PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 509

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 512

PHP Warning: Illegal string offset 'membergroupids' in ..../includes/functions.php on line 441

PHP Warning: Illegal string offset 'membergroupids' in ..../includes/functions.php on line 443

PHP Warning: Illegal string offset 'usergroupid' in ..../includes/functions.php on line 452

PHP Warning: Illegal string offset 'usergroupid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 509

PHP Warning: Illegal string offset 'usergroupid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 518
أبو سيد لــ يـوسـف إدريـس - روايات 2
العودة   روايات 2 > ~~ اقرأ أونلاين ~~ > روائع القصص والروايات أونلاين > يوسف إدريس

آخر 10 مشاركات
احصل على دخل اضافي فورا مع شركة ار دبليو ماركتس rwmarkets.com           »          شركة رش مبيدات ومكافحة الحشرات المنزلية           »          شركة كشف تسربات الغاز بالرياض           »          لعبة Talking Tom Gold Run V1.5.2.6 كاملة للاندرويد           »          250$ اصبحت 500$ مع شركة alphacmarkets.com           »          لعنة الفراعنة .... بقلم الدكتور / نبيل فاروق .           »          تحميل لعبة بن تن Ben 10           »          رجل المستحيل | البارون الأحمر | عدد خاص جداً           »          سلسلة سوبر فلاش ؛ حصرياً لكل عشاق فلاش ؛ كاملة للتحميل           »          زراعة الشعر بتقنية بيركوتان Perkotan

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 16-03-2009, 08:26 PM
الصورة الرمزية نور الدين محمود
نور الدين محمود نور الدين محمود غير متواجد حالياً
قلب منتدى روايات 2

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10

مشرف مميز  


/ قيمة النقطة: 10

مشرف مميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 10

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10
 
تاريخ التسجيل: Jul 2008
النوع: ذكر
المشاركات: 9,704
نقاط التقييم : 565
Manqool أبو سيد لــ يـوسـف إدريـس



أبو سيد

الدنيا كلها سكون، والصوت الوحيد الذي يتسرب إلى الحجرة كان ينبعث من "وابور الجاز" وهو يون في ضعف مستمر واهن وكأنه نواح طفل عنيد مسلول، ولا يقطع ألوان هذا الشاحب البعيد إلا زحف "الكوز" على أرض الحمام، ثم صوته وهو يبتلع الماء ويصبه بعد ذلك في ضوضاء مكتومة .
واستمر الوابور يزن، والكوز يزحف ويبتلع وينضب ماؤه، وصفيحة الماء تقرقع. استمرت الأصوات كلها تتضارب وتحلق كالوطاويط في سماء الحجرة، حتى جاد الوابور بآخر أنفاسه، وانطفأ وعاد المكان إلى سكون الدنيا الثقيل.
ومضى وقت طويل قبل أن يفتح باب الحمام، ويسمع رمضان نقيق " القبقاب" على البلاط وهو يقترب، ويعلو، حتى دلفت امرأته إلى الحجرة، وأحس بنفسها الذي ليس غريبا عليه يملأ الجو .
وظل " القبقاب" رائحا غاديا وضوء المصباح ينتقل من مكان إلى مكان، وهمهمة حزينة خافتة تنحدر وتعلو من فم امرأته مع اقتراب الضوء وابتعاده .. ظل هذا يدور ورمضان مغلق عينيه، ومصر على إغلاقهما ولم ينتفض ويفتحهما إلا على قطرات من الماء البارد تلسع وجهه.
وجمده قليلا مشهد امرأته وقد وقفت منكوشة الرأس، والمشط الخشبي في يدها، تدكه بين غزارة شعرها الأكرت، ثم تشده بكل ما تسطيع ليحرث طريقه بين الجذور والسيقان وقد زمت وجهها السمين الخمري اللامع، وارتسمت دقائق التجاعيد حول أنفها السهل الفاطس، وبأن النور يشع من عينيها اللتين ضيقتهما في فراغ بال، بينما رذاذ الماء تدفعه جذبة المشط فيتساقط هنا وهناك، وعلي ثوبها الشيت النظيف ذي الورود الكبيرة الباهتة.
وانتهي جمود رمضان، ثم عاد إلى نومته وقال في شيء من التحدي وهو يغلق عينيه :
- مش تحاسبي يا ولية..قزازة اللمبة حطق من المية.
وردت المرأة بكلام مضغوط لم يفسر، ولم يهتم به، فقد عاد يتنفس بعمق، ويكن رجله ثم يفردها، ويشخر بمطلق إرادته، ثم قرر أن ينام.
وحين كان يجذب اللحاف فوق أكتافه، وارب عينيه وألقى نظرة أخيرة على زوجته التي كانت يدها تمتد إلى المصباح تمسيه، وشعرها تم نظامه، وازدادت لمعته، ووجهها قد ابيض حتى كادت تختفي تجاعيده في تلك الابتسامة الكبيرة الرائعة التي احتلت وسطه.
وارتعش رمضان، وأسرع يصفق عينيه في عنف، قد كان يعرف من زمان سر هذه الابتسامة، فاليوم يوم الخميس، والليلة ليلة الجمعة. وأحس الرجل بالسرير ذي الأعمدة الرفيعة يهتز، ويزيق، ثم بامرأته تستوي على السرير، وتدخل تحت الغطاء، وعبقت في الدنيا التي يصنع اللحاف سماءها، رائحة المرأة مختلطة برائحة ثوبها الشيت، ورائحة الصابون الرخيص الذي دعكت به جسدها. وكح رمضان وكان لا يريد أن يكح، وطال سعاله. وقالت امرأته ووجهها إلى الناحية الأخرى في صوت حنون ذليل :
مالك يا سي رمضان.
ثم سكنت قليلا قبل أن تقول في همس خافت مليء بالإثم :
أوعى سيد يكون صاحي.
ولما لم يرد، تنهدت في حرقة تصاعدت من كبدة قلبها، واهتزت أعمدة السرير وهي تستدير لتكمل آهتها، حتى أصبح وجهها يتدفأ بكثير من الحرارة والخشونة المنبعثة من رمضان.
وكان الرجل ساعتها يلهث، ولفح أنفاسه يحملها بعيدا إلى حيث لا يراهما أحد، ثم يلوكها في نشوة ويدغدغ ضلوعها في حنان، ومدت يدها وملست على جبهته اللزجة بالعرق، ثم أرسلت أصابعها تتحسس رقبته الغليظة النافرة العروق، وقالت في صوت خنفته وأطالت فيه حتى غدى كمواء قطة جائعة:
اسم الله عليك يا خويا، اسم النبي حارسك يا ضنايا
وكح رمضان، وكان لا يريد أن يكح، وزام من خلال فمه المطبق، ثم اهتز السرير وهو يستدير ليعطيها ظهره. وما كانت هذه أول ليلة يستدير فيها، ولا كانت هذه أول مرة يكح فيها ويزوم ويعبس. وهو لا يذكر كم شهرا مضت، وهل بدأت المسألة عقب أيام العيد الصغير أم قبله، وهناك ضباب كثيف بينه وبين البداية، فما فكر في الأمر أبدا ولا اعتبر ما حدث – يوم حدث – بداية لأية نهاية، تماما كما لم يتبين جاره سي أحمد الكمساري في شركة الأوتوبيس أن السخونة التي أصابت ابنته ممكن أن تكون البداية لنهاية يعزيه فيها الناس على البنت.
والناس على هذه الحال، وكذلك رد ما أصابه في تلك الليلة إلى نوبة البرد التي ألمت به, ومرت أيام، وراح البرد من جسده وحين استيقظ ذات صباح، ووجد العافية قد ردت إليه، قرر أن يفعلها في نفس المساء.
وانشرح خاطره لقراره ومضى إلى الميدان يردد في انتعاش مطلع الموال الوحيد الذي يعرفه، وتسلم صرة الميدان كما تركها ووقفت العربات لإشارته كما اعتادت أن تقف.
ويده قوية في قفازها الأبيض القديم كما كانت طول عمرها، وبدلته بزرائرها الصفراء اللامعة محبوكة عليه، تبرز أكتافه، وتضيق فوق كرشه فتكوره وتجعله كالبطيخة أمامه وقبعته يلمع فوقها الدهان الذي لا يفلح في إخفاء كل ما فيها من قذارة وبلى، وقلمه الثابت الثقيل في يده يلتقط رقم العربة في سرعة الواثق من يومه وأمسه وغده يدونها بخطه الواضح الذي كان يفخر بجماله .. كانت الدنيا هي الدنيا .. الدنيا التي هنا والتي هو ملكها، كانت لا تزال بخير، ولا يزال يتربع على عرشها، ويحكمها بصفارته يعز من يشاء ويذل من يشاء، فقط متى لوح بقفازه. وحين كان يكتب أول مخالفة كان عقله سارحا في الليلة التي سينفض فيها عن نفسه خمول المرض الذي لازمه أسبوعا ولكن أمور اليوم شغلته، وعيونه الزائغة هنا وهناك تنقر المخالف من تحت حافة القبعة، هذه العيون ألهته عن الخاطر، ولم يتنبه له إلا هناك .. حين كان يجاهد في خلع حذائه الميري الثقيل وقد ألقى بجسده المنهوك على "الكنبة" وامرأته تلقي إليه بتحيتها الوادعة، ثم تتربع على الأرض وتقول في حماس أطفأت العادة جدته :
عنك أنت.
وطوقت يدها اللينة قليلا سمانة رجله بينما مقدمة حذائه أصبحت مدفونة بين أثدائها، وحينئذ نقر الخاطر فوق رأسه ولم يعتبر ما جاء في باله عملا صبيانيا فراح يزغزغ المرأة بحذائه الثقيل العريض،وهي تضحك وتنهره وتدفعه وتميل إلى الوراء ثم على جانبها حتى تكاد تلمس الأرض وتشدد من قبضتها على عضلات رجله، وترخي القبضة في بطء وهو قد استمرأ اللعبة، وانتشى وهو يعب من صوت امرأته التي كانت تمطه وتدفعه ثم تحيله همسا .. ونصفها يضحك ونصفها يتدلل وكلها تريد وترغب.
في ضباب البداية يذكر رمضان هذه الليلة ولا ينساها فقد حاول في كل دقيقة منها وسالت عليه بحور العرق وقد أصم شعوره عن العالم، وأصبح هو وامرأته والفراش كل دنياه وتفكيره . وأزاحته المرأة مرات ومرات ولعن أباها آلاف المرات، والمعركة تدور وتدور لا تهبط إلا حين يتململ الصبي حتى يكاد يستيقظ وتبدأ حين يعود إلى غطيطه ويعود اللعاب يسيل من جانب فمه . وهجعت المحاولات قرب الفجر، ونامت المرأة ولم ينم رمضان. وليلتها مضت وليلة أخرى جاءت وصراع جديد نشب وثقة رمضان في نفسه ورجولته تستميت وهي تدافع عن نفسها، والواقع وما يحدث يسلب هذه الثقة
وأخيرا سلم رمضان بعد ليال، وقال لنفسه في صباح يوم بصوت لا يدري أكان مسموعا أم غير مسموع : - لا حول ولا قوة إلا بالله . واللا ضعت يا رمضان واللي كان كان ..
ولم تكن أول مرة يتحاشي فيها امرأته وهي تقدم له الفطار، وإنما كان يود أن يزيحها في هذا اليوم من أمامه، ثم يسرح ويخبط رأسه في الحائط عله ينفلق .
كان شيء غريب يدور فيه، فبالقوة والعافية والعرق والليالي الطويلة كان عليه أن يصدق أنه لم يعد رجلا. وكان هو يأبي أن يصدق ويكابر هذه الحقيقة وهو مكسوف خجل كما لو كانوا يزفونه في البلد فوق الحمارة وهو عاري الجسد وعلي رأسه كومة طين .. ويعود من جديد يقول وكأنه يتلو آية الكرسي ليطرد جنية من الجان : - واللا ضعت يا رمضان، واللي كان كان
ويصمت ثم يقطع لقمة كبيرة من الرغيف ولا يأكلها .. ويقوم وينظر من النافذة ثم يكح ويبصق بصقة كبيرة علي العشش التي فوق السطوح أمامه ويعود إلى جلسته أمام الطبلية ويسرح في صمت طويل آخر وهو يحدق في الطعام ويمضغ صمته حتى يشبع فيرتدي البدلة وكأنه يخلع كل ملابسه، ثم يتسلل من البيت كحرامي النحاس وجسده هارب منه، وأطرافه لا يعثر عليها ..
وحين يقف وسط الميدان، والعربات تزدحم حوله والأرض والسماء تتحرك وهو حده الواقف الهامد الضائع..حينئذ يشعر بتفاهة هذه المملكة التي له، ويضايقه القفاز الأبيض ويحس بالقبعة وكأنها حجر الطاحونة يكتم أنفاسه ..ويومها لا يقيد محضرا واحدا، وماله هو والمحاضر والمخالفات فليدع من يخطيء يخطيء ومن يتحطم يتحطم ومن يقتل يقتل . وهل هو الذي ينظم الكون؟! لعن الله العربات وأصحاب العربات والمرور وكل ما يمت إلى خلية النحل التي يلسعه دويها وصرخاتها
ولأول مرة في حياته كره بيته ووجه امرأته النحس ولم يعد توا إليهما..وفي خطوات لا يهمه وقعها، ولا أين تقع راح يدق الشارع بحذائه الثقيل،وقد كفأ القبعة فوق جبهته، وامتلأت أخاديد وجهه بالاشمئزاز واليأس، وفك حزامه العريض،وتمنى أن ترحمه عربة نقل وتأكله.. ووصل أخيرا إلى باب الإنسان الذي لا يصادق في المدينة إنساناً سواه،وطرق الباب – ونادرا ما كان يطرقه - ولم يفاجأ طنطاوي، وإنما رحب به وسأله عن الصحة وكالمعتاد عن البلد والقرايب والنسايب والذي مات والذي عاش ومن تزوج ولكنه فوجئ فعلا حين قطع رمضان أسئلته وقال في جد : -اسمع ياواد طنطاوي..عايزين تعميره.
لم يكن رمضان يشرب الحشيش كثيرا، ولكنه شرب هذه المرة حتى أن طنطاوي لم يأتمن الطريق عليه فأصر على مرافقته.ولم يرفض رمضان ولم يقبل ولم يرد على أسئلة صاحبه عن السر الذي يكمن وراء سكوته.وفي الطريق سرح رمضان بعيدا، وأوغل في الزمان والمكان، حتى وصل إلي سكينة جارتهم في بيتهم القديم على الترعة ثم السنوات القليلة التي أعقبت بلوغه.. وكان رمضان يتوقف عن السير ولا يدري لماذا ؟ ثم تجذبه ذراع طنطاوي فيمشي ويسرح ثم يتوقف حتى خطر له خاطر قاله في انبهار
- يكونشي ياولاد الحشيش ينفع ؟! وانفجر ضاحكا وقد كف عن المشي، وغمغم الطنطاوي وهو يهز رأسه في رثاء :
-الجدع انسطل والنبي.
وهم رمضان أن ينطق، وكادت الكلمة تغادر فمه، ولكنه لحق نفسه، وابتلع الكلمة، وابتلع معها ريقه الجاف. وحين جره الطنطاوي من يده عاد حذاؤه يقرع الطريق مرة أخرى.
ولم ينفع الحشيش .. أبدا. وعاش رمضان بعد ليلتها صامتا .. لا يتحدث إلا حين يمد إنسان يده فيستخرج من جوفه كلاما كالعصارة الفاسدة لا نكهة له ولا معنى، وإنما هو مزيج من الضجر والتبرم يعكره سخط غامق بليد، وامرأته تتكلم وتكثر من الكلام وهو لا يتحرك.
وعمله في الميدان أصبح علقما يشربه في بطء الساعات التي يقضيها نصف واقف، وتحيته التي طالما انتفض بها لرؤسائه في مرورهم تضاءلت ووهنت وأصبح ينتزعها من جسده كما ينتزع الناب الفاسد .. وأصبح يتخبط في حبل طويل من الأكاذيب التي يقصها على الطبيب فيمنحه اليوم أو اليومين إجازة يقضيها حيث لا يقضيها. وعمره ما عاد لبيته إلا ويده مشغولة بشيء ولو بربطة فجل. فصار يعود ويده خاوية تتأرجح بجانبه وكأنها ليست من جسده.
وفي ذات عودة، سلم على حماته وكانت قد حضرت. وتندى جبين امرأته لبروده وعدم مبالاته، وأكلت النيران قلبها وحديثه لأمها لا يخرج عن : إزيك .. سلامات ثم صمت طويل من صمته البارد، تعقبه سلامات أخرى حتى ضاقت الضيفة، فلم تكد تلهف صلاة العشاء، حتى تمددت على السرير وهي تئز بآهاتها وتشكو من مفاصلها. ولم تمض ساعة حتى كان ممددا بجانب ابنه وامرأته على الحصير تحت أقدام الفراش.
وأيقظته حماته حين عثرت به لما قامت تتوضأ قبل الفجر. وحين كانت تخطئ كعادتها وهي تقرأ الفاتحة بصوتها الخشن، كان يسأل نفسه بعدم اكتراث ترى ما الذي جاء بها؟.
وكان الجواب ينتظره في المساء حين تنحنحت الحاجة بعد العشاء وقد تربعت على الأرض وأسندت ظهرها إلى الحائط وانتهت من إحاطة نفسها ورقبتها وصدرها بالمحرمة الكبيرة البيضاء، وبدأت تقول بصوتها المبحوح : - بقى يا بني ما خبيش عليك ..
والحق أنها أخفت عنه الخطاب الذي أرسلته لها ابنتها من ورائه، وإنما راحت تسوق له القصة في حنكة العجائز. وكان صمته هو الذي شجعها على أخذها دور أمه وأخته ثم ناصحته حين قالت :
- وكل عقدة وليها يا بني حلال .. ألف حلال .
عقدة ماذا ؟ وحلال إيه ؟! وماذا جاء بك ؟! ومالك أنت وما أضناك يا ابنة المركوب ؟! وبدأت اللعنات التي تنهال من داخله إلى داخله تصنع بصابيص النار التي ألهبت ثورته . فحتى هذه اللحظة لم يكن قد أدخل امرأته في المسألة، ولم يعترض وجودها وشعورها ورأيها طريقه وهو يترنح في الخرابة وحده إنه ليس وحده .. ومن يدري كم معه الآن ؟.
وشبت الثورة في حريق هائل قلب الطبلية وأطفأ المصباح وسمع الجيران طقطقة حطبها حين علا صوته في زئير مرتفع: علي الطلاق ما انتي نايمة في بيتي .
وباتت الحاجة وابنتها عند الجيران وقبل الشروق كان القطار يحمل الأم وحدها إلى البلد، ولو كان للبنت مكان في دار أخيها لحملها هي الأخرى.. كان رمضان في نفس الوقت يتسرب من الحارة وهو يتلفت حوله حتى لا يراه أحد، وحين قابله أبو سلطان وصبح عليه غمغم بتحية قصيرة، ورأسه منكس، وأقدامه تسعى في عجلة حتى يتوارى عن الأنظار. وكذلك فعل مع عبد الرازق بائع الجرائد، والحاج محمد الفوال وكل الوجوه التي يعرفها والتي لا يعرفها.. كانت أقل حركة فيها سره، والكلمة الواحدة فيها إشارة واضحة، والضحكة فيها سخرية منصبة عليه .. كل الناس يعرفون حتى الواقف بجانبه، المتعلق معه في عمود الترام، حين زغر له بعينه والترام يميل، كان يعرف هو الآخر.
ومضى إلى صرة الميدان كالريح وهو يتمنى أن يشف ويشف حتى لا يراه أحد، وبدأ العمل ومن لحظتها بدأ يحس أنه واقف في الوسط كالواجهة الزجاجية يتطفل عليه كل غاد ورائح، ويحاول كل محدق وناظر أن ينكش سره الباتع. وخيل إليه وهو يحاول ضم ضفتي نفسه ليحكم إغلاقها أن الناس يضعون عيونهم وأنوفهم بين ضفتيها حتى تبقى مكشوفة مفتوحة.
ودعاه فشله إلى صب جام غضبه على الناس، وقضى اليوم بطوله يدون المخالفات ويهدر بأوقح الألفاظ ويزور مركز الشرطة جانيا ومجنيا عليه، وكان يومه حافلا. وتلقف الميدان من ساعتها رجلا كئيبا غريبا لا يفك وجهه الأسمر الجاف إلا ليعقده، ولا يتكسر صمته بكلمة تائهة عابرة إلا ليعود إليه الصمت يلون سمرته، ويرتعش له شاربه الذي نماه وشوشه حتى غدا كحزمة متنافرة من عشب شيطاني. وميدانه تحول ميدان رعب، وهو أصبح "بعبع" السائقين تخفق قلوبهم وهم يمرون أمامه – وما أقل ما يمرون – ويتندرون بينهم وبين أنفسهم على الجاويش الأسمر أبي شوارب، وخشونته وسلاطة لسانه، وحقده المرير على كل امرأة سولت لها نفسها أن تقود عربة أو حتى تعبر الميدان، ثم امرأته ..
آه من امرأته ! لقد أضناه التفكير فيها .. ماذا كانت تفعل يا ترى حين عاد مرة إلى البيت ولم يجدها .. قالت له يومها إنها كانت عند أم حميدة .. أم حميدة .. أم حميدة الصعيدية .. وأخوها مهني .. الولد الذي يلبس السكروته المكوية التي تظهر أفخاذه ويعقص الطاقية .. ماذا كانت تفعل عند أم حميدة ؟. ويوم أن ضبطها تطل من الشباك بلا منديل .. بنت الكلب .. ولا منديل!.
وهكذا اعتاد التأخر في العودة بعد أن أدمن على باب طنطاوي، وعاد مرة في شيخوخة الليل وارتدى جلبابه الأبيض وأحكم طاقيته الصوف فوق رأسه، وفرش جسده المنهك المخدر فوق السرير، وأصوات البوم تطن في أذنه، وحديث طنطاوي ينبثق في مخيلته ثم يختفي.
وتبين بعد أن خف الطنين وغاب طنطاوي أن امرأته لا زالت مستيقظة .. ليس هذا فقط، بل إنها تنهنه بنحيب مبتل وكان رمضان ليلتها قد بلغ به الأمر منتهاه، ووصل إلى حافة مقاومته، فظل بكاء المرأة يتساقط على الحاجز الجامد الذي وضعه بينها فيلعقه، والحاجز يرق، حتى لم يعد يفصله عنها إلا اللحاف، وظل ينصت لبكائها، وهو لا يملك إلا الصمت حتى انهار، وقال وكل جزء من جسده ينشج بغير دموع : بس قوليلي يا نعيمة .. أعمل إيه.
ولم ترد، وإنما كانت تحملها شهقة وتضعها شهقة، وقد انخرطت في بكاء عال. وهزها رمضان في حنان ذليل وعاد يسألها. وماكان ينتظر منها شيئا وإنما ألحف في سؤالها ليغلب عجزه ويشرك إنسانا على الأقل في حل لغزه.
وبدأ البحث عما يفعله الناس،وبدأ السؤال،وفتح رمضان الكتاب، والتمس حل عقاله عند أصحاب الحل والربط وزار أسياد البلد كلهم،وأطعمته نعيمة الحمام والمنجة من توفيرها ومص زعازيع القصب وترنح على دفة الطار في الزار واستيقظ مع الفجر مرات ليرمي العمل في البحر وسوت له امرأته الفطير مختلطا بدامائها، وتجرع من العطار كل ما عند العطار،وفي كل مرة كان يعود وكأننايابدر لا رحنا ولا جينا. ثم عرف رمضان الطريق إلى المستشفى السري،وتعرف في طابورالمرضى على رفاقه وآنسته الصحبة بقدر ما امتلأ الكيس الذي خيطته له نعيمة بزجاجات الدواء وفرغ الكيس وامتلأ وانغرزت الأبر في عروقه وفي عضلاته ودخل المستشفي وخرج.وجاءت حماته ومعها بعض النقود، وراحت النقود كما راحت غيرها ولم تفرغ مشورات الحماة ونصائحهاولا آراء الأهل.واستمر رمضان يفتش عن رجولته في كثير من اليأس سائلا كل من يلقاه جاريا وراء كل مشير،متتبعا كل أصبع وحديثه أثناء ذلك لا يدور إلا عن البحث الذي وهب له نفسه،والحديث يدور في صلاة الجمعة،وعلى القهوة وفي سوق السمك، وعلى محطة الترام ومع تومرجي المستشفى وحتى مع حضرة الضابط،كل هذا والحال مثل الحال.
كان الحديث يدور بين رمضان ونعيمة فوق السطح والشمس تدفئهما في ذلك اليوم من أيام الشتاء، وكأحاديث الضحى الدافئ كان الكلام يشرق ويغرب في كسل هادئ، والوقت يمضي، ورمضان في يوم راحته يسأل ولا يسأل، ونعيمة قد اشترت "سردين" الغداء من الصباح وتمددت في استسلام فاتر. ودار الحديث ودار، وكانت لهجة رمضان أرق ما يكون فلعله فكر كثيرا في امرأته، وأنب نفسه كثيرا حين فكر، فاختار هذا اليوم بالذات وهذه الساعة نفسها ليقول كل ما يثقل ضميره. واقترب مما يريد، وطأطأ كلامه وكأن حديث الضحى لا زال يدور وهو يقول : -اسمعي يا نعيمة.
- خير.
وتردد رمضان ثم أسلمه تردده إلى سكون راح يخلص نفسه من حرجه ويتملص منه ليقول : - مش .. مش أحسن أخلص ذمتي من الله و ...
وحين نظرت إليه في كسل وبشائر ضحكة تكاد تهب منها لحديثه المتعثر .. واستمر هو يتهته : أحسن .. أحسن .. أطلقك يا نعيمة.
اعتدلت المرأة حتى واجهته ودبت على صدرها وقد أربدت ملامحها وبان فيها عتب كثير : - يا عيب الشوم يا رمضان، إيه الكلام ده، دانت أبويا وأخويا وتاج راسي، دانت في عيني من جوه، هو أنا أسوى الأرض اللي بتمشي عليها، دانا خدامتك يا حبيبي، بقى ده كلام، مقصوصي شاب، شعرك ابيض، ونعمل زي العيال .. دا ... دا .. يصح يا بوسيد.
ولم يسكتها إلا موجة البكاء التي أوقفت لسانها، وسحبت المنديل من فوق رأسها وضمدت به دموعها حين قامت هالعة تهبط السلم وهي تتعثر على درجاته.. وتركت وراءها رمضان يتحسس تجاعيده، ويملس على رأسه التي كادت تخلو من الشعر، ويمر بيده على بطنه المتكور ويشد شعر رجله الكث الذي ابيض أكثره وينظر إلى ابنه سيد .. وتأمل الصبي وكأنه يراه لأول مرة منذ سنوات ! كان سيد يرقد أمامه وقد غطى رأسه بكراسة الحساب، وظل الرجل يلتهم الولد بعينيه ويتوه، ثم يعود إليه غير مصدق لا حول ولا قوة .... أيكون قد نسي سيد في زحمة البحث عن رجولته ؟ أيكون قد نسي حتى أن له ابنا ؟ أبو سيد ينسى سيد ولا يذكر من الدنيا إلا نفسه ! كيف حدث هذا ؟! كيف ؟
سيد .. يا سيد .. تعال يا سيد .. اقعد هنا جنبي .. أيوه كده .. يا بني يا حبيبي .. باسم الله ما شاء الله .. وكبرت يا سيد .. بقيت طولي .. خليني أبوسك يا سيد .. هه .. وكمان مرة .. يا بني .. انت كنت فين .. وأنا فين .. وكبرت يا سيد .. وحتبقي راجل .. وأجوزك يا سيد .. سيد .. حجوزك واحدة .. حلوة .. لأ .. أربعة .. أربعة حلوين عشان خاطرك .. وتبقى راجلهم .. فاهم .. فاهم يعني إيه راجلهم يا سيد .. معلهش .. بكرة حتفهم .. وتخلف .. سامع يا سيد حتخلف .. وأشيل خلفتك يا سيد .. بإيدي دي ..فاهم يا سيد ..




التعديل الأخير تم بواسطة Mera ; 06-02-2011 الساعة 03:21 AM
  #2  
قديم 10-10-2012, 01:46 AM
محمد أسامة محمد أسامة غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Oct 2012
الدولة: مصر
النوع: ذكر
المشاركات: 49
نقاط التقييم : 50
افتراضي رد: أبو سيد لــ يـوسـف إدريـس



شكرا جزيلا لمجهودك


رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نهاية الطريق قصة قصيرة لـــ يـوسـف إدريـس نور الدين محمود يوسف إدريس 2 03-12-2012 12:12 PM
انشودة الغرباء لــ د. يـوسـف إدريـس نور الدين محمود يوسف إدريس 9 02-03-2011 03:05 PM


الساعة الآن 04:40 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir