PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 509

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 512

PHP Warning: Illegal string offset 'membergroupids' in ..../includes/functions.php on line 441

PHP Warning: Illegal string offset 'membergroupids' in ..../includes/functions.php on line 443

PHP Warning: Illegal string offset 'usergroupid' in ..../includes/functions.php on line 452

PHP Warning: Illegal string offset 'usergroupid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 509

PHP Warning: Illegal string offset 'usergroupid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 509

PHP Warning: Illegal string offset 'usergroupid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 509

PHP Warning: Illegal string offset 'usergroupid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 509

PHP Warning: Illegal string offset 'usergroupid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 509

PHP Warning: Illegal string offset 'usergroupid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 509

PHP Warning: Illegal string offset 'usergroupid' in ..../includes/functions.php on line 518

PHP Warning: Illegal string offset 'userid' in ..../includes/functions.php on line 518
هشام يخفى سرا .. قصة أحمد خالد توفيق . - روايات 2
العودة   روايات 2 > ~~ اقرأ أونلاين ~~ > اقرأ أونلاين لكبار الكتاب > د. أحمد خالد توفيق

آخر 10 مشاركات
تحميل لعبة بن تن Ben 10           »          رجل المستحيل | البارون الأحمر | عدد خاص جداً           »          سلسلة سوبر فلاش ؛ حصرياً لكل عشاق فلاش ؛ كاملة للتحميل           »          زراعة الشعر بتقنية بيركوتان Perkotan           »          شركة عزل اسطح بالدمام 0537224070           »          أنا وكرشي           »          شركة عزل فوم للأسطح الخرسانية والأسطح الشينكو           »          برين ستورم للتسويق والاستشارات واحدة من افضل الشركات في دبي           »          السعار - سافارى رقم 49           »          شركة كشف تسرب المياه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 25-08-2016, 02:03 AM
الصورة الرمزية حماده عماره
حماده عماره حماده عماره غير متواجد حالياً
عضو ماسى

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: مصر
النوع: ذكر
المشاركات: 1,696
نقاط التقييم : 789
افتراضي هشام يخفى سرا .. قصة أحمد خالد توفيق .



(1)

السر الذي يخفيه هشام يحيرني حقًا.
تسألني كيف عرفت أن لديه سرًا، فأقول لك إنني امرأة .. أملك ذلك التكوين الوجداني والشعوري والعقلي الذي يزدهر في وجود هرمونات الأنوثة، كأنك تسقي أيكة بالسماد.. ثمة جزء في تكوين الأنثى يقدر على قراءة الأفكار أو الحدس أو الاستبصار .. أحلامنا كنساء تتحقق غالبًا .. مخاوفنا تصدق على الأرجح.

السر الذي يخفيه هشام يحيرني، فهشام يبدو لي كأرض منبسطة سهلة. عيناه صادقتان لكنهما خائفتان. في أعماق عينيه يمكنني رؤية النظرة تقول: «لا تقتربي أكثر من اللازم من فضلك فلدي سر مخيف!»

ما هو السر المخيف؟ فراسة المرأة تتوقف هنا. مهما شببتِ على أطراف أصابع قدميك لتختلسي نظرة من فوق السور، فهناك بقعة عمياء لا ترين بعدها. ولكن … أ .. دعني أقدم نفسي أولاً…
مرحبًا بك . هات يدك أصافحها ..
اسمي صفاء. أنا في الثامنة والعشرين من العمر.

أعرف من نظراتك ومن ابتلاع ريقك أنني جميلة. الطريقة التي يطرق بها الرجال عندما يكلمونني أو يحاولون النظر في اتجاه آخر .. أعرف هذه اللحظات عندما يؤلمهم جمالي ويحرمهم الراحة النفسية.

بالتأكيد يفضل أحدهم ألا يكلمني أو ينظر في عيني، بل سيكون أكثر راحة لو جلس يتأملني من بعيد. أنا محجبة لكني أعرف كيف يضيف هذا الحجاب الأنيق حسنًا إلى حسني. يخفي العيوب ويبرز المزايا ويضع لمسة غموض محببة تعد من يظفر بي بكشف السر.

أنا سكرتيرة في شركة استشارات هندسية، وأتقاضى راتبًا لا بأس به، وعندي سيارة لا بأس بها أبدًا. يمكن القول إنني محظوظة، خاصة وأن أبي وأمي بصحة طيبة ولي ثلاث أخوات لكنهن أقل جمالاً وسنًا.

كانت أمواج المعجبين تتكسر عند صخرتي وتتبعثر .. كثيرون نعم .. لكنهم يفقدون شجاعتهم بسرعة كأنهم الذباب.

وقد قررت أن من حقي أن أختار لنفسي الملك .. لن أضيع وقتي مع عشاق مفلسين خائفين، بل يجب أن أكثف جهودي لنيل ذلك المهندس الشاب الناجح هشام.

هو وسيم جدًا حتى ليبدو كعارضي الأزياء ، وهو ثري جدًا ومن أسرة غنية أصلاً. دعك من أنه خجول فعلاً وتستطيع أي فتاة أن تظفر به بشيء من الجهد .. الحقيقة أنه أجمل من أن يكون حقيقيًا .. لكنه حقيقي وليكونن لي…

وقفت أمام مرآة غرفة النوم وأعدت إصلاح وضع الحجاب .. هذا جمال لا يحق لكائن أرضي ان يظفر به. أنا مغرورة؟ ربما .. لكنك لم تر وجهي .. لربما لو رأيته لقلت إنني أبخس نفسي حقها.

قلت لنفسي العبارة التي أكررها كل يوم:
-ـ«سوف أظفر بك يا هشام .. أقسم بالله أنني سأظفر بك»
هذه لعبة سهلة ومسلية جدًا. تستطيع أي فتاة جميلة أن تظفر بالرجل الذي تريده إذا كان عديم الخبرة مثل هشام.

كان ينظر لي بعينين خرساوين، ورأيت أكثر من مرة عينيه تتحسسان تقاطيع وجهي الساحرة .

كان يريدني بقوة، لكن عليه أن يعرف أن الوصول لهذا الكنز يمر بطريق واحد .. لا بد من مقابلة مع أبي ولا بد من خاتم ذهبي . ولا بد من رحلة مرهقة لانتقاء الأثاث وديكورات الشقة.
أنا آسفة يا هشام .. لا أريد أن أقيد حريتك. لكن لا أحد يستحقني سواك، ولهذا لا أملك الخيار للأسف.

***************


لم يكن أحد يعرف الكثير عنه. فهو من الطراز الصموت الذي لا يبوح بأسراره بسهولة، ولعل هذا يمنحه طابعًا ساحرًا. دع أي واحد من هؤلاء الأوغاد يجلس معك، ولسوف يحدثك عن التهاب إصبع قدمه الكبير، وعن زيارة خالته مع أطفالها الخمسة، وعن أمه التي وضعت الملح في كوب الشاي لأن مرض السكري أتعب شبكية عينيها… مع هشام مستحيل أن يحدث شيء سوقي كهذا ..

صديقه الأقرب يدعى مصطفى .. مهندس صغير السن ثرثار. وقد جلس في المكتب جواري يشرب الشاي ولا يكف عن الكلام لحظة .. فقط ضغطت على الزناد فتكلم.

قال لي إن (هشام) يسكن في مدينة نصر مع أمه .. ليس لديه أب ولا أخوة .. غير متزوج.

كدت أركله غيظًا .. غير متزوج !.. يالك من عبقري !.. هذه الحقيقة لم تفارقني لحظة واحدة منذ عام ونصف. غير متزوج .. هناك ثمرة لامعة شهية معلقة من غصن الشجرة تنتظر الفتاة المحظوظة التي تلتقطها .. فتاة مثل صفاء .. مثلي.

قال لي إن (هشام) خجول ومتحفظ .. ثم إنه يرفض كل فرص السفر للخارج التي أتيحت له، وحتى عندما قدمت له بعض المنح الدراسية فقد رفضها في إصرار.
-ـ«هل هو وطني لهذا الحد؟»
-ـ«ما من أحد وطني لهذا الحد .. إما أنه يهاب التجارب الجديدة، أو هو يكره ترك والدته وحيدة»

كنت أنا قد رسمت الصورة كاملة. فيلا في التجمع الخامس أو مدينة الشروق .. أطفالنا يلعبون في الحديقة. أمه نضعها في غرفة ما ونطعمها إلى أن تموت .. لن يطول الأمر ..
فقط هناك سؤال واحد…
هشام لديه سر في عينيه .. يومًا ما سأعرف هذا السر..

***************


كنت أنسج خيوط العنكبوت حول هشام في حذر، وأدنو منه وابتعد .. أتظاهر يومًا باللطف ثم تصير معاملتي متحفظة فاترة فلا يفهم السبب .. كان ينهار كسمكة تجذب شص صنارة ..

عرفت أنه انهار عندما كنت وحدي في غرفة التصوير أطبع بعض المستندات، هنا فوجئت به يقف خلفي . استدرت في شيء من الرعب المصطنع .. فرأيت وجهه محتقنًا والعرق يغمر جبينه .. وفجأة لم أدر كيف أمسك بكفي وانهالت قبلاته على أطراف أناملي، وهو يردد بلا توقف:
-ـ«أنا أحبك يا صفاء .. أحبك حقًا .. أحبك بجنون .. لا أقدر علي ……..»

كانت الكلمات تتدافع على لسانه وتذيب بعضها. هذا البائس سيصاب بنوبة قلبية فورًا ..مسكين .. بالطبع كان ردي فعلي متوقعًا ومبرمجًا:
-ـ«باشمهندس هشام. أرجوك! من تظنني؟»
كنت أسيطر على الموقف بالكامل .. هو خجول عديم الخبرة ولن يتمادى، لكن كل أنثى تعرف كيف تقنع الرجل أنه خطر مرعب وأنها ضحية .. هذا يروق لهؤلاء الحمقى جدًا .. كما توقعت تراجع وأخرج المنديل يجفف به عرقه.

وسيم حقًا بالقميص السماوي وربطة العنق الزرقاء والقلم يطل من جيب القميص، وكان في حال سيئة من الخجل والإحساس بأنه تمادى جدًا ..

هنا دخلت هدى الغرفة حاملة بعض الأوراق .. هدى زميلة عمل لعينة تشبه خنفسة السيكادا، وأنا أمقتها عامة ولا أطيق رائحة عطرها الكريهة، لكني شعرت بامتنان لها. نظرة الشك والحيرة التي بدت على وجهها كانت رائعة .. أنت افسدت سمعتي يا باشمهندس وعليك أن تعتذر لي بطريقة عملية. كأن تقابل أبي مثلا!

عند الظهر قدم لي الكثير من الاعتذار وقال مرارًا إنه فقد التحكم في نفسه .. قال إنني ساحرة جدًا ولم يخلق الرجل الذي …
-ـ«انتهى الموضوع لو سمحت!»
وغادرت المكان وأنا عازمة على أن أظهر الغضب والشعور بالإهانة لفترة. أنتم الرجال تعتقدون أن أي سكرتيرة تعمل معكم جارية متاحة في أي وقت. أما ما حدث بعد هذا من وفاة هدى المريعة فقصة أخرى ليس مجالها هنا!
يتبع ,,



اضغط هنا للبحث عن مواضيع حماده عماره

توقيع حماده عماره









التعديل الأخير تم بواسطة حماده عماره ; 25-08-2016 الساعة 02:13 AM
  #2  
قديم 25-08-2016, 02:04 AM
الصورة الرمزية حماده عماره
حماده عماره حماده عماره غير متواجد حالياً
عضو ماسى

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: مصر
النوع: ذكر
المشاركات: 1,696
نقاط التقييم : 789
افتراضي رد: هشام يخفى سرا .. قصة أحمد خالد توفيق .



(2)

كما توقعت .. السيارة تقترب .. تدنو مني .. تتحرك بنفس سرعتي. أنظر إلى السائق فأرى وجه هشام المحتقن. في كل مرة يحطم جدارًا من جدران خجله، ثم يندم جدًا بعدها. نظرت له بتلك النظرة التي صار يعرف معناها.

قلت له في حزم وقد شددت قامتي:
-ـ«باشمهندس هشام، واضح أنك تلقيت إشارات خطأ بصددي، أو لربما أنا ضحية وغد حاول تشويه سمعتي».
أخرج رأسه من النافذة الجانبية، وقال بنفس طريقة الصبي المذنب إياها:
-ـ«أنت من تسيئين فهمي .. لو سمحت لي بأن أوصلك فلسوف أحكي كل شيء في الطريق ..».
-ـ«أنت تعرف أن سيارتي في الشارع المجاور».

طبعًا تمنعت قليلاً، لو كنت تظن أنني من الفتيات اللاتي يركبن سيارة شاب لمجرد أنه طلب ذلك ثلاث مرات فأنت مخطئ .. لابد من أربع مرات.

فتحت الباب الجانبي مع المرة الرابعة، وجلست وشعرت بنعومة البطانة وبرد التكييف. سيارته أغلى من سيارتي بمئة ألف أو أكثر .. رائحة عطرية مدوخة جميلة.
-ـ«طلباتك؟».
قلتها في نفاد صبر، فارتبك أكثر .. ثم وجد أنه يجب أن يكون سريعًا حاسمًا لأنني نافدة الصبر كالإعصار .. أريد مقابلة أبيك. البيت المشترك .. حياتنا معًا .. كل شيء سيكون له طعم معك .. إلخ .. هكذا يردد بالضبط الكلمات التي أردت أن يقولها ..

حدث شيء غريب بينما هو يصغي لكلامي.. لقد تقلص وجهه في ألم وانثنى على نفسه لتصدم ذقنه إطار السيارة .. كان يعاني ألمًا مريعًا .. وراح يتحسس عظمة القص كأنه يحاول تحطيمها..
-ـ«هل .. هل أنت بخير؟».
مرت لحظات .. ثم راح يجفف العرق عن جبينه وبدأ لونه الشاحب يكتسي بلون الدم، ثم قال لاهثًا:
-ـ«لا شيء .. آلام المرارة .. يجب أن .. جراحة».

مرارة خلف عظمة القص؟ حتى أنا أعرف جيدًا أنها تحت حافة الضلوع اليمنى، وتسبب ألمًا في الكتف على نفس الجهة. هشام يخفي سرًا .. لا شك في هذا ..

في النهاية قلت له إنه يجب أن يدخل البيت من بابه، بينما هو يدور في الشوارع ليقودني إلى حيث تنتظر سيارتي .. ترجلت من السيارة فقط ليطلب مني رقم هاتف أبي. لقد نجحت .. أدرت محرك سيارتي وأنا أدرك أنني انتصرت. سوف تسكرني لذة الظفر هذه الليلة.

الموعد كان في بيتنا في الثامنة مساء الخميس .. اشترت ليلى الجاتوه السواريه، بينما اشترت مي المياه الغازية، واشترت سامية المانجو الذي سيقدم كعصير .. أبي ارتدى بذلته الرمادية وارتدت أمي ثوبها الأسود الأنيق، وعطرت رائحة الشقة، وقمنا بتمشيط فراء القط ..

هكذا جاء هشام مع أمه.. وكان وسيمًا كالعادة. أدركت بسهولة أن أمه سوف تموت بسرعة .. هذا التنفس اللاهث واحتقان الأوردة. سوف ترحل بسرعة وتترك جوهرتها لي .. شكرًا لك يا (حاجّة) .. سوف أتولى القيادة من هنا ..يمكنك أن تستريحي في فراشك أو في القبر لا مشكلة ..

في منتصف الجلسة تقلص وجه هشام، وبدا عليه ألم شديد .. توترت الأم بدورها وسألته همسًا عن شيء ما فهز رأسه .. ثم طلب أن نسمح له بدخول الحمام. كان هذا طلبًا عسيرًا لأن أمي نسقت ديكورات المكان كما يحدث في المسرح .. خشبة المسرح أنيقة معدة بعناية بينما الكواليس قذرة مليئة بالخيش والغبار والفئران. قال هشام وهو يضغط على أسنانه:
-ـ«معذرة .. آلام مرارة .. ».

نهضت أمي مسرعة ومعها ليلى .. المطلوب عملية تنظيف سريعة للحمام والممر المؤدي له. ثم تعود بوجه ممتقع لتسمح له بالذهاب للحمام.

صوت السيفون .. صوت المياه في حوض الوجه .. عندما عاد كان شاحبًا لكنه في حالة أفضل ..
قلت لنفسي إن حساسيته شديدة لذا تقلصت أمعاؤه وكان لا بد أن يدخل الحمام. هذه تجربة غير مسبوقة بالنسبة له. لقد كان نصري كاملاً وقبل كل شروط أبي .. حتى أن أمي راحت تنظر لي بنظرة خفية معناها (ماذا – فعلت – لتسحريه – يا شيطانة -؟).
أنا سأتزوج خلال أشهر. سأفوز بأوسم وأغنى مهندس في المكتب .. شكرًا لك يا أم هشام على هديتك..

***************


يجب أن أحكي لك قصة وفاة هدى ..
أنا لا أحب هدى ولا أطيقها .. رائحة عطرها تخنقني، ولها ملامح غريبة لا تطيق النظر لها. تقيم هدى في شقة رخيصة مع أمها وأخيها .. وهي غير متزوجة. لا يوجد أحمق يتزوج هذه على الأرجح.

قالت التحقيقات فيما بعد إنها تناولت عشاءها مع الأسرة، ثم أعلنت أنها ستأخذ حمامًا قبل النوم. قالت أمها إن هذا سوف يؤذيها .. لا أحد يستحم بعد الطعام مباشرة، والحقيقة أنها كانت دقيقة جدًا .. لم تتصور أن يصل الأذى إلى درجة أن تموت ابنتها..

هنا لغز لا بأس به .. الفتاة دخلت الحمام في العاشرة مساء، والحمام مغلق .. ولا توجد به سوى نافذة صغيرة أقرب لفتحة تهوية؛ أي أنه لو أراد طفل في السادسة أن يجتازها فلسوف يفشل. لا يوجد سخان يعمل بالغاز ليكرر سيناريو التسرب إياه.. لا يوجد تفسير ..

بعد ساعة تأخرت أكثر من اللازم وكان أخوها بحاجة إلى دخول الحمام فراح يدق الباب.. لا يوجد صوت دوش. تبادل نظرة قلقة مع الأم. ثم بعد لحظات لوى المقبض بعنف وهو يضرب الباب بكتفه.

كانت هناك على الأرض ثانية ركبتيها، وقد أراحت رأسها على حافة المغطس، وكان ينزف بغزارة. كانت بثيابها .. ، وقد أدرك من النظرة الأولى أنه لم تعد ثمة جدوى .. لقد فرغت الحياة منها.

عندما جاء رجال الشرطة قاموا بفحص الحمام، ولم يكن هناك شيء غريب سوى أن النافذة الصغيرة مفتوحة، وهذا شيء غريب بالنسبة لفتاة تنوي الاستحمام، لكن النافذة لا تسمح بمرور شيء خطر.

بعد تفكير استقر الرأي على أن الفتاة انزلقت فاصطدم رأسها بحافة المغطس .. هذا سيناريو شهير جدًا خاصة مع المسنين.

يذكر الأخ أن عنق الفتاة مهشم .. لا يعرف تفسير ذلك. لقد سقطت على جبهتها لكن ما دور عنقها في هذه القصة؟

هكذا عرفنا الخبر، وكان من الصعب علي أن أصدق أن هذه هي هدى التي اقتحمت علي خلوتي مع هشام منذ يومين. اعتدنا أن نحسب الأشخاص الذين نكرههم أبديين لا يزولون أبدًا. غياب أحدهم خبر سار لكنه نادر الحدوث.

لماذا أحكي قصة وفاة هدى؟
لأنها شبيهة بقصة وفاة صفوت الأمير. صفوت مالك أرض في مجتمع عمراني جديد، وقد كلف مكتبنا بعمل رسم هندسي لفيلا يريد بناءها هناك .. صفوت يبدو كالملاك الأثرياء بشكل كاريكاتوري، بدين .. كرش عملاق .. رضا واعتداد بالنفس .. عوينات سوداء .. فظاظة عند اللزوم ..

لقد طرأ خلاف عنيف بينه وبين هشام، ودخل إلى مدير المكتب وتشاجر واتهمنا بأننا لا نفقه شيئًا ، وأن عليه أن يجد مكتبًا محترمًا .. ورفض أن يشرب القهوة التي قدمها له المدير، وشتم المهندس الأحمق (هشام) وطلب أن يطرده المدير لو كان يريد الاحتفاظ بالعملاء حقًا، وقد اشتطت غضبًا لدرجة أنني فكرت في انتزاع قلبه بأظفاري .. لا تشتم زوجي القادم يا بن الـ

…….

غادر المكان وهو يطلق السباب. أما ما حدث بعد هذا فأنت تعرفه .. الجثة الممزقة في المصعد والرعب على الوجه و.. ماذا؟ هل علي أن أحكي هذه التفاصيل أيضًا؟
يتبع ,,



التعديل الأخير تم بواسطة حماده عماره ; 25-08-2016 الساعة 02:21 AM
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 25-08-2016, 02:04 AM
الصورة الرمزية حماده عماره
حماده عماره حماده عماره غير متواجد حالياً
عضو ماسى

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: مصر
النوع: ذكر
المشاركات: 1,696
نقاط التقييم : 789
افتراضي رد: هشام يخفى سرا .. قصة أحمد خالد توفيق .



.......(3).......



ليكن .. سأحكي لك، لكن أرجوك سأكون مختصرة جدًا لأن هذه التفاصيل مملة. موضوعنا الوحيد اليوم هو أنا، وهذه الأمور الفرعية تضعف الحبكة بلا شك.


حدث هذا بعد يوم من تلك المشادة. لقد عاد صفوت الأمير لمكتبنا ليزيد من متاعب هشام .


لنقل إن المصعد توقف بين دورين في البناية التي يوجد فيها مكتبنا الهندسي، وقد استعانوا برجل الأمن والحارس اللذين استطاعا إعادة المصعد إلى الحياة.



عندما انفتح المصعد في الطابق الثالث رأى الواقفون مشهدًا جللًا. كان صفوت الأمير راقدًا على أرضية المصعد وقد تمزق عنقه وسالت حوله بحيرة من دم لم يتجلط بعد. الرعب على الوجه. تراه في الفم الصارخ والعينين الجاحظتين .. لا تحتاج إلى طبيب كي يخبرك أن هذا الرجل لن يتنفس ثانية.


عندما نزلنا على الضجيج إلى الطابق الثالث، كانت هناك محفة كئيبة الشكل، وعدد من الرجال الضخام الذين يدخنون بكثافة، ويمكنك أن تميز وكيل نيابة وضابطًا.


دنوت من رجل أمن وسألته عما حدث، فقال لي أن هناك جثة .. جثة ممزقة، ولا توجد طريقة لدخول المصعد . هناك فتحة تهوية في السقف لكنها صغيرة جدًا ..

إذن كيف حدث ما حدث؟ لا أحد يعرف. إن فهم الطريقة التي يمكن أن يتمزق بها رجل داخل مصعد تلقائيًا هو أمر يتجاوز ذكائي. لكن منذ متى يمكننا حل ألغاز الكون كلها؟

فقط نظرت إلى المحفة وهي تبتعد، وخطر لي أن (هشام) محظوظ بالتأكيد .. الخلاص من شخص كهذا أمر يبعث البهجة في النفس .. وفي عصبية طوحت يدي في الهواء محاولة طرد كل دخان التبغ المحيط بي. لسبب ما يعتقد الرجال أن دخان التبغ والجدية مترادفان.


وفيما بعد عندما عدت إلى مكتبي رأيت (هشام) يخرج من مكتبه ويبدو أنه لم يسمع هذه الضوضاء، فرفع حاجبيه متسائلًا:
ـ-«هل ثمة خطب ما؟»
قلت في لا مبالاة:
-ـ«لا شيء.. أحدهم نال جزاءه لا أكثر»
هز أسه في غباء وعاد لمكتبه. لا تضيع وقتك ولا انتباهك يا عزيزي. أريد أن تركز في زيجتنا القادمة ..

***************

الرومانسية .. ما أروعها!
لذا كانت تروق لي أشياء بسيطة جدًا ..
وجدت زهرة على وسادتي أمس .. زهرة حمراء جميلة. لحسن الحظ لم ترها أي واحدة من الخبيثات ليلى ومي وسامية. كانت عطرة الرائحة بحق، وقد تساءلت عن كيفية وصولها لوسادتي .. لا أعرف.



هشام كان عندنا اليوم وتناول الغداء، فهل وجد لديه من الشجاعة ما يسمح له بأن يتسلل لمخدعي ليضع الزهرة؟ وكيف خمن وسادتي؟ الاحتمال الأقرب هو أنه متآمر مع واحدة من الخبيثات الثلاث .. كما كانت تفعل القهرمانات في مضاجع الأميرات.


منذ يومين وجدت في حقيبتي صفحة ممزقة من ديوان شعري رقيق. أعتقد أنه ديوان كامل الشناوي لأني ميزت بعض المقاطع الغنائية. كيف استطاع هشام أن يصل لحقيبتي؟ سر آخر ..


عندما أسأله في خبث ينظر لي بعينيه الصافيتين الساحرتين، وفيهما عدم فهم صادق . أعرف هذه النظرة الخائفة وأحبها كثيرًا.


كان ينكر بصدق .. فأقرر أن أسكت في النهاية، وأقول لنفسي إن (هشام) يخفي سرًا بالتأكيد ..
الأمور تمضي في سلاسة ونعومة نحو يوم الزواج، لذا توقعت مشكلة ما .. هذا شيء حتمي ..
جاء الشيء الحتمي في ذلك اليوم الذي عدنا فيه إلى البيت في ساعة متأخرة، وكنت أتأبط ذراعه وضحكاتي تدوي على الدرج كصهيل الخيل .. كانت سهرة رائعة بالفعل..

انفتح باب الشقة لأرى أبي وأمي يقفان في الصالة، ونظراتهما تكفي لقتل فيل. كان وجه أبي محتقنًا وأمي تنظر له في قلق. ثم دارت المحادثة المعهودة التي يعرفها كل من يدمن التمثيليات العربية.
هل تعرفين كم الساعة يا ست هانم؟ لكنه خطيبي يا بابا . خطيبك لا يعني أنكما متزوجان. لكننا لم .. قولي هذا للجيران الذين يرونكما كل يوم في ساعة كهذه .. عمّي… أنا … أنا أمنعك من الخروج معها إلى أن تنتهي إعدادات الشقة ونكتب الكتاب .. بابا أنا لست صغيرة.. بل أنت طفلة وبوسعي أن أهشم رأسك.. دعني أر كيف ستهشم رأسي؟.. هكذا ..
عمي .. هل تهوي على وجهها بالشبشب أمامي؟ أنا لن أسمح! وبأي حق تسمح أو لا تسمح؟ هذه ابنتي .. اخرج حالًا … بكاء .. صراخ .. هستيريا .. الباب ينغلق .. وجوه أخواتي الممتقعة ..
فريد!.. أنت أهنته إهانة بالغة ولن يعود.. فليذهب في ستين داهية إلى حيث ألقت .. ابن الـ .. يتصرف كأنها زوجته وفي عصمته .. سوف أعرف كيف أبرهن لكم على أنني رجل البيت .. إلخ ..

بصراحة كنت في حالة بالغة من الاشمئزاز والقرف. كل هذا مبتذل وسوقي جدًا. لقد غادر هشام الشقة مغضبًا .. يمكنني أن أرى وجهه الأحمر المحتقن – ولربما دمعة متجمدة في عينيه – وهو يركض هابطًا في الدرج ..

أنت أفسدت كل شيء يا أبي .. ليس هذا أنسب وقت للعب ألعاب الأب الحازم هذه ..
سوف تضيع عليّ أفضل عريس يمكن أن يتاح لي خلال خمسة أعوام وفي دائرة نصف قطرها خمسون كيلومترًا ..


هرعت لحجرتي وركلت حذائي وأنا أسب وألعن، لماذا لا يطبقون نظام أفلاطون أو حلم الدول الشيوعية: أن تأخذ الدولة الأطفال وتربيهم فلا يعرفون لهم أهلًا؟
كادت أختي سامية تقول شيئًا فنهرتها في عصبية، وارتميت على الوسادة ورحت في نوم عميق.


فقط صحوت في الثالثة صباحًا على صوت الصراخ. هرعت واثبة ومعي الفتيات الثلاث نحو غرفة أبي حيث كان الصراخ. كان هناك على الفراش نائمًا على ظهره، وقد ازرق لونه تمامًا .. وكانت عيناه شاخصتين، بينما أمي تولول وتلطم خديها .. يبدو أنها نامت ثم نهضت لبعض حاجتها فرأت المشهد ..


لقد مات وهي نائمة، ولربما وهو نائم كذلك ..
لم يكن أبي مريضًا بالقلب . لم يكن مريضًا بأي شيء.. سمعت أمي تصيح في غل:
-ـ«أنت قتلته بقلة أدبك! لم يتحمل المشادة!»
لربما كان هذا صحيحًا، لكني كذلك أرى الكدمات على أنفه وحول فمه .. وأرى الوسادة الساقطة جواره. لست طبيبة شرعية، لكن هناك من خنق أبي بوسادة كتم بها أنفاسه .. لا شك في هذا ..
من فعلها وكيف؟

ثم جال خاطر آخر في ذهني: لماذا يموت كل من يضايقني أو يستفزني؟ هناك لعنة ما تحيط بي .. لقد صرت شبه واثقة من ذلك!
يتبع ,,



التعديل الأخير تم بواسطة حماده عماره ; 31-08-2016 الساعة 01:01 AM
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 25-08-2016, 02:04 AM
الصورة الرمزية حماده عماره
حماده عماره حماده عماره غير متواجد حالياً
عضو ماسى

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: مصر
النوع: ذكر
المشاركات: 1,696
نقاط التقييم : 789
افتراضي رد: هشام يخفى سرا .. قصة أحمد خالد توفيق .



....(4)....

هكذا ابتعد حلم الزواج جدًا.

هناك فترة حداد ينبغي أن تمر، وهناك ليالٍ كئيبة وتلفزيون لا يفُتح وثياب سود … إلخ. نحن أسرة مصرية ويجب أن نحزن جدًا. قبل موت فرد من الأسرة يكون البيت كفتاة عذراء نضرة، ثم يأتي الموت فتفقد الفتاة عذريتها ويتجعد وجهها بالخبرة المروعة للأبد.

كان عليّ كذلك أن أعتاد نظرة الاتهام من أمي وأخواتي باعتباري (قتلت الرجل)، وهو اتهام لست على استعداد للنظر له بأي جدية.. كل واحد منا يحمل في خلاياه تاريخ الإعدام وطريقته، وليس ذنبي أن كانت ساعة إعدام أبي هي لدى عودتي من الخارج مع هشام. لم يكن الاستفزاز قويًا لدرجة القتل، بل إن من أهين بشراسة هو أنا..

لم تكن تلك هي المشكلة..

كانت المشكلة هي خوفي وتوجسي من نفسي. الأمر قد تجاوز عشوائية الحظ.. لا يمكن أن يوجد كل هذا القدر من المصادفات في مكان واحد. سمعت عن أشخاص لهم نظرة قادرة على فلق الحجر، ورأيت التأثير العجيب للحسد، لكني لم أر قط من يكرهك لدرجة أن تموت.. لهذا وُلد تعبير (لو أن النظرات تقتل) على نفس وزن (لو أن الأفيال تطير)، لأن النظرات ببساطة لا تقتل. دعك من أنني لم أكره أبي قط.. الخلاف والاحتداد لا يعنيان الكراهية… ولا شك أن موقفي وحياتي من دونه صارا أعقد وأكثر كآبة.

جربت نفسي في مشادات أخرى.. وتشاجرت مرتين مع زميلة عمل ومع المدير، ودخلت في مشادة عنيفة مع شقيقتي ليلى.. أزعم أنني بالغت في استفزاز نفسي وإقناعها بأنني أكره خصمي، وهذا كي أوصل الاختبار إلى ذروته القصوى، وفي كل مرة كنت أكتشف ان موهبتي ليست حاضرة..

لم يحدث شيء لهن لحسن الحظ.. وهكذا كان علي أن أكون نظرية خاصة هي أنني أؤذي من يؤذي (هشام) على الأرجح.. هذه موهبة من نوع خاص بالتأكيد، وإن كنت لست فخورًا بامتلاكها إن كانت هي سبب وفاة أبي.

أما عن هشام فقد كان يتعامل بدرجة بالغة من الندم والشعور بالذنب. يوشك على أن يرتمي باكيًا ويصرخ:

-ـ«أنا قتلت ذلك الرجل الطيب.. اشنقوني».

وتوقعت أن يكون أحمق إلى الدرجة التي أخشاها: «صفاء.. لا أستطيع الارتباط بك لأن جثة أبيك ستظل بيننا للأبد.. لن أنسى ما حييت أننا كنا السبب في وفاته.. الوداع»

كنت أتأهب لهذه العبارة، وأتأهب لرد منطقي مقنع، فإن لم يقتنع تأهبت لأن أنفجر فيه – ابن الـ…. – وأغرقه بالشتائم. لكنه لم يقلها لحسن حظه.

فقط كان متحفظًا وبالطبع كفّ عن زيارة دارنا. كل لقاءاتنا كانت تتم خارج البيت.. كأنه لا يريد لأمي أن تستقبل قاتل زوجها والذي يتّم بناتها.

الحقيقة أنه كان يعرف كيف يتصرف.. لا أعرف الطريقة السحرية التي ظل يضع بها القصائد في درج مكتبي، أو يضع زهرة حمراء على تابلوه سيارتي.. سيارتي التي تقف أمام المكتب ومغلقة بإحكام. كيف استطاع هذا الشيطان أن يفتحها ليضع الزهرة فيها ثم يغلقها ثانية؟

كنت أسأله عن الحيلة التي لجأ لها فيبتسم في رقة ويرفض التفسير..

المرأة العاشقة تتصرف ببلاهة أحيانًا، أو هي تختار أن تتصرف ببلاهة لأن هذا يروق لها.. لكن التفسير الجاهز الذي يريحني كان دومًا: «هشام يخفي سرًا». وهو سر غامض يمنحه سحرًا وهاجًا..

قدرت أن أمامنا نحو عام ثم نواصل خطة الزواج السابقة.. لن أخشى أن يفر أو تخطفه أخرى، فأنا أحكم لف خيوطي حوله. أشد بعضها وأرخي بعضها كأفضل لاعب ماريونيت في العالم. لا خبرة لي في هذه الأمور لكني وجدت أنني أجيدها ببراعة. لا شك أننا نحن النسوة نولد بموهبة فطرية شبيهة بموهبة القطط في صيد الفئران.

لكن الأمور لم تكن لتسير بهذه البساطة كما تعرف يا كمال.. قلت لي إن اسمك كمال أليس كذلك؟ لم تقله؟ لا يهم. سأعتبرك (كمال) إلى أن أنهي قصتي..

***************

توفي نائب المدير. المهندس (ثروت). عرفت هذا عندما ذهبت للعمل بعد إجازة ثلاثة أيام، ولم اتصل بهشام في غضونها. كان (ثروت) رجلًا سمجًا ثقيل الظل، لكني لم أكرهه لدرجة أن أتمنى موته.. طراز الرجل الذي يعتقد أنه فاتن، وأن كل أنثى تخدع نفسها عندما تتظاهر بأنها لا تهيم به حبًا. توفي في ميتة من تلك الميتات الغريبة التي بدأت تتكرر مؤخرًا.. لدينا مطبخ صغير في المكتب، وقد دخله ليعد لنفسه بعض الإسبريسو، فهو مصر على أن أحدًا لا يجيد صنعه كما يريد. بعد ربع ساعة دخل العامل المطبخ ليجد جثة ثروت.. لقد صار هذا مملًا بالفعل. لم تعد هذه شركة بل هي أقرب لغرفة إعدام.

لا داعي لقول إنه لا توجد آثار عنف أو أي سبب واضح للموت. كالعادة يقولون إنها نوبة قلبية ويكتب الأذكياء عبارة (هبوط حاد في الدورة الدموية والتنفسية)، وهو تعبير سخيف لا يقول أي شيء. بالضبط كأنك تقول إن سبب الوفاة هو مجئ الأجل. كلام صحيح لكن لا قيمة له.

روضينا سكرتيرة شابة رقيقة تعمل معنا، وكنت أرتاح لها لكني كنت أشعر بالكثير من التحذلق في إصرارها على أن تكتب اسمها بهذه الطريقة.. تمسك بقلمك وتعدل اسمها وتنطقه بصوت عال، بينما الكل يصر على كتابته ردينا أو ردينة.. قالت لي روضينا وهي ترتجف:

-ـ«سبحان الله. قبلها بيوم بعد مشادته مع المهندس هشام، قلت لنفسي إن قلبه سينفجر!»

هنا نظرت لها متحفزة:

-ـ«هل تشاجر مع هشام؟»

-ـ«كان الصياح يصل للطابق السفلي… لم أسمع المهندس هشام يطلق هذا الكم من الشتائم من قبل»

رحت أراقب الجسد المسجى الذي يحملونه على محفة. لقد بدأ عهد الرعب في الشركة.. هدى وثروت.. ثم ذلك الزبون الوقح صفوت.. لم يعد الأمر صدفة. ترى كم من الوقت يجب أن يمر قبل أن يقرر مدير الشركة فضها؟ فليذهبوا للجحيم.. المهم أن يكون هشام معي..

بالمناسبة… يمكن القول إن هذه الحادثة فارقة. هذا رجل مات دون أن يغضبني ودون أن أعرف أنه يغضب (هشام)…

ابتلعت ريقي في رعب… بالفعل هشام يخفي سرًا..

يمكن تعديل النظرية قليلًا لتكون: كل من يضايق (هشام) يموت.. هدى.. صفوت.. أبي.. ثروت..

أليس هذا صحيحًا؟

هناك تعبير شعبي يقول: (اللي ييجي على فلان ما يكسبش)، ويبدو أنه ينطبق هنا حرفيًا. كل من ضايق هشام مات ميتة مرعبة…

لكن هل يمكن لهذا الهراء أن يغير مستقبلي؟ هل لهذه المصادفات الغريبة أن تجعلني أغير مسار خططي؟ بالطبع لا وإلا لكنت أحمق الحمقى..

عندما عدت للبيت كنت غارقة في أفكاري السوداء هذه…

كان الوقت مساء، فتناولت العشاء الذي تركته لي أمي في المطبخ.. كانت الفتيات الثلاث جالسات مع أمي يشاهدن التلفزيون الذي تم إطلاق سراحه مؤخرًا، بعد ما رأت أمي أنها عبرت عن حزنها لفترة كافية..

-ـ«مساء الخير..»

قلتها ودخلت غرفة نومي..

هنا تصلبت عند الفراش.. الأمر صار غريبًا بالفعل وأقرب للخطر..

هشام لم يزرنا منذ وفاة أبي. إذن من أين جاءت قطعة الشيكولاته الملفوفة بشريط مخملي أحمر هذه؟ ومن وضعها على الوسادة؟ ربما تم هذا بالاتفاق مع واحدة من أخواتي، لكني كنت أملك يقينًا غامضًا في عظامي أن هذا لم يحدث…

يتبع ..



التعديل الأخير تم بواسطة حماده عماره ; 15-09-2016 الساعة 03:00 AM
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 25-08-2016, 02:05 AM
الصورة الرمزية حماده عماره
حماده عماره حماده عماره غير متواجد حالياً
عضو ماسى

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: مصر
النوع: ذكر
المشاركات: 1,696
نقاط التقييم : 789
افتراضي رد: هشام يخفى سرا .. قصة أحمد خالد توفيق .



....(5)....

هشام يخفي سرًا ..

أعرف هذا وقد بدأت أتوتر فعلًا. خواطر كابوسية جابت ذهني مرارًا .. رأيته ساحرًا شريرًا يقدر على الوصول لمخدعي .. لوسادتي .. رأيته يحرق دُمى مسحورة تحوي شعيرات من رؤوس أعدائه ..

سألته أكثر من مرة عن الحيل التي يضع بها أشياء عندي، فراوغ في الإجابة .. كان يحيل أي كلام مزاحًا. الحقيقة أنه لا تفسير هنالك سوى أنه استعان بأخواتي، وبرغم هذا لدي يقين داخلي مبهم أن هذا لم يحدث ..


لقد أجريت تجربة صغيرة .. ناديت الثلاث فتيات؛ ليلى وسامية ومي إلى غرفتي، ثم عرضت عليهن قطعة الشيكولاته، وأمسكت بالمصحف وطلبت من كل واحدة منهن أن تقسم على أنها لم تضع هذه الحلوى بناء على طلب من هشام. الفكرة أنهن أقسمن .. جميعًا أقسمن .. أعرف أنهن لن يكذبن لدرجة القسم على مصحف. هشام بالفعل يملك القدرة على الوصول لأي مكان في حياتي.


لكن لن أرتكب خطأ عمري ..

لن أتركه لمجرد شكوك غامضة تتعلق به ..

أذكر ذلك اليوم الذي اصطحبني فيه إلى نادٍ ليلي هادئ، حيث الظلال والأضواء الخافتة تحرك الخيال .. موسيقى خافتة سمعتها في مكان ما، وذكرى عن مستقبل لم أعشه قط لكنه ذكرى! لا أعرف كيف أصف لك هذا الشعور العجيب ..


كنت متأهبة عاطفيًا .. كنت أرضًا خصبة تنتظر البذرة التي سيزرعها فيها بكلماته. سوف أنبت وأورق .. سوف أصير غابة تغطي الكون …

لكن كلماته كانت غريبة بعض الشيء:
-ـ«صفاء .. أشعر أنك لن تجدي راحة معي. صدقيني . قرار زواجنا قرار خطر .. ليس بهذه البساطة ..»
نظرت له في شراسة:
-ـ«ما الذي تحاول قوله بالضبط؟ هل جاء وقت التنصل؟»
-ـ«بالعكس .. لقد ازددت جدية .. وأريد أن أكون صريحًا معك.»
-ـ«إذن فلتصر صريحًا معي .. لقد حان الوقت.»

أعرف أنك تخفي سرًا يا هشام .. ويبدو أن الوقت قد حان .. البوابة توشك على أن تنفتح … يقول وهو يتحاشى عيني ويقلب الشفاط في كوب العصير:

-ـ«أنا أهيم بك حبًا .. لا أستطيع التخلي عنك .. وهذا التعلق يجعلني أتصرف من دون حكمة. يجعلني أتخلى عن حياة العزوبة التي اخترتها لنفسي. لنقل إنني أغير خطة حياتي بالكامل …»

كلام يجمع بين التشجيع والتخويف. أنا مسيطرة أمسك بكل الخيوط كما أعرف عن نفسي، لكنه يلوم نفسه على أنني أقوده للمصيدة .. ما السبب؟ خطرت لي أفكار سوداء تتعلق برجولته .. لربما ارتباطه بأمه زائد ومرضي حتى أنه يشعر بأنه يخذلها لو تزوج أخرى .. لا أدري .. هناك رائحة مريبة في هذا كله. لهذا يقول الغربيون (أنا أشم فأرًا).. أنا أشم فيلًا …


لم يعطِ تفاصيل أكثر .. فقط قال:

-ـ«سوف تكونين معي في السراء والضراء ومهما عرفت عني؟»
قلت في حذر:
-ـ«في كل شيء ما عدا أن تكون مصابًا بالجذام أو الدرن، أو تكون لصًا أو تكون لك عادات غير أخلاقية معينة لا أفهمها ..»

هنا بدا الألم على وجهه. هذا التقلص الذي رأيته عدة مرات، ويقول إنها المرارة كل مرة. توقف تنفسه وغطى العرق جبهته .. ثم مرت النوبة فجفف عرقه. أنا بخير لا تقلقي .. ومن قال إنني قلقة؟ لقد عشت هذا السيناريو مرارًا .. وفي كل مرة لا خطر ولا تفسير. عاد يواصل التعليق على ما قلته:

-ـ«ليس الأمر كذلك .. اطمئني ..»
ثم رفع يده طالبًا الحساب .. ولم يسألني إن كنت راغبة في البقاء أكثر. وسرعان ما كنا ننطلق بسيارته عائدين لبيتي.
وفي هذه المرة صعد معي في الدرج وقابل أمي، وقال لها إن الوقت قد حان .. لقد صار زواجنا واجبًا ملحًا .. ولم تعترض أمي كثيرًا. أنا قد انتصرت لكنه انتصار غريب المذاق .. ترى لماذا لا تتوهج النجوم وتحلق الملائكة في أجواز السماء، ولماذا لا تلاحق الغزلان الفراشات؟ ربما لأن ذكرى وفاة أبي لم تطل عن عام، وربما لأن …..


هكذا تم الزفاف يا كمال .. قلنا إن اسمك كمال أليس كذلك؟

المكان الذي اختاره لنا هو فيلا صغيرة من طابقين في أكتوبر، كان قد ابتناها على مدى عدة أعوام منذ عمل في الشركة. هي على أطراف المدينة. يمكن القول إنها شبيهة بما كنت أحلم به، وبالفعل جاء بأمه.
سافرنا لمدة خمسة أيام إلى الغردقة. وقد كانت أيامًا لا بأس بها، لكن تساؤلاتي بدأت تزداد.

كان هشام في الليلة الأولى متحفظًا .. خجولًا. وقد اندهشت لأن تحفظه جعله لا يبدل ثيابه أمامي أبدًا. هو دائمًا بثياب الخروج أو المنامة. عندما دعوته للاستحمام في حمام السباحة قال إنه يكره الماء بسبب خبرة طفولية سيئة. هكذا هو من الطراز الذي يلبس الشورت والتي شيرت ويجلس على حافة حمام السباحة يشرب العصير. لا يبلل قدميه أبدًا.

عندما عدنا بعد أسبوع العسل هذا بدأت أكون انطباعي..

أمه لم تكن باللطف والرقة اللذين تكونا كانطباع عندي. هي مسيطرة وأعتقد أنه يخشاها فعلًا. صحتها مضعضعة فعلًا وتتنفس بصعوبة بالغة، لكن شخصيتها بكامل لياقتها ويمكن لشخصية كهذه أن تمارس رياضة العدو أو رفع الأثقال. وكانت تعاملني بتحفظ مهذب. التحفظ الذي سيصير عدوانية واضحة عند أول بادرة. هي إذن من طراز الأمهات اللاتي يتصارعن على ذكر القبيلة .. أنت ستأخذين ذكر قبيلتنا .. إذن فالموت لك ..


الأمر الثاني هو أن الأم كانت تفضل الاعتكاف في غرفتها. وفي معظم الأحوال كان هشام يحمل لها الطعام هناك. هناك طاهية وخادمة تترددان على البيت بضع ساعات يوميًا .. الأولى تعد لنا طعام الغداء والأخرى تنظف غبار اليوم السابق وتفرش الأسرة..


مرت أيام أخرى، وجاء اليوم الذي ذهبنا فيه معًا للشركة بسيارته كما تمنيت .. وهناك كان الجميع يعاملونني باعتباري الخبيثة التي فازت بقصب السبق. الأبرع والأقدر والأجمل. لا شك أنني شعرت بغرور شديد، لكني في الوقت ذاته لم أكن مستريحة .. سعادتي غير كاملة ..


روضينا قالت لي الشيء ذاته .. قالت إنني شاحبة غير سعيدة. لا يتدفق ماء الهناء والحياة من وجنتي كأي عروس جديدة هانئة. قلت لها شيئًا عن نفسي المريضة التي تنال التفاحة ثم تتساءل عن جدوى هذا ولا تجدها حمراء بما يكفي ..


في حالتي لم تكن هذه هي المشكلة .. كانت المشكلة هي أنني لست موقنة أن ما في يدي تفاحة. ربما هي شيء آخر؟


سوف أحكي لك كذلك قصة القط الممزق في الحديقة .. إنها مهمة لقصتنا ..

هل تريد معرفة القصة؟ إذن دعني أخبرك أنني وجدت قطًا ممزقًا في الحديقة .. انتهت القصة. ممتعة أليس كذلك؟ حدث هذا يوم الخميس .. كنت أتفقد الأزهار عندما وجدت هذه الجثة المهلهلة .. هذا ليس قطًا ميتًا بل هو قط ممزق. هل هناك ذئاب تتسلل لهنا؟ عندما سألت (هشام) شحب وجهه وبدا عليه الذعر.. ثم قال لي بصوت مبحوح:
-ـ«لن يحدث هذا ثانية»
ما معنى هذا؟ ما الذي لن يحدث ثانية؟

أنت تعرف يا كمال – هذا اسمك أليس كذلك؟ – أنني قررت أن أعرف أين أنا بالضبط. يجب أن أقوم بتفتيش البيت جيدًا .. ربما كان علي كذلك أن أضع كاميرا لاسلكية في الحمام لهشام. هذا تصرف غير أخلاقي لكن للضرورة أحكامًا. هناك لغز في جسده لا يريد أن يراه أحد .. فما هو؟

إن قصتي توشك على الانتهاء يا كمال فلا تتململ .. أعرف أنني أطلت عليك ..
يُتبع ..






التعديل الأخير تم بواسطة حماده عماره ; 15-09-2016 الساعة 03:06 AM
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 25-08-2016, 02:05 AM
الصورة الرمزية حماده عماره
حماده عماره حماده عماره غير متواجد حالياً
عضو ماسى

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: مصر
النوع: ذكر
المشاركات: 1,696
نقاط التقييم : 789
افتراضي رد: هشام يخفى سرا .. قصة أحمد خالد توفيق .



...(6) سادسة و أخيرة

في غرفتي رحت أفرغ الفيلم .. الفيلم الذي سجلته كاميرا الحمام. على شاشة اللاب توب رحت أراقب الصورة المأخوذة من مكان مرتفع قليلًا حيث داريت الكاميرا وراء ستار الحمام.

لم أسمع عن امرأة تتلصص على رجل يخلع ثيابه من قبل، لكني لم أسمع كذلك عن رجل حريص على ألا ترى زوجته جسده أبدًا. حتى وهو نائم يتدثر جيدًا بالملاءة، فلا أستطيع معرفة ما هنالك.

كان ينزع قميصه .. ثم فانلته الداخلية .. هنا فهمت جزءًا من السر .. إنه يلف رباطًا من الشاش العريض حول أسفل صدره ويلتف حتى يغطي البطن كله. لكنه لن يستحم بهذا الرباط .. راح يفكه في حرص .. لقد ألصق أطرافه باللاصق العريض.
الرؤية بعيدة جدًا لكن يمكنني تثبيت الكادر .. يمكنني أن أقربه قليلًا لأدرك أن هناك تشوهًا أسفل الضلوع … كأن هناك حفرة عميقة تمت خياطتها، والتئام الجرح غير كامل يذكرك بحرق تم ترقيعه بلا نجاح ..هذه أقبح ندبة رأيتها في حياته. هشام يخفي سرًا .. وهذا السر هو أنه مريض جدًا أو أجرى جراحة مرعبة في وقت قريب ..

متى كان هذا الوقت؟ لقد تغيب فترة طويلة عن العمل في بداية عملي بالشركة، هل كانت تلك هي الفترة؟

خليط مبهم من الإشفاق عليه والاشمئزاز منه والارتياح لأن هذا هو سره الوحيد. عليه أن يخبرني بالأمر وعليه أن يرى إن كنت سأحبه أم لا ..
-«سوف تكونين معي في السراء والضراء ومهما عرفت عني؟»


هكذا سألني قبل الزواج .. وقلت له وقتها إن شرطي الوحيد هو ألا يكون مصابًا بمرض عضال. هل آلمه هذا؟ ألهذا تقلص وجهه؟


كنت جالسة أمام المرآة أصفف شعري عندما ظهر عند باب الغرفة .. كان يرتدي الروب ويتأهب للنوم. كلمت صورته في المرآة قائلة:
-ـ«هشام ..أنا أعرف موضوع الجرح تحت ضلوعك .. ومندهشة لأنك لم تخبرني به»
توقف للحظة وبدا كأنه لم يسمع .. رفع حاجبيه للحظة، ثم نزع الروب واندس في الفراش ولم يقل شيئًا …
ظللت أنظر له في صمت وأنا أواصل تصفيف شعري، وبعد لحظات اندسست جواره في الفراش وأطفأت النور ..


تنفسه منتظم .. هل ضميره نقي لهذا الحد؟ لماذا فضل تجاهل المعركة؟


إي إي إي إي إي إي إي إي إي !
في الظلام …..
هل هناك قط حبيس في الفيلا؟
الصوت يتكرر في إلحاح غريب. نهضت في هدوء، وأنا أتحسس البساط تحت قدمي الحافي .. أحبس أنفاسي … أتجه نحو باب الغرفة. الصوت يتعالى .. أي أنني أدنو منه فعلًا..
إي إي إي إي إي إي إي إي إي !


الصوت آت من الطابق السفلي .. لا شك .. بدأت أنزل في الدرج الخشبي وأنا أتحسس طريقي على الضوء الخافت القادم من (المصابيح الساهرة).. موقف مرعب لمن هي أوهن أعصابًا مني، لكنك تعرف يا كمال أنني ذات شخصية قوية متماسكة ..


في نهاية الممر كانت تلك الغرفة التي لم أرها إلا مغلقة. قال لي هشام إنها مخزن .. طبيعي أن يُحبس حيوان ما في المخزن .. لقد خلق لهذا … لكنني هذه المرة أرى أن الباب موارب ..


في حذر دلفت إلى الداخل. تلك الرائحة الكريهة! تحسست الجدار بحثًا عن ضوء. هذه هي اللحظة التي تطبق فيها يد مخلبية على يدك كما تعرف، لكني لا أعبأ بهذه الأوهام الهستيرية ..
كان هناك مفتاح كهربي عتيق .. كليك !.. غمر الضوء المكان ..


هي غرفة اتساعها خمسة امتار في ثلاثة أمتار، وجدرانها مكسوة بالملاط .. هناك حشد من الأثاث القديم وأكوام من الصحف وحقائب بالية .. لكن مصدر الصوت يأتي من ………….


القفص الصغير في ركن المكان. هناك حيوان حبيس بالداخل .. لا شك في هذا وهو مصدر الأنين …
في حذر دنوت أكثر. رأيته يحاول اقتحام القضبان وكان ينظر في عيني .. لا أعرف ما هو .. أقسم أنني لا أعرف … هو في حجم قط كبير ..لكن وصفه عسير جدًا .. يمكن أن تصفه بالكيان .. الشيء ..
فقط تعرف حقيقة واحدة .. يجب ألا تسمح لهذا الشيء بالخروج من القفص ..
-ـ«أطلقنا عليه اسم هاشم!»


وثبت مترُا في الهواء لدى سماع هذا الصوت في الظلام . ثم تراجعت لأسقط بين ذراعي هشام.. هشام الذي يلبس منامته وهو حافي القدمين، وقد بدت القصة واضحة .. لم يجدني جواره في الفراش وخمن الباقي ..
ثم أنه جلس على مقعد قديم مهشم متهالك وغطى وجهه ..
سألته في رعب:
-ـ«ما هذا؟ ليس كائنًا بشريًا .. بل هو ليس كائنًا أعرفه على الإطلاق»
كان هشام يخفي سرًا كما قلنا .. وقد بدأ يحكيه لي لكني لم أصدق .. حتى اللحظة لا أصدق ..


هشام – هكذا قال لي في الظلام – وُلد بشيء أقرب لورم تحت الضلوع .. قال الأطباء إنه شيء يدعى «teratoma» .. يحوي عظامًا وأسنانًا وشعرًا .. هذا ما ظهر في صور الأشعة ومرارًا … لم يحاول الخلاص منه إلا منذ عامين …


عندما عاد للبيت بعد الجراحة بذلك الورم المبهم في وعاء مليء بالفورمالين، استغرق فترة حتى يدرك أنه حي ويتحرك .. أمه أول من لاحظ هذا …
سألته وأنا أرتجف:
-ـ«هل تعني أنه كان توءمًا سياميًا؟»
قال كاسف البال:
-ـ«لا .. هناك حالات ظل فيها التوءم السيامي حيًا وحاقدًا على أخيه العملاق الذي استلبه حقه في الحياة، لكن هذا الورم لم يكن توءمًا سياميًا وإلا لرأى الأطباء قلبه النابض أو رئتيه .. كان كيانًا شريرًا مبهمًا له عقل .. يرى ويسمع ويفكر..»


بالواقع كان الكائن أقرب إلى شيطان ذي قدرات مذهلة.. كان يدخل من فتحات المصاعد ويتسلق المواسير ويدخل الغرف المغلقة. وكان قويًا جدًا…
-ـ«لا أعرف كنهه بالضبط .. لكنه يمثل الجانب الشرير في أعماقي وقد تحرر…»


احتفظ هشام وأمه بهذا السر وربيا الكائن الكابوسي الذي سمياه (هاشم). لأسباب واضحة لم يجسر على التخلص منه. وقد قرر هشام أنه لن يتزوج أبدًا .. طبعًا قبل أن يقع في حبائلي ويحبني … ما عرفه هو أن الكائن يتطوع بإيذاء كل من يكرههم هشام ويفتك بهم، مخترقًا الحدود المادية أحيانًا .. هشام يعرف أنه تسلل لحمام هدى وقتلها.. لكن كيف عرف بيت هدى؟



يمكن تخيل ما حدث للذي مات في المصعد ففتحة المصعد العليا تسمح بدخول شيء .. أو أبي الذي اختنق أثناء نومه فهناك شرفة صغيرة في غرفته .. يمكن تخيل كيف هاجم صفوت في المطبخ ..
-ـ«هناك كثيرون ممن غضبت عليهم أو اختلفت معهم ماتوا بلا تفسير .. هناك قصص لا تعرفينها. أعتقد أن له ست ضحايا منذ تمت الجراحة»


لكن هناك أجزاء غير مبررة في القصة .. الهدايا التي كنت أتلقاها بانتظام من شيء قادر على الوصول لسيارتي أو وسادتي ..
-ـ«بدا واضحًا مع الوقت أنه يحبك ويبعث لك إشارات وهدايا .. وبدأ يغار مني .. لقد صار خطرًا..».


هكذا صار من الواجب أن يُحبس في هذا القفص لتحديد نشاطه .. لكنه يخرج منه بسهولة تامة كلما أراد، كما فعل مع القط الممزق. إنه كيان شيطاني .. هو الشر المجسد … لا يمكن معاملته بشكل مادي ..
هاشم يحبني؟ هاشم يشتهيني؟ هاشم يغار من أخيه بسببي؟


هشام يخفي سرًا… وهذا السر اسمه هاشم ….
كان هذا الشيء المخيف يتحرك في القفص ..
قلت لهشام وأنا أرتجف:
-ـ«لو كان كلامك صحيحًا فعلينا أن ندمر هذا الشيء .. لا بد من أن نحرقه أو نغرقه أو نكهرب القفص .. سنتصرف معه كما يتصرفون مع فأر مسعور»
-ـ«هو جزء مني .. لا أقدر على عمل ذلك.. ولربما أفنيت نفسي معه . لا تنسي نوبات الألم .. هو قادر على أن يؤلم جسدي»
هذا ليس حقيقيا …سوف أصحو فجأة لأدرك أن هذا كابوس .. قلت في ثبات:
-ـ«هذا كائن مخيف .. وعليك أن تختار بيني وبينه. سيكون هذا آخر يوم لي في بيت المجانين هذا».
في الفراش همس هشام وهو يندس بجواري، بعد نهاية تلك المواجهة المخيفة:
-ـ«سوف أتخلص منه .. سأعرف كيف أتخلص منه»
وكانت هذه آخر كلمات قالها ..



متى نهضت يا هشام؟ متى تركت الفراش؟
كان هذا هو الصباح، وكنت مرهقة مبعثرة بعد ليلة مليئة بالانفعالات. لم يكن نومًا بل هو أقرب لفقدان وعي. وعندما نهضت لم تكن هناك.
رحت أبحث عنك وناديت باسمك مرارًا ..
ثم وقفت مستندة على الترابزين ونظرت للطابق الأسفل. عندها رأيتك .. رأيت الجثة التي تلبس المنامة والتي سقطت من ارتفاع طابق، وعرفت أن العنق مهشم … لقد دفعوك لتسقط من الطابق الثاني ..
أسرعت أهبط في الدرج .. وكان المشهد الذي رأيته هو نفس ما رأيته من الطابق العلوي، ولكن بشكل أقرب ولا يقبل الشكوك .. كنت آمل أن تتلاشى الرؤيا عندما أقترب .. أن أكون واهمة أو حالمة أو مخبولة ..
ثم سمعت الصراخ ..


هناك على أريكة في ركن المكان كانت الأم تجلس وتمسك بموضع قلبها .. لم تعد قادرة على النهوض، لكنها قادرة على الكلام بصوت مبحوح. نهضت مسرعة نحوها، فقالت دون أن تنظر لي:
-ـ«الأخ قتل أخاه .. أو اللحم قتل اللحم .. كنت أنت لعنة حطت على هذا البيت، وكنت مصيبة منذ البداية. ما كان لهشام أن يتزوج .. أمثاله لا يتزوجون»


لم يكن في صوتها هستيريا أو بكاء.. كانت تتكلم كأنها تقرر حقيقة علمية ..
ثم هتفت بنفس الصوت:
-ـ«الآن يجب أن تفري .. هاشم سوف يظفر بك لو بقيت. إنه ليس في الغرفة المغلقة ولا القفص .. إنه طليق. وصدقيني هو لا يريد قتلك .. يريد ما هو أسوأ!»


كنت أنا قد كونت فكرتي عن الموقف، ووصلت لذات الاستنتاج .. هذا البيت ليس لي لو أردت البقاء حية. فيما بعد سأبكي على هشام بما يكفي، أما الآن فلا وقت سوى ارتداء ثياب الشارع والبحث عن مفاتيح السيارة.. الهرب .. لربما لو لجأت لمكان مغلق محصن باقي حياتي نجوت ..


خلال لحظات كنت في حديقة الفيلا .. وخلال لحظة كنت أدير محرك سيارتي الناعسة في مكانها منذ أسبوع ..
دار المحرك وانطلقت كالمجنونة عبر الشوارع شبه الخالية ..
الأحداث تتدافع في ذهني، حتى فقدت القدرة على الفهم أو التفسير نهائيًا ..


فجأة شعرت بذلك الشيء المقزز المبهم يتسلق على كتفي.. كان ينتظرني في المقعد الخلفي! لقد خمن أنني سأنتوي الفرار. رفعت يدي ودفعته .. لا يمكن فهم هل هذه كتلة من العضلات أم اللحم الرخو .. لا يمكن فهم هذا الشيء .. هو مقزز وثقيل الوزن وكفى … هاشم يغازلني بعد ما قتل أخاه أو أباه أو وعاءه .. لا أدري بالضبط ..


ثمة نقطة واحدة أعرفها؛ هي أنه لن يقتلني .. إنه يبثني غرامه لا أكثر .. وهو غرام يهون أي موت معه طبعًا.


أدرت المقود بسرعة نحو اليسار ثم مددت يدي وأمسكت بالشيء بأقصى قوتي وطوحت به من النافذة .. وعندما بلغت نهاية الطريق ضغطت على الفرملة ونظرت للخلف ..


كان هاشم يزحف على الطريق .. للحظة يخيل لك أنه إنسان قزم بلا قدمين، أو هو عنكبوت أو هو نصف قط .. ولم أتردد .. درت بالسيارة واندفعت نحوه بجنون من جديد .. وسمعت شيئًا ينسحق تحت العجلة ..


لا تتردي يا فتاة .. هذا كيان شرير، ومن الوارد ألا يموت . درت من جديد وسحقته مرة أخرى .. عاودت الكرة مرتين ..
-ـ«مت ..مت !!»


ووقفت على مسافة وأنا ألهث وأتنفس في جشع … السيارة تئن من فرط الجهد … وهنا رأيت كلبين ضالين يهرعان نحو كتلة اللحم هذه وراحا يتنازعان على أخذ أجزاء منها ..


لو أراد هاشم أن يوجد من جديد فعليه أن يجمع بقاياه من أفواه الكلاب والغربان ..
كنت أبكي أخيرًا .. للمرة الأولى سمحت لنفسي بالبكاء ..
هشام كان يخفي سرًا … وليتني لم أعرفه قط ..

تمت .




التعديل الأخير تم بواسطة حماده عماره ; 21-09-2016 الساعة 01:29 AM
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 28-08-2016, 03:36 PM
الصورة الرمزية theghost
theghost theghost غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
الدولة: egypt
النوع: ذكر
المشاركات: 616
نقاط التقييم : 50
افتراضي رد: هشام يخفى سرا .. قصة أحمد خالد توفيق .




مرحبا كالعاده تسجيل متابعه وبانتظار البقيه
مجهود رائع اخ حماده مشكور عليه



اضغط هنا للبحث عن مواضيع theghost

توقيع theghost


love is all we need - pain is all we got
theghost



رد مع اقتباس
  #8  
قديم 31-08-2016, 12:18 AM
walaa.ahmed.reda walaa.ahmed.reda غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2014
الدولة: u.a.e
النوع: أنثى
المشاركات: 2
نقاط التقييم : 50
افتراضي رد: هشام يخفى سرا .. قصة أحمد خالد توفيق .



Waaaaaaaaaaw


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 31-08-2016, 01:05 AM
الصورة الرمزية حماده عماره
حماده عماره حماده عماره غير متواجد حالياً
عضو ماسى

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10

وسام التكريم  


/ قيمة النقطة: 10
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: مصر
النوع: ذكر
المشاركات: 1,696
نقاط التقييم : 789
افتراضي رد: هشام يخفى سرا .. قصة أحمد خالد توفيق .



theghost .
walaa ahmed reda
شكرا على المرور الطيب ..
تم إضافة الحلقة الثالثة .


رد مع اقتباس
  #10  
قديم 31-08-2016, 03:01 PM
الصورة الرمزية theghost
theghost theghost غير متواجد حالياً
عضو محترف
 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
الدولة: egypt
النوع: ذكر
المشاركات: 616
نقاط التقييم : 50
افتراضي رد: هشام يخفى سرا .. قصة أحمد خالد توفيق .




رائع جدا ومشكور على الجزء الجديد
لكنى احس اننا في الطريق لمعرفة ان هشام ليس بشريا هذا هو السر خخخخخخخخخ ( كل الدلائل تشير لذلك لكن صفاء الحمقاء لم تربط الامور بعد)
بانتظار البقيه



اضغط هنا للبحث عن مواضيع theghost

توقيع theghost


love is all we need - pain is all we got
theghost



رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
د.أحمد خالد توفيق يكتب: محمد محمد خميس حماده عماره د. أحمد خالد توفيق 6 30-09-2015 05:07 AM
خلطبيطة ودار ليلى ....أحمد خالد توفيق faris moneer د. أحمد خالد توفيق 59 24-02-2013 10:30 PM
لماذا هاجر محمد ؟ ؛ سلسلة مقالات بقلم : د. أحمد خالد توفيق عاشق المنتدى د. أحمد خالد توفيق 8 19-12-2012 06:27 PM
خالد يموت من جديد.....د/أحمد خالد توفيق romioooooo د. أحمد خالد توفيق 7 21-11-2012 02:38 PM
حفل توقيع د. أحمد خالد توفيق بجناح دار ليلى للنشر بمعرض الكتاب ميكون أخبار الكتّاب والندوات الأدبية والإصدارات الجديدة 9 04-02-2010 12:18 PM


الساعة الآن 08:49 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir