعت منها ما لم يخطر لي على بال ..
لقد قالت لي وهي مطرقة إلى الأرض ، وإن كانت ابتسامتها لا تخفى على عيني :

- أنا آسفة بسبب الذي حدث لي أمس .. أخشى أن أكون أفسدت فرحتك أو إحساسك .. ولكني سأعوضك اليوم ..
رفعت رأسها ونظرت إلي نظرة خاطفة واتسعت ضحكتها ، ثم انطلقت من أمامي بسرعة كأنها فراشة في قمة المرح ، وهبطت السلم : وهي تقول :
عندما ينصرف الضيوف سأصعد لأستدعيك ..

وبقيت أنا مكاني مصعوقا .. ما هذه الفتاة ؟؟؟.. إن عظمتها تفوق كل تصور ممكن .. إنها من النوع الذي يراجع نفسه إذن !
من النوع الذي لا يجد غضاضة في أن يعترف بخطأ ، ويعمل على تصحيحه .. إنها قضت ليلتها مشغولة البال ، بما كنت أنا أعاني منه !!

وانصرف الضيوف سريعا ، وصعدت تستدعيني إلى الغرفة التي على الطريق .. وكانت هذه الأمسية هي حقا احتفالنا الحقيقي بعقد زواجنا .. وكان عندي موعد ظننت أنني سأحضره ، لكنها كان لها رأي آخر ، ولم أحضر موعدي !!

منذ ذلك اليوم أو منذ لحظة كتابة العقد ، وأصبح الذي يربط بيني وبين منال أكبر من الحب ، لقد ربطت بيننا صداقة وطيدة ، فلم نعد نُرى إلا معا ..
ولم أعد اتركها تتحرك خطوة واحدة خارج بيتها ، إلا وأنا معها ، وكنت أنا الرجل الذي يجب أن تتعدد مشاغلي وتتضارب مواعيدي ، ولكني كنت أعمل جاهدا للتوفيق بينها ، لأصطحبها إلى أي مكان تذهب إليه ..

كانت هي قد التحقت في ذلك الوقت بالعمل في مدرسة خاصة ذات سمعة مميزة جدا ، وكانت تقضي فترة تدريب أو نادي صيفي تقريبا ، حيث كنا في الإجازة الصيفية بالنسبة للتلاميذ ، وكنت أنا أعمل في شركة للنقل كانت تقوم بنقل تلاميذ هذه المدرسة نفسها من بيوتهم للمدرسة والعكس ، وكنت بالإضافة إلى ذلك مشتركا بتجارة مع صديق لي حدثتك عنه سابقا ، وكان يسكن في قرية تبعد عن مدينتنا مسيرة ثلث ساعة بالسيارة الأجرة ..
وكان أول شيء اتفقنا عليه أنا ومنال أن أعدل مواعيد ذهابي للإشراف على تلك التجارة إلى الصباح الباكر .. وكنت أنزل من بيتي بعد صلاة الفجر بساعة تقريبا ، وسط دهشة الأهل من هذه المواعيد المبكرة جدا التي لم أكن معتادا عليها في حياتي كلها ..

11 - 5 - تابع ذكريات العقد


كنت أمضي أولا إلى بيت منال ، فأنتظرها أسفله ، وأذهب معها إلى المدرسة حيث كانت مواعيدها مبكرة .. ثم أذهب بعد ذلك مباشرة إلى قرية صديقي ، وأحيانا كنت أقطع هذه المسافة سيرا على الأقدام ، حتى يحين موعد بدء العمل ، وإلا فأين سأقضى هذا الوقت بين الموعدين ؟
وحدث ذات صباح ، أن كان أبي قد ذهب مبكرا جدا إلى السوق لشراء خبز .. وقد كان طريقه هو نفس الطريق الذي أصطحب منه منال إلى مدرستها ، وتقابلنا والتقت عيوننا عن بعد ، وأطرقت إلى الأرض ، وقد خنقني الحياء ، وقتلني الحرج .. بينما هو يبتسم ابتسامة واسعة لكنها حيية ، فلقد كانت أكثر صفة أكبرها في والدي حياءه الجم ..
ولم يزد الرجل بعد عودتي إلى المنزل في موعد الغداء .. إلا أن قال :
كيف حال العمل في مشروعك التجاري الذي يستوجب هذا التبكير كل يوم ؟..
وابتسمت وأطرقت إلى الأرض ، وأشفق الأب الحبيب الرقيق الحاني على قلبي ، فلم يزد عن ذلك كلمة واحدة ..
بينما اتسعت ضحكة أمي ولم تعقب ..

ولم يكن يحدث بيننا في هذه اللقاءات – لقاءات الطريق – أكثر مما يحدث بين صديقين ..
ومن هنا توطدت صداقتنا ، وصرنا أصدقاء ، كما أننا حبيبان وعاشقان ، ثم كانت بيننا علاقة كتلك التي تربط بين الأخ وشقيقته ..
وكانت هذه من أعجب العلاقات ، فكيف يشعر العاشق بنحو هذه العاطفة ، عاطفة الأخوة تجاه محبوبته !!
لكن هذا ما حدث .. كان بيننا من الثقة والحرص والنصح والخوف على المستقبل والتوجيه ، ما يكون عادة بين الشقيق وشقيقته ..
وكانت منال أحيانا تضيف إلى هذه العلاقات أنواعا أخرى من العلاقات العجيبة حقا ، فقد كانت تطلب مني أن أشعرها بحنان الأب التي تفتقد حنانه أحيانا .. وأحيانا أخرى تطلب مني أن أعوضها عن عاطفة الأم !
وأظنني كنت أستجيب لها .. حين أمنحها نوعا من الحب الأبوي ، فآخذ رأسها في صدري وأمس شعرها بحنان ، لا أثر فيه لرغبة ، وأطبع على مفرق شعرها قبلة حانية ..
مع مرور الوقت أصبح كل منا لا يستطيع أن يقضي شأنا من شؤونه إلا بمشاورة الآخر ومشاركته ..
لقد توطدت الصداقة بيني وبين منال حتى صارت صداقة كاملة ، من هذا النوع الذي يصبح فيه الصديقان شريكين في كل شيء ، ومتعاونين على الحلوة والمرة ، وعلى كل ظرف وحال ..
كنت وقتها قد التحقت بوظيفة جيدة في عمل إداري بنقابة مهنية .. وكان المفترض أن نبدأ معا البحث في كيفية إعداد شقة الزوجية ، تمهيدا للزفاف .. وكما كنا قد تعودنا على وجودنا معا دائما ، إلا أن هذا التواجد وهذا الإشباع النفسي الدائم لم يكن يترك لنا فراغا للتفكير فيما بعد هذه المرحلة ..
مرحلة العقد وتوهج العاطفة كانت مشبعة تماما .. صحيح أنها لم تكن تخلو من منغصات ، لاسيما من مثل تدخلات الأهل ، لكنها رغم ذلك كانت أياما حلوة المذاق .. كانت سعادة حقيقية خالية من المسؤوليات ، ولم نكن ممن يهربون من المسؤوليات ، لكننا كنا نرجئ التفكير فيها إلى أجل قريب ..

اقترب يوم ميلاد منال ، مؤذنا بمرور عام على ميلاد حبنا معا .. وكنت مرتبطا بعمل يقتضي مني السفر وقضاء عدة أيام بعيدا عن مدينتنا ، فاتصلت بها تليفونيا ، وقدمت موعد زيارتي لها لليوم السابق لتاريخ ميلادها معتذرا بالسفر في اليوم التالي ، ولم يكن هناك مانع من جهتها من أن أحضر إليها في أي يوم أشاء ، على أن تتحمل هي في سبيل هذه الحرية التي تمنحني إياها ، بعض المنغصات والمتاعب من أسرتها ، خاصة ما يتعلق بمراعاة شعور شقيقتها التي لم تخطب بعد ..
وذهبت إليها في هذا اليوم مبكرا ، لأقضي معها أطول فترة ممكنة من الوقت قبل سفري .. واستقبلني شقيقها هاني .. ثم والدتها ، وتأخرت منال في الظهور بعض الشيء .. وليتها تأخرت دقائق أخرى ، كان هاني يستعد للنزول لموعد عنده ، وأقبلت منال تتألق فتنة ، كانت كما لم أرها من قبل ، في ثوب حريري جديد مصنوع بطريقة فاتنة جدا ، كان الثوب مصنوع من قماش أهدته لها أمي ، وكان وجهها يتألق جمالا وبشرا .. وكان مظهرها شهيا فاتنا .. ونظر إليها هاني نظرة غيظ ثم استأذن وأغلق الباب خلفه في هدوء ..


11 - 6 - تابع ذكريات العقد


كانت منال تبدو لي كما لم أرها من قبل رغم مرور شهرين على عقد الزواج ، كانت فتنتها طاغية ، وهي تشعر بتأثير ذلك علي ، مما جعلني أضاعف من حرصي وحذري ، لأستطيع أن أتمالك نفسي ..
بالطبع أطريتها على هذا الجمال الفاتن ، ونوهت عن إعجابي الكبير بطراز الثوب الجديد .. وكانت ابتسامتها الواسعة أجمل ما يزين وجهها الراضي ..
بعد لحظات فتح باب الغرفة فجأة وبعنف ، ودخلت أمها علينا دون استئذان ، ونظرتُ إلى أمها في دهشة ، كان وجهها ينبئ بثورة غضب ، ونظرت الأم إلى ابنتها بقسوة شديدة ، ثم صاحت فيها بانفعال شديد أن تذهب فتغير هذه الثوب ..
ونظرت إلى حبيبتي ، فإذا بالألم يرتسم على ملامحها ، باديا من تقلصات وجهها ، وشعرت بما يعتمل في نفسها .. لقد كان فعل الأم بمثابة ( كرسي في الكلوب ) أطفأت على أثره كل فوانيس الفرح في نفسها ، وأظلمت الدنيا على صفحات قلبها ، وشعرت بالإهانة ، والظلم ، وأشياء أخر ..
وكان بوسع الأم ، لو أن ما بدا في سلوك ابنتها أو تصرفها ، أو حتى ملابسها كان شيئا خارجا عن حدود العرف ، كان في استطاعتها أن تتصرف أفضل من هذا بكثير .. فكان بوسعها أن تطرق الباب للاستئذان ، ثم تستدعيها ، ثم تلفت نظرها إلى ما لا يعجبها في ذلك كله .. دون أن تجرح مشاعرها أمامي بهذه الطريقة الفظة المهينة ..
ودون أن تقتل فيها كل هذه الأحاسيس ..
ومرت لحظة مشحونة مؤلمة كانت كفيلة بالانفجار من كلا الطرفين ، وحاولت أن أنقذ الموقف ، فهمست في أذن حبيبتي ، بصوت رقيق ، ولكنه مسموع للأم بوضوح :

- استجيبي لطلب ماما يا منال ، واذهبي فغيري هذا الثوب ..

ونظرت إلي منال والدموع متحجرة في عينيها ، وأجبتها بلغة العيون أن تذهب ، ثم ليكن لنا حديث فيما بعد ..

وخرجت منال مدة من الوقت ، وكانت الأم قد انصرفت خلفها .. دون أي اعتذار منها أو تعقيب مني ..
وعادت منال بثوب مختلف ، وعينين حمراوين ..
وبذلت ما في وسعي هذه الأمسية كي أسري عنها ، فلم يكن في نفسي شيء من النقمة أو الحسرة على ما كان ممكن أن أتمتع به من مباهج ، لأن مباهجنا كانت كلها تنبع من الحب ، ومادام القلب الذي يسع الحب موجودا ، فلا ضير من أي شيء آخر ..
كان المهم عندي هو قلب منال .. وسعيت أن أخفف عنها ، وقد شعرت هي بذلك ، وشكرت لي ..
وكان الذي يثير دهشتها أنها مرت على أمها بثوبها ومظهرها هذا قبل أن تدخل إلي .. وأن ذلك كان بمثابة ( بروفة ) واستئذان صامت ، وفي نفس الوقت لم يكن في الثوب ذاته رغم جمالها وفتنتها فيه ، ما يعيب ، فلا هو عارِ ، ولا هو يصف جسدها ، كل ما في الأمر أن نعومة قماشه وألوانه ، كانت تتناغم مع طبيعتها !!!
ولقد كانت آلاف الفتيات يرتدين مثله ، بل أقصر منه ، وأكثر كشفا عن مفاتنهن ، ويتجولن به في شوارع المدينة ويذهبن به إلى الكليات والأعمال ، تقع عليهن عيون كل من ( هب ودب ) ، دون أن ينكر عليهن سوى المتزمتين من أمثالي !!
وكنت أنا أدرك السبب الذي غير موقف أمها خلال أقل من عشر دقائق ، فلم تكن الأم نائمة ولا مغمضة العين حينما مرت بها ابنتها وحدثتها ، ولكنها كانت تعلم أن منظر ابنتها في المجمل في حدود المتعارف أن تقابل به زوجة زوجها في فترة العقد .. لكن الشيء الذي جد هو أن الذي استأذن منا لم يهبط الدرج مباشرة إلى موعده ، ولكنه عرج على أمه أولا ..
كنت أحاول أن أداعب منال بعد عودتها إلي ، وكان مما ذكرته لها حتى أخفف حدة وجدها على أمها :
- حسنا فعلت ماما ، فإنني لم أدرِ كيف كنت سأصبر أمام فتنتك الطاغية التي ظهرت بها ، والحمد لله أن بدلت هذا الثوب الذي كان سيمثل لي إغراء لا قدرة لي على دفعه ..

- ابتسمت أخيرا .. وسألتني : وماذا كان بإمكانك أن تفعل ؟

وذكرت لها كاذبا ، لأخيفها من تكرار مثل هذه التجربة : أنني ربما تهورت .. وفقدت صوابي ..
ولم أكن أخوفها من تكرار التجربة ، إلا حفاظا على كرامتها ونفسيتها ، من تكرار هذه التصرفات الرعناء تجاهها ..


11 - 7 - تابع ذكريات العقد


وأدركت بعد هذا الموقف حقائق عن تلك الأسرة ، لم تكن منال قد روتها لي بعد .. وعرفت أن الفتاة تعاني ، وعذرتها ..
عذرتها كل العذر في كل ما كانت تبديه نحوي طيلة فترة الخطبة من صمت وتحفظ وتوجس ، لم تكن منال خائفة مني ، ولكنها كانت خائفة منهم ..
مثل تلك المواقف فقط ، هي التي كانت تجعلني أعجل في التفكير بإتمام الزفاف ، كنت أشعر وقتها ، أن علي واجب استنقاذ هذه الروح الطيبة من تلك البيئة الخشنة ..
كانت وردة جميلة ندية ، فواحة الشذا عطرة العبير ، جذابة المنظر ، رقيقة رقة قطرات الندى التي تتساقط على وريقاتها الوردية الناعمة ، تخلب اللب ، وحولها أشواك طويلة حادة !!
وكنت أحمد لهذه الأشواك التي حولها حدتها وقوتها ، لأنها حفظت لي الوردة البهية ، دون أن يقترب منها متطفل ..
لكن الأشواك الحادة قد تجاوزت دورها في حماية الوردة إلى إيذائها وجرحها .. وأصبح واجبا علي إنقاذ الوردة من الإيذاء ..
ولم أكن أشعر بلهفة على إتمام الزفاف إلا لهذا السبب وحده .. لقد كنت أعيش أنا ومنال أحلى أيام عمرنا في فترة العقد ، ولم يخطر ببالنا أبدا ، أن نتجاوز حدود العرف الاجتماعي ، وكنت وأنا الزوج العاشق ، أحرص ما أكون على صون كرامة منال من أي ابتذال ، وسمعتها من أي لسان ، وكانت هي تدرك ذلك ، أدركته من مواقف كثيرة كان يمكن للمرء فيها التمادي ، ثم التعلل بعد ذلك بأن ما حدث كان خطأ غير مقصود وخارج عن الإرادة والسيطرة ، لكننا لم نكن نفعل ..

كما أنها رغم إدراكها التام لهذه الصفة عني ، كانت تضاعف الحرص والاحتراز ، فقد رفضت عدة مرات أن تصحبني لزيارة شقتنا للاتفاق على بعض التغييرات بها ، وكنت أدعوها دائما لهذه الزيارة نهارا وأنا صائم ..
فترفض ، وكنت أقسم لها بالله أنني صائم ، وأنني لن أمسها ، فكانت تجيب ضاحكة :
- الصائم المتطوع أمير نفسه ..

كانت تخاف علينا ، من لحظة طيش ربما لا نستطيع دفعها..
ولقد تمتعنا بكل متعة مباحة جائزة في زمن العقد ، لكننا لم نخطئ أو نتجاوز ..
لقد كانت هي من النوع الذي لا يسمح بالتجاوز ..
وأنا من النوع الذي لا يحب حرق المفاجآت ، ولا يتلهف على قطف الثمرة قبل أوانها ، ولو بدت شهية ناضجة .. فلو أنا فعلت هذا فماذا أبقي لليلة العمر ؟؟؟
لابد أن يكون كل شيء بأوان ، لأن الذي يأتي في أوانه يكون جميلا ناضجا ، يشعرك بالأمن ، وتشعر معه بلذات مختلفة ، منها لذة العبادة والشكر لواهب النعمة .. أما الذي يقتطفها قبل أوانها فإنه يشعر مع لذة المتعة ، حسرة المعصية ..
وشتان بين لذة ومتعة تورث أمن وطاعة وشكر ، وبين لذة تخالطها حسرة ويعقبها ندم ..
ولكني لأعجب كل العجب ، من الأهل الذين يعارضون الملك فترة طويلة ، بكل ما يمكنهم معارضته من قوة ، ثم فجأة ينقلبون إلى ملكيين أكثر من الملك نفسه ..

إن هؤلاء الأهل أنفسهم هم الذين اتهموا منال بالأمس القريب : بالتزمت ، والتشدد ، وحاولوا أن يخلعوا عنها خمارها ، فيكفيها طرحة صغيرة تعلن بها عن تدينها ، فواجهتهم بارتداء النقاب ، ليكون أشد صونا لها ، فثارت ثائرتهم حتى كادوا يطردونها من البيت ..
وهؤلاء الأهل أنفسهم هم الذين ينتقدون على مجتمع المتدينين من أمثالنا تلك القيود التي يفرضونها على أنفسهم ، فما المانع من أن تصافح الفتاة ابن عمها وابن عمتها ، وابن خالها وابن خالتها ، وأن تضع كفها في كفه ، وأن تخرج إليهم إذا كانوا في زيارة في زيها المنزلي ؟..
وأن يجلس الخاطب بجوار خطيبته ليلة الاحتفال بالخطبة ، وأن يلبسها الشبكة بيديه ، وأن تظهر أمامه في هذه الليلة السعيدة بلا حجاب ، وأن يراها الأهل والأصدقاء جميعا ، وتلتقط لهم الصور التذكارية ، وما الغضاضة في أن يخرج معها طالما أنهما في فترة الخطبة !!
ثم فجأة عندما يأنس الأهل من أبنائهم رشدا ، وترفعا ، والتزاما بضوابط هي أشد قيدا من ضوابط وأعراف المجتمع ، إذا بهم ينقلبون إلى النقيض ، فيحرمون ما أحل الله باسم التقاليد ، ولست أدري أي تقاليد تلك التي كانت تحكم مدينتنا في هذا الزمن القريب ؟
لم يكن من التقاليد ، ولم يكن من العرف في شيء هذا التعنت الذي كانت تواجه به منال بين أسرتها ..
اللهم إذا تصوروا الغلو في الدين من جانبهم تدينا ، بعدما كان الاعتدال من جانب ابنتهم تزمتا وتطرفا !!
وفي هذه الأثناء والظروف التي كنت أبحث فيها عن مخرج ، يختصر علينا الطريق إلى إتمام الزواج .. إذ أرسل الله لي عن طريق قريبي الكريم المقيم بمكة المكرمة ..عقد عمل لي بالسعودية ..
وكنت في نفس اليوم تقريبا قد حصلت على عقد تثبيت بعملي بالنقابة المهنية التي أعمل بها ..
كان الأمر محسوما لصالح مكة المكرمة .. مهوى القلوب والأفئدة ، ومحط الأنظار ، وقبلة المسلمين ..
لم تكن الأجواء العامة التي جعلتني أبحث عن العمل بالخارج ، قد اختلفت كليا ، وإنما كانت قد خفت حدتها ، وكانت الموازنة بين كل من الأمرين ، تحسم الموضوع في نفسي ..
كان اليوم هو مساء السابع من نوفمبر ، وهو مساء وتاريخ لا يمكن أن يضيع من ذاكرتي ، فلقد تحققت لي فيه عدة أمنيات دفعة واحدة ..


11 - 8 - تابع ذكريات العقد

في اليوم التالي ، كنت مع منال أبشرها بالأخبار الجديدة ، قلت لها والبشر يطفر من وجهي :
- ما رأيك يا حاجة منال : هل تريدين أن تحجي العام القادم ؟

ونظرت إلي منال لا تفهم ماذا أقصد !
وأعدت عليها السؤال ، فقالت :
- يا ليتني أحج ، ولكن كيف ؟

- لأننا سنقيم قريبا جدا إن شاء الله في مكة المكرمة ..

واتسعت دهشتها ، وظلت صامتة بعض لحظات حتى استجمعت أفكارها ، وقالت :
أتقول صدقا ؟

- نعم يا روح قلبي .. أقول صدقا ..

قالت وهي تنغم الكلمات كأنها تغني :
إذن فقد أرسل لك ( عمو محمد ) العقد ؟!

وقلت مؤكدا ومكررا كلماتها وانا أضحك من فرحتها الطفولية :

- إذن فقد أرسل لي ( عمو محمد ) العقد ..

داهمها وجوم مفاجئ وهي تسأل :
- والعمل بالنقابة ؟

- لنا مطلق الحرية نختار هذا أو ذاك ..

قالت بعد تفكير عميق :
- ولكن هذا معناه أننا سنفترق مدة من الزمن ؟

وأجبتها بثقة :
- فترة قصيرة جدا لن تطول ، ريثما أجهز شقة الزوجية بمكة المكرمة ..

ولمعت عيناها بالدموع ، وهي تقول :
- إذن سنفترق ؟

قلت لها مطمئنا :
- بالعكس يا حبيبتي ، فإن ميزة هذا العقد أنه سيعجل بزفافنا .. سنفترق فترة وجيزة جدا ، ثم نظل معا إلى الأبد ..
وعادت تقول بصوت مشحون بالأسى :
- ولكن لابد من الفراق

- لن نشعر بالفراق سأكتب لك كل يوم رسالة ، وأنت ؟!!

- أنا لا أفهم سوى أنني لا أطيق الافتراق عنك ..

كان حزنها حقيقيا ، وكانت عاطفتها جياشة صادقة ، ولم أملك إلا أن أطوقها بذراعي وأنا أهتف لها :
- ولا أنا أطيق يا حبيبتي أن أبتعد عنك لحظة واحدة .. لكنها أقدار الله .. والحقيقة يا منال أنه إما السفر الذي يعني التعجيل بالزفاف ، وإما بقاء أمرنا هكذا معلقا إلى أجل غير مسمى ..

وأطرقت منال إلى الأرض ولم تجب ..

واتفقنا أن يكون زواجنا بعد شهر بالتمام والكمال .. لقد كان يوم الثامن من ديسمبر هو يوم خميس ، وهو يوم مناسب تماما للعرس ، كما أن منال قالت :

- بعد هذا التاريخ سيكون صعب الزفاف ، لأسباب خاصة بي ..

كان اليوم الذي حددناه معا بعد شهر واحد ، ولم أكن قد دققت مسمارا واحدا في ترميم شقتنا ، ولم نكن قد تحدثنا مع الأهل في أي أمر من أمور الزواج منذ العقد حتى يومنا هذا ، لكننا حسمنا أمرنا وصممنا على موقفنا ..
قامت الدنيا ولم تقعد علينا .. وكان الأهل في كلا الطرفين يرفضون مبدأ التسرع ..
وكان الوقت ضيقا .. ضيقا جدا ، ولم نكن نبالي بأي شيء مما حولنا .. كنا اتفقنا سويا ، أنه لا سفر ولا غربة ، ولا فراق بغير زواج .. الزواج أولا في مقابل ما سنلاقيه بعد ذلك من أهوال البعاد والضنى .. ولكل شيء ثمن ..
وقفت منال هذه المرة وقفة جريئة حازمة ، لا كتلك الوقفة القوية التي وقفتها قبيل عقد الزواج ، وإنما كانت وقفتها هذه المرة مسألة حياة أو موت ..
ولا أخفي عليك يا صديقي : أنهم جميعا قد ظنوا بنا الظنون ، ولم يكن شيئا مما يدور في أذهانهم قد حدث ، ولكن إصرارنا العجيب جعل الشك يتسرب إلى صدورهم ..
إنني مازلت أذكر جيدا النظرة التي حدجتني بها جدتي ، يوم ذهبت أخبرها بموعد زفافنا .. لقد نظرت إلي نظرة ملؤها الشك والدهشة ..
وحزنت لأنني ربما أكون قد عرضت منال لمثل هذه الظنون القاسية .. لكنها كانت معركتنا معا ..

11 - 9 - تابع ذكريات العقد


وكان اختيارنا ليوم الثامن من ديسمبر مصيريا تماما بالنسبة لنا ، فهو يحين بعد شهر من تاريخ اتفاقنا ، وهو بالنسبة لنا كان يوم الاحتفال بكل الثوار الأحرار في العالم ، أو أنا ومنال كنا قد خلعنا عليه هذه الصفة ، لقد كان يوم ميلاد الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 م ، ولم يكن هذا سببا نعلنه لأحد من الناس ، حتى لا يسخروا منا ، فمن من العقلاء يربط تاريخ زواجه أو موعد عرسه ، بميلاد انتفاضة الحجارة ، أو ميلاد المقاومة .. شتان الفارق بين مناسبة العرس ، وميدان المقاومة !!
ولكن هذه كانت الحقيقة ، كنا نرى أنفسنا امتدادا للثوار الأحرار في فلسطين ، فنحن نتحدى الواقع والعرف والمجتمع ، وحق لنا أن نحتفل بيوم الثورة والثوار !!
لقد كنت أنا ومنال نقول : لا
في وجه كل عرف خاطئ أو تقليد يكبل حبنا المشروع بالقيود .. فقد كنا ثوارا بالفطرة ..
وأنا إذ أركز لك على هذا التاريخ يا صديقي ، فذلك لأنك يجب أن تتذكره طويلا .. يجب أن تتذكر هذا التاريخ إلى نهاية ذكرياتنا هذه التي بين يديك ، فهو تاريخ اخترناه معا ليكون يوم زفافنا المبارك .. الثامن من ديسمبر عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين ميلادية ..
لكننا اضطررنا أمام الضغوط الهائلة من قبل الأهل ، أن نؤجل موعد زفافنا أسبوعا واحدا ، وأن نتخلى كذلك عن أي مساعدات كانت ستقدم لنا في تجهيز شقة الزوجية من الأهل ، فلم يعد أهل منال ملزمين بتجهيز ابنتهم بجهاز العروس ، ولم يعد أهلي ملزمين باتفاقهم معي بمنحي تلك المنحة المالية التي وهبتني أمي الحبيبة إياها لإتمام مشروع زواجي ، إلى جوار مشروع صغير للعمل بجانب الوظيفة ..لقد ألغى مبدأ السفر للخارج كل هذا .. وتنازلنا عن كل شيء في مقابل أن نصبح معا بأسرع ما يمكن ..

وقررنا بالاتفاق مع الأهل .. أن تكون فترة زواجنا التي لن تزيد عن شهرين قبل السفر .. كأنها في شقة مفروشة ، سيتم إعداد الشقة كما اتفق بما يفيض عن حاجة الأسرتين ، لنقضي فيها شهرين ، ثم أسافر فأدعو زوجتي للحاق بي ، ثم عندما يأذن الله لنا بالعودة ، فنحن أحرار فيما نفعل بأنفسنا ، نختار الشقة التي نشاء ، ونجهزها بالطريقة التي نريد ..
ولم أكن أنا أو منال يعنينا شيء من هذه الحوارات .. كل ما يعنينا أننا بعد شهر سنصبح معا تحت سقف واحد ..

لكن الذي أهمنا حقا ، هو كيف سنعلن رفضنا لبعض العادات الاجتماعية البالية القديمة والسخيفة على السواء ، التي يصر عليها أغلب الناس باعتبارها طقوسا مقدسة ، وما هي بمقدسة ! ولم يكن أهلي من هؤلاء الناس الذين يهتمون بمثل هذه التقاليد البالية ، وأظن ، وإن كان هذا مجرد ظن لا أملك دليلا عليه ، أن أمي الحبيبة ، لم تكن قد أعدت نفسها كحماة بعد .. وهي بعد ذلك لم تكن في حاجة لإعداد نفسها لهذا الدور قط لأن كل الذي طرء عليها بعد زواجي أنها أصبحت أما لأربعة بدلا من ثلاثة .. وأظنها كانت لا تعرف بمثل هذه التقاليد ، ولم تكن تلقي لها بالا ، ولذا كان إعلان الرفض من جهتي سهلا ميسورا ، أما منال فقد كان عليها أن تجاهد وتواجه حتى تقول كلمتها لمحيطها الاجتماعي ، وقد قلناها معا بعد الزفاف ..

لقد ظللنا نسابق الزمن طيلة هذه المدة لتجهيز ما يمكن أن يكون عشا .. عشا حقيقيا لزوج عصافير من الكناريا ..
لقد كان المجهود الذي قام به والدي واخوتي مضنيا مرهقا إلى أقصى حد ، لمعاونتنا في سباق الزمن ..
كان طلاء الشقة من الجير الذي يتساقط على رؤوسنا كبرد الثلج ، وأثاث الشقة من بقايا أسرتينا ، تكفلت أمي بالأجهزة الكهربائية ، وتكفلت أمها بأدوات المطبخ ، أما غرفة نومنا فكانت تتكون من سرير كنت أنام عليه مع اخوتي ونحن أطفال .. وخزانة ملابس معدنية ( سفري ) ، ومرآة ومقعدين ، وطاولة صغيرة ..
ولا تعجب يا صديقي ، فإن العروس كانت منال !!!

ومن غيرها في عالمنا ، كانت تستطيع أن تقضي شهر عسلها في هذه الغرفة المغرقة في بساطتها ، المتواضعة حتى النخاع ، التي ربما رفض ( تيشي جيفارا ) لو كان حيا الزواج فيها ؟

الحلقات القادمة : 12 - أيام في جنة الأرض
ان شاء الله


رد مع اقتباس
  #17  
قديم 10-05-2010, 01:13 AM
الصورة الرمزية Princess Amira
Princess Amira Princess Amira غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: Egypt
النوع: أنثى
المشاركات: 700
نقاط التقييم : 134
افتراضي رد: حتى لا تموت الروح ... قصة حب حقيقية



راااااااااااااااااااائعة،، منتظرة البقية على أحر من الجمر



اضغط هنا للبحث عن مواضيع Princess Amira

توقيع Princess Amira

لا إله إلا الله محمد رسول الله



رد مع اقتباس
  #18  
قديم 10-05-2010, 11:48 PM
الصورة الرمزية semeramis
semeramis semeramis غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: egypt
النوع: أنثى
المشاركات: 516
نقاط التقييم : 191
افتراضي رد: حتى لا تموت الروح ... قصة حب حقيقية



12 - 1 - أيام في جنة الأرض

12 - أيام في جنة الأرض


با رايح أرض الأفراح هات لي معاك هدية
هات لي عريس زين وملاح وعروسة متربية
قلنا يا عريس احكيلنا ازاي اخترتها
لمالها ولا لجمالها ولا لأصلها ؟
ده اختار عروسته بمهارة أدب وعفة وطهارة
حتعيش وياه على شرع الله ، وحتبقى للعهد وفية

يا رايح أرض الأفراح هات لي معاك هدية
هات لي عريس زين وملاح وعروسة متربية
قلنا يا عريس احكيلنا عالفرش والأثاث
قال الإسلام فرشتنا والتقوى الأساس
حيبنوا بالإسلام بيتهم ويسعدوا بيه في حياتهم
والكون يزداد فرح وأعياد والعيشة تبقى هنية


لعلي قلت لك أن اختيار يوم الثامن من ديسمبر كان أمرا مصيريا بالنسبة للعروسين ، فلقد كان يوم الثوار في العالم ، وكنا نحسب أنفسنا في عداد الثوار ، لكن الأهل أصروا على تأجيل موعد الزفاف أسبوعا ليكون يوم الخامس عشر من ديسمبر ، وكانوا محقين تماما ، فما كان لأي موعد قبل هذا التاريخ ممكنا لإتمام إجراءات الإصلاحات والترميمات العاجلة للشقة ..
ولقد حزنا كثيرا على فوات موعد أردناه معا .. لكنني عوضتها ، لقد أعطيت لصديقي ( الدكتور محمد ) الذي كان يقود سيارة العرس ليزفنا فيها .. شريطا مسجلا طلبت منه تشغيله ، فانبعث منه صوت المنشد :


بعد الغياب أعود أفدي تربها والشوق نبضي
أشتاق فيها قِبلة وأرتل الأنفال في ساحات مسرانا
وأحظى بالشهادة ثم أمضي
وأجرُ بعض الروح فوق جبالها ويظل بعضي
حجرا بسور القدس يحميها إذا هجم التتار
يرمي به الجند الصغار
فإذا سقطت فحسب قلبي أنني سأضم قلبي نحو أرضي
بارودتي والروح والأشواق حرا
يا قدس جئت بها إليك اليوم مهرا
ودمي خضابك يا عروس سقيا لتربك والنفوس
نهر الدموع سينتهي فالعزم فينا سار جسرا
لملمت حبي والرصاص وقلت هاكِ
ومشيت نحو الشمس وحدي كي أراك
نبتت بذور الثأر فيك مع السنابل
كحجارة في كف الصغيرة جلجلت بصدى القنابل
الله أكبر لن نخاف يعلو لواؤك والهتاف
فوق المكبر أسمع الدنيا آذنك يا جحافل


لقد كانت هذه هي الكلمات التي تزفنا في السيارة ، ونحن في الطريق إلى جنة الأرض !
وكان هذا الشريط تعويضا بسيطا مني لها ، عن تخلينا عن عيد الثوار ليصبح هو نفسه يوم زفافنا !
ولقد كان هذا الشريط وتلك الكلمات من أحب الشرائط والكلمات إليها !!!
ولكن ثوريتنا هذه الحالمة يا صاحبي ، لا تنفي أنه كانت هناك زفة ، وأنه أحيتها إحدى الفرق المحترمة ، فسهرت الحارة على أنغام الأناشيد الإسلامية كما لم يحدث فيها من قبل ، ثم آن للفرقة أن تنصرف ، وللأضواء أن تخفت ، وللحضور أن يستريحوا ، وللعيون المتلصصة أن تهدأ وتنام ، وللعروسين أن يركبا في سيارة الزفاف ..

ووصلنا أخيرا إلى شقتنا .. لم تكن شقة ، ولم تكن مسكناً ، كانت أقرب إلى الكوخ منها إلى أي شيء آخر ، ولكنها كانت جنة الله تعالى في أرضه ..
وسمح لنا رضوان الجنة بالدخول ..
وأغلق الباب خلفنا ، دوننا ودون الأقارب المقربين .. ليختلي كل حبيب بحبيبه ..
في هذه اللحظة يتوقف الزمن كما يعجز اللسان عن التعبير ، ويكف القلم عن الكتابة أو الوصف .. دقات القلوب تعزف ألحان الفرح ، لكنها دقات هادئة مستكينة ، عليها برد من برد الجنة ، والأنفاس التي في الصدور تنشد أهازيج البهجة .. إن هذه اللحظات في ذاتها وقبل أي شيء آخر هي معنى من معاني السعادة لا نظير له على وجه الأرض ..
فماذا على الزوج أن يفعل ليؤنس عروسه في تلك اللحظات ؟
اصطحبت منال معي لنشاهد حجرات الشقة ، ولم يكن فيها الكثير لنشاهده ، كما أننا كنا قد رتبنا أغلبها بأنفسنا معا بالأمس حتى قرب أذان الفجر تقريبا.. وليست لنا حاجة إلى إعادة الترتيب الآن .. ولكن ليست هناك جنة بلا شكر لصاحب الجنة ..
وتوضأنا ثم هرعنا إلى صلاة تجمع بين الشكر والرجاء ، بين الحمد والطلب والدعاء أن يديم علينا جنته ، وأن يجعلها في الأرض والسماء .. وأن يمدها لنا في الآخرة بعدما أذاقنا حلاوتها في الدنيا ..
وكانت صلاة ، وكان دعاء وقنوت ..
وأطلنا ..

12 - 2 - تابع أيام في جنة الأرض



وكان لابد من كوب اللبن رمز النقاء والفطرة ، وإن كانت منال لا تشرب اللبن دون أن يخالطه عصير أو مسحوق الكاكاو .. لكنها شربته ليلتها من يدي ..
ثم ..
ثم تذكرت منال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من يمن المرأة تيسير خطبتها ، وتيسير صداقها ، وتيسير رحمها .. أي لزوجها ..
وأخيرا بعد طول شوق وانتظار ولهفة ، صدّقت الأجساد لقاء الأرواح ، لكننا لم نكن لننسى تعانق الأرواح ، وتصافح القلوب ..
وكان علي أن أدرك قبل هذه اللحظات أن حيائي الذي جاوز الحد فاقترب من حياء الفتيات أو فاق حياءهن ، وأن خجلي الذي منعني من السؤال أو الاستفسار أو التعلم ، وأن خضوعي لتصوراتي الشخصية وصوري الذهنية وحدها ، كانت تمثل لي نقطة ضعف .. نقطة ضعف شديدة واضحة ، ولقد حاولت قبل عدة شهور ، ربما منذ أول يوم ارتبطت فيه بمنال ، أن أعوض نقصي المعرفي هذا بكثرة القراءة ، فاقتنيت كثيرا من الكتب ، وقرأتها جميعا ، بل حفظت بعض صفحاتها الطوال عن ظهر قلب ، لكن هيهات أن تغني القراءة من هذا الجهل المطبق شيئا !

لم تزد كثرة القراءة ونهمها الأمور إلا تعقيدا ، فهي أولا أعطتني ثقة واهمة ، ويقينا علميا صدقه العقل ، وكذبه الواقع ! وهي كذلك أعطتني جرعة مخيفة جدا من الوجل والرهبة ، وضرورة الحذر والحيطة وتحسس مشاعر عروسي بدقة ورقة متناهيتين ..
فتضافرت القراءة مع الحياء مع ما جبلنا عليه من الحب والرقة بمعانيها الروحية لا الجسدية ، تضافروا جميعا ضدنا ..
وكانت نتيجة كل ذلك ، أننا لم نكن نعرف ..
كنا جاهليْن تماما .. وعجزت الفطرة أو الغريزة أن تهدينا أو ترشدنا ، أو أننا لم نعول عليهما خوفا من الخطأ ، فلم نفعل شيئا ، خطأ كان أو صوابا ..
ماذا يمكن أن يكون موقف العروس أو شعورها ، وهي تفقد أجمل لحظات حياتها ، وتشعر بأن قدرها أن يتأجل الفرح ، ويظن الناس أنه قائم ؟

لابد أن يضيق صدرها ، ولابد أن تسعى لإيجاد حل ، ولو باللجوء إلى طلب المساعدة من أمها أو صديقة لها .. أو تتبرم ، أو حتى تحاول مناقشة الأمر مع زوجها نفسه للوصول لحل ..
وأي واحد من هذه الإجراءات ، كانت كفيلة بجرحه جرحا غائرا ربما لا يندمل بسهولة ويسر ..
ولذا لم تفعل .. كان حرصها على أسرارنا نوعا من الفريضة التي تتقرب بها لله تعالى ، وتشتري بها الجنة ..
فلم تفعل سوى الصبر والاحتساب ، والتشجيع والمؤازرة ، وبث الثقة والطمأنينة في نفسه ، ومنحه الفرصة بعد الفرصة ..
الأجمل من كل ذلك أنها لم تكن تشعر حقيقة بأنها ينقصها شيء ، كانت سعيدة ، ويكفيها أنها كانت تسند الصدر إلى الصدر ، وتسمع القلبين دقات بعضهما البعض !!
وكنت أتحسس سعادتها ، فأتيقن من كل حركاتها وسكناتها أنها سعيدة لا يعكر صفوها شيء ، ولا تشعر بفقدان شيء !!
وتأجل موعد الزفاف الفعلي أسبوعا آخر .. لكنني أعدت خلال هذا الأسبوع اكتشاف المعدن الحقيقي لمنال ..
فصرت من يومها أقول لها :

- أنت لي بمثابة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها لمحمد صلى الله عليه وسلم ، مع الفارق العظيم ، فنحن نحيا على الثرى وهما فوق الثريا .. لقد واسيتني بنفسك وروحك وقلبك ، فلنعم الزوجة أنت ، ولنعم الصديقة الكتومة المخلصة ..

وهي تجيبيني بتواضع حقيقي ، تواضع من لا تدرك ماذا قدمت ، ولا ما كان يسعها غير ذلك فتقول :
- أنا لم أفعل غير ما يجب أن تفعله كل زوجة أيا كانت ..

وكانت فيما بعد ترفض تذكيري لها بجميلها على ، وعظيم صنيعها لي ، وتقول مغاضبة :

- أنا لم أفعل شيئا على الإطلاق ، ولا تذكرني بهذا الأمر ، لأنني أدرك أنك كنت دائما تستطيع ، لكنك أنت الذي كنت رقيقا معي ، شفيقا بي ، أكثر مما ينبغي ، ولو على حساب نفسك ، فلو أن أحدنا يجب أن يشكر الآخر على صنيعه ذاك ، فأنا التي يجب أن أشكرك إلى آخر العمر !!!

والحقيقة التي لا مراء فيها أن الأمر كان قاسيا جدا علي ..
قاسيا إلى أبعد حدود القسوة وأعنفها ، قد كنت واثقا تماما في قدرتي ، فكيف لشاب نشأ في طاعة الله ، أن تتبدد طاقته أو تتعطل ؟ ، ورغم ذلك ، فإن ضغط المجتمع في هذا الجانب على وجه الخصوص هو ما لم أتخيل يوما أن أجابهه ..


12 - 3 - تابع أيام في جنة الأرض


نهضت من نومي في اليوم التالي وأنا أشعر بالانكسار والانقباض الشديد .. وكان علي أن أذهب لصلاة الجمعة ، وكنت قد أعددت بيني وبين نفسي لأصدقائي وأترابي مفاجأة ، بأن أصلي الجمعة معهم في المسجد الذي كنت أتناوب الخطابة فيه مع زملائي .. فيحتفلون بي دونما يتحملون مشقة الزيارة في ليالي الشتاء الباردة الممطرة .. لكنني وقد استيقظت على هذه الحال من الكآبة والانكسار ، فضلت أن أهرب من الجميع ، فصليت بمسجد لا يعرفني فيه أحد ، ولكنني وبمحض المصادفة قابلت عقب الصلاة صديقا أعرفه ، وسألني ، وما أشد وقع السؤال علي ، عندما باغتني به ، ولم تكن هناك إجابة ..
وقد بدأ الأهل والأقارب يتوافدون على منزلنا للتهنئة ( بالصباحية ) منذ الخامسة مساء .. وظلت الزيارات متواصلة إلى قرب منتصف الليل ، وكنت أجلس بينهم خجلا ، كنت أشعر وكأنني أتلق التهنئة على نجاح لم يتم ، وأن شهادة النجاح مزورة ليست حقيقية .. كنت كالراسب الذي زور شهادة النجاح ، وأقام له أهله احتفالا ، وهو الوحيد بين الحضور الذي يعلم حقيقة موقفه ..
أما منال فقد كانت كالفراشة السعيدة جذابة الألوان ، تطير بها سعادتها هنا وهناك ، والابتسامة العريضة المشرقة لا تغادر وجهها ، كانت سعيدة بكل ما في الكلمة من معنى ..
كانت ترتدي في هذه الأمسية الجميلة ، ثوبا فاتنا رائعا ، لم أرَ عليها في حياتي أجمل منه ، وكان هذا الثوب الذي يسمى ( ثوب الصباحية ) ملكا لصديقة لها ، استعارته منها ، كما استعارت بالأمس ثوب الزفاف ! أما أنا فكنت قد استعرت أيضا حلة الزفاف ..

وحاولت أمي الحبيبة أن تطمئن من منال ، وهي تراها كالنحلة الحلوة من زهرة إلى زهرة ، وقد شجعها ذاك البشر الذي يطفر من وجه العروس ، فسألتها :
- ما الأخبار يا عروسة ؟

- وأطرقت منال إلى الأرض وتمتمت في خفر : الحمد لله .. الحمد لله ..

لقد شاهدت وسمعت هذا الموقف بنفسي على باب غرفتنا ، وكنت ذاهبا لأحضر منها شيئا ، وأدركت أن منال كان سيغلبها الحياء أكثر من ذلك ، وربما لم تستطع أن ترد لو كانت الظروف طبيعية ، لكنها أرادت أن توحي لأمي بما لم يحدث حفاظاًعلي مشاعري !!
وكانت أيام جنة الأرض ، فرصة لأتعرف على منال في المرحلة الثالثة من مراحل حياتنا معا ، لقد كانت تقسم أدوارها ببراعة منقطعة النظير ، فلم تتجاوز في مرحلة الخطبة ، ما يمكن أن يسمح به الشرع ، ولو أن قلبها كان ينزف ..
وفي مرحلة العقد كانت إنسانا جديدا مختلفا كل الاختلاف بعاطفتها الجياشة ورقتها ، وخفة ظلها وحيويتها ..
أما في المرحلة الثالثة ، فكما أذن لنا رضوان جنة الأرض بدخولها ، فقد أذن لي أن أعاشر حورية من حورياتها ..
نغم عذب يملأ علي حياتي طوال اليوم ، فهذا موقف يذكرنا بنشيد ، وتلك أغنية حفظتها في صغرها ، وهذه جملة موزونة تصلح في ذاتها أن أسمعها من فمها منغمة كأنها أغنية .. وجمال يتبدى كل يوم ، ورقة مشاعر في كل لمسة أو كلمة أو لفتة ، وعفة نفس أعلى ما تكون العفة ، لا تهفو نفسها إلى طعام معين ، ولا إلى شراب مخصوص ، ما هو موجود في البيت هو نعم الزاد ، وما هو خارجه فليس بها إليه رغبة ، ولا يخطر على قلبها مجرد الخاطر ..
لا أستطيع أن أصفها بالملائكة ، وإن كانت بطبيعتها روحا ملائكية ، ولكن هذا الوصف يغضب الشرعيين ، فلتكن إذن فراشة ، لكنها فراشة نورانية شفافة ، حركاتها ، رقصاتها ، نغماتها .. خفتها ..
كانت تصنع البهجة في العش الصغير المتواضع ، فتجعل جدرانه تتجاوب معها بهجة ورقة وألحانا ..
كنا نرى في كل ما حولنا جمالا لا ينبع من ذاته ، وإنما ينبع من ذاتها هي ..
كم ضحكنا في سعادة حقيقية ، وطلاء جير غرفة نومنا يتساقط فوق رؤوسنا كحبات المطر ..
وكم سهرنا نتضاحك بعد كل زيارة يزورنا إياها الأصدقاء وهم في غاية العجب من العش الذي نحيا فيه !!

وأصبحت منال هي ( منة شو ) ، وأصبح هذا هو لقبها المفضل لدي .. لقد كانت فرقة مواهب فنية متكاملة .. فنانة شاملة بكل ما يعنيه هذا المصطلح من معنى .. فصارت بالنسبة لي ( منة شو ) .. وصرت أنا بالنسبة لها ( ماد منة )
لقد صرنا واحدا حتى في الاسم ، والتدليل ..
هل تصدقني يا صاحي إذا قلت لك : أنني كنت أشعر إني تغيرت ، أنا نفسي لم أعد عماد الذي عرفته طوال السنوات الماضية من عمري ، لقد أصبحت أرق قلبا وأرقى شعورا ، وأحن فؤادا ، وأقرب إلى الله حمدا وشكرا ، وألين طابعا ، وأعذب صوتا ، وأجمل حديثا ..
كنت أسمع صوت نفسي وأنا أحدثها في سهرات الليل المترعة بالجمال والسعادة ، فأخال الذي يتكلم شخصا آخر غيري ..


12 - 4 - تابع أيام في جنة الأرض


ومر أسبوعان ، وكانت هذه المدة هي فترة إجازتي ، ولم يكونا أسبوعي عسل ، ولا يمكن وصفهما بهذه الصفة البسيطة غير المعبرة تماما عن جمالهما .. والحقيقة أنني لم أشعر خلال هذين الأسبوعين ، أنني مقيم على الأرض ، لم تكن الحياة هي الحياة التي حولنا والتي تعودنا عليها ، ولا الدنيا هي الدنيا التي عرفناها .. كنا نحلق .. كنا نحلم .. كنا نطير فوق السحاب ..
وكأن الله تعالى قد فتح لنا نافذة على الجنة ، غير أن الجنة فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ..
لكني كنت أدرك كم ضحت منال من أجل الله ، وأن الله تعالى عوضنا معا بشيء من إحساسات الجنة ..
وكنت قد حلمت بما يعرف في دنيا الناس بشهر العسل .. حلمت به طويلا وتفكرت فيه أطول ، وبدأت أخطط لما يمكن أن يكون فيه منذ .. منذ كنت في الصف الثاني الإعدادي .. أي عندما كنت في الثالثة عشر من عمري ، ولقد مرت ثلاث عشر سنة كاملة على هذا الحلم ، وهو يتجسد أمام ناظري كل ليلة ، ولكنني عندما عشته حقيقة واقعة ، أدركت أن أحلامي لم تكُ شيئا أمام الروعة المذهلة التي لم أجد لها وصفا ولو في عالم الأحلام والأمنيات الخيالية !!
وانقضى الأسبوعان ، مرا مرور السحاب ، وكان لزاما علي أن أعود إلى الأرض ، وكان يتعين أن أقضي قرابة الست ساعات في العمل اليومي ، لكنني لم أعد إلى الأرض كليا .. بل كنت اهبط إلى الأرض أعمل وأتعامل ، وأشتري ، وأخاطب هذا ، وأكلم ذاك ، ثم أعود فأجد رضوان جنة الأرض وحورها قد استقبلتني عند باباها فترتفع بي مرة أخرى إلى الجنة ..
أعود إليها أشد شوقا ولهفة ..
وكنا قد تعاهدنا ، وما أكثر ما ستجد لنا من عهود كهذه ..
تعاهدنا على أن نستيقظ من نومنا كل صباح على قبلة ، وأن يكون وداعنا عند الخروج من المنزل ، ولو إلى خروج عابر لا يستغرق سوى دقائق معدودات على دعاء الوداع ، وقبلة ، فأقول لها :
- استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه .. استودعت الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك
- وترد : حفظك الله لي في الدنيا والآخرة ..
ويأتي دور القبلة ثم أنصرف ..
وأن يكون أول شيء نفعله بعد دخول المنزل وإلقاء السلام ، أن تستقبلني عند الباب بقبلة .. وتعودنا أن نبدأ طعامنا بقبلة ونحن نردد ذكر الطعام ..
لم يكن هذا من محض مراهقة ، ولا تصابي ، وإنما هو استمرار وديمومة للحب استلهاما لنصيحة النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله : هل لك في العذارى ولعابها ؟ ..
ولعل كل عروسين يستهلان حياتهما بمثل ذلك ، لكن سرعان ما تشغلهما مشاغل الحياة ، أما أنا ومنال فقد كان هذا بروتوكول ثابت دائم لا يتغير إلا في وجود ضيوف في المنزل فقط .. بروتوكول استطعنا بموجبه أن نمد شهر العسل إثنى عشر عاما كاملة ، دون أن نتلهى عنه أو نمل منه ..
قالت لي منال ذات ليلة حيث يحلو السمر في ليل الشتاء الطويل .. لكنه ليل دافئ بمشاعر حانية تقي من برد الشتاء ، وقيظ الصيف .. قالت لي :
- عماد هل تدري ؟ أنت جنتي وناري كما قال حبيبنا محمد - صلى الله عليه وسلم- ، وإني قد عاهدت الله ألا أنام ليلة وأنت غضبان علي ، أو حزين مني ..

- اتسعت ابتسامتي لها ، وأنا أجيب :
خيركم ، خيركم لأهله ، وأنا قد عاهدت الله أن أكون خير الناس بعد حبيبنا - صلى الله عليه وسلم- لأهله ، وأعاهدك بأنني لن أنام ليلة واحدة حزيناً منك .. فإن كان بيننا ما يعكر الصفو صفيناه حالا ، حتى يبيت كل منا راض عن حبيبه موف بعهد الله عليه ..

وخلال ليالي شتائنا الطويلة ، والتي لم يكن عندنا فيها أي وسيلة من وسائل الإعلام والترفيه ، كنا نقضي الجزء الأول من الليل نقرأ .. كنت أقرأ لها ، وتقرأ لي ، ثم استعذبت صوتها ، ونسيت القراءة ، وأدمنت الاستماع ، فكانت تقرأ لي ، ونحن نلتحف بالغطاء وقد كان هو الشيء الوحيد في شقتنا الذي يمت إلى عالم العرسان بصلة ، فقد كانتا بطانيتين حديثتين جميلتين ..
وأمامنا اللب والفول السوداني الساخن ، وأحيانا قصب السكر ، وكنت أوقفها بين الفقرة والفقرة أثناء القراءة ، لتأخذ نصيبها بفيها من في ..
ثم نقضي الشطر الآخر من الليل نتحدث .. لقد روت لي كل شيء يتعلق بحياتها ومشاعرها وأحوالها ، وأمنياتها وأحلامها ، وحتى صديقاتها ، ما لم يكن سرا أو غيبة .. ماذا تحب من الألوان والأصوات والمعاني والأسماء ، والطعام والشراب ، وماذا تكره ، وذكريات الطفولة ، والدراسة ، والأسرة .. أين تنام ، ومتى ؟ ، وكيف كانت تناجي النجوم قبيل الفجر ، ومتى لاحظت نجمتنا الغمازة التي ظلت مرسالنا أيام البعاد والغربة .. حتى الخطاب الذين تقدموا لها قبلي ، وماذا قالوا لها ، وبماذا شعرت نحوهم ، ولماذا رفضتهم .. وكرهت أنا من عرفته منهم ، لأنه تجرأ وتقدم لحبيبتي قبل أن أقطفها !!

12 - 5 - تابع أيام في جنة الأرض


حدثتني عن أبيها وأمها وأخويها وأختها ..
فعرفت منال كأنها شقيقتي التي ولدت كتوأم لي أو أكثر ..
وكان شقيقها الصعيدي ( هاني ) قد ألقى الله في روعه رقة ورأفة ، فأهدانا زوجا من عصافير الكناري .. وضعناه في غرفة نومنا ليكون أحلى ما فيها ، وكان زوج الكناريا يغار منا ، وكنا نغار منه ، وأظن أننا علمناهما الحب والهوى وزقزقات الغرام .. وكنا نُسهر ليلهما طويلا حيث الضوء المنبعث .. حتى نرى منهما إشارة ذات معنى فنطفئ الأضواء ، وتضيء أنوار القلوب ..
وبعد قرابة شهر من دخولنا جنة الله في أرضه ، من الله تعالى علينا وتوج حبنا الأبدي بثمرة أخذت تتحرك رويدا ، رويدا في أحشاء منال .. وأغرورقت عيوننا بالدموع ، ما لنا لا نملك للرحمن حمدا يكافئ مزيد نعمه وآلائه ؟
وكنا قد سميناها أشرف اسم ذكر في كتاب الله ، فسميناها مريم ، من قبل أن نعرف بدبيبها في الأحشاء ، ودعونا الله كثيرا أن تكون قرة أعيننا ( مريم ) ..
وأتذكر أنني كنت أتمشى مع حبيبتي في الطريق ، وكان بالقرب منا أولاد يلعبون الكرة ، فكنت أدور حولها فتارة أكون أمامها ، وتارة خلفها ، وثالثة عن يمينها ، ورابعة عن شمالها .. وهي تنظر إلي ضاحكة وتسألني :
- ما بك يا أبا بكر ؟

- أجيب مخلصا : أخاف أن تأتي كرة طائشة فتصيبك في ظهرك أو بطنك أو جنبيك ، فأدور ، وأنا أتذكر فعل أبي بكر مع حبيبه النبي صلى الله عليه وسلم ..

ما أحلى الحياة في ظلال السيرة ، فحينما يجتمع الحب الطاهر مع حب سيد الأنام .. تطير بنا أرجلنا وتسمو بنا أرواحنا ، ولا نكاد نلمس أرضنا بأقدامنا .. ولقد كان!!!

لم يعد ينغص سعادة منال إلا اقتراب موعد الفراق .. ونظرت مرة إليها فلم أجد وجهها هو وجه ( منة شو ) الذي أعرفه ، وسألتها جزعا :
- ما بك يا حبيبتي ؟

- لا شيء

- أقسمت بالله عليك أن تجيبي .. أتشعرين بالتعب من الحمل ؟

- لا والله ..

- منة حياتي .. لقد أقسمت ..

- والله لا شيء سوى أنني تذكرت موعد سفرك ..

ولم تملك العيون دمعها .. لأننا نحب ..
وأسرعت أحتضنها بقوة ، وأنا أجاهد البكاء :
- عديني يا حبيبتي ، ألا تتذكري هذا الأمر ، وألا تجعليه يفسد علينا لحظات سعادتنا ، صحيح أنه محكوم علينا الفراق زمنا ما ، ولا ندري أيطول هذا الزمن أم يقصر ، فلا تجعلي الفراق ينتصر علينا مرتين .. مرة حين يقع لا محالة ، ومرة الآن ونحن في أحضان بعضنا البعض .. دعينا نقهره الآن .. ثم ليقض الله أمرا كان مفعولا ..
وأومأت منال برأسها وأنا ألح عليها بنظراتي لتعاهدني على ذلك .. أومأت برأسها .. لكن دموعها لم تجف ..

حاولنا بعد ذلك أن نطيل أمد السعادة إلى أقصى مدى ممكن ، وأن نقهر الحزن والوجوم واستشراف الفراق .. وكنت مازلت أتردد على القاهرة في هذا الشتاء ، مازلت مرتبطا بالعمل بالنقابة ، وكنت أصطحب معي منال دائما ، حتى استقر الحمل في أحشائها ، فأصبحت أتنقل بمفردي خاصة في السفر خوفا عليها .. وعلى جنينها ..
وذهبت إلى النقابة ، وكنت أعد لتقديم استقالتي في ذلك اليوم إلى الأمين العام للنقابة ، وذلك استعدادا للسفر القريب ، ولكني لم أجد الأمين العام ، وفي طريق العودة سمعت من مذياع سيارة الأجرة وكان السائق قد أداره على إذاعة لندن ، بنبأ اعتقال الأمين العام للنقابة وعدد جاوز المائة من الشخصيات السياسية البارزة ، امتدت الاعتقالات هذه المرة إلى شخصيات لم تكن معرضة للاعتقال من قبل ، وأدركت وقتها أن ما كنت قد تنبأت به بدأ يتحقق ، وأن ضربة غير اعتيادية ستوجه حتما إلى التيار الإسلامي في الأيام القليلة المقبلة ، وكنت قد بالغت كثيرا في توقعي بشأن هذه الضربة ، لكنها بالفعل لم تكن مسبوقة منذ ما لا يقل عن ثلاثين عاما ، فلقد تم تحويل المعتقلين إلى المحاكم العسكرية ، وكانوا رموز العمل الوطني والنقابي والمهني !!!


12 - 6 - تابع أيام في جنة الأرض


وأصبح السفر بالنسبة لي اختيار لا رجعة فيه ، فأنا منذ جربت تجربتي الأولى مع أبي زعبل ، وأنا أكره القيد ، ولا أحب في حياتي مثل الحرية ..
وبتنا نقترب يوما بعد يوم من موعد السفر ، وبدأت أبواب جنة الأرض توصد قليلا أمام ناظرينا ، وكنت أحاول أن أسرق الابتسامات والسعادة من منال ، كنت أستحثها حثا على أن تعيش لحظتها ، وكنت شخصيا مقتنعاً بذلك ، كنت أريد أن أعب من السعادة عبا ، فما أدري متى نصبح والسعادة على موعد آخر ، ولكن منال كانت قد استسلمت للتفكير المضني ، وإن كانت تجاهد لتوفي بعهدها معي ، وتبتسم في وجهي .. كانت شفتاها تبتسم وقلبها يبكي ..
وكنت آخذها لزيارة أسرتنا ، وكان أبي يقابلنا واجما ، متوازن الانفعالات ، وكأنه يقيس الأمر من كافة جوانبه ، فيرى الصواب في جانب السفر ، فيطمئن إليه ، لكنه لا يفرح به ، لأنه مع الاطمئنان على ابنه فإنه سيفتقده لا محالة ..
وأما أمي فلم تكن أقل حزنا من منال .. كان حزنها قاسيا ، ولم تكن تملك رد دموع عينيها فتنساب على خديها الحبيبين ، وحينما أحاول التخفيف عنها تقول :

- لقد تحملت الغربة وتركتكم وأنتم فلذة كبدي ، حتى أجنبكم هذا المصير ، ولكن ها أنا ذا تفرض علي الغربة المقيتة مرتين .. مرة عشتها بنفسي ، ومرة سيعيشها ابني ..

وكنا بلجوئنا لتلك الزيارات كالمستجيرين من الرمضاء بالنار ، فليس أقسى على النفس يا صديقي أن تقع بين حب امرأتين عاشقتين تتأهبان لفراقك ! ولم يكن يسعنا بعد الانصراف سوى التجول في الطرقات ، وأدعو حبيبتي إلى كوب من عصير الخروب المثلج الذي كانت تعشقه ، ثم نعود إلى جنة الأرض ..
وعبثا كنا نحاول أن نعيد البسمة الأولى بطلاقتها ورونقها ، لكن ظلال الفراق كانت تسيطر على كل شيء ، وتلقي بظلالها القاتمة على كل ركن ..
أما ليلة السفر فقد كانت ليلة خانقة تماما ، حاولنا أن نتناسى ، أن نعب زادا من السعادة يكفينا فترة من الزمن ..
ولأول مرة في حياتنا معا .. كنا نكذب ونتجمل .. كنت أبش في وجهها وتبش في وجهي ، وقلوبنا كانت تنزف .. ونمسك دمع العيون بشق الأنفس ..
وضحكنا ضحكاً كالبكاء ، ولو أردنا أن نكون صادقين تماما فلم يكن هناك بد من أن نمزق عقد العمل ، وتأشيرة السفر وتذكرته .. لكنا لم نفعل ، وما كان في وسعنا أن نفعل .. لقد كان الفراق المحتوم هو ثمن ما حصلنا عليه من سعادة عارمة ..
وكان لابد من دفع الثمن .. وخيمت الكآبة على المكان ، وكانت منال تلملم حاجيات أمها من الشقة ، وخنقتني العبرة ، نظرت إلى الشقة ، وشعرت بغصة في القلب تعقب انفضاض السامر ..
شعرت بأننا ننقض ما بنيناه سويا في جنة الأرض ، وكأن جنتنا ما هي إلا( شادر ) .. صوان لفرح أو لسوق كبيرة ، وأنها لم تكن ملكنا بل كانت مستأجرة ، وقد جاء متعهدي الأفراح ، وموردي الفراشة لاسترداد فراشتهم ، فبدا الأمر ، وكأننا نحل الحبال التي تمسك جوانب ( الصوان ) من قوائم خشبية ، فيتكوم الصوان بعضه فوق بعض .. ليحمله عمال الفراشة إلى سيارتهم ، وينتهي كل شيء ..
أما أمي فلم تكن تتخيل أن تدخل شقتي فلا تجد فيها عماد ومنال ، كأنها لم تغن بالأمس .. فتركت كل ما جاءتنا به على حاله .. وهي على العموم كانت قد وهبتنا إياه ..
ولم أحتمل هذا المنظر ، وكان علي أن أهرب منه ، فهربت إلى أحضانها ، كان لابد لنا من مخرج ، ولم يكن سوى تنفيس المشاعر الملتهبة في نفوسنا ، وربط دقات قلبينا ليظلا موصولين ببعضهما البعض ..
لم يكن ثمة نوم .. وإنما أرق وترقب حتى الصباح ..
في الصباح كانت تعد لي حقيبتي ، وطلبت إليها طلبا أن يصحبني صوتها الرخيم الفخم في سفري ، وأحضرت لها المسجل لتسجل لي بعض الأناشيد ..
كانت تنشد وتضحك أو تحاول أن تتصنع الضحك ، لكن الأناشيد كانت مبكية ..
روحي فداؤك طال البعد يا وطني
كفى بعادا لنفسي المعذبة
ومصر في القلب وقلبي في هوي وطني
أفديك أفديك هذا كل أمنيتي
روحي فداؤك طال البعد يا منة
كفى بعادا لنفسي المعذبة
عمدة في القلب وقلبي في هوى عمدة
أفديك أفديك بالروح والمهج

هدي يا سحابة على زهر الياسمين
مهما طال غيابي للوطن رجعين
وجف ( وقف ) هون اذكرنا واذكر مراجيحنا
احنا أولاد الطفولة عم نبكي جوارحنا
يا أحبابي انتو أصحابي
كيف أنساكم أنسى أحبابي
ما بأنسى الذكريات ولا بأنسى الأمنيات
ولا بانسى صهل الخيل ولا بانسى الأمسيات
هدي يا سحابة على زهر الياسمين
مهما طال غيابي لمنة رجعين
هدي يا سحابة على زهر الياسمين
مهما طال غيابي لعمدة رجعين
وجف هون اذكرنا واذكر أمسياتنا
احنا زوج الكناري ما بننسى ذكرياتنا
مابننسى ليالي الحب ما بننسي أمنياتنا


وأخيرا حان موعد الوداع ..
وحينما تحركت خطى الوداع في الطريق لم تملك العيون دمعه .. لأنه أحبها .. لأنه أحبها .. لأنه أحبها .. لأنه إذا ابتدئ المسير لن يعود ..


الحلقات القادمة: 13 – زمن الغربة والعذاب
ان شاء الله


رد مع اقتباس
  #19  
قديم 11-05-2010, 06:56 AM
الصورة الرمزية Princess Amira
Princess Amira Princess Amira غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: Egypt
النوع: أنثى
المشاركات: 700
نقاط التقييم : 134
افتراضي رد: حتى لا تموت الروح ... قصة حب حقيقية



ان شاء الله،، في الانتظار أختي شيماء



اضغط هنا للبحث عن مواضيع Princess Amira

توقيع Princess Amira

لا إله إلا الله محمد رسول الله



رد مع اقتباس
  #20  
قديم 11-05-2010, 10:01 PM
الصورة الرمزية semeramis
semeramis semeramis غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: egypt
النوع: أنثى
المشاركات: 516
نقاط التقييم : 191
افتراضي رد: حتى لا تموت الروح ... قصة حب حقيقية



13 – 1 - زمن الغربة والعذاب


غريب .. غريب .. أخفي هواي ويبدو بعض تحناني
وإن دفنت هوى قلبي ، وإن دفنت هوى قلبي بكتمانِ
أكتمُ الوجدَ في الأعماق أدفنه تجملا بين أصحاب وإخوانِ
أغالبُ الشوقَ بالصبر الجميل وهل بين الجوانحِ إلا قلبَ إنسانِ
يدميه فرقةُ أحبابٍ يحركه بكى الحبيبِ ودمع الوالد الحاني
جاءت طيوفٌ من الذكرى مؤرقةً تترى تهيج أشجانًا بأشجانِ
أساهر الليل أطيافا وأخيلةً وذكرياتٍ بأشكالٍ وألوانِ
وأسألُ النجمَ والأنسامَ عن خبرٍ عن الأحبةِ يروي لحظ ظمآنِ
إني لأذكرهم والدمع يغلبني وكيف أنسى محبا ليس ينساني
أعللُ النفسً بالآمالِ أخدعُها لأصرف النفسَ عن بؤسٍ وحرمانِ
أستغفرُ اللهَ من سخطٍ ومن جزعٍ ومن قنوطٍ ومن شكوى لإنسانِ
عزاؤنا أننا في الله غربتُنا من أجل دعوةِ إسلامٍ وقرآنِ
ستشرقُ الشمسُ مهما طال مغربَها ويُهزمُ البغيُ مصحوبا بخذلانِ
ويفضحُ الصبحُ إن الصبحَ موعدُهم ما يُمسكُ الليل من زيفٍ وبهتانِ
*****

غريبُ الدارِ والأهلِ أسيرُ الأرض من حولي
سمائي أضحت السلوى وصُبحي في الأسى مثلي
*****
في ليلٍ دامسٍ هجموا على بيتي على حقلي
وبالعصباتِ قد غطوا على عيني في غلِ
وطفلي يرقبُ الأهوالَ مكتئبا وسال الدمعُ كالطوفانِ بالمقل
وقادوني وقلبي غص بالجمل
غريب الدار غريب الدار غريب الدار والأهل
*****
وقالوا أنت مطرودٌ فأحزنني فراق أحبتي والأرض والأهل
نفوني في شريط العزل في ليلٍ فحار القلب بين التيه والأملِ
وما ذنبي سوى بغضي لمعتقلي
*****
تركتُ الدارَ في حزنٍ آااه آااه آااه تركت الآه في أهلي
وقالوا خير أحكامٍ هي الإبعاد في الحلِ
وطفلي يرقب الأهوال مكتئبا وسال الدمع كالطوفان في المقلِ
غريب الدار ، غريب الدار ، غريب الدار والأهل

وبدأت يا صاحبي غربتنا منذ هذه اللحظة ، بدأت باردة قارصة في بردها كأيام شهر يناير التي كنا نحياها ..
وكنت وأنا في الحافلة أنظر من النافذة إلى كل شبر من أرض وطني كأني لم أره من قبل ، وأشعر أنني ربما لن أراه بعد ذلك .. مجرد شعور مبهم وكأنها هجرة بلا رجعة ..
وكنت قد ودعت خلفي قلوبا وأرواحا أفتديها بمهجتي ، والآن أنظر إلى كل حبة رمل من رمال طريقنا الصحراوي ، وأنا أسال نفسي ، هل حقا أنا من النوع الذي يفتدي ترب بلاده بدمه ؟
وأصبحت في غربتي أسيرا لشريط منال الذي سجلته لي قبيل السفر ، وهو لا يفارقني ، ومعه شريط لأبي راتب به نشيد غريب الدار ، والذي يبدأ بالموال الذي صدرت به الفصل ، والحقيقة يا صاحبي إن الحروف والكلمات تعجز عن الوصف أو التعبير ، وإني كم أتمنى لو أن الورق يستطيع أن يحمل الألحان والأنغام وصوت أبي راتب وهو يدمي قلب كل غريب وهو ينشد هذه الأبيات ..
فإذا كنت يا صاحبي ممن لا يطيقون المشاعر الحزينة والعواطف الملتهبة والجو المكتئب ، فلتحمد الله تعالى أنك لم تسمع هذا النشيد ملحنا بصوت أبي راتب ، ولتحمده كذلك أنني أنا فقط الذي كنت أسمعه دامعا داميا من حبيبتي منة ، ترسله لي أثناء شهور فراقنا الحزين ..
وكان لا يفارقني أيضا شريط فلسطيني به نشيد يقول :

الثوب الجديد لكن القلب دايب
فرحة العيد لما نشوف الحبايب
قرب يا طير هات لي منهم هدية
ضمة شومار وشوية مرامية
أو خبز شعير أو حتى شربة ميه
إن دق الباب وقالوا هذه رسالة
من الأحباب وتلقى دموعي سيالة

وأختم البكاء قبل نومي كل ليلة بسماع ببيتين من نشيد يقول :
لا .. لا تقولوا وداعا بل قولوا إلى اللقاء
إن لم يكن فوق الثرى فبجنة رب السماء

وإن كانت الكلمات يا صاحبي لا تستطيع أن تعبر عن ليل السهاد الطويل ، إلا أنه بين يدي الآن خطابين من خطاباتنا ..


13 – 2 - تابع زمن الغربة والعذاب

أرسل كل واحد منا خطابا منهما لحبيبه في مناسبتين مختلفتين ، ولسوف أتركك مع الخطابين ، كما هما دون تنقيح ، لعل فيهما ما يدلك على بعض ما عانينا في غربتنا القاسية :
وهذا هو خطابي إليها :
بسم الله الرحمن الرحيم
حبيبتي الغالية جدا منة show
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
تحية عطرة من أحب بقاع الأرض إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، ملؤها الحب والأشواق .. حب أكبر من حبك .. وأشواق تعتصرني فتذيب كياني كله ..
مشتاق لك يا روحي ، وأريدك يا منة .. محتاج إليك .. محتاج إلى صدرك أريد أن أبثك حبي وأشكو إليك ألمي من فراقك ..
أمس كان ثاني أيام العيد ( وعساكم من عواده ) .. ( من العايدين ) يا عسل ..
شعرت بشوق وحنين وظللت في غرفتي ، وحيدا حوالي أربع ساعات ما بين باكيا أو داعيا أو مكتئبا ..
محتاج إليك يا منال .. أريد روحك تذيب روحي فيها ..
بعد العصر ذهبنا إلى جده للتنزه – هذا بالنسبة لهم كانوا يتنزهون – أما أنا فلا نزهة ولا حياة أساسا بدونك يا روح القلب ..
وجلسنا على البحر قبل الغروب
هل تتذكرين إسكندرية يا منة على شاطئ البحر قبل الغروب ؟
وهناك كنت أرقب الشمس تغيب في الماء كما رقبناها معا ، دعوت وصورتك لا تفارق خيالي : اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك والتقت على طاعتك وتوحدت على نصرة شريعتك .. فوثق اللهم رابطتها وأدم ودها ، واهدها سبلها ، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك وجميل التوكل عليك وأحيها بمعرفتك وأمتها على الشهادة في سبيلك .. إنك نعم المولى ونعم النصير ..

ثم حمَلت الشمس التي أوشكت على المغيب أمانة من روحي ووجداني حتى تبلغها إليك قبل مغيبها من عندك ..
أسال المولى عز وجل أن تكون الشمس الآفلة قد أبلغت رسالة روحي إلى شمسي الباقية ..
وبعد الغروب كان الهلال عذبا كما كنا نراه من شرفة بيتنا .. الشرفة التي على الطريق .. تسمع الأشواق تعصر الأسى وتنتظر .. ولقد أرسل قلبي مع الهلال رسالة دقتين يخفقان :
منة .. منة
وراقبت نجمتنا الغمازة ، ورأيت فيها عينيك يا حياتي ، لأنك بالتأكيد لمحت فيها عيني ..
وفي طريق العودة أدار سائق السيارة المسجل على أغنية لوردة :
واللي ما حبش عمره ما عاش
حتى النعمة ما بيدوقهاش
واللي يحب يا روحي عليه
يحب الدنيا من حواليه
حبك صالحني على الدنيا .. الدنيا ..
وأهاجت الأغنية رغما عني مشاعر وذكريات وآهات ولوعات .. آآآه .. مشتاق .. مشتاج .. مشتاج
قلبي تولع يا نولة .. آه تولع

أنا روحي تسلم عليك ، وقلبي وعقلي ونفسي ، ووجداني وأحاسيسي وكل شيء في يا منة يسلم عليك ..
فراقك صعب جدا يا أحلى زوجة في الدنيا .. يا أغلى شيء في حياتي .. يا جنتي
هذا الخطاب مرسل مع جماعة من المعتمرين ، لعله يصلك أسرع من خطابات البريد ، ومرسل معه لعبة ظريفة .. يا بنت يا منة .. طبعا ألست أنت ابنتي ؟!.. وهذه اللعبة حتى لما يرزقنا الله بمريم لا تنظري لها فيما سأحضره لها من ألعاب .. وتعرفين أنني دللتك من قبلها .. طبعا .. ألست أنت البكرية !
في ختام هذا الخطاب أقول لك :
أحبك .. أحبك .. أحبك حتى آخر العمر ..
سبحانك اللهم وبحمدك .. أشهد ألا إله إلا أنت .. أستغفرك وأتوب إليك
حبيبك الولهان المولع
ماد
ملحوظة : خلال ساعات وحدتي بغرفتي أمس .. قرأت كثيرا في ديوان لفحات ونفحات .. وقرأت الإهداء .. وجددت ذكريات وآمال وأحلام ونسيم وأشياء كثيرة جدا ، فجزاك الله عني كل خير .. يا أم الخير .

13 – 3 - تابع زمن الغربة والعذاب


أما هذا فهو خطابها إلي :

بسم الله الرحمن الرحيم
" ربنا اغفر لنا ذنوبنا ، وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار " اللهم آمين
زوجي وروح قلبي وكل شيء لي في دنيتي ، وإن شاء الله جنتي : ماد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حبيبي أكتب هذا الخطاب على أمل أن يصلك يوم ميلادك إن لم يكن قبل ذلك .. كل سنة وأنت طيب يا روح قلبي .. كان أملي أن نحتفل بهذا اليوم الجميل كما احتفلنا بيوم ميلادي ، وأكثر .. لأننا سنحتفل بمولد القلب الكبير والحضن الدافئ والصدر الواسع وكل شيء لمنة في هذه الدنيا ..
طبعا هو يعتبر احتفالي أنا ، وعيدي أنا .. فهو أجمل يوم في الدنيا .. مثل صاحبه .. فليس هناك في هذه الدنيا من هو أجمل من ماد حبيبي ..
ماد :
هل تتذكر هذا اليوم .. عندما كنا نريد نحن الاثنين أن يكون عقد زواجنا فيه لولا الظروف ..
كان إلى أي مدى سيكون هذا جميلا جدا .. ولكن خيرا والحمد لله رب العالمين ..
أكتب إليك هذا الخطاب وأنا بالكاد مستيقظة من النوم .. كان نومي مرهق هذه الليلة ، ولا أدري السبب ، لكن أجمل ما فيه أنني عندما وضعت رأسي على الوسادة رأيت يوم زفافنا .. كان أجمل يوم في الوجود .. ربنا يكرمنا ونكرره مرة أخرى يا ماد ..
روح قلبي ونور عيني ماد .. قطتي الجميلة .. ودبدوبتي أم نظارة .. وحشتني من اليوم الصباح حتى الآن .. أحبك .. أحبك .. أحبك ..
يا ترى يا حبيبي كيف سنحتفل بهذا اليوم ؟
جاءتني فكرة الآن حالا ، ما رأيك أن نصلي معا سويا في وقت واحد ركعتين قيام لله وندعو الله في هذه الصلاة أن يعجل جمع شملنا على خير ، ويكرمنا في الدنيا والآخرة ويفرج كربنا وكروب المسلمين ..
ما رأيك ؟
أعرف أنك ستقول :
أأمر يا جميل أمرك ماشي ..
كف عن هذه الكلمة ..
أنت الذي تأمر يا حبيبي وأنا علي التنفيذ .. أوامرك يا باشا .. يا بياع البغاشة ..
روحي وحياتي ومهجتي : لا أدري ماذا أفعل .. أمنيتي أن أكون معك في هذا اليوم .. أقول لك : كل سنة وأنت طيب ، وبدل من أن نصلي معا ركعتين في جوف الليل ، نجعلها عمرة مثلما احتفلت أنت بهذا اليوم من قبل ..
أتمنى أن تتشابك أيدينا مثلما تشابكت قلوبنا .. لا بل ذابت في بعضها .. لكن فصبر جميل والله المستعان ..
حبيبي لا أجد ما أقوله .. أحبك .. أحبك .. أحبك
وحشني والله واحشني ومين يقولك مين
ده اليوم في بعدك سنة ويا عيني عالصابرين
واحشني
في عيون الناس السهرانة ألمح صورتك
وفي همس الوردة النشوانة أسمع سيرتك
أتشوق لك .. أتزوق لك
وفي قمر الليل أسمع مواويل
بتقولي ما فيش إلا أنت جميل
أتذكر يا ماد لما غنيت لك هذه الأغنية ، وأنت تقول لي : كفى .. كفى .. ستفتنيني .. أنت صوتك مثل صوتها ..
ماشي يا سيدي بلاش ده ..
روحي فداؤك طال البعد يا زوجي
كفى غرابا لنفس المعذبة
مالي اصطبار فراق القلب ألهبني
أفديك .. أفديك هذا بعض أمنيتي
مادي في القلب
آآآه
وقلبي في هوى مادي ..
هل تذكر عندما غنيت لك هذه الأغنية ؟
طبعا تذكر .. وحشتني جدا جدا ، وأكيد أن الله برحمته سيعوضنا خيرا بمقدار صبرنا .. أنا مستبشرة خيرا ..
هل تذكر عندما صبرنا على عقد الزواج ، وعوضنا الله من أول ليلة بل من أول لحظة بعد ( الإفراج ) فيكون هذا الحب وتكون هذه المشاعر الدافقة تغدق علينا إلى هذا الحد يا روحي .. وهذا كله لصبرنا على ما كتبه الله لنا ، وهذا مثال واحد من أمثلة كثيرة عشناها سويا .. فالحمد لله رب العالمين
حبيبي معذرة لسوء خطي ، لأني أكتب في الظلام بعيدا عن أهلي ، حتى أستطيع أن أعيش لحظات القرب بعيدا عن التدخلات الخارجية التي ليس لها داع..
ليتك يا حبيبي تكتب لي ماذا فعلت في هذا اليوم حتى أعيشه معك ، ويكفي أنني أعيشه بعدك بأسبوع ..
ماد .. ماده .. عماد .. هل تعرف أن اسمك جميل جدا .. وهل تعلم أنني لم أكن أتصور أنني سأتزوج من رجل اسمه يدلل نفسه !!
يا دلع .. يا دلع .
يا رب هديتي الصغنونة تعجبك .. إن شاء الله تعجبك ..
ستقول لي أيضا قطة ؟؟
آه طبعا أمال إيه :
ما أنا قطقوطة نونو دح أنا كتكوتة حلوة وصح
ولا إيه يا روحي ؟
أنت تعلم أنك متزوج طفلة .. دائما هم يقولون ذلك ، وأنا أقول لهم هو يعرف ذلك جيدا ..
ألا تعرف هذا يا بابا يا حبيبي ؟
أحبك .. أموت فيك .. أذوب فيك .. أنا انتهيت وذبت .. أتركك الآن يا روحي .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حبيبتك
منة show

كانت هذه يا صديقي عينة . إنها عينة عشوائية من خطاباتنا الملتهبة بالحب ، الذاخرة بالأشواق ، المحترقة بنار البعاد .. ولقد كان كلا الخطابين في الشهور الأولى لبعادنا ، فكيف بما تلا ذلك من شهور طويلة مضنية ..
لاشك أنها كانت ألم على ألم ، لكنك بالتأكيد يا صاحبي في غنى عن هذا العناء ، فما تكبدت عناء قراءة سطوري إليك ، لتجفف دمعك من جراء هذه العواطف المشحونة ، وما أردت أن أكتب إليك فأصيبك بالحزن .. ولكن كي تدرك معي ما أدركت :
إن مع العسر يسرا .. إن مع العسر يسرا ..
ولن يغلب عسر يسرين ..


الحلقات القادمة : 14 - اللقاء الساحر
ان شاء الله


رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾...... (((( Reem )))) الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة 46 02-12-2010 06:55 AM
شخصيات حقيقيه ... بس مش حقيقية و مش حقيقية ... بس حقيقية فرجينيا شخـــصـــــــــــيــــات تـــــــــــــاريخــــية 60 27-09-2010 10:43 AM
هل تموت المشاعر كما تموت الورود؟ ٍSumt Al-Joroh في الحياة 14 31-01-2010 06:27 AM
همس الروح دموع القلب الإبداعات الفصحى بأقلام الأعضاء 4 01-12-2009 01:56 PM
ردت الروح حازم إمام أحمد شوقي 2 05-08-2009 12:48 PM


الساعة الآن 06:19 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir