PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 509

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 512

PHP Warning: Illegal string offset 'membergroupids' in ..../includes/functions.php on line 441

PHP Warning: Illegal string offset 'membergroupids' in ..../includes/functions.php on line 443

PHP Warning: Illegal string offset 'usergroupid' in ..../includes/functions.php on line 452

PHP Warning: Illegal string offset 'usergroupid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 509

PHP Warning: Illegal string offset 'usergroupid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 509

PHP Warning: Illegal string offset 'usergroupid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 518
[ تلك الشجرة ] د.تامر إبراهيم - روايات 2
العودة   روايات 2 > ~~ اقرأ أونلاين ~~ > اقرأ أونلاين لكبار الكتاب > د. تامر إبراهيم

آخر 10 مشاركات
بوجي وطمطم           »          النجم | سلسلة كوكتيل 2000 | العدد 48 | نبيل فاروق           »          سلسلة "فريق الأهوال" للأستاذ "شريف شوقي"           »          مسابقة وعي للتدخين السلبي           »          زَهرٌ ورُبَى           »          اسرع طريقه لتحصل على جسم رياضي و لتصحيح شكل الجسم           »          جمالك موقع المرأة العربية           »          إستماع وتحميل تلاوات القرآن الكريم بأصوات عُمانية           »          أول كتاب يوثق لمعركة الفساد : أباطرة الفساد           »          اقوى وافضل العروض ام ار تي ماركتس https://www.mrtmarkets.com

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 19-05-2009, 12:55 PM
الصورة الرمزية عاشق المنتدى
عاشق المنتدى عاشق المنتدى غير متواجد حالياً
محمد عبد القادر
الأخ المثالي

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الكاتب المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
الدولة: مــــصــــــــر
النوع: ذكر
المشاركات: 29,738
نقاط التقييم : 13180
Mumayaz [ تلك الشجرة ] د.تامر إبراهيم





تلك الشجرة

د.تامر إبراهيم


رسوم.نبيلة الطنطاوي




أنا أعرف عملي جيدًا وأنفذه بدقة متناهية..




أنا أستيقظ في تمام الخامسة صباحًا.. أغتسل.. أرتدي ملابسي.. أنطلق إلى عملي لأصل في تمام السادسة..



أقف حيث طلبوا مني أن أقف من السادسة صباحًا حتى التاسعة مساءً.. حينها ينتهي عملي لأعود إلى المنزل..


هذا هو عملي!




قريبي الذي توسّط لي ليمنحوني هذا العمل قال لي إنه أشبه بعمل رجال الأمن.. وأنا أحبّ رجال الأمن.. أحبّ الزي الذي يرتدونه وها أنا ذا أرتدي ملابسًا تشبه ملابسهم..





لا.. لم يمنحوني سلاحًا كرجال الأمن, وقريبي أخبرني أنني لن أحتاجه.. أخبرني أنه من هم بـ (حالتي) لا يحملون أسلحة..



لا أعرف ما هي حالتي بالضبط, لكني أذكر أمي وهي تبكي..





كانت تراني فتبكي وتردد:



كيف سأتركك وحيدًا دون أن تجد من يرعاك؟




و لم أفهم حينها لماذا كان عليها أن تتركني.. لم أفهم حتى أتى اليوم الذي حاولت فيه إيقاظها فلم تستيقظ.. حاولت كثيرًا وطويلاً لكنها ظلت راقدة على فراشها نائمة دون أن تردّ عليّ وأنا أنادي عليها باسمها..




بعدها أتى أقاربي ليأخذوها, وأخبرني قريبي الذي منحني هذا العمل, أنها ذهبت إلى هناك..


إلى السماء..





أخبرني أنني سأراها مجددًا حين يحين الوقت.. لكني لا أعرف متى بالتحديد..





لكنِّي سأنتظر.. فأنا أريد أن أرى أمي مرة أخرى.. أريد أن أعرف منها ما الذي قصده أحد أقاربي حين أشار لي, ليقول:




- إنه متخلّف..










ما الذي كان يعنيه بالضبط ؟




.. لن أعرف حتى أرى أمي مجددًا!




لكني أحبّ عملي الجديد الذي منحني إياه قريبي.. أحبّ الزي الذي أرتديه وأحبّ أصحاب هذا العمل الذين يبتسمون كل مرة يرونني فيها..







حتى المبنى الذي أقف لأحرسه طيلة اليوم جميل بحق.. مبنى أبيض أنيق يتكون من طابقين، ذو بوابة أمامية عليها رجل أمن يحمل سلاحًا – رغم أن قريبي أخبرني أنه لا حاجة للسلاح هنا! – وبوابة أخرى خلفية أقف أنا عليها, وكل ما عليّ فعله هو الضغط على زر في الجدار, لو رأيت أحدًا يخرج من هذه البوابة التي لم أرها تُفتح ولو لمرة واحدة منذ أن بدأت عملي هنا..




لكني سأنتظر..




في يوم من الأيام سيحاول أحدهم الخروج من هذه البوابة, حينها سأسرع إلى الزر في الجدار لأضغط عليه بكل قوتي..




هذا هو عملي هنا وأنا أعرفه جيدًا وأنفذه بدقة متناهية..






* * *





و في أحد الأيام أتى من يقف جواري عند هذه البوابة الخلفية, وعرفت أنه ممن يعملون في هذا المبنى, فقميصه كان يحمل ذات الشعار المرسوم على واجهة البناية..




كان رجلاً نحيلاً يرتدي نظارة ذهبية الإطار, وكان قد أتى إلى هنا ليُدخِّن؛ فالتدخين ممنوع منعًا باتًا في الداخل.. عرض عليّ سيجارة فرفضت على الفور..




أمي – التي هي في السماء الآن – أخبرتني سابقًا أن السجائر مضرّة.. أخبرتني أنها تقتل وأنني يجبّ ألاّ أدخن أبدًا.. وأنا اعتدت أن أطيع أمي مهما كان مكانها..






هكذا وقف هذا النحيل جواري وقد أسند ظهره للجدار ليدخن في هدوء, فتحاشيت النظر إليه, ورآني هو أتحاشاه فابتسم في هدوء, وأنهى سيجارته ليعود من حيث أتى..






فقط لاحظت أنه ترك عقب سيجارته على الأرض, فحملتها باستياء لألقي بها في صندوق القمامة، وأنا لم أكن قد فتحت صندوق القمامة الضخم هذا من قبل, فرأيت ما فيه لأول مرة..




كل تلك الأكياس والأدوات والأقمشة كانت ملوثة بالدماء..




نعم.. أنا أعرف الدماء, فأمي كانت تسعل الكثير من الدماء قبل أن تصعد إلى السماء.. كنت أقضي الليل جوارها وهي تسعل حتى تغيب في النوم مجددًا؛ لأنظف كل شيء منتظرًا أن تستيقظ لتسعل من جديد..






أنا لا أعرف ما الذي يحدث في هذا المبنى, لكن لابدّ أنه مليئ بالمرضى الذين يسعلون الدماء مثل أمي..





نعم.. إنهم يدخنون ويسعلون الدماء.. لكني لن أفعل مثلهم أبدًا..




فقط أتمنى أن يحين وقتي لأصعد إلى السماء أنا أيضًا لأرى أمي..




متى يحين وقتي؟


متى؟؟




* * *



أنا أعيش بمفردي منذ أن رحلت أمي..




بعد أن أنهي عملي أعود إلى منزلي سيرًا على الأقدام, فأنا لا أحبّ العودة إلى المنزل.. لا أحبّ أن أعود إلى وحدتي فيه..




حين أصل إليه أجده باردًا خاويًا, وكانت أمي تنتظرني فيه سابقًا, فأجده دافئًا وكنت أشمّ رائحة الطعام الذي أعدّته لي لأشعر بالسعادة..




أمّا الآن فأعود إليه لأجده مظلمًا, ولأجد الطعام الذي أعدّته لي جارتي باردًا على الطاولة.. جارتي كانت صديقة أمي الوحيدة, وهي من تطهو لي الآن.. لكنِّي لا أحب مذاق طعامها ولا آكله إلا مضطرًا..




في بعض الأحيان كنت أعود فلا أجد طعامًا لأنها نسِيت أو انشغلت, حينها كنت أنام جائعًا وأنا أحلم بطعام أمي ومذاقه الطيّب..




وفي بعض الليالي كنت أشعر بالوحدة الشديدة فأبدأ في البكاء..





لكني لا أخبر أحدًا بهذا, فقريبي الذي وصفني بـ (المتخلف) رآني أبكي ذات مرة, فقال إنني أبدو كالفتيات الصغيرات..




أنا أكره قريبي هذا وأعرف أنه يكرهني!




لكني كنت أنام فأستيقظ في تمام الخامسة صباحًا.. أغتسل.. أرتدي ملابسي.. أغادر منزلي البارد الوحيد, لأنطلق إلى عملي حيث أعرف ما عليّ فعله بالتحديد..




* * *











مرة أخرى رأيت ذلك النحيل قادمًا تجاهي وسيجارته في يده, يهمّ بإشعالها فبدا عليّ الضيق, وشعر هو بهذا هذه المرة, ليبتسم وليقول:



أتضايقك رائحة السجائر؟




فلم أردّ عليه.. عملي واضح وصريح..





أنا أقف هنا أحرس المكان, ولو خرج أحدهم من البوابة الخلفية, فعليّ أن أضغط على الزر على الجدار..





غير مسموح لي بالتحدث مع أحد.. بمحاولة الدخول للمبنى.. بترك مكاني أثناء ساعات العمل الرسمية..





هكذا لم أردّ عليه, ولم يهتمّ هو بهذا, بل وقف على مسافة منّي ليشعل سيجارته, وليبدأ في التدخين بهدوء كالمرة السابقة..





أنا لا تضايقني رائحة السجائر كما يظنّ, لكني لن أخبره بهذا.. لن أرد عليه حتى لو..




-أنا أعمل في المعمل هنا..


قالها دون أن ينظر لي فلم أرد عليه..




أقضي اليوم بطوله في المعمل كأني سجين فيه.. لهذا أخرج منه أحيانًا لأدخن.. وأنت.. ألا تشعر بالملل هنا؟!




لا.. لا أشعر بالملل.. لكني لن أرد عليه!




أمّا هو فواصل كأنه يحدث نفسه:




تحليل.. فحوصات.. أشعة.. نتائج.. هذا هو عملي الذي أكرره كل يوم منذ أن بدأت العمل هنا.. صدقني.. أنا مثلك لا أعرف ما الذي يدور في الداخل, لكنهم يدفعون جيدًا.. لا تنكر هذا!




يدفعون؟؟






قريبي الذي منحني هذا العمل أخبرني أنه بدون مقابل!..




أخبرني أنهم سيسمحون لي بالوقوف وارتداء هذا الزي الجميل لو أديت عملي كما يجب, لكنه لم يخبرني قط أنهم يدفعون!!



أشار النحيل للمبنى وقال:



أتعرف أنهم صمموا هذا المبنى بحيث تكون جدرانه عازلة للصوت.. هكذا لا يعرف أحد منّا ما يدور في الغرفة المجاورة.. لا يعرف أحد منّا من يعمل هنا وما الذي يعمله.. كل هذه التحاليل والفحوصات.. كأننا نعمل في مستشفى سرية هنا!




نعم.. مستشفى!




كنت أعرف أن المبنى مليء بالمرضى الذي يسعلون الدماء.. لهذا رأيت كل هذه الأشياء الملوثة بالدماء في سلة القمامة الضخمة قربي..





لكن لا يهم.. فليكن سجنًا حتى.. أنا هنا لأؤدي عملي فحسب, وقريبي الذي منحني هذا العمل أخبرني أنني سأظل فيه, طالما صمتّ ولم أسأل أسئلة لا داع لها..




لكنك لا تعرف شيئًا بالطبع.. لهذا اختاروك.. إنهم عباقرة.. أن يختاروا شخصًا بحالتك هذه ليعمل هنا..





حالتي؟.. مرة أخرى أجد من يذكر (حالتي) دون أن أفهم ما الذي يعنيه بالضبط..




أمّا النحيل فسعل فجأة ليطفيء سيجارته – على الأرض – قبل أن يلوّح لي مودعًا, ليعود إلى الداخل..




شعرت بالغضب هذه المرة حين رأيت عقب سيجارته على الأرض, وقررت أنني لو رأيته مرة أخرى يدخن, فسوف أضغط على الزر على الجدار..




نعم.. سأكذب وأقول إنه خرج من الباب الخلفي..










هكذا حملت عقب السيجارة, واتجهت مرة أخرى إلى سلة القمامة الضخمة, وأنا أشعر ببرودة غريبة تحيط بي فجأة كأننا في الشتاء و.. و..




ومن جدار المبنى خرجت تلك الفتاة التي غطّت الدماء وجهها وشعرها, لتتجه نحوي مباشرة!!




* * *
يتبع


  #2  
قديم 19-05-2009, 12:56 PM
الصورة الرمزية عاشق المنتدى
عاشق المنتدى عاشق المنتدى غير متواجد حالياً
محمد عبد القادر
الأخ المثالي

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الكاتب المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
الدولة: مــــصــــــــر
النوع: ذكر
المشاركات: 29,738
نقاط التقييم : 13180
Mumayaz




تلك الشجرة

(2)



حين كنت صغيرًا رأيت شبحًا!


أنا أذكر هذه الليلة جيدًا.. كنت نائمًا على فراشي في غرفتي, حين سمعت صوت الطرقات على نافذة الغرفة, فاستيقظت لأتَّجه إليها..
في البداية لم أرَ أي شيء.. ثم.. ثم..



ثم رأيتها..


امرأة عجوز قبيحة ظهرت فجأة خلف النافذة, ونظرت لي مباشرة وهي تهمس باسم أمي, فصرختُ في رعب لدرجة أنني بللت ملابسي.. اختفت المرأة العجوز, لكنني أخذت أصرخ وأصرخ..










ليلتها استيقظت أمي على صراخي, وحين رأت ملابسي صفعتني لأول مرة في حياتي, فأخذت أبكي دون أن أستطيع التوقف..


لكن أمي لم تكن قاسية.. ليلتها وبعد أن هدأت قليلاً, أعدّت لي كوبًا من الحليب الدافيء وأخذتني لأنام جوارها في غرفتها, فحكيت لها كل شيء..




وحين انتهيت ربتت أمي على رأسي بحنان, وأخبرتني أنني لو رأيت شبحًا مرة أخرى؛ فعليّ أن أغمض عيني وأفكر في شيء أحبّه.. بعدها سأفتح عينيّ لأجده وقد اختفى!


لم أنس هذه الليلة أبدًا, لكني لم أر أشباحًا بعدها..


حتى أمي لم أعد أراها.. فهي كما أخبرني قريبي هناك..



في السماء..




* * *



وأنا أعرف أنني لست ذكيًا, فأنا لا أجيد القراءة والكتابة كقريبي الذي وصفني بـ (المتخلّف), لكني أعرف أن البشر لا يخرجون من الجدران.. هكذا عرفت أنها شبح..







رأيتها تخرج من الجدار فتجمدّت في مكاني, وقد زادت البرودة من حولي أكثر وأكثر, ثم رأيتها تتجه نحوي..




كانت فتاة صغيرة وكانت ترتدي ثوبًا أبيض, لكنه كان ملوّثًا بالدماء..



وجهها وشعرها أيضًا كانا ملوثين بالدماء.. وكانت تبتسم!






تذكرّت ما علمتني أمي إياه, فأغلقت عيني وأخذت أبحث عن شيء أحبّه لأفكر فيه..




أنا أحبّ المربى.. لكن لم يعدّ أحد يحضرها لي منذ رحلت أمي.. أنا أحبّ القطط, لكن قريبي الذي منحني هذا العمل أخبرني أنه لن يكون عندي وقت لأقتني قطة.. أنا أحبّ أمي لكنها تركتني و..و..


أنا.. أنا..




أنا خائف!






كانت الفتاة المخيفة تتجه نحوي وهي تشير بإصبعها تجاهي, فأغلقت عيني بقوة والبرودة من حولي تشتد وتشتد, ثم شعرت بها تمرّ من جواري لتتجاوزني, ولتواصل طريقها مبتعدة..


أنا.. أنا..


أنا نجوت!


فتحت عيني ببطء فرأيتها تواصل طريقها إلى تلك الصحراء التي تحيط بنا, لتتجه إلى تلك الشجرة الضخمة وسط الرمال.. وكانت تشير بإصبعها تجاه الشجرة..


فتاة خرجت من الجدار وتتجه إلى الشجرة.. أنا لا أفهم شيئًا!




هكذا اعتدلت وأخذت أنظر لها في حيرة, لتلتفت هي لي ولتقل شيئًا ما لم أسمعه, قبل أن تدخل الشجرة لتغيب في جذعها..




ما رأيته أخافني بشدة, لكني لم أتمكّن من الهرب حينها.. غير مسموح لي بترك مكاني خلال ساعات العمل الرسمية!





لكني لم أضغط على الزر في الجدار كذلك.. لم أجرؤ على الحركة لشدة خوفي..




ثم إن الفتاة لم تخرج من البوابة الخلفية, بل من الجدار والآن اختفت في الشجرة كأنها لم تكن موجودة أصلاً..




أنا أذكر أن هذا كان آخر شيء رأيته..





بعد هذا شعرت بظلام يحيط بي فجأة.. شعرت بأنني عاجز عن الوقوف.. وبأنني أسقط على الأرض و.. و..


ولم أعُد أذكر شيئًا بعدها..




* * *





ثم استيقظت لأجدني داخل المبنى الذي كان من الممنوع عليّ دخوله..




كنت ممددًا على فراش في غرفة خاوية, فقمت من عليه وأنا أشعر بالدوار.. ما الذي حدث لي؟




حاولت الخروج من الغرفة فلم أستطع.. الباب مغلق من الخارج وأنا أريد الخروج لكن.. لكن..




لكن فُتِح الباب فجأة ليدخل ذلك الرجل الأصلع القصير.. لم أكن قد رأيته من قبل منذ أن تسلمت عملي الذي اتقنه هنا, لذا نظرت له في حيرة, ليشير هو لي قائلاً:




- اجلس..







فأطعته على الفور, وجلست على طرف الفراش وأنا أنظر له في ترقّب.. أمّا هو فوقف أمامي ليقول:





- أوّد أن أعرف منك ما حدث بالضبط..




فأجبته:




- تلك الفتاة.. لقد خرجت من الجدار واتجهت نحوي.. الدماء.. كانت مغطاة بالدماء و..


- مهلاً.. تقول إنها خرجت من الجدار؟؟




- نعم.. لقد كانت شبحا.. خرجت من الجدار واتجهت إلى تلك الشجرة لتختفي فيها و..



فأشار لي مرة أخرى, ليقاطعني:



- انتظر هنا..










ثم خرج من الغرفة فلم أتحرك من مكاني, حتى عاد مرة أخرى ومعه رجل آخر ذو ذقن بيضاء, ليشير عليّ محدثًا الرجل ذا الذقن:




- يقول إنه رأى شبحا... هل صدقتني الآن؟.. إنه لا يصلح للعمل معنا..
فقال ذو الذقن:




- ربما لم تفهم ما يعنيه جيدًا.. لابدّ أن هناك خطأ ما..




ثم التفت ذو الذقن لي, ليقول:


- تقول إنك رأيت فتاة صغيرة؟


- نعم..


- صِفها لي..




هنا حاولتُ أن أتذكر ملامح تلك الفتاة, لأجد أنني عاجز تمامًا عن هذا..


- أنا أتقن عملي لكني لا أتذكر ملامح الفتاة أبدًا.. فقط أذكر أنها..


لقد كانت.. كانت تبتسم!



قلتها بتردد, فتبادل الأصلع وذو الذقن نظرة سريعة، قبل أن يقول الأصلع:





- إنه يهذي.. أخبرتك أن من في حالته لا يصلحون للعمل و..




- لكنه رأى فتاة تغطيها الدماء.. أنت تعرف أن هذا حدث..




- وأنت تعرف أن هذا حدث قبل أن يأتي للعمل معنا.. فكيف رآها إذن؟؟




فلم يجبّ ذو الذقن هذه المرة بل بدت عليه الحيرة..




أمّا أنا فشعرت بالخوف..


الأصلع لا يريدني هنا..


مرة أخرى يتحدث أحدهم عن (حالتي) لكن هذه المرة ستكون (حالتي) هذه هي السبب في طردي من العمل الوحيد الذي أحبّه وأتقنه..






تحدّث ذو الذقن أخيرًا, ليقول لي:


- أخبرني بصراحة.. هل حاولت الدخول إلى المبنى؟


- لا..


- هل تحدثت مع أحد العاملين هنا؟


- لا..




وأنا لم أكذب!..


النحيل كان يحدّث نفسه, لكني لم أرد عليه قط..


- هل كنت نائمًا ؟.. أعني ربما كنت تحلم..




- لا.. غير مسموح لي بالنوم خلال ساعات العمل الرسمية..




عاد الأصلع وذو الذقن يتبادلان النظرات, قبل أن يخرجا من الغرفة, دون أن يوجِّها لي كلمة إضافية, لأظل مكاني أنتظر في قلق..




أنا لا أريد أن أصبح بلا عمل..


لا أريد أن أعود لمنزلي البارد الخاوي؛ لأعيش فيه بمفردي..




مرّ وقت طويل عليّ وأنا أنتظر في مكاني دون أن يأتي أحد, قبل أن يفتح الباب أخيرًا ليدخل النحيل الذي يدخّن هذه المرة حاملاً حقيبة صغيرة, فقلت له على الفور:




أنا لم أكن أحلم.. صدقني.. لقد رأيت هذه الفتاة التي تغطيها الدماء..



لكن النحيل بدا وكأنه لم يَرني من قبل..



فقط وضع الحقيبة جواري وفتحها ليخرج محقنًا, وهو يقول:




سآخذ عينة دماء منك.. لا تخف..




لكني نظرت للمحقن في يده برعب..



أنا أذكر المحاقن وأعرف ما الذي تفعله..




أمي كان الأطباء يغرسون فيها المحاقن طيلة الوقت, قبل أن تصعد إلى السماء..





والآن أتى دوري لألحق بها!




غرس النحيل المحقن في ذراعي؛ فشعرت بالألم وأغلقت عيني بقوة, حتى انتهى ليخرجه من ذراعي قائلاً:




انتهى الأمر..






ففتحت عينيّ ورأيته يعيد المحقن الممتليء إلى حقيبته, قبل أن يميل عليّ فجأة ليهمس في أذني:




أنا أعرف ما الذي رأيته.. سأشرح لك لاحقًا.. فقط لا تخبر أحدا أنني رأيتك..




قالها بسرعة فلم أفهم ما يعنيه.. فقط أخذت أنظر له في حيرة وهو يأخذ حقيبته ليخرج بسرعة..




ما الذي يحدث هنا بالضبط؟؟






أنا لا أفهم شيئًا!!










* * *



في النهاية سمحوا لي بالخروج من الغرفة وبالعودة إلى منزلي, على أن أعود لعملي في اليوم التالي..





لم يطردوني ولم يشرحوا لي ما رأيته, فقررت أن أنساه وألاّ أتحدث فيه مرة أخرى..



الأصلع أخبرني أنني لو تحدثت مع أي شخص عمّا حدث؛ فلن أعود إلى هناك أبدًا..


أخبرني أنه لا يطيق من هم مثلي ولن يغفر لي لو كررتها!








هكذا عدّت إلى منزلي فلم أجد طعامًا..


جارتي نسيت مرة أخرى وأنا لم أعد أهتم بهذا..





سأنام جائعًا وغدًا ربما أجد بعض الطعام, أو سأطلب من قريبي أن يبتاع لي بعض المربى..





كانت الليلة باردة فجلست على فراشي أسفل الأغطية, لكني كنت عاجزًا عن النوم..




كنت أرى الفتاة الصغيرة التي تغطيها الدماء تبتسم لي ما إن أغلق عيني؛ فقررت أن أظلّ مستيقظًا..






لو كانت أمي موجودة, لكانت قد أعدّت لي بعض الحليب الدافيء ولسمحت لي أن أنام في غرفتها الليلة , لكن أمي لم تعد معي..







أمي تركتني وأنا الآن جائع أشعر بالبرد وأعجز عن النوم..






لأول مرة أتمنى لو أتت جارتي حاملة بعض الطعام الساخن, لتخبرني أنها نسيت فحسب, وأنها لديها من الوقت ما يكفي لتمضيه معي..




لو حدث هذا الآن فسوف أ..


فجأة ارتفعت طرقات على باب شقتي!




لم أعتد أن أتمنى شيئًا ويحدث؛ لذا قمت ذاهلاً من فراشي واتجهت لأفتح الباب بسرعة لدرجة أنني نسيت أن أسأل عن الطارق قبل أن أفتح, لكنها لم تكن جارتي..






كان النحيف الذي يدخّن وكان يحمل صورة للفتاة الشبح أمام وجهي مباشرة, وهو يقول:




لو كانت هذه هي الفتاة التي رأيتها, فهذا يعني أن حياتك في خطر..
!!!





* * *



يتبع


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 19-05-2009, 12:57 PM
الصورة الرمزية عاشق المنتدى
عاشق المنتدى عاشق المنتدى غير متواجد حالياً
محمد عبد القادر
الأخ المثالي

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الكاتب المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
الدولة: مــــصــــــــر
النوع: ذكر
المشاركات: 29,738
نقاط التقييم : 13180
Mumayaz



تلك الشجرة

(3)

حين عرف النحيف أنني جائع، أخذني إلى مطعم قريب مؤكِّدًا لي أنه مَن سيدفع؛ فهو يحتاجني وبشدة.. نعم.. أنا أعرف أنه قال إن حياتي في خطر، لكنني جائع!

هكذا جلستُ في ذلك المطعم أتناول ذلك الحساء الساخن بنَهم، بينما جلس النحيف أمامي يرمقني باهتمام وهو يدخّن..

لكني لم أكن أبالي بسجائره هذه المرة.. إننا لسنا في العمل ومسموح لي بأن أتحدث معه مادمنا خارج ساعات العمل الرسمية.. لكني كنت منشغلاً بطعامي، فتحدث هو ليقول:



- أنت رأيت هذه الفتاة إذن؟.. تلك التي كانت في الصورة؟


- مممممم..


- سأنتظر حتى تنهي طعامك إذن، فما سأخبرك به قد يفسد شهيتك تمامًا..




و أنا أريد أن أعرف حقًا من هي هذه الفتاة ولماذا ظهرت لي.. لذا التهمت كل ما في طبقي بسرعة، ثم اعتدلت محاولاً مقاومة النعاس الذي يتلو الشبع..


بدأ النحيف يشرح، فقال:


- أنت تعرف أننا لا نعمل في مكان طبيعي.. لا أحد يعرف عمله بالضبط ولا إلى أين يؤدي.. غير مسموح للعاملين بالتحدث مع بعضهم البعض.. غير مسموح بالاطلاع على أي ملف يخصّ أي حالة تعمل عليها.. حتى الحالات التي أجري لها الفحوصات كل يوم، لم ألتقِ بها قط.. هم يأتون لي بالعينات، وأنا أمنحهم النتائج.. عينات بشرية بالمناسبة..


لن أنام.. لن أنام!



- شروط غريبة لكننا تعلمنا أن نتجاهلها مع الأرقام المرضية، التي نحصل عليها في بداية كل شهر.. ثم يمرّ الوقت وتبدأ في تكوين نظريتك الخاصة عمّا يحدث..


- نـ.. نظريتك!






- أقصد أنك تتخيل ما يرضيك.. أنا مثلاً أتخيل أنني أعمل في مستشفى سرية.. أنت تـ..




- أنا أقف في مكاني ولا أسمح لأحد بالدخول أو الخروج من البوابة الخلفية.. هذا هو عملي..




- أعرف.. المهم أنها كلها مجرد نظريات.. أما ما يحدث في الواقع.. فلا أحد منا يعرف..










كنت قد بدأت أشعر بالملل.. ما الذي يريده هذا النحيف؟؟

أشعل النحيف سيجارة أخرى ستقتله يومًا ما، وتابع:





- لكني اعتدت أن أخرج لأدخن.. غير مسموح بهذا بالطبع.. لكن من الممكن أن تخالف القواعد طالما لا أحد يراك.. ولم أكن وحدي من يمارس هذه العادة.. كان هناك رجل آخر وكان اسمه "صبري".. كنا نلتقي كل يوم قبل أن تبدأ أنت العمل معنا لندخن ولنتسامر قليلاً.. كان "صبري" مثلنا لا يعرف ما يحدث بالضبط.. لكنه رأى تلك الفتاة.. تمامًا كما حدث معك..





- أنا رأيت الفتاة.. الدماء كانت تغطيها.. لكنهم أخبروني ألاّ أتحدث عنها أبدًا..



- توقعت هذا.. فهذا ما حدث مع صديقي "صبري".. في البداية لم أصدقه ولا يمكنك أن تلُمني في هذه النقطة.. شبح فتاة تغطيها الدماء؟.. الأمر عسير التصديق حقًا.. لكنه استحوذ على صديقي "صبري" تمامًا.. لم أعد أراه.. لم يعد يأتي ليدخن معي.. ومع الوقت نسيته هو والفتاة تمامًا.. كما أخبرتك.. المرتبات التي نحصل عليها مُرضية وتساعد على النسيان.. لكن في إحدى الليالي فوجئت بذلك الطرد يصل إلى منزلي وكان مُرسِله هو "صبري".. أمّا ما كان في الطرد، فكان هذا..




و أخرج النحيف ملفًا من حقيبته الصغيرة التي استقرت جواره، ثم فتح الملف لأجد صورة الفتاة حين كانت لا تزال فتاة.. كانت تبدو طبيعية وكانت تبتسم ابتسامة جميلة..



مع الصورة كانت هناك مجموعة من الأوراق، التي أمسك بها النحيف، ليقول:




- كان اسمها "ندى" وهو اسم يليق بها حقًا.. وكانت في العاشرة من العمر.. ووفقًا لهذا الملف لم تعد "ندى" على قيد الحياة..

- صعدت إلى السماء؟

- ماذا؟؟.. نعم.. صعدت إلى السماء.. لكنها فعلتها هناك.. في ذلك المبنى.. لسبب ما لم يذكره الملف، عاشت "ندى" داخل ذلك المبنى وماتت فيه.. لكنّ شبحها ظلّ هناك ليذكرنا أنها كانت في ذلك المبنى الذي نعمل فيه دون أن نعرف ما الذ ي يحدث فيه بالضبط..




قالها النحيف فعدت أشعر بالبرد.. والخوف..



أمّا هو فأطفأ سيجارته، ليردف:




- "صبري" اختفى بعدها تمامًا.. أرسل لي الملف واختفى كأنه لم يكن يعمل معنا قط.. مع الوقت لم أقاوم أن أسأل عليه؛ لأجد أنه لا يوجد من يعرفه، أو أنهم ينكرون أنه كان يعمل معنا في يوم من الأيام.. مرة أخرى لا أملك إلا أن أبني نظريتي الخاصة عمّا حدث، وهذه النظرية تتلخص في كلمة واحدة.. أنه مات..

- مات؟!


- لا يوجد لديّ تفسير آخر مقنع.. البشر لا يختفون هكذا يا صديقي.. لو كان رحل، فما الذي يمنعه من محاولة الاتصال بي؟؟.. على أية حال أدركت أنني عرفت أكثر من اللازم وقررت أن أحتفظ بكل ما عرفته لنفسي، فلم أذكر الملف أو الفتاة لمخلوق، ثم قررت أن أنسى كل ما حدث، حتى جئت أنت ورأيت الفتاة..

هنا وجدتني أسأله في خوف بالغ:





- هل يعني هذا أنني.. أنني سأموت؟؟

قلتها فنظر لي النحيف بإشفاق، قبل أن يجيب أخيرًا:





- ربما.. لكني لم آت هنا لأخبرك بهذا.. بل لأساعدك..


- تساعدني؟.. كيف؟؟




- بأن تساعدني أنت أيضًا.. يجب أن تساعدني على التسلل إلى المبنى بعد انتهاء ساعات العمل الرسمية.. هذا هو الحل الوحيد..




* * *



أنا أعرف عملي جيدًا وأتقنه..




غير مسموح لأحد بالدخول أو الخروج من البوابة الخلفية.. غير مسموح بالتحدث مع أحد العاملين في المبنى.. غير مسموح بالتحدث عن الفتاة الشبح التي تغطيها الدماء مع أي شخص مهما كان السبب!






أنا خالفت القاعدة الثانية والثالثة وهذا يكفي.. لكني لن أخالف القاعدة الأولى أبدًا..



لهذا وقفت في هذا المطعم والنحيل ينظر لي في دهشة، ثم تركته وغادرت المكان، لينادي هو عليّ، لكني لم أتوقف لحظة، بل واصلت طريقي مبتعدًا..




لن أطرد من عملي بسببه.. لن أترك قريبي الذي وصفني بالمتخلف، يعلن للجميع أنه كان محقًا..

هكذا اتجهت بخطوات سريعة إلى منزلي الوحيد البارد، لأشعر به يجري ورائي وينادي عليّ، فلم أتوقف حتى بلغني، ليمسك بي صائحًا:





- حاول أن تفهمني.. أنا سأفعل هذا من أجلك.. من أجلنا..


- غير مسموح..




- لن ينتهي الأمر كما تظن.. سترى هذه الفتاة مرة أخرى.. إنها تبحث عمّن يساعدها، ولقد اختارتك فلا تتخلى عنها..




- غير مسموح..


- أرجوك.. نحن يجبّ أن..


- غير مسموح..




صحت بها هذه المرة، فلم يملك إلا أن يترك ذراعي، ليتركني أبتعد عنه وقد بدا عليه الإحباط..



إنه يظنني أحمقَ لأسمح له بمخالفة القواعد، لكني لست كذلك.. أيًّا ما كانت حالتي التي يتحدث عنها الجميع، فإنها لن تجبرني على مخالفة القواعد أبدًا..


أبدًا..




* * *



في اليوم التالي كنت أشعر بالنعاس، لكني أخذت أقاومه وأنا أقف في مكاني عند البوابة الخلفية للمبنى، وقد قررت أنني لو رأيت النحيف يحاول الاقتراب مني، فسوف أبلغ عنه على الفور..




سأخبرهم بكل شيء لو فعلها.. سأخبرهم أنه أتى إلى منزلي.. أتى وأراني صورة الفتاة والملف.. وأنه طلب مني مساعدته على التسلل إلى المبنى..



نعم.. سأفعلها وليكن ما يكون..




المهم الآن أن أقاوم النعاس، فغير مسموح لي بالنوم خلال ساعات العمل الرسمية.. وأنا لم أنم جيدًا ليلة أمس..



لكن الساعات تمر ببطء شديد هنا..

في صغري حاولت أمي أن ترسلني إلى المدرسة لأتعلم.. ناظر المدرسة أخبرها أن من هم في حالتي لا يصلحون للتعليم، لكنها توسلت له طويلاً فوافق مضطرًا..

هكذا كنت أستيقظ في الصباح الباكر، لأرتدي زي المدرسة – الذي كنت أكرهه – لأذهب إلى المدرسة، حيث يمر الوقت ببطء شديد شديد..

في الطابور وفي الفسحة، يسخر مني الجميع دون أن أفهم السبب، وأثناء الحصص يضعوننا على تلك المقاعد الخشبية غير المريحة؛ ليشرح المدرس أشياء لا أفهمها، لكنها تجبرني على النعاس..

أنام فيضربني المدرس.. ويعيدوني إلى المنزل لتضربني أمي.. ولو أتى الليل ورفضت النوم كى لا أستيقظ للمدرسة غدًا، تضربني مرة أخرى!

في النهاية زاد السعال على أمي، ولم تجد من يرعاها سواي، فتركت المدرسة لأبقى جوارها، مما ضايقها وأسعدني.. في النهاية أصبح بإمكاني النوم حينما أريد..

لكني لم أعد صغيرًا الآن.. بل أنا رجل.. ورجل أمن كذلك، غير مسموح لي بالنوم خلال ساعات العمل الرسمية..

لكن.. ربما كان من المسموح لي أن أستند على الجدار.. لم أعد أستطيع الاستمرار في الوقوف هكذا، والشمس الحارة تضربني طيلة الوقت..

لا.. لن أنام.. سأستند فقط حتى أرتاح.. فأنا لم أنم ليلة أمس.. النحيف زارني.. صورة الفتاة.. كان اسمها "ندى".. وكانت تبتسم.. والآن هي في حاجة لي.. لكن..


غير مسموح..



غير..


غيـ...




* * *







وحين استيقظت رأيت الفتاة التي تغطيها الدماء مرة أخرى تقف أمامي مباشرة..




كنت أظن أنني أحلم، لكني عرفت أنني استيقظت حين شعرت بالأرض الرملية أسفلي، لأجد أنني أسفل تلك الشجرة قرب المبنى ..





متى انتقلت إلى هناك؟؟


كانت الفتاة تقف جوار الشجرة وتنظر لي مباشرة، فكدت أصرخ في فزع، لكنني تذكرت الأصلع وتحذيره لي، فتماسكت.. غير مسموح لي بالصراخ!




ثم رأيت باقي الأطفال فجأة..






لا أذكر عددهم.. لكن الدماء كانت تغطيهم هم أيضًا وأحدهم لم يكن بذراعين.. لكنهم كانوا يبتسمون لي..




غير مسموح لي بالصراخ!




كانوا ينظرون لي وكنت أراهم في وضوح، لكنني كنت أعرف أنهم أشباح.. هم من نقلوني إلى أسفل الشجرة، وهم الآن يحيطون بي لأنه دوري كما أخبرني النحيف..




سيقتلونني الآن ويأخذوني معهم إلى داخل الشجرة، لكن..
غير مسموح لي بالصراخ!





كنت أشعر بالبرد الشديد وبأنني عاجز عن الحركة، لكني أخذت أنظر لهم وهم يقتربون مني ببطء، قبل أن تقول الفتاة بصوت لم أسمع مثله من قبل أبدًا:




- إنهم يدفعون جيدًا.. لهذا أصبحنا كذلك..



إنها تتحدث عن أصحاب ذلك المبنى.. النحيف أخبرني أنهم يدفعون جيدًا، لكنهم.. لكنهم لا يدفعون لي..





حاولت أن أرد، لكني لم أستطع.. أنا لا أريد أن أتحول لواحد منهم..



لا أريد أن أتحول إلى شبح..

أمي أخبرتني أن الأشباح لا تؤذي، لكني أعرف أن شبح تلك المرأة العجوز هو ما أخذ أمي..





لم أخبر أحدا بما رأيت، لكن في ذلك اليوم الذي اجتمع فيه أقاربي حول فراش أمي، قبل أن تتركني لتصعد إلى السماء، رأيت شبح المرأة العجوز..


كانت تقف قرب فراش أمي ولم يكن أحد يراها سواي ..




و كانت المرأة العجوز تبتسم!

و أنا أريد أن أصعد إلى السماء لأرى أمي، لكني لا أريد أن أدخل إلى تلك الشجرة مع هؤلاء الأطفال الذين تغطيهم الدماء..





مرة أخرى تحدثت الفتاة بصوتها العجيب لتقول:

- نحن نريد الخروج من هنا.. ساعدنا..

ثم إنها كشفت عن صدرها، لأرى ذلك التجويف الضخم الذي تنزّ منه الدماء، قبل أن تقول هي:



- لقد أخذوا قلبي..




- !!!!







* * *
يتبع



التعديل الأخير تم بواسطة عاشق المنتدى ; 19-05-2009 الساعة 01:19 PM
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 19-05-2009, 12:57 PM
الصورة الرمزية عاشق المنتدى
عاشق المنتدى عاشق المنتدى غير متواجد حالياً
محمد عبد القادر
الأخ المثالي

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الكاتب المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
الدولة: مــــصــــــــر
النوع: ذكر
المشاركات: 29,738
نقاط التقييم : 13180
Mumayaz



تلك الشجرة

(4)



لم أدخل مع الأطفال إلى تلك الشجرة هذه المرة..


يومها رأيتهم وهم يبتعدون عني, ليدخلوا جميعًا إلى تلك الشجرة؛ لأعود وحيدًا باردًا في مكاني على الأرض, عاجزًا عن الحركة أو الصراخ..

غير مسموح لي بالصراخ..



وحين تمكنت من الحركة أخيرًا.. وقفت ببطء..





ثم أخذت أعدو مبتعدًا..


أنا لن أعود إلى هنا أبدًا!


لا أريد أن أرتدي زي رجل الأمن مرة أخرى.. لا أريد أن أمارس عملي الذي أتقنه.. سيصفني قريبي بالمتخلف, لكني لن أهتم..








سأعود إلى منزلي البارد الخاوي وسأظل هناك حتى يأتي اليوم الذي أصعد فيه إلى السماء لأكون مع أمي..



حينها سأحكي لها كل شيء, وستُعِدّ هي لي كوبًا من اللبن الدافيء, وستسمح لي بأن أنام جوارها..



نعم.. هذا ما ستفعله أمي..


و أنا لن أعود إلى هنا أبدًا..




* * *



حين عدت إلى منزلي هذه المرة وجدت بعض الطعام البارد الذي تركته لي جارتي, لكني لم أمسّه بل أسرعت إلى غرفتي لأقفز على فراشي – رغم أن أمي أخبرتني أن هذا خطأ – واختبأت أسفل الأغطية وأنا ألهث..




أنا لن أعود إلى هناك أبدًا..


سأظل هنا على فراشي أسفل الأغطية, فلن أرى الأطفال ولن يراني أحد حتى تمر هذه الليلة..





لكني لن أنام أيضًا.. في كل مرة أغلق فيها عيني أرى الفتاة تبتسم, وهي تكشف لي عن صدرها حيث لم يعد هناك قلب, بل تجويف مخيف تنزف منه الدماء..


أنا جائع.. بارد.. وحيد..
أنا خائف!


لكن النهار سيأتي..



ستمر الليلة وستسطع الشمس وسأنام حينها.. أمي أخبرتني أنه حين تكون هناك شمس, لا يكون خوف.. لكن.. لكن..




لكني رأيت أشباح الأطفال في ضوء الشمس عند تلك الشجرة.. رأيتهم ولا أريد أن أراهم ثانية..






أنا أشعر بالتعب.. أشعر بالحزن.. أشعر بالـ..


أشعر بيد تجذب الغطاء عن جسدي!!






وقبل أن أبدأ في الصراخ, ارتفع صوت النحيل يقول:


- إنه أنا.. لن تصدق ما الذي حدث اليوم



-!!




* * *




كان النحيف ولكنه لم يكن يدخن هذه المرة..
كان يجلس أمام فراشي وكنت أحدق أنا فيه.. أصغي لما يقول دون أن أستوعبه تمامًا..





وكان يقول:


- لقد عرفت أخيرًا ما الذي يحدث.. بعد أن تركتك أدركت أنك لن تساعدني, فقررت التصرف بمفردي.. فكّرت طويلاً ثم وجدت أن هذا هو الحل الوحيد الذي أملكه.. يجب أن أعرف.. يجب أن أفهم.. هكذا عدت إلى هناك واقتحمت المكان لأبحث عن أي شيء يمكنني العثور عليه..

ثم إنه أشار إلى كومة من الملفات وضعها على ساقيه, ليردف:





إنها تحمل كل شيء عنهم.. أعني الأطفال بالطبع.. كل شيء من الممكن أن تعرفه عنهم.. تواريخ ميلادهم.. أطوالهم.. أوزانهم.. فصيلة دم كل واحد منهم.. تقارير صحية ونفسية.. تاريخ هؤلاء الأطفال بأكمله موجود في هذه الأوراق والصور والتحاليل..





ونظر لحظة للقمر عبر النافذة, قبل أن يواصل:


- لم يكن العثور على هذه الملفات سهلاً.. صدقني.. إنهم يخفون كل شيء بدقة هناك.. لكنك ستجد ما تبحث عنه لو نظرت جيدًا.. لو فكّرت جيدًا فيما تبحث عنه.. هكذا عثرت أنا على الملفات وهكذا فهمت سر الغموض الذي يحيط بالمكان.. عليك أن تستنتج القليل بنفسك.. لكن الصورة تكتمل في النهاية..

قلت أنا بعد تردد:



غير مسموح الدخول إلى.. هناك..




ألم أقل لك إنهم أجادوا اختيارك.. لكن الأطفال اختارتك كذلك والآن عليك أنت أن تختار..





الفتاة التي رأيتها.. صدرها كان يـ..


أعرف.. السؤال الآن هو ما الذي سنفعله؟.. هل سنتظاهر بأن شيئًا لم يحدث؟.. هل ستقضي أيامك هنا أسفل الأغطية؟.. هل ستتخلى عنهم؟؟


أنا خائف.. أنا لا أريد العودة!


سأظل معك حتى النهاية.. لكن يجب أن نضع حدًا لهذا كله.. يجب أن نساعدهم..


وببطء وقف وعيناه لا تزالان معلقتان بالقمر, ليهمس بشرود:



- إنهم هناك.. عند تلك الشجرة..





* * *



لا أذكر كيف نمت هذه الليلة, لكني أذكر أنني رأيت أمي في أحلامي وأنها كانت تبتسم..

وحين استيقظت كنت أبتسم أنا الآخر دون أعرف لهذا سببًا.. ربما لأني أبله كما يقول قريبي!

كانت الساعة الخامسة والنصف, لكني كنت أعرف أنني سأصل لعملي في ميعاده لو أسرعت قليلاً..



نعم سأعود.. لن أقضي أيامي خائفًا من شيء لم أفعله..


سأعود وسأمارس عملي الذي أجيده بدقة متناهية..

وبعد أن تنتهي ساعات العمل الرسمية لن أعود إلى هنا.. لا لن أفعل..
سأنفذ ما اتفقت عليه مع النحيل ولن أتردد هذه المرة..

إنني أذهب إلى عملي كل يوم وأكون هناك في تمام السادسة, لأظل في مكاني حتى التاسعة مساءً.. كل يوم.. كل يوم..

عملي الذي أحبّه لأنهم يسمحون لي بأن أرتدي زيًا يشبه زي رجال الأمن.. عملي الذي لن يمكنني أن أعود له مجددًا بعد اليوم..

لكني اليوم أشعر بسعادة لم أشعر بمثلها قط..





* * *


وفي السادسة تمامًا كنت أقف في مكاني مرتديًا زيي لآخر مرة.. وكنت أشعر باللهفة..


لكن في الواحدة ظهرًا عرفت أن النحيل لقى مصرعه في حادث!..

سيارة مسرعة ثم.. بوووووف.. صعد إلى السماء.. هكذا وبمنتهى البساطة..
بعدها عرفت أن الحادث كان في الليلة قبل الماضية!!


يتبع



التعديل الأخير تم بواسطة عاشق المنتدى ; 19-05-2009 الساعة 01:26 PM
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 19-05-2009, 12:58 PM
الصورة الرمزية عاشق المنتدى
عاشق المنتدى عاشق المنتدى غير متواجد حالياً
محمد عبد القادر
الأخ المثالي

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الكاتب المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
الدولة: مــــصــــــــر
النوع: ذكر
المشاركات: 29,738
نقاط التقييم : 13180
Mumayaz



تلك الشجرة

(5)

أنا لم أفهم ما الذي يعنيه هذا على الفور..





لم أكن ممن يجيدون (الفهم) من قبل، لكني وفي النهاية أدركت معنى أن يموت النحيل في حادث، قبل أن أراه.. إنه مثلهم..


مثل هؤلاء الأطفال الذي يختفون عند تلك الشجرة..




إنه شبح!




كنت أقف مكاني أمارس عملي الذي أتقنه للمرة الأخيرة، حين استوعبت هذا كله، لأجد النحيل يقف قربي يرمق الشجرة، وهو يردد:


الليلة سنفعلها.. سأكون معك حتى النهاية.. لن أتركك حتى ننهي هذا كله..



لكني لم أجبه.. لم أخشَه كما يحدث لي مع الأطفال، لكني أدركت أنه لا داعي لأن أجيبه فهو يعرف ردي على أية حال..





لقد اتفقنا وأنا لا أحب أن أخلف وعودي.. أمي أخبرتني أن من يخلف وعوده لا يستحق أن يكون رجلاً.. وأخبرتني أنني رجل..




فقط نسيت أن تخبرني أي شيء عن (حالتي هذه)!




والتفت إلى النحيل قبل أن يقول:


أنت تعرف أنه لم يكن حادثًا.. أليس كذلك؟




وحين التفتُّ له كان يقف مع الفتاة التي أخذوا قلبها..


كان يربت على رأسها في حنان..










* * *







انتهى عملي في التاسعة مساءً كما يحدث كل يوم، لكني لم أغادر مكاني ولم أتجه إلى منزلي البارد الوحيد..






هذه المرة وقفت في مكاني أنتظر رحيل كل العاملين في المبنى، حتى لم يعد هناك صوت من حولي.. لكني لم أتحرك بسرعة.. النحيل أخبرني أن أظل حذرًا حتى النهاية..




أخبرني أنهم قد يشعرون بي لو حاولت الدخول.. سألته كيف؟ فأخذ يشرح لي الكثير عن كاميرات المراقبة ونظم الحراسة والتأمين، لكني لم أفهم إلا أن الدخول مباشرة قد يضرني..






هكذا وقفت في مكاني لنصف ساعة كاملة، أرمق تلك الشجرة وأنتظر، حتى سمعت النحيل يقول أخيرًا:


الآن.. هيا بنا..



التفت إليه لأراه يسرع إلى صندوق الكهرباء القريب، فتبعته إلى هناك دون أسأله أين كان ولا من أين أتى.. وهناك أشار هو إلى الصندوق وقال:





يجب أن تفسده.. بهذا ستتوقف كل أنظمة التأمين عن العمل.. فقط خذ الحذر وإلا صعقت..





وأنا أعرف هذه المعلومة جيدًا.. أمي أخبرتني بها وأنا صغير وساعدتني على حفظها بالصفعات، فلم أعد ألعب بالقابس الكهربائي بعدها أبدًا..





- ستحتاج لأي شيء خشبي لتفتح الصندوق بعدها سأخبرك بما عليك فعله..




كنت أشعر بالخوف والتردد، لكني لم أكن أنوي التراجع.. ربما أكون غبيًا لكني أشعر بأن ما يحدث داخل المبنى له علاقة بما حدث للأطفال وللنحيل.. لهذا يجب أن ندخل الليلة لنعرف..





أو لأعرف أنا.. لا أعتقد أن النحيل سوف.. إنه.. لا يهتم!






المهم أنني فعلتها أخيرًا ليسود الظلام من حولي، وليبتسم النحيل في رضا، قائلاً:


الآن يمكنك أن تدخل..




فاتجهت باستسلام إلى المدخل الخلفي الذي اعتدت أن أحرسه، ووقفت أمامه حائرًا منتظرًا إرشادات النحيل، الذي قال:





ألم تسأل نفسك ولو لمرة لماذا طلبوا منك ألا تسمح لأحد بالخروج من هذه البوابة؟؟.. المنطقي ألا تسمح لأحد بالدخول..


ماذا؟!!!


لا تشغل بالك.. الآن ستفهم.. رغمًا عنك ستفهم..




* * *



لم يكن الدخول صعبًا كما اعتقدت..




ولم تكن هذه هي أول مرة أتسلل فيها إلى مكان..





أمي أخبرتني ألا أذكر ما حدث لمخلوق لكنها لم تعد معي.. أخبرتني أنها نادمة وأنها لن تطلب مني أن أكررها أبدًا أبدًا.. لكني كنت أعرف أنها كانت مضطرة..




لقد كنا جائعين!






أيام مرّت علينا دون أن نتذوق لقمة.. كنت صغيرًا ولم أكن أملك إلا الجلوس في صمت، بينما أمي المريضة تنبش منزلنا كل يوم بحثًا عن أي شيء يصلح للمضغ.. قريبي أخبرنا أننا فقراء لكني لم أفهم ما يقصده إلا حين رأيت أمي تبكي بمرارة، قبل أن تطلب مني ذلك الطلب العجيب..






تسلل إلى منزل جارتنا ولا تعد إلا ومعك أي شيء يؤكل..



لم أكن أفهم حينها أن هذا خطأ، لكني كنت أعرف أنه ليس سهلاً.. جارتي تعيش بمفردها ودائمًا ما يمتلئ منزلها برائحة الطعام، لكن الدخول إلى منزلها أمر لا أعرف له طريقًا إلا الباب..







أطرق على الباب.. تفتحه هي.. هذا ما يحدث كل مرة..

لكن في تلك الليلة شرحت لي أمي طريقة أخرى للدخول.. طريقة أخبرتني أنها تعلمتها من أبي الذي لم أره قط.. طريقة أخبرتني أن أنساها وألا أحاول استخدامها أبدًا، لكني الليلة مضطر..





استخدمت هذه الطريقة مع باب جارتي، ففوجئت به يفتح أمامي دون أن تفتحه جارتي، وبرائحة الطعام الشهي تملأ معدتي الخاوية.. تلك الرائحة التي كدت أنساها في منزلي..





ليلتها أسرعت إلى المطبخ لأبحث عن مصدر الرائحة، وأنا أشعر بقلبي يرقص في صدري بصورة لم أشعر بها من قبل، وكنت أحمل حقيبة صغيرة قررت أن أملأها لآخرها كيلا نجوع بعدها أبدًا، لكني لم أكن أرى جيدًا في الظلام..



لهذا اصطدمت بذلك الوعاء الزجاجي.. لهذا تهشم..





ولهذا أمسكت بي جارتي..




حينها بكيت أنا وحكيت لها كل شيء فبكت معي، ثم قامت لتملأ حقيبتي الصغيرة بنفسها، لكنها طلبت مني ألا أعود إلى هنا أبدًا.. وطلبت مني أن أحمل ذات الرسالة إلى أمي..




هكذا عدت إلى أمي بالطعام والرسالة، فلم تذق الطعام بل تركته كله لي..

وبعد أن ماتت أمي تطوَّعت جارتي لتعد لي الطعام كل فترة.. في بعض الأحيان تنسى فأنام جائعًا، وفي بعض الأحيان أنام ورائحة طعامها الشهي تملأ أنفي..






أما الآن.. اليوم.. أنا أتسلل إلى المبنى الذي قضيت طيلة الفترة الماضية في حراسة بوابته الخلفية، ومعي شبح النحيل يرشدني كأنه كان هنا من قبل، ورائحة حارقة تملأ أنفي وتحرق عيني.. فركتهما بقوة لم تخفف من أثر الرائحة، ليقول النحيل:





إنه الفورمالين.. البوابة الخلفية هي أقصر طريق إلى الأسفل.. المفترض أننا سنجد الدرج هنا..












وأشار إلى حيث رأيت الدرج بصعوبة في الظلام، قبل أن يردف:


- في نهاية هذا الدرج سنجد بوابة تقود للطابق الأرضي، حيث يخفون أسرارهم.. هناك سنفهم كل شيء وسنضع حدًا لهذا كله.. اتبعني..





قالها واختفى في ظلام الدرج، فتبعته وأنا أتحسس طريقي، حتى بلغت تلك البوابة.. بحثت عن مقبضها بأصابعي والنحيل يهمس:




أسرع.. أسرع..
هاهو المقبض.. لكن.. إنه موصد!




حاولت مرة وثانية وثالثة فلم يستجب لي الباب.. حاولت معه بالطريقة التي تعلمتها صغيرًا، لكنه ظلّ في مكانه رافضًا محاولتنا للدخول..





هكذا نظرت إلى النحيل في حيرة، لأجده يقول:


لقد احتاطوا للأمر إذن.. لكنهم هناك.. أنا أشعر بهم خلف هذا الباب..

ونظر إليّ بانفعال أضاء عينيه في الظلام، وهو يردف:



- هناك مدخل آخر.. نعم.. هناك مدخل آخر ويجب أن نعثر عليه..


- لكن.. أين؟!




- ألم تفهم بعد.. إنه هناك.. عند تلك الشجرة





- !!




* * *



هذه المرة كنت أشعر بالرعب..




لكن النحيل ظلّ معي طيلة الوقت وإن لم يساعدني على الإطلاق..





وبعد ساعتين كنت قد انتهيت من الحفر أسفل تلك الشجرة، لأشعر بذلك السطح المعدني أخيرًا، وليصيح النحيل بحماس:


- ألم أقل لك إنه هنا؟.. لقد كانوا يرشدوننا إليهم طيلة الوقت.. لهذا كانوا يظهرون ويختفون هنا..



لكني أخذت أتحسس السطح المعدني بحثًا عن فجوة قبل أن أقول:



- وكيف سنعبر إلى الداخل؟

- ستجد فتحة تهوية هنا أو هناك.. إنه ممر تهوية قديم، قاموا بإخفائه كيلا يقود أحد إلى سرهم.. ابحث جيدًا وستجده..







كان الوقت قد تأخر وكنت أشعر بالبرد والإرهاق، لكني لم أعترض.. الليلة سينتهي هذا كله..




وأنا لن آتي إلى هنا مجددًا ولن أرى الأطفال مرة أخرى أبدًا أبدًا..




بحثت حتى أصابني الملل، لكني عثرت في النهاية على تلك الشبكة المعدنية، فجذبتها بقوة لأكشف عن فجوة كافية لأعبر خلالها إلى داخل الممر.. ومرة أخرى صاح النحيل:




ألم أقل لك؟.. والآن لم يتبقَّ إلا بضع خطوات تخطوها في هذا الممر.. هيا بنا..







وبلا تردد قفز عبر الفتحة، فتبعته بسرعة لأجدني في ذلك الممر المظلم الذي امتلأ بتلك الرائحة الحارقة..





في نهاية الممر يوجد باب يقود إلى مكان مضاء، لكنها أول مرة أشعر بالخوف من الضوء أكثر من الظلام..






هنا لا يوجد سواي أنا والنحيل والرائحة ومن فوقنا تلك الشجرة..



لكن هناك.. خلف ذلك الباب يوجد ضوء.. وعلى هذا الضوء سأرى سر من يعملون في المبنى..



غير مسموح لي بأن أعرف!

يمكنني أن أخرج الآن.. سأخفي الحفرة وأغلق المدخل الخلفي وسأنسى كل شيء..



وغدًا سآتي إلى عملي الذي أتقنه في تمام السادسة وسأظل في مكاني حتى تمام الـ..






- لكنهم لن يتركوك.. ستراهم حتى تجنَّ أو تقتل نفسك..


قالها النحيل فاحتجت لبعض الوقت قبل أن أفهم ما يعنيه.. قبل أن أعود ليأسي..

أمّا النحيل فأشار إلى الباب قائلاً:



سينتهي الأمر حالاً.. كل شيء سينتهي..

نظرت إليه وقلت بعد تردد:



- هل ستبقى معي؟


- حتى النهاية.. أعدك..

فعدت لأنظر إلى الباب قبل أن أقرر أن أتجه إليه..



أخطو في اتجاهه.. أقترب منه أكثر.. النحيل يتبعني صامتًا هذه المرة.. الرائحة تشتد..









أبلغه أخيرًا..


أمدّ أصابعي لأمسك المقبض البارد.. أفتحه..


ثم أصرخ رعبًا مما أراه في الداخل !!




* * *

يتبع



التعديل الأخير تم بواسطة عاشق المنتدى ; 19-05-2009 الساعة 01:33 PM
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 19-05-2009, 12:59 PM
الصورة الرمزية عاشق المنتدى
عاشق المنتدى عاشق المنتدى غير متواجد حالياً
محمد عبد القادر
الأخ المثالي

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

المشرف المميز  


/ قيمة النقطة: 30

الكاتب المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الموضوع المميز  


/ قيمة النقطة: 10
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
الدولة: مــــصــــــــر
النوع: ذكر
المشاركات: 29,738
نقاط التقييم : 13180
افتراضي



تلك الشجرة

(6)



أخبرتني أمي أن الموتى لا يتحركون.. لا يعودون.. لا يشعرون..
أمي الآن في السماء وهي ليست معي الآن لترى أنها كانت مخطئة!!




نعم الجثث لم تكن تتحرك.. لكنهم كانوا يتحركون!.. الأطفال.. على الموائد وفي الثلاجات وفي تلك الأسطوانات الزجاجية.. وما بين هذا كله يقفون وينظرون إليَّ وإلى النحيل الذي بدا عليه الأسى..





أنا لا أستوعب بسرعة ولا أتقبل ما لا أفهمه، لذا فالمشهد يتحول أمامي إلى صور منفصلة، لا يجمعها إلا أنني أراها كلها الآن..







هناك صورة للفتاة التي أخذوا قلبها.. إنها تقف أمامي، لكنها ترقد كذلك على إحدى الموائد شاخصة العينين تحدق في السقف إلى ما لا نهاية.. الغطاء الذي كان يغطي جثتها سقط، وهي الآن تقف جوار جثتها تنظر لها وتتحسس تجويف صدرها حيث لم يعد هناك قلب..





صورة أخرى.. هناك ذلك الطفل الأشقر.. إنه يقف جوار تلك الأسطوانة الزجاجية، لكنه داخل الإسطوانة الزجاجية كذلك.. أراه معلقًا داخلها بلا ذراعين وهناك فتحة ضخمة في جمجمته يخرج منها أنبوب سميك..





هناك صورة ذلك الطفل الذي لم تعد له أحشاء.. يقف جوار نفسه.. جوار جثته الضئيلة التي تبدو أشبه بدمية من تلك الدمى التي كانت أمي تعثر على مثلها لي في القمامة..






جوار كل جثة يقف شبحها، وكلهم أطفال يرمقونني في صمت يصمُّ الآذان!





ويقول النحيل ليبدد هذا الصمت:





- القتلى.. إنهم.. إنهم مجرد أطفال!










لكني لم أكن أفهم بعد.. لذا سألت:



- ما الذي حدث لهم؟؟




- ألم تفهم بعد؟.. التحاليل التي كانوا يطلبونها.. العينات.. الأنسجة.. إنهم يبيعون أعضاء هؤلاء الأطفال!.. يقتلونهم ويحولونهم لمجرد سلع.. أعضاء يدفع ثمنها من يحتاجها من الأغنياء.. بل إنهم لم يتركوا أجسادهم تموت بعد.. انظر.. هذا الطفل يبقون جسده حيًا للحفاظ على ما لم يتم بيعه من أعضائه بعد.. وهذه الفتاة.. إنها.. إنها تحرك جفنها!





- نعم هي تحرك جفنها.. لكن.. لكن..




- لكن هذا هو الشيء الوحيد المتبقي في وجهها.. لا عينين ولا فك سفلي.. كيف ستظل حية بعد الـ..؟

- القتلى.. القتلى..




يصرخ النحيل فيزداد خوفي.. لو سمعنا أحد الآن سوف يقبضون علينا.. بل عليَّ أنا فالنحيل لم يعد صالحًا للـ.. أعني.. أنت تفهمني!




أمّا الفتاة التي لم يعد لها قلب، فتقدمت تجاهي لتقول:





- نحن نريد أن نخرج من هنا.. نحن لا نحب هذا المكان..

عقلي لا يزال عاجزًا عن استيعاب كل ما يحدث حولي.. إنه حلم..



كابوس من تلك الكوابيس التي أخبرتني أمي أنها تنتهي ما إن أفتح عيني، فلماذا لا ينتهي هذا الكابوس؟؟





- نعم يجب أن نخرجهم من هنا..




يقولها النحيل فأصيح أنا في حيرة:



- كيف؟.. كيف سأحمل هذا كله؟.. وإلى أين سأذهب بهم؟؟





- لا يهم أين.. المهم ألا يظلوا هنا بعد الآن.. إنه حقهم الأخير..





- لكن.. أنا..



لكن أنا لا أصلح لهذه المهمة.. أنا سقطت في قبضة جارتي حين حاولت سرقة طعام من منزلها، فما الذي سيحدث لي حين أحاول أن أخرج الـ.. كم عدد هؤلاء الأطفال؟.. إن القاعة واسعة حقًا وتلك الرائحة الحارقة لا تساعدني على الرؤية رغم أن القاعة مضاءة..







رغم أن القاعة مضاءة..


رغم أن القاعة مضاءة..


رغم أن القاعة مضاءة..


رغم أن القاعة مضاءة..




- لماذا تركوا القاعة مضاءة؟!!!



في لحظة وجدتني أهمس بهذا السؤال، وفي اللحظة الثانية سمعت النحيل يجيب:




- إنهم يعرفون.. يعرفون أنك هنا..

قالها وهو يشير إلى كاميرا في السقف، نظرت إليها في حيرة للحظات، قبل أن أستوعب ما يقصده..





لهذا تركوا القاعة مضاءة.. لأنهم يعرفون أنني سآتي إلى هنا..

لا أعرف كيف عرفوا لكنهم كانوا ينتظرونني، وها أنا أقف وسط الجثث والأطفال، أشعر برعب لم أشعر به في حياتي من قبل..





سوف يمزقونني هنا.. سيأخذون قلبي وذراعي، وسيضعوني في أسطوانة زجاجية ولن أرحل من هنا أبدًا، بل سأقف جوار جثتي في هذه القاعة الباردة ذات الرائحة الحارقة..




لن أصعد إلى السماء ولن أرى أمي ولن أشعر بالدفء مرة أخرى..

لكن النحيل صاح فجأة:





- وجدتها.. أسطوانات الغاز..

فالتفتُّ له وقد قررت أن أنفذ ما يقوله دون أن أحاول أن أفهم.. لا وقت للفهم.. لم يعد هناك وقت لأي شيء..






أمَّا هو فبدا عليه الحماس وهو يشير إلى الأسطوانات في ركن القاعة، مواصلاً:




- هي الحل الوحيد.. نفِّذ ما سأطلبه منك وسننهي هذا كله..

الأطفال كلهم ينظرون لي في أمل وفي الأعلى تتعالى أصوات أقدام تجري متجهة إلى هنا..





الليلة سننهي هذا كله..



ولن أفهم حتى كيف؟!




* * *




حين وصل الأصلع وذو الذقن ومعهم رجال الأمن -الحقيقيون الذين يحملون الأسلحة- كنت شارفت على الانتهاء وكنت أشعر بالإرهاق الشديد.. لم أنم جيدًا منذ فترة والطعام تركته في منزلي منذ فترة.. لابد أنه فسد وأن رائحته سوف......












لكن الأصلع قال في غضب أعادني إلى القاعة:



- كنت أعرف أنك تدَّعي حالتك هذه.. لا أحد بهذه السذاجة أبدًا.. لا أحد..




فابتسمت في رضا رغمًا عني.. أخيرًا أجد شخصًا لا يظن أن لدي (حالة) ما كما يذكرني الآخرون.. أما ذو الذقن فقال:




- ما أوَّد معرفته حقًا هو كيف اكتشفت أمرنا؟.. كيف وصلت إلى هنا؟

فأجبت:



- النحيل.. إنه مـ........




لكن الحيرة التي بدوت عليها أجبرتني على فهم أنهم لا يرون النحيل مثلي.. لا يرون النحيل ولا الأطفال الذين أحاطوا بي وقد بدا عليهم الخوف بينما وقف النحيل خلف كتفي مباشرة ليهمس في أذني:





- استمر.. لا تتوقف عن الحديث كي لا يشعروا.. سينتهي الأمر خلال لحظات..



لكن الأصلع كان من تحدث ليقول:



- وما الذي كنت تفكر في فعله هنا؟.. أتظن أنك كنت ستسرقهم لتبيعهم بنفسك؟.. أتظن أن الأمر سهل أيها الأحمق؟!





- أنا.. أنا أريد أن أخرجهم من هنا..



أقولها فينفجر الأصلع في الضحك، بينما تبدو الدهشة على ذي الذقن، الذي قال:





- تخرجهم؟.. إلى أين؟





- لا أعرف!





فيشير الأصلع تجاهي ويصيح ضاحكًا:



- إنه أحمق.. مختل.. أحمق.. إنه لم يفكر حتى في الخروج من هنا..



فيقول النحيل في أذني:



- سنخرج من هنا.. كلنا سنخرج.. استمر..




وأنا أعرف أنه يريدني أن أستمر كي لا يسمعوا صوت الهسيس الذي تصدره الأنابيب.. لكني خائف حقًا.. خائف ولا أجد ما أقوله سوى:







- أنتم قتلة..







قلتها فبدت الصدمة على الأصلع وذي الذقن، قبل أن يصرخ الأول ثائرًا:



- كيف تجرؤ؟!

- أجرؤ لأنني بدأت أفهم أنه لم يعد هناك فارق.. لحظات وسنخرج كلنا من هنا..


ينتشر الأطفال في المكان كأنهم يودِّعون جثثهم، ويتحرك النحيل ليقف بين الأصلع وذي الذقن ليبتسم لي مشجعًا.. أبادله الابتسام وأقول:



- أنا.. فهمت..

فينتفخ وجهه غضبًا، ويشير إلى أحد رجال الأمن آمرًا، ليقول:



- استعد..

فيسدد رجل الأمن الحقيقي ذو السلاح مسدسه إلى صدري، وأغمض أنا عيني في اللحظة التي يبدو فيها على ذي الذقن أنه يتشمم رائحة الغاز..

أفتح عيني فأجد أن كل شيء من حولي يتحرك ببطء شديد..
الفتاة تبتسم لي شاكرة ومن خلفها الأطفال ينظرون لي في امتنان..




الأصلع يشير بيده لرجل الأمن..




ذو الذقن يصيح وقد رأى أسطوانات الغاز المفتوحة المنتشرة تحت الأسرَّة..





النحيل يشعل سيجارته الأخيرة في هدوء تام..




رجل الأمن الحقيقي ذو المسدس يطلق رصاصته فأشعر بالألم في صدري وبالأصوات تغيب من حولي.. ثم أراها..






أرى أمي تمد يدها لي وهي تبتسم لي في حنان افتقدته طويلاً.. أمي التي في السماء هبطت لتأخذني..



النيران تنبت من الهواء فجأة، ويصرخ كل الموجودين في القاعة لكني لا أهتم..


لقد تلاشى الألم.. تلاشت الرائحة الحارقة.. تلاشى البرد..








أنا أحب أمي جدًا والآن سأرحل معها..



سأحكي لها عن كل ما حدث.. عن النحيل والأطفال والليالي التي لم أجد فيها طعامًا، والتي شعرت فيها بالوحدة..


سأخبرها عن كل من وصفوني بالـ(المتخلف) وكل من سألوني عن (حالتي) هذه دون أن أفهم ما الذي يقصدونه..


وستصغي هي إليَّ ثم ستتركني أنام جوارها..


وهذه المرة..


لن أفارقها أبدًا..








* * *


تمت

د.تامر إبراهيم



اضغط هنا للبحث عن مواضيع عاشق المنتدى

توقيع عاشق المنتدى

( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ( 93 ) ) - سورة النساء


( لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين ( 28 ) إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ( 30 ) ) - سورة المائدة


" عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟، قال صلى الله عليه وسلم: { أمسـك عليكَ لسانكَ وليَســعْـكَ بَـيـتـُـك وابـكِ على خطــيـئـتـكَ }. رواه أبو عيسى الترمذي (279 هـ.) في سننه وقال هذا حديث حسن.".




التعديل الأخير تم بواسطة عاشق المنتدى ; 19-05-2009 الساعة 01:42 PM
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 19-05-2009, 02:27 PM
الصورة الرمزية tosoro
tosoro tosoro غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
الدولة: مصر
النوع: أنثى
المشاركات: 632
نقاط التقييم : 154
افتراضي رد: [ تلك الشجرة ] د.تامر إبراهيم



راااااااااااااااااااائع



اضغط هنا للبحث عن مواضيع tosoro

توقيع tosoro

لطفاً
إذا أعجبتك مشاركتي فقيمني ,
وإذا وجدت بها ما يؤذيك فراسلني على الخاص
لأن النصيحة على الملأ فضيحة
TOSORO



رد مع اقتباس
  #8  
قديم 19-05-2009, 02:33 PM
الصورة الرمزية المحترف
المحترف المحترف غير متواجد حالياً
مؤسس سلسلة روايات 2
كاتب

الكاتب المميز  


/ قيمة النقطة: 10

الكاتب المميز  


/ قيمة النقطة: 10

وسام الإبداع  


/ قيمة النقطة: 10

الكاتب المميز  


/ قيمة النقطة: 10
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
الدولة: cairo
النوع: ذكر
المشاركات: 1,609
نقاط التقييم : 506
افتراضي رد: [ تلك الشجرة ] د.تامر إبراهيم



تستحق أعلى تقييم



اضغط هنا للبحث عن مواضيع المحترف

توقيع المحترف



كتابى الأول

حمل من هنا [سجل معنا ليظهر الرابط. ]


جروب كتاب ( الطبعة الحداشر )

[سجل معنا ليظهر الرابط. ]



رد مع اقتباس
  #9  
قديم 21-05-2009, 11:31 AM
waelgad waelgad غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
الدولة: egypt
النوع: ذكر
المشاركات: 38
نقاط التقييم : 50
افتراضي رد: [ تلك الشجرة ] د.تامر إبراهيم



و الله العظيم إنت عبقرى شكراً على القصة الرائعة


رد مع اقتباس
  #10  
قديم 31-05-2009, 09:22 PM
هاني الصياد هاني الصياد غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
الدولة: مصر
النوع: ذكر
المشاركات: 858
نقاط التقييم : 63
افتراضي رد: [ تلك الشجرة ] د.تامر إبراهيم



شكراااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا


رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
زوجتي ؛ قصة رعب بقلم د. تامر إبراهيم عاشق المنتدى د. تامر إبراهيم 86 29-09-2015 11:17 AM
قصر دراكيولا بقلم د. تامر إبراهيم عاشق المنتدى د. تامر إبراهيم 37 15-05-2013 03:39 PM
( فـــــــــزع ) لــد. تامر إبراهيم عاشق المنتدى د. تامر إبراهيم 30 30-03-2013 05:18 PM
مــرحــبـــا ً !!! ؛ بقلم : د. تامر إبراهيم عاشق المنتدى د. تامر إبراهيم 31 07-09-2012 07:34 AM
تلك الشجرة..تامر ابراهيم علاء الموضوعات المكررة 1 02-06-2009 10:28 PM


الساعة الآن 03:43 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir