مشاهدة النسخة كاملة : من كنوز التراث العربي


الفاضل 6
06-10-2010, 12:05 AM
في تراثنا العربي كنوز مدفونة بحاجة إلى منقبين وصائدي ذهب محترفين , وهذه قصيدة من أجمل ما قرأت , وهي لابن زيدون شاعر الأندلس رقم 1 وقد أرسلها من السجن لصديقه الوزير أبي حفص أحمد بن برد , ويبدو من موضوع القصيدة أن الوزير أبو حفص هو الوحيد الذي ظل وفيا للشاعر ووقف معه , بينما تنكر له الباقون وانقلبوا ضده . وتبرؤوا منه وقد شرحتها لكم بطريقتي وأرجو أن تحوز على رضاكم

قال ابن زيدون

ما على ظنِّيَ باسُ يجرحُ الدهرُ وياسو
ظني بالدنيا ليس عليه بأس في صحته ! تجرحك الأيام اليوم وتداويك غدا
ربما أشرفَ بالمرءِ على الآمالِ ياسُ
ربما كانت بداية الأمل هي اليأس , أشرف : اطلع من مكان مرتفع
ولقد ينجيك إغفالٌ ويرديك احتراسُ
قد تنجيك الغفلة ! وقد يهلكك الحذر !
والمحاذيرُ سهامٌ والمقاديرُ قياسُ
المصيبة التي تحذرها دائما كالسهم ! , والقدر كالقوس !!!
ولكم أجدى قعودٌ ولكم أكدى التماسُ
كم اغتنى من ظل في بلده , وكم افتقر من ارتحل والتمس الرزق
وكذا الدّهْرُ إذا ما عزَّ ناسٌ ذلَّ ناسُ
هذه صروف الأيام ارتفاع قوم معناه انخفاض آخرين !
وبنو الأيام أخيافٌ سُراةٌ وخساسُ
أهل الدنيا مختلفون منهم سادة ومنهم وضعاء .
نلبسُ الدنيا ولكنْ مُتْعَةٌ ذاك اللِّباسُ
عندما يعلوا شأنك فاعلم أنه لباس استمتاع وليس للدوام !
يا أبا حفصٍ وما ساواك في الفهمِ إياسُ
إياس بن معاوية المزني قاض داهية من دهاة العرب, وأبو حفص افهم منه .
من سَنا رأيِكَ لي في غسقِ الخَطب اقتباس
سأستضيء برأيك في ظلام المصيبة
وَوِدَادي لك نَصٌّ لم يُخالِفْهُ قِياسُ
لا أخالف مودتك كما أنه لا اجتهاد مع نص !!
أنا حيرانُ وللأمـرِ وضوحٌ والتباسُ
احترت , فمرة أفهم الوضع ومرة لا أفهم
ما تَرى في معشرٍ حالوا عن العهدِ وخاسوا
ما رأيك في الذين خانوا الصحبة وتنكروا للصداقة حين سجنت !
ورأوني سامرياً يتقى منه المساس !
أصبحت مثل السامري عندهم لا يلمسونني !
أذْؤُبٌ هامتْ بلحمي فانتِهاشٌ وانتِهاسُ
بل صاروا مثل الذئاب يأكلون لحمي بالغيبة !
كُلهم يسألُ عن حالي وللذئبِ اعتساسُ
يسألون عن حالي تمهيدا للغيبة , كما يبحث الذئب عن طرائده في بداية الليل .
إن قسا الدهرُ فللماءِ مِنَ الصخرِ انْبِجاسُ
الفرج قريب كما أن الماء يخرج من الصخور رغم صلابتها .
ولئن أمسيتُ مَحبوساً فللغيثِ احتباسُ
انقطاعى عنكم مثل انقطاع المطر ! لا بد من عودته !
يلْبُدُ الوَرْدُ السَّبَنْتَى وله بعدُ افتراسُ
الأسد الأحمر الجريء قد يلبد في الغابة ثم يفترس, ( سأنتقم منهم ) !
الورد : ذو اللون الأحمر ويقصد الأسد , وكل شيء أحمر فهو ورد , السبنتى , الجريء
ويُفَتُّ المسكُ في التُّرْبِ فَيُوطا ويُداسُ
لن يغير السجن أخلاقي فالمسك قد يسقط لكنه يظل مسكا لا يغيره الطين
فتأَمّلْ كيفَ يغشى مقلةَ المجدِ النعاسُ
عين المجد قد تصاب بالنعاس قليلا وأنا مثال حي أمامك
لا يكنْ عهدُكَ ورْداً إنَّ عَهْدِي لك آسُ
لا يتغيرن عهد المودة بيننا كذبول الورد فإني عهدي ثابت كعمود الرخام !
واغتنِمْ صفْوَ الليالي إِنمَّا العيشُ اختلاسُ !
افرح بأيامك ولياليك فإن لحظات السعادة مسروقة !!!!!
وعسى أن يسمحَ الدهـرُ فقد طَال الشِّمَاسُ
الدنيا مثل الفرس التي لم تروض وقد طال شماسها " عدم انقيادها "




أرجو أن أكون وفقت في الشرح وإن أعجبتكم القصيدة فهناك المزيد من الكنوز

أم عمرو وإيهاب
06-10-2010, 12:12 AM
قصيدة رائعة بصراحة
وما كنت لأفهمها لولا الشرح
سلمت يداك

الفاضل 6
06-10-2010, 12:22 AM
قصيدة رائعة بصراحة
وما كنت لأفهمها لولا الشرح
سلمت يداك
شكرًا جزيلا على المرور

علـى محـمد
06-10-2010, 12:26 AM
جزاك الله خيراً على حسن العرض

بارك الله فيك ونفع بكـ

الفاضل 6
06-10-2010, 01:36 PM
جزاك الله خيراً على حسن العرض

بارك الله فيك ونفع بكـ

شكرا على المرور وأريد تقييمكم لأني أرغب في الاستمرار
في تكوين سلسلة في منتدى الأدب العربي اسمها " كنوز من التراث "
وأخصصها لقصائد ليست مشهورة لكنها جميلة جدا
والغرض هو لفت النظر لتراثنا العربي العظيم
الذي يظن البعض أنه تم اكتشاف كل ما فيه

علـى محـمد
06-10-2010, 02:21 PM
إن شاء الله أخى
ولكن أى طرق التقييم تريد يعنى المتابعة أم التوجيه
الأولى سأجتهد فيها قدر المستطاع
أم عن التوجيه فلست أهلاً له
وليس لي باع كبير فى الآدب العربى
على الرغم أنى من عشاق الآدب وأقرأ كل ماتقع عليه عينى من قصائد
\
وعلى كل متابع معك بإذن المولى وفقكم الله

محمود رمضان
06-10-2010, 02:42 PM
طبعا ابن زيدون لا غبار عليه
والقصيدة لا غبار عليها
وشرحك لا غبار عليه
مزيد من التقدم والاستمرار
بوركت يا علي

الفاضل 6
06-10-2010, 04:08 PM
أريد قيمة القصيدة
هل تستحق هذا الوصف " كنز مفقود "
هل سمعت بها من قبل ؟
هل فيها معاني جديدة رغم قدمها
هل تستحق أن تكون من عيون الشعر العربي
إلى جوار القصائد الشهيرة
مثل قصائد المتنبي وغيره من الشعراء
هل المشروع نفسه يستحق العناء ؟
مشروع " كنوز من التراث " كما أريد أن أسميه
أنا أريد برنامج " قال الشاعر " خاص بموقع روايات 2

محمود رمضان
06-10-2010, 05:27 PM
على بركة الله أخي الفاضل
وابن زيدون أشهر و أعظم شعراء الاندلس
ولا يقل مكانة عن شعراء العرب
وهذه القصيدة رائعة حقا
اعتذر عن الخطأ في الاسم أخي الفاضل

أدهم صبري
06-10-2010, 07:45 PM
القصيدة رائعة
وقد قرأتها من قبل في كتاب للأدب الأندلسي
وشرحك لها جميل يجلي معانيها ويوضحها للجميع
استمر فمشروعك يبشر بالخير
تحياتي لك

الفاضل 6
07-10-2010, 11:39 PM
مرحبا بكم في العدد الثاني إن صح التعبير من سلسة كنوز من التراث العربي
فن الرد على الوضعاء
قد يتعرض الإنسان للسب والشتم من أحدهم فيلجأ للرد عليه بقسوة , لكن أحيانا قد يشتمه إنسان وضيع , فيكون الرد عليه غير مناسب لأن الرد عليه مساواة له فالأولى هو السكوت , وهذا هو ما عبّر عنه الشاعر أبو نواس حين شتمه شخص اسمه الرقاشي, فأبو نواس رغم مجونه وخلاعته لا يفرط في كرامته , ولا ينسى أن الوضيع لا يجب أن يقرن نفسه به أبدا وهذه الأبيات من أقوى الأجوبة المسكتة ,
ولم أتعب نفسي بشرحها لأنها واضحة
قال أبو نواس :
قلْ للرّقاشيّ، إذا جِئْتَهُ . . . لوْ مُتَّ يا أحْمقُ لمْ أهْجُكَا
ياللحسرة !
لأنّني أُكرِمُ عِرْضي، ولا . . . أقْرِنُهُ يوماً إلى عرْضِكَا
هذه قوية جدا جدا
إن تهجُني تَهجُ فتى ماجِداً . . . لا يرفَعُ الطّرْفَ إلى مثلِكَا
قمة التجاهل
دونكَ عرْضي فاهجُه راشداً . . . لا تدنسُ الأعراضُ من هجوكَا
هنا نقف وقفة
تأمل هذه الجملة :
لا تَدنسُ الأعراضُ من هجوِكَا
تَدنسُ : تتسخ أو تتلطخ
الأعراض : معناها شرف الإنسان
والمقصود بالعرض أصل الإنسان وآباؤه وأجداده الذين ينحدر منهم
, الهجو: الشتم بالشعر
والمعنى : الوضيع شتائمه لا تلطخ شرف أحد بشيء !

والله لو كنْتُ جريراً لَما . . . كنتُ بأهجَى لكَ من أصْلِكا !
ياساتر !

وإلى لقاء مع قصيدة أخرى ومناسبة أخرى

محمود رمضان
08-10-2010, 12:11 AM
ههههههههههههههههههههههه

رائعة أخي الفاضل
وللخليل بن أحمد يقول :
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني *** أو كنت أجهل ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذرتني *** وعلمت أنك جاهل فعذرتكا

ويقول آخر

لمّا سكتُّ حسبتَ أنك ناجِ *** هيهاتَ إني كالمَنونِ أفاجي
إنْ كان داخلكَ الغرورُ فإنه *** ما انفكّ في البُسطاءِ والسُّذاجِ
حاولتَ أن تهتاجني عن مربضي *** لتنالَ ذكراً ، خِبْتَ يا ذا الرّاجي
عارٌ إذا أنشبتُ فيك مَخالبي *** إذ ليس من خُلقي افتراسُ نِعاجِ
قد كنتُ أزهدُ في الهِجا لو لم يكنْ *** لك يا مريضَ العُجبِ خيرَ علاجِ

وقال ثالث :



ومنزلة السفيه من الفقيه *** كمنزلة الفقيه من السفيه

فهذا عالم في علم هذا *** وهذا فيه أعلم منه فيه

إذا غلب الشقاء على سفيه *** تنطع في مخالفة الفقيه


لي عودة مرة أخرى ان وقفت على شيء من هذا القبيل
دمت مبدع أخي الفاضل

hysam
08-10-2010, 12:28 AM
رائعة اخى الكريم
اعجبتنى للغاية

الفاضل 6
08-10-2010, 12:34 AM
شكرا على المرور اخي محمود
وألف شكر على المشاركة والأبيات الرائعة
واعجبني البيت الأخير كثيرا
فعلا
إذا غلب الشقاء على سفيهٍ تنطع في مخالفة الفقيهِ

الفاضل 6
08-10-2010, 12:35 AM
رائعة اخى الكريم
اعجبتنى للغاية
شكرا على المرور أخي hysam

علـى محـمد
08-10-2010, 01:22 AM
جزاكم الله خيراً

أحسنت فى البيان وفي الإنتقاء

الفاضل 6
08-10-2010, 02:05 PM
الأخ علي محمد
شكرا على المرور

الفاضل 6
13-10-2010, 06:10 PM
مرحبا بكم في العدد الثالث من سلسلة كنوز من التراث العربي

نموذج من عالم الحيوان عند الشعراء العرب .....
اليوم لدينا برنامج عالم الأفاعي وعالم الطيور مجموعة كلها في قصيدة واحدة
ينتقل الشاعر العباسي أبو صفوان الأسدي فيها من موضوع إلى آخر وكأننافي برنامج ناشيونال جيوغرافيك يتناول أكثر من مشهد ,
ونحن اليوم نكتسب معلومة جديدة حول الأدب العربي
الشعر لم يكن ديوان العرب فقط بل مرجعا في علم الأحياء !
وقد بدأ الشاعر قصيدته بالغزل والتحسر على رحيل حبيبته
التي لا نعرفها وأظنه هو أيضا لا يعرفها ! لكنه مصرّ على تقليد الجاهليين
وحين يتكلم الشاعر عن الطيور والحيوانات فتوقع مصطلحات جديدة
كالتي تجدها حين تقرأ كتابا في علم الأحياء .

قال أبو صفوان الأسدي

نَأَتْ دَارُ ليلى وشَطَّ المَزار ... فَعَينَاكَ مَا تطْعَمَانِ الكَرَى
ابتعدت دار ليلي وابتعد مزارها فلم يذق الشاعر النوم
الكرى : النوم , شط : ابتعد

ومَرَّ بِفُرْقَتِهَا بَارِحٌ ... فَصَدَّقَ ذَاكَ غرابُ النَّوَى
مرَّ علي بفراقها طائر الشؤم , فصدقه فعل غراب البين !
البارح : طائر الشؤم وهو الذي يمر على يسار المرء
وعكسه السانح الذي يمر على يمين المرء وهوطائر فأل
ومنه قولهم سنحت الفرصة
وغراب البين : ليس على ظهر الدنيا شيء أكثر منه شؤما عند العرب
ويزعمون ان نزوله بين البيوت دليل على فراق الأحبة واشتقوا اسمه من الغربة !
ملحوظة :
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانعُ

فَأَضْحَتْ بِبُغْدَانَ في مَنْزلٍ ... له شُرُفَاتٌ دُوَينَ السَّما
بعد ما فعلته بالشاعر كل طيور الشؤم أصبحت ليلى في بغداد
تسكن في منزل شرفاته ليس بينها وبين السماء إلا مسافة بسيطة !
فكيف يراها ؟
دوين : تصغير دُونَ , وهي تدل حين تصغّر على القرب
وبغداد لها أربع لهجات : بُغْدَان , مُغْدَان , بَغْداد , بَغْدَاذ .
الشرفات : جمع شُرْفة : وهي بناء خارج من البيت
لكي يطل منه على ما حوله

وجَيْشٌ وَرَابِطَةٌ حَولَهُ ... غِلاظُ الرّقابِ كأُسْدِ الشَّرى
وجيش وفرسان ربطوا خيولهم حول منزل ليلى
الذي شرفاته قريبة من السماء وهؤلاء أقوياء كالأسود ،
غليظ الرقبة : كناية عن القوة ,

بأَيدِيهِمُ مُحدَثَاتُ الصِّقَال ... سُرَيْجِيَّةٌ يَخْتَلِينَ الطُّلَى
هؤلاء الجنود الأقوياء الذي يحيطون منزل ليلى
بأيديهم سيوف حديثة الصقل أي حادة للغاية
تقطع الرقاب قطعا .
يختلين : يقطعن , الطلى : الرقاب
" سريجية " نسبة إلى صانع اسمه سُرَيج
بمعنى أن اسم "سريج" كان ماركة تجارية في ذلك الوقت . . .

ومن دُونِها بَلَدٌ نازِحٌ ... يُجيبُ بِه البُومَ رَجْعُ الصَّدَى
بينه وبين رؤية ليلى مدن وبلاد بعيدة مهجورة
ينعق فيها البوم فيجاوبها الصدى
نازح : بعيد

ومن مَنْهَلٍ آجِنٍ مَاؤُهُ ... سُدىً لا يُعَاذُ بِهِ قَدْ طَمَى
وبينه وبين ليلى مناهل للمياه الآسن المتغير مهمل
لا يقيم عنده أحد قد ارتفع فيه الماء
آجن : متغير , سدى : مهمل , يعاذ : يلتجأ , طمى : ارتفع

الآن انتقل لموضوع آخر هو الفقرة الأولى
في برنامجنا اليوم عالم الأفاعي عند العرب
وهو يقدم لنا معارف عَصْره عن الثعابين
يقول :

ومِن حَنَشٍ لا يُجِيبُ الرُّقَا ... ةَ , أسْمَرَ , ذي حُمَّةٍ , كَالرَّشَا
وكم من ثعبان قد لا يؤثر الرقاة في سُمِّه
اسمر اللون سام وهو قوي الجسم كحبل البئر
الرقاة : الذين يرْقون الملدوغ ,
حمة : سم ,,, الرشا : حبل البئر

أَصَمُّ صَمُوتٌ طَويلُ السُّبَا ... تِ , مُنْهَرِتُ الشِّدْقِ , حَارِي القَرَا
إنه أصم ـ الشاعر يعتقد أن الأفاعي لا تسمع ! ـ
صامت طويل النوم واسع الفم قصير الظهر
وذلك دليل على خفته وخبثه
منهرت : واسع الفم , الشدق : طرف الفم من جهة الخد ,
حاري : قصير , القرا : الظهر

لَهُ فِي اليَبِيسِ نُفَاثٌ يَطير ... على جانِبَيهِ كَجَمْر الغَضَى
ينفث هذا الثعبان في العشب اليابس سما أحر من الجمر
اليبس : الشجر اليابس , نفاث : ما ينفثه الثعبان
الغضى : نوع من الأشجار يؤخذ منه أجود الحطب

وعَيْنانِ حُمْرٌ مَآقِيهِمَا ... تَبِِصَّانِ في هَامَةٍ كَالرَّحَا
عيناه حمراوان يلمعان فى راس مستدير كالرحا
والمآقي جمع موق : وهوطرف العين من جهة الأنف
وعكسها اللِّحاظ : طرف العين من جهة الصدغ
تَبِصَّان : تلتمعان ومنه بصيص الضوء

إِذَا مَا تَثَاءَبَ أَبْدَى لَهُ ... مُذَرَّبةً عُصُلاً كالْمُدَى
إذا تثاءب الثعبان ظهرت أنيابه الحادة المنحنية كالخناجر
المذربة : المصقولة ، عُصُل : مُعْوجّة , المُدى : الخناجر

كَأَنَّ حَفِيفَ الرَّحَا جَرْسُهُ ... إَذَا اصْطَكَّ أَثْنَاؤُهُ وانْطَوَى
صوت احتكاك بعض جلده ببعض يشبه صوته الرحا
حفيف : صوت , والجرس: الصّوت , اصطك : اضطرب
اثناؤه : أجزاء جسمة المثنية

ولو عَضَّ حَرْفَيْ صفاةٍ إذاً ... لأَنْشَبَ أنْيابَهُ فِي الصَّفَا
لو لدغ صخرة لنشبت أنيابه فيها فما بالك بلحم بني آدم !

كأنَّ مَزاحِفَهُ أَنْسُعٌ ... حُزِزْنَ فُرادَى ومِنهَا ثُنَى
كأنّ آثار زحفه على الرمال قطع من ظفائر الجلد
مقطعة مفردة وبعضها مثَنَّاة .
يقصد هكذا : } } } } } } } } }} }} !!
والأَنْسُع : جمع نِسْع وهو حبل مضفور من الجلد .
وفرادى: أفراد. ثُنى: مثنَّاة ،
أرجو أن يكون معنى البيت قد اتضح

الآن انتهت فقرة عالم الثعابين ولننتقل إلى فقرة عالم الطيور !

وقد شاقني نَوحُ قُمْريَّةٍ ... طَرُوبُ العشاءِ هَتُوفُ الضُّحَى
وقد أعجبه بكاء الحمامة القُمْريَّة التي هي تغنى طربا بالليل وتهتف بالصباح
القمرية : الحمام البري , , ,
طروب : الطرب خفة تعتري المرء من السرور أو الهم
هتوف : يقال هَتَفَتِ الحمامة : أي صوَّتَت

من الوُرْقِ نوّاحةٌ باكَرتْ ... عَسِيبَ أَشَاءٍ بذاتِ الغَضَى
هذه الحمامة بكَّرت في النواح
على غصن نخلة صغيرة في وادي " ذات الغَضَى "
الوُرق : جمع ورقاء : وهي الحمامة رمادية اللون
عسيب : سعف النخل وجمعه عُسُب ,
والأشاء: الصّغار من النخل، واحدتها أَشاءةٌ

فغنَّتْ عليهِ بلَحْنٍ لَهَا ... يُهَيِّجُ للصَّبِّ ما قَدْ مَضَى
فغنت الحمامة الورقاء غلى غصن النخلة الصغيرة
بلحن جميل يهيج للعاشق ذكرياته .
الصب : العاشق

مُطوَّقةٌ كُسِيتْ زِينَةً ... بِدَعْوةِ نوحٍ لَهَا إِذْ دَعَا
هذه الحمامة مطوقة بطوق من الريش الأبيض على عنقها
وهذه الزينة سببها دعوة نوح عليه السلام , وسبب هذه الجائزة
انها دلتهم على اليابسة بعد الطوفان ,
ملحوظة : القصة غير صحيحة

فلم أَرَ باكِيةً مِثلَها ... تُبَكِّي ودَمْعَتُهَا لا تُرَى
انها تبكي ولكن لا احد يرى دموعها !

أضلَّت فُرَيْخاً فَطَافَتْ لهُ ... وَقَدْ عَلِقَتْهُ حِبَالُ الرَّدَى
سبب بكاء الحمامة وبكاء كل الحمام
بل وسبب تسمية العرب لهديل الحمامة بالبكاء ,
أنها كما يزعمون تبحث عن فرخها الصغير الذي أضاعته
فهي تبكي عندما تيأس من العثور عليه .
فبكاء الحمامة في الذهنية العربية مرتبط بالحزن على الأحباب والشوق إليهم
وهذا سِرّ حزن الشعراء حينما يسمعون نواح الحمام ,
وأظن أن العرب انفردوا بهذا المعنى حول صوت الحمام .
عَلِقته : أمسكت به , حبال الردى : أسباب الموت

فَلمَّا بَدا اليأْسُ مِنهُ بَكَتْ ... عَلَيهِ , ومَاذَا يَرُدُّ البُكَا ؟!
طبعا لا يرد البكاء شيئا !

هنا ينتقل الشاعر لمشهد آخر وهو الصقر وكانت حلقة
الوصل هي الفرخ المفقود لكنه تطرق لمشهد آخر سنأتي عليه

وقَدْ صَادَهُ ضَرِمٌ مُلْحَمٌ ... خَفُوقُ الجناحِ حثيثُ النَّجَا
وقد صاد الفرخ صقر جائع آكّالٌ للحوم تخفق أجنحته بقوة وسرعته حثيثة
الضَّرِِم : الجائع , المُلحم : كثير أكل اللحم , النَّجا : أصله النَّجَاء : الذهاب والسرعة

تَرَى الطَّيْر والوَحْشَ مِن خَوفِهِ ... جَواحِرَ منهُ إذا مَا اغْتَدَى
الطير والحيوانات البرية تنجحر عندما يلوح لها الصقر في الجو
الوحش : كلمة تطلق عند العرب
على كل حيوان بري وهي تشمل حتى الغزلان
جواحر: في جحورها , اغتدى : ذهب في الصباح

فباتَ عَذُوباً عَلى مَرْقَبٍ ... بِشاهِقَةٍ صَعْبة الْمُرتَقَى
قد بات ليله ساكنا على مرقب أي قمة شاهقة يصعب الوصول إليها
عَذُوب : القائم الساكت , المرقب : المكان المرتفع الذي يُراقَب منه

فلما أَضَاءَ له صُبْحُهُ ... ونَكَّبَ عن مَنْكِبَيهِ النَّدَى
فلماء أضاء نور الصباح وأبعد عن أعلى جناحيه الندى
نكّب : ألقى

وَحَتَّ بِمِخْلبِه قارِتاً ... على خَطْمِهِ مِنْ دِمَاءِ القَطَا
وحت بمخلبه دما جافا على منقاره من دماء طير القطا
لاحظ شيئا هذا شاعر عاش قبل ألف سنة يصف الصقر
في قمة الجبل وكأنه شاهد برنامجا تلفزيونيا عن الصقور !
قارت : الدم اليابس , الخطم : الأنف

فصعَّدَ في الْجَوِّ ثُمَّ اسْتدَا ... رَ , ضَارٍ حَثِيثٌ إذا ما انْصَمَى
فارتفع في الجو ثم دار حول نفسه ،
إنه ضار ماهر إذا اندفع نحو الفريسة
انصمى : اندفع بقوة

الآن يترك الشاعر الصقر قليلا وينتقل الشاعر إلى مشهد جديد
هو مشهد سرب القطا الذي ذهب ليروي عطشه
ويحمل الماء في حواصله لفراخه الصغيرة

فآنَسَ سِرْبَ قَطاً قَارِبٍ ... جَبَى منْهلٍ لم تَمِحْهُ الدِّلا
فأبصر الصقر سربا من القطا يريد ان يملأ القرب " الحواصل "
على طرف منهل للمياه لم يصله دلو لأحد من الناس
آنس : أبصر ,,, قارِبٍ : القارب صاحب القربة يريد ان يملأها
جَبَى : طرف الغدير والبئر ,,, تَمِحْهُ : المائح الذي ينزل في البئر
حين ينزل منسوب المياه ,,, الدِّلا : يقصد الدَّلاء جمع دَلْو

غَدَونَ بِأَسْقِيةٍ يَرْتَوِين ... لِزُغْبٍ مُطَرَّحَةٍ بالفَلا
ذهب سرب القطا في الصباح لكي يرتوي ويملأ حواصله
بالماء ليسقى فراخه التي عليها ريش ضعيف لصغرها
وهي ملقاة على الأرض .
اسقية : الحواصل الزُّغب : الفراغ ذات الريش الضعيف
الفلا : جمع فلاة وهي الصحراء

يُبَادِرْنَ وِرْداً ولم يَرْعَوِين ... عَلَى مَا تَخَلَّفَ أَوْ مَا وَنَى
يتسابقن على ورود الماء ولا يتوقفن
من اجل من يتخلف من السرب أو يضعف
طبعا لأنهن جادات في تحصيل الرزق
يبادرن : يسابقن ،،، وردا : الورود : الذهاب للغدير أو النهر أو البئر
يرعوين : يعدن ،،، ونى : ضعف

تذكّرنَ ذَا عِرْمِضٍ طَامِياً ... يَجُولُ عَلَى حَافَتَيهَ الغُثَا
تذكرن غديرا تعلوه الطحالب
وتطفو الأغصان المكسرة وحطام النّباتات على جانبيه
العِرْمِض : القطع الخضراء المستديرة
" التي تقف عليها الضفادع في الرسوم المتحركة "
طاميا : أي الغدير مرتفع فيه الماء ,,,
الغُثَا : الغُثَاء ماكان على الماء من الأغصان المكسرة وحطام النّباتات

به رِفْقَةٌ من قطاً واردٍ ... وأُخْرَى صَوادِرَ عَنهُ رِوَا
الآن يصور لك مشهد الغدير بنظرة بانورامية فأسراب القطا
تتقدم للشرب وأسراب أخرى عائدة من الغدير راوية
الوِرْد والوُرُود : أصله الذهاب لمناهل المياه
وعكسه الصدور وهو يكون بعد الارتواء

فملَّأْنَ أَسْقِيةً لم تُشَدّ ... بِخَرْزٍ , وقد شُدَّ مِنها العُرا
فملأت كل قطاة قربتها " حوصلتها " التي تختلف عن قِرَب الناس
بانها ليست مشدودة بخياطة ,
ولكن الحبال التي تحمل هذه القربة مشدودة !
أسقية : يقصد الحواصل ,,, الخَرْزُ : خيوط القربة
العُرَا : جمع عُرْوَة : وهي الحبال التي تحمل القرب
هل رأيت جرّةً تحيط بها الحبال بطريقة فنية ؟
إن كنت رأيتها فهذه هي العُرا وواحدتها عروة .

الآن نعود للصقر , هل نسيته ؟!
يصف الشاعر الآن مشهد الافتراس


فَأَقْعَصَ مِنْهُنَّ كُدْرِيَّةً ... ومَزَّقَ حَيزُومَها والحَشَى
هجم الصقر على واحدة من القطا وقتلها في مكانها
ومزق صدرها وأحشاءها
أقْعَصَ : الإقعاص رمي الصيد فيموت مكانه
كدرية : الكبيرة من القطا والتي لونها داكن
الحيزوم : الصدر ,,,

فَطارَ وغَادَرَ أشْلاءَها ... تطيرُ الجنوبُ بِها والصَّبَا
وبعد أن أكلها طار وترك أشلاء القطاة
تطير بها رياح الشمال ورياح الشرق " الصَّبا"
والرياح عند العرب أربعة أنواع بجهات أهل مكة :
ريح الشمال تأتي من قبل الشام , , , ريح الجنوب وتسمي اليمانية ،
والصَّبَا تأتي من الشرق , , , والدَّبور تأتي من الغرب

يَخَلْنَ حَفِيفَ جَنَاحَيهِ إِذْ ... تَدَلَّى مِنَ الجوِّ بَرْقاً بَدَا
كان صوت جناحية حين هبط من الجو بالنسبة للقطا كصوت البرق
يخلْنَ : يتخيلن , , , حفيف : صوت الجناحين , , , تدلى : هبط

فَوَلَّيْنَ مُجْتهِداتٍِ النَّجَا ... جَوافِل في طَامِسَاتِ الصُّوَى
فهرب سرب القطا مجتهدات في النجاة بأرواحهن
مسرعات بالهرب في أراض علاماتها مطموسة
النجا : يقصد النجاة , , , جوافل : مسرعات الهرب
طامسات : ممسوحات ويشير للأرض التي هرب فيها القطا
الصُّوى : العلامات

فَأُبْنَ عِطَاشاً فسقَّينَهُنّ ... مُجَاجَاتِهِنَّ كَمَاءِ السَّلَى
رجع سرب القطا عطشانا فأسقت كل واحدة فراخها
لعابها الأحمر كماء المشيمة
أبن : رجعن , , , مجاجاتهن : المُجاجة ما يخرج من الفم
السلى : الجلد الرقيق الذي يخرج على المولود

وبِتْنَ يُراطِنَّ رُقْشَ الظُّهُو ... رِ , حُمْرَ الحَواصِلِ , حُمْرَ اللَّهَا
وبات القطا يكلم بعضه بعضا وهن مُنَقَّطات الظهور ,
حمر الحواصل واللَّها من العطش
يراطِنَّ : المراطنة الكلام غير المفهوم , , , رقش : منقطة
اللها : جمع لهاة

والآن جاء وقت الاستمتاع بقراءة القصيدة
أعد قراءة الأبيات التي باللون الأزرق فقط

وإلى لقاء آخر مع قصيدة أخرى وشاعر آخر ومناسبة أخرى

الفاضل 6
20-10-2010, 11:18 PM
مرحبا بكم في العدد الرابع من سلسة كنوز من التراث العربي

وشاعرنا اليوم هو شاعر الزهد رقم 1 في التاريخ العربي : " أبو العتاهية " رحمه الله
في هذه القصيدة يرثي أبو العتاهية أخًا وصديقا عزيزا على نفسه , والقصيدة تتميز بالمقارنة الحزينة للغاية بين حال الفقيد قبل الموت وحاله بعده وهي من أروع المقارنات التي ناقشت الفروق بين الموت والحياة في تراثنا العربي . أترككم مع القصيدة ...

قال أبو العتاهية

أخٌ طالما سرني ذِكْرُهُ ... فقد صرت أشْجى لدى ذِكْرِهِ
قبل الموت كنت أفرح عند ذكر اسمه ‘ بعد الموت صرت أحزن عند ذكر اسمه
وقد كنت أغدو إلى قصرهِ ... فقد صرت أغدو إلى قبرهِ
قبل الموت : كنت أزوره في قصره ‘ بعد الموت : صرت أزوره في قبره
وكنت أُراني غنيّاً به ... عن الناس لو مُدَّ في عمرهِ
قبل الموت : كنت أظن أنني استغنيت بكرمه عن الناس لو طال عمره
وكنت إذا جئت في حاجة ... فأمري يجوزُ على أمرهِ
إذا جئت أريد شيئا فتصرفي يسبق تصرفه في ماله
فتىً لم يَمَلَّ النَّدى ساعةً ... على عسره كان أو يسرهِ
لا يترك الكرم أبدا في الشدة والرخاء
تظلُّ نهارَكَ في خيره ... وتأمن ليلَكَ من شرِّهِ
في النهار : تعيش في خيره ‘ في الليل : تأمن من شرّه !!
فصار عليٌّ إلى ربه ... وكان عليٌ فتى دهرهِ
ذهب إلى ربه وقد كان العظيم في زمانه
أتته المنيَّةُ مُغْتالةً ... رويداً تخلل من سترهِ
جاءه الموت متسللا إليه ببطء من بين الستائر !
فلم تُغْنِ أجنادُه حوله ... ولا المسرعون إلى نصرهِ
فلم يستطع جنوده أن يدافعوا عنه
وخَلَّى القصور التي شادها ... وحل من القبر في قعرهِ
ترك القصور العالية ‘ وسكن في قعر الأرض
وبُدِّل بالبُسْطِ فرشَ الثرى ... وريحُ ثرى الأرضِ من عطرهِ
قبل الموت : كان ينام على الفرش المريح , بعد الموت : ينام على التراب
قبل الموت : عطره من أجود الطيب ‘ بعد الموت : عطره رائحة الطين
وأصبح يُهْدى إلى منزل ... عميقٍ تُؤُنِّقَ في حفرهِ
واليوم يوجهونه نحو بيت جديد تأنقوا وتفننوا في حفره
تُغَلَّق بالترْبِ أبوابُه ... إلى يوم يؤذن في حشرهِ
أغلقت أبواب البيت الجديد بالتراب ولن يخرج منه إلا ليذهب إلى أرض المحشر
أخو سفرٍ ما له أَوْبةٌ ... غريبٌ وإن كان في مصرهِ
إنه مسافرٌ لن يعود ‘ وإنه قد أصبح غريبا وإن كان في بلده الذي يعرفه
فلست مشيعه غازياً ... أميراً يسير إلى ثغرهِ
اليوم لا أودعه ذاهبا لقتال العدو
ولا متلقيه قافلاً ... بقتل عدوٍّ ولا أسرهِ
ولن أنتظر عودته منتصرا على الأعداء
فلا يبعُدَنَّ أخي ثاوياً ... فكل سيمضي على إثْرِهِ
فلا تعتقدوا أنه قد ابتعد عنكم فكلكم سوف تلحقون به قريبا


وإلى لقاء آخر مع شاعر آخر ومناسبة أخرى ...

karamell
20-10-2010, 11:37 PM
ميرسي يا فاضل ع الشرح

وجزاك الله خيرا

الفاضل 6
21-10-2010, 07:15 PM
ميرسي يا فاضل ع الشرح

وجزاك الله خيرا

ألف شكر على المرور

الفاضل 6
07-11-2010, 10:49 AM
الأخت Mera (http://www.rewayat2.com/vb/member.php?u=10121)
جزاك الله كل خير على المجهود والتنسيق المبدع
وأعدكم بالمزيد من الكنوز . . .

etsh82
09-11-2010, 08:09 PM
شرح كافي ووافي
انا لو قعدت سنتين ما كنتش حافهم حاجة
تسلم ايدك

daisy
09-11-2010, 08:30 PM
شكرا على الشرح المفصل :icon30::icon30:

الفاضل 6
10-11-2010, 11:04 PM
شرح كافي ووافي
انا لو قعدت سنتين ما كنتش حافهم حاجة
تسلم ايدك
سلمت أخي
وجزيت خيرا على الاطراء

الفاضل 6
10-11-2010, 11:04 PM
شكرا على الشرح المفصل :icon30::icon30:
ألف شكر على المرور

الفاضل 6
11-12-2010, 05:10 PM
مواجهة بين شاعر شجاع وذئب جائع . . .



مرحبا بكم في العدد الخامس من سلسلة كنوز من التراث العربي شاعرنا اليوم هو البحتري واحد من أعظم شعراء العربية ,
وهذه القصيدة شهيرة عند أهل الأدب , وفيها يواجه الشاعر خطر الموت بين أنياب ذئب جائع , ولكن الذئب اخطأ التقدير لأن المشهد انقلب مئة وثمانين درجة وهذا هو ما ميز هذه الأبيات وجعلها ملفتة للنظر . . .
أترككم مع القصيدة . . .

قال البحتري :


وَلَيْلٍ، كأنّ الصّبحَ في أُخرَيَاتهِ ... حُشَاشَةُ نَصْلٍ، ضَمّ إفرِندَهُ غِمدُ
يذكر الشاعر ليلة قطعها سيرا بأكملها كما يبدو , ويشبه الشاعر بداية الصبح في نهاية الليل بلمعان نهاية السيف حين يستخرج من الغمد ,
الصباح كأنه بقية نصل ضم زخارفه الغمد
النصل اللامع هو النهار والغمد هو الليل
الحشاشة : النهاية , إفرنده : فِرِنْدُ السيف وَشْيُه وزخارفه .
تَسَرْبَلْتُهُ والذّئْبُ وَسْنانُ هاجِعٌ ... بعَينِ ابنِ لَيلٍ، ما لهُ بالكَرَى عهدُ
لبس الشاعر ظلام الليل في حين كان الذئب نعسانا ينام بعين ابن لليل
ـ وأبناء الليل لا ينامون ـ فليس له بالنوم عهد
الكرى : النوم , وسنان : نعسان , هاجع : نائم
أُثيرُ القَطا الكُدْرِيَّ عَنْ جَثَماتهِ ... وَتألَفُني فيهِ الثّعَالبُ، والرُّبْدُ
أثناء سير الشاعر في البراري والقفار كان يوقض القطا الرمادي من أماكن جثومه ونومه , وقد اعتادت الثعالب والنعام على رؤيته .
الكدري : رمادي اللون . الرُّبْد : النعام الأسود
وأطْلَسَ مِلْءِ العَينِ يَحملُ زَوْرَهُ ... وأضْلاعُهُ منْ جَانبَيْهِ شَوًى نَهْدُ
يألف الشاعر ما سبق من الحيوانات مضافا إليها كائن آخر خطر ,
إنه ذئب أطلس اللون ـ أغبر يميل إلى السواد ـ ضخم ,كأنه يحمل صدره لثقله , وأضلاعه من جانبيه ضئيلة بارزة
أطلس : أغبر يميل للسواد , ملء العين: يملأ العين بضخامته , زوره : صدره , شوى : ضئيل .
لَهُ ذَنَبٌ مثلُ الرِّشَاءِ يَجُرّهُ ... وَمَتنٌ كَمَتنِ القَوْسِ أعوَجُ، مُنْأدّ
ذنبه مثل حبل البئر يجره وراءه وظهره مثل ظهر القوس معوج ومثني
الرشاء : حبل البئر , المُنْأَدّ : المنثني
طَوَاهُ الطّوَى حَتّى استَمَرّ مَرِيرُهُ ... فَما فيهِ إلاّ العَظْمُ والرّوحُ والجِلْدُ
لقد طوى جسمه جوع الليالي فازداد توحشا فلم يتبق منه إلا عظامه وروحه وجلده .
الطوى : الجوع بالليل ,
استمر مريره : ازداد كل ماهو مر فيه مرارة أي ازداد شراسة ووحشية
يُقَضْقِضُ عُصْلاً، في أَسِرَّتهِا الرّدى ... كَقَضْقَضَةِ المَقْرُورِ، أرْعدَهُ البَرْدُ
جعل الجوع أنياب الذئب المنحنية , وأنيابه بينها الموت , يقض بعضها بعضا كما تصطك أسنان المصاب بالبرد
يقضقض : الأصل أن الذئبُ يُقضقِضُ العظام أي يكسرها لكنه هنا أراد الاصطكاك بسبب شدة الجوع , عصلا : منحنية , المقرور : الذي يعاني البرد مأخوذة من القُرّ وهو البرد , أسرتها : وسطها
سَمَا لي، وَبي منْ شدّةِ الجوعِ ما به ... ببَيداءَ لمْ تُحْسَسْ بها عَيشَةٌ رَغْدُ
صعد الذئب إلى الشاعر الذي كان جائعا مثل الذئب , وكلاهما في بيداء خالية ليس فيها حياة رغيدة .
كلانا بها ذِئْبٌ يُحَدّثُ نَفْسَهُ ... بصَاحبهِ، والجَدُّ يُتْعِسُهُ الجَدّ
لقد تحول الشاعر في هذه البيداء إلى ذئب هو الآخر بسبب جوعه
وبدأ يفكر في أكل الذئب الذي ينوي أكل الشاعر أصلا ,
فكل واحد ـ الشاعر والذئب ـ ينظر للآخر وهو يفكر في طريقة لأكله .
والحظ السعيد قد يتحول إلى نحس حين يواجه حظا أقوى منه !!!!
الْجَدّ : الحظ
عوَى ثمّ أقْعَى، وارتَجَزْتُ، فهِجْتُه ... فأقْبَلَ مثْلَ البَرْقِ يَتْبَعُهُ الرّعْدُ
عوى الذئب ثم جلس لكي يطلق العواء , فردد الشاعر أبياتا يشجع بها نفسه , فهاج الذئب وانطلق مثل البرق نحو الشاعر .
أقعى : الإقعاء جلسة الذئاب والكلاب على مؤخرتها مع مد اليدين ,
ارتجزت : قلت بيتا من شعر الرجز وهو نوع يقال في ساعة الصراع ,
فأوْجَرْتُهُ خَرْقَاءَ، تَحسبُ رِيشَها ... على كوْكبٍ يَنقَضُّ واللّيلُ مُسوَدّ
أطلق الشاعر سهما طائشا نحو فم الذئب مباشرة وكأن ريش السهم على شهاب ساقط من السماء في سواد الليل
خرقاء : طائشة , أوجرته : الوجور دواء يوضع في طرف الفم وأراد أنه صوب السهم نحو فم الذئب
فَما ازْدادَ إلاّ جُرْأةً وَصَرَامَةً ... وأيْقَنْتُ أنّ الأمْرَ منْهُ هوَ الجِدّ
الذئب لم تثنه الرمية الطائشة عن عزمه على قتل الشاعر بل ازداد تصميما , وأيقن الشاعر أن الذئب جاد في قتله . . .
فأتْبَعْتُهَا أُخرَى، فأضْلَلْتُ نَصْلَها ... بحَيثُ يكونُ اللُّبُّ والرُّعبُ والحِقْدُ
فأرسل الشاعر سهما آخر فأضاع نصله في مكان العقل والرعب والحقد أي قلب الذئب !
أضللت : أضعت
فَخَرّ وَقَدْ أوْرَدْتُهُ مَنهَلَ الرّدَى ... على ظَمَإٍ، لَوْ أنّهُ عَذُبَ الوِرْدُ
فسقط الذئب وقد أورده الشاعر إلى غدير الموت ظمآنا ولكن مياه غدير الموت ليست عذبة !
أوردته : الورود الذهاب إلى موضع الماء , المنهل : مكان الماء
وقمتُ فجَمّعتُ الحَصَى، فاشتَوَيتُه ... عَلَيْهِ وللرّمضَاءِ من تحته وَقْدُ
قام الشاعر وأوقد النار واشتوى الذئب على الحصى الساخن زيادة على حر الرمضاء . وهذا يدل على أن صراعه مع الذئب استغرق زمنا طويلا
وَقْد : لهيب
وَنلْتُ خَسيساً منهُ، ثمّ تَرَكْتُهُ ... وأقْلَعْتُ عَنهُ، وَهْوَ مُنْعَفِرٌ فَرْدُ
أكل من لحم الذئب شيئا قليلا ثم تركه معفرا في التراب وحيدا ,
خسيسا : قليلا , منعفر : مصروع على التراب , فرد : وحيد



والآن جاء وقت الاستمتاع بقراءة القصيدة
أعد قراءة الأبيات باللون الأزرق

وآمل ان أكون قد وفقت في الشرح

وإلى لقاء آخر مع قصيدة أخرى وشاعر آخر ومناسبة أخرى

الفاضل 6
11-12-2010, 05:13 PM
عندما تعبر البهائم عن العشق . . . !!!


مرحبا بكم في العدد السادس من سلسة كنوز من التراث العربي

اليوم لا بُد من الترويح والبحث عن الفكاهة والطرافة , وإن لم نبحث عنها في أدبنا العربي فأين نجدها ؟
والقصيدة اليوم ظريفة إلى حد أن يظن بعقل ناقلها وشارحها الظنون ولو كان غيري لاستمتع بقراءتها وحرم منها القراء , لكني أردت أن أقدمها لك عزيزي القارئ لكي تطّلع على أظرف ما في الأدب العربي وتعرف أن ظرف العرب جاوز الحدود .
وشاعرنا اليوم هو بشار بن برد , واحد من أظرف الشعراء في تاريخ الأدب العربي , رغم كل ما يحكى عنه ,
وقصيدتنا اليوم تحكي نفسية عجيبة موغلة في الفكاهة إلى حدٍّ مرَضي لا نظير له في الأدب .
والقصة أنه قال : ركبت حماري فسقط ميتاً في الطريق ، فلم أعرف سبب موته حتى رأيته البارحة في المنام , فسألته: لماذا مت ؟ ألم أكن أحسن إليك , فقال: إنك ركبتني يوما فمررنا على باب الأصبهاني ، فرأيت أتاناً عند بابه ـ الأتان أنثى الحمار ـ ، فعشقتها فمت ! . وأنشدني شعرا .!

قال بشار بن برد على لسان حماره العاشق ! :

سَيِّدِي , مِلْ بِعِنَانِي ... نَحْوَ بَابِ الأَصْبَهَانِي
يتوسل الحمار إلى راكبه الذي لا يشعر بمعاناته ومُكابدته لوعة الحب ويطلب منه ان يغير اتجاه السير ! حتى يمر من أمام باب جاره الذي يدعى الأصبهاني

إِنَّ بِالبَابِ أَتَاناً ... فَضَلَتْ كُلَّ أَتَانِ
يقول الحمار الولهان : إن عند باب الأصفهاني حبيبته التي يفوق جمالها على كل أتان أخرى , إنها باختصار "مارلين مونرو" الحمير !

تَيَّمَتْنِي يَومَ رُحنَا ... بِثَنَايَاهَا الْحِسَانِ
لقد فتنته هذه الأتان بأسنانها الأمامية الجميلة !

وبِغُنْجٍ وَدَلالٍ ... سَلَّ جِسْمِي وَبَرَانِي
وفتنته أيضا بِتَغَنُّجِهَا وتدللها ! , الأمر الذي انحل جسمه !

وَلَهَا أُذْنٌ ذِرَاعٌ ... بِذِرَاعِ الشَّاهِ "مَانِي"
الآن ندخل في مقاييس الجمال بالنسبة للحمير ! إن طول أذن الأتان صفة جمالية معتبره في مواصفات الجمال عند الحمير ! وطول أذن أتان الأصبهاني التي فتنت حمار الشاعر يبلغ ذراعا ! بذراع الملك "مَانِي" الذي يبدو انه من أطول المقاييس .

وَلَهَا خَدٌّ أَسِيلٌ ... مِثْلَ خَدَّ الشَّيقَرَانِ
ولها خدُّ ناعم مثل خد الشيقران ,
ما هو الشيقران ؟
لا أدري !
وبشار ابن برد أيضا لا يدري !
وحين سألوه عن معنى هذه الكلمة
قال لهم : إن هذه الكلمة الغريبة من لغة الحمير ,
فإذا لقيتم حمارا فاسألوه !!!؟؟

فَبِهَا مِتُّ , وَلَوْ عِشْـ ... تُ إِذاً طَالَ هَوَانِي
فبسبب هذه القصة الغرامية المأساوية لقي الحمار مصرعه بسبب لوعة الغرام وتباريح الهوى ! ولو عاش أكثر لطالت معاناته .



وأرجو ان اكون قد وفقت في الشرح
وإلى لقاء آخر مع قصيدة أخرى وشاعر آخر ومناسبة أخرى

الفاضل 6
11-12-2010, 05:15 PM
من أقدم النصوص في تاريخ الأدب العربي ...





مرحبا بكم في العدد السابع من سلسة كنوز من التراث العربي

وقصيدتنا اليوم موغلة في القدم , لقد قيلت قبل ألفي سنة تقريبا فقد عاش الشاعر مابين (450 _ 380 ) قبل الهجرة .
وشاعرنا اليوم هو "جذيمة الأبرش" شاعر عاش في بلاد ما بين النهرين في فترة تاريخية تعرف بزمن ملوك الطوائف .
والقصة أنه كان في مهمة حربية هو وكتيبة من الشباب , وكان هو القائد , وقد كان ينفذ انسحابا ميدانيا وكان العدو يطارد كتيبة الشاعر , وحين غابت الشمس كان من المفترض أن يناموا في أحد الأودية, كما يبدو , لكن الشاعر أصر على المبيت على قمة الجبل , مبالغة في الحرص والحفاظ على سلامة كتيبته , ثم جاءت بعدهم كتيبة أخرى من قوم الشاعر ونامت مكانهم في الوادي , فهجم عليهم الأعداء وقتلوهم عن بكرة أبيهم , ثم عاد الشاعر إلى قومه وعلم بما حدث للباقين فقال هذه الأبيات الخمسة التي تلخص الموقف .

قال جذيمة الأبرش :

رُبَّمَا أَوْفَيتُ في عَلَمٍ ... تَرْفَعَنْ ثَوبِي شَمَالاتُ
يقول ربما صعدت رأس جبل وترفع عباءتي الرياح القادمة من الشمال
أوفيت : صعدت القمة , علم : جبل ,شمالات : الرياح الشمالية
في فُتُوٍّ أَنَا كَالِئُهُمْ ... في بَلايَا غَزْوَةٍ بَاتُوا
كان الشاعر يصعد الجبل ومعه كتيبة من الشباب المحاربين هو قائدهم والمحافظ على سلامتهم على قدر طاقته
بات هؤلاء الشباب هم والشاعر يكابدون أهوال الغزوة والحرب
فتو : جمع فتى , كالئهم : حافظهم

ثُمَّ أُبْنَا غَانِمِينَ مَعاً ... وَأُنَاسٌ بَعْدَنَا مَاتُوا
عاد الشاعر هو ورفاقه سالمين غانمين ولكن كتيبة أخرى نامت في الوادي فعرف الأعداء مكانهم وهجموا عليهم وقتلوهم جميعا
أبنا : رجعنا

نَحْنُ كُنَّا في مَمَرِّهِمُ ... إِذْ مَمَرُّ القَوْمِ خَوَّاتُ
يتفكر الشاعر في أمره ويحدث نفسه " لقد كنا مكانهم " حين كان الوادي طريقا للغدر بمن ينزله .
الخوات : الغدار

لَيتَ شِعْرِي مَا أَمَاتَهُمُ ... نَحْنُ أَدْلَجْنَا وَهُمْ بَاتُوا
شعراء الجاهلية يتخبطون دائما في معرفة أسرار الكون والحياة ومن هذه الأمور أمور الموت والحياة والقدر , فيقول ليتني اعرف سبب موتهم لقد كان السبب عند الشاعر انه سار هو وأصحابه في الليل ونام الباقون إلى الأبد !
أدلجنا : سرنا الليل كله .

وأرجو من الله أن أكون قد وفقت في الشرح
وإلى لقاء آخر مع قصيدة أخرى وشاعر آخر ومناسبة أخرى

د. سامي
19-12-2010, 10:06 PM
رائع إختيارك و مجهودك الجبار في تجميع هذه الدرر من تراث أصيل فيه وعرضهم علينا ههنا بهذا التميز أخي الفاضل....
تقبل مني مرورا متواضعا على صفحات خالدة بمحتواها..
وتقييما مستحقا للموضوع و صاحبه..
ودمت في حفظ الرحمن و رعايته

daisy
19-12-2010, 10:24 PM
:clap::clap::clap:

الفاضل 6
20-12-2010, 12:00 PM
رائع إختيارك و مجهودك الجبار في تجميع هذه الدرر من تراث أصيل فيه وعرضهم علينا ههنا بهذا التميز أخي الفاضل....
تقبل مني مرورا متواضعا على صفحات خالدة بمحتواها..
وتقييما مستحقا للموضوع و صاحبه..
ودمت في حفظ الرحمن و رعايته

جزاك الله كل خير على التقييم
ونعدكم بالمزيد إن شاء الله

الفاضل 6
29-12-2010, 10:12 PM
خواطر أمير عباسي . . .

مرحبا بكم في العدد الثامن من سلسة كنوز من التراث العربي
شاعرنا اليوم هو ابن المعتز ( 247 - 296 هـ ) الأمير العباسي الذي تقلد الخلافة يوما واحدا .
وقصيدتنا اليوم كشفت جانبا من الحرب الخفية بين العلويين والعباسيين . وليس هذا هو ما يهمنا , الذي يهمنا أن فيها بعض المعارف التي كان الأمراء في ذلك العصر يتعلمونها لأنها من لوازم السياسة .
لكنه كان مخطئا للغاية حين وجه خطابا شديد اللهجة لأقاربه العلويين . وكشف هذا التصرف أنه مهما تعلم السياسي فلن يجعله ذلك يتصرف بشكل جيد دائما . فالمعرفة تزيل الجهل لكنها لن تجعل صاحبها أكثر ذكاءً .


قال ابن المعتز :

ألا مَنْ لِعَينٍ وتَسْكَابِها،...تَشَكَّى القذى ، وهواها بِها
يتساءل الشاعر عمن يوقف سكب دموعه , إن فراق من أحب كان كالقذى الذي أسال دموعه ، فعينه تشتكي الألم ولكن العين تحب من أسال الدموع .

تمنتْ شريرَ على نَأْيِها ،...و قد ساءها الدهرُ حتى بِها
إنه عينه تتمنى رؤية حبيبته " شَرِير" ـ ما هذا الاسم الغريب ؟ـ وقد أساءت إليه الأيام حتى بفقد حبيبته .

وأمسَتْ ببغْدادَ محجوبة ... بِردِّ الأسودِ لطلابِها
لقد أمست في بغداد تحجبها الأسود ( الحراس ) عمن يود رؤيتها

ترامَتْ بنا حادِثاتُ الفراق،...ترامي القِسِيِّ بنُشَّابِها
لقد رمى الفراق بكل واحد من الحبيبين في اتجاه مختلف كما ترمي الأقواس بالسهام .

وظلّتْ بغيرِكَ مشغولَة ً،...فهيهاتَ ما بِكَ مِمَّا بِها
لقد صارت مشغولة بغيره فما أشد الفرق بين حاله وحالها .

ثم يتوقف عن الغزل وألم الفراق وينتقل إلى موضوع القصيدة :

ويا رُبَّ ألسِنَة ٍ كالسّيوفِ...تُقَطِّعُ أعنَاقَ أصحابِها !
إن بعض الألسنة حادة للغاية لكنها لن تقطع إلا رأس صاحبها !.

و كم دُهِيَ المرءُ من نفسه ،...فَلا تُؤكَلَنّ بأنيابِها
كم أصيب المرء بالدواهي بسبب عدم ضبطه لنفسه
فينصحنا أن نحذر من أنفسنا فإنها غول لها أنياب قد تأكل صاحبها .
والمعنى : اضبط نفسك جيدا حتى تحين الفرصة المناسبة

فإن فرصة ٌ أمكنتْ في العدُ...وَّ ، فلا تُبدِ فِعْلَكَ إلاّ بِها
فإن حانت لك فرصة في عدوك فاترك كل عمل آخر واغتنمها .

فإن لم تَلِجْ بابَها مُسرعاً،...أتاكَ عدوُّك من بابِها
إذا لم تغتنم الفرصة بسرعة فلا تلم إلا نفسك , فلن يترك العدو فرصة مماثلة لو أتيحت له .

وَإيّاكَ مِنْ نَدَمٍ بَعْدَها ... وَتَأْمِيلِ أُخْرَى وَأنَّى بِها
إذا فاتتك الفرصة فلا تندم عليها , ولا تنتظر فرصة أخرى فلن تجد فرصة أخرى .

ومَا ينتقِصْ من شَبابِ الرّجال...يَزِد في نُهَاها وألْبابِها
كلما رحل عنك الشباب ونقص , زاد عليك عقلك بإقبال المشيب !

بعد كل هذه الحكم والبلاغة .
ارتكب الشاعر غلطة فضيعة حين جعل كل هذا مقدمة لكي يوجه خطابا لاذعا لبعض العلويين .

نصحتُ بني رَحِمِي ، لو وَعوا ،...نصيحَة َ بَرٍّ بأنسابِها
لقد نصح أقاربه العلويين ، الذين لم يفهموه ، نصيحة من لا ينسى الوفاء لأهل القربى .

وراموا فرائسَ أسْدِ الشَّرى ،...وقد نَشِبَتْ بين أنيابِها
لقد أرادوا انتزاع فريسة العباسيين ( الخلافة ) ! ولم يعلموا أنها عالقة بين أنيابهم .

دعوا الأُسدَ تفرِسُ ، ثمّ اشبعوا ،...بما تَدَعُ الأُسدُ في غابِها
هذا البيت في غاية السفه
يقول لهم دعونا نفترس الدنيا ثم كلوا منها ما نتركه لكم !

قَتَلنَا أُمَيّة َ في دارِهَا،...ونحنُ أحقُّ بأسلابِها
يفتخر بأن العباسيين أبادوا أبناء عمومتهم الأمويين إذا فهم أحق بغنائم الحرب ( الخلافة )

وكم عُصبَة ٍ قد سقَت مِنكُم الْـ...ـخلافةُ صاباً بأكوابِها
وكم منكم من ذاق المر والعلقم بسبب طلب الخلافة
هنا تبلغ الحماقة ذروتها ,
ليس لأن المعنى سيتطرق لمآسي آل البيت فقط ,
بل لأن العباسيين اصطدموا مع العلويين في صراعات متعددة
منها معركة أحجار الزيت ومعركة باخمرى ومعركة فخ .
الأمر الذي سيثير الأحقاد والضغائن بشكل غير متوقع .

و لما أبى اللهُ أن تملِكوا ،...نهضنا إليها ، وقمنا بِها
هنا نأتي لفكرة من أخطر الأفكار التبريرية العربية وهي فكرة " الجبرية "
والتي تقوم على أن وجود الحاكم " الظالم تحديدا " هو أمر قهري قدري فلا تستنكر ! ...
نعم عندما ينتشر الجهل بدين الله سيكون الظلم أمرا حتميا .

وما ردّ حُجّابُها وافِداً...لنا، إذ وقَفنا بأبوابِها
يقول إن الخلافة قد سمحت لهم بدخول بيتها
بعد أن ردت غيرهم
(وما يدريك لعله استدراج ! )

فمهلاً بني عمنا إنها... عطية ُ ربٍّ حَبَانا بِها
يطلب منهم التمهل لأن المسألة مسألة منحة إلهية ,
نعم أعطاكم الله الدنيا
وأعطاهم الآخرة .
والنجاة من الحساب على مظالم العباد .

وأُقسِمُ أنّكُمُ تَعلمون...بأنا لها خيرُ أربابِها
يقسم أن العلويين يعلمون أن العباسيين خير أرباب الخلافة
ونقول له : إن العادل هو خير أرباب الخلافة أيًّا كان نسبه .
فإن لم يعدل فالموعد عند الله ولن ينفعه النسب .



وأرجو من الله أن أكون قد وفقت في الشرح .
وإلى لقاء آخر مع قصيدة أخرى وشاعر آخر ومناسبة أخرى

د. سامي
31-12-2010, 05:56 PM
إضافة رائعة أخي الفاضل..
سلمت يداك..
انما القصائد بما تضيف من شرح كنز يضاف الى التراث الذي تتحفنا به ههنا...
تحياتي و تقديري لذوقك و مجهودك..

الفاضل 6
31-12-2010, 06:37 PM
أخي د . سامي
ألف شكر على المرور والتعليق

والقادم أجمل إن شاء الله

الفاضل 6
22-01-2011, 04:08 PM
فلسفة + شاعرية = المتنبي ...



مرحبا بكم في العدد التاسع من سلسلة كنوز من التراث العربي ....
حين تتحول الفلسفة إلى قصيدة ممتعة فنحن نتحدث عن المتنبي ولا شك
هناك كثير من الشعراء حاولوا أن يسكبوا الحِكَم في أوزان الخليل
لكنهم لم ينجحوا كما نجح المتنبي
وهذه القصيدة اقتنص فيها النقاد مصادر الحكمة التي تعامل معها المتنبي
كما يتعامل صائغ الذهب المحترف مع سبيكة جديدة
حتى يحولها إلى عقد ذهبي رائع على جيد حسناء
العقد الرائع هو القصيدة
الذهب هو الحكمة
جيد الحسناء هو لغة العرب
ولنذهب للقصيدة . . .

قال المتنبي :

لا بُدّ للإنْسانِ من ضَجعَةٍ ... لا تَقْلِبُ المُضْجَعَ عن جَنبِهِ
لا بد ان ينام الإنسان نومة لا ينقلب بعدها إلا إلى القيامة


يَنسى بها ما كانَ مِن عُجْبِهِ ... وَمَا أذاقَ المَوْتُ من كَرْبِهِ
إذا ذاق المرء كرب الموت وأضجع في القبر نسي الكبر والعجب والغطرسة !

نَحْنُ بَنُو المَوْتَى فَمَا بَالُنَا ... نَعَافُ مَا لا بُدَّ مِنْ شُرْبِهِ
نحن أولاد الموتى فلماذا نخاف من الموت ؟

أخذها من هذه الحكمة :
قال الحكيم :
إذا كان تلاشي الأرواح من كرور الأيام ، ـ أي مضي الأيام ـ
فما بالنا نعاف رجوعنا إلى أماكنها .
أي أن دوران الأيام يمر بك على الموت
كما يمر دوران الأرض حول الشمس بنا على الفصول الأربعة

تَبْخلُ أيدِينَا بأَرْوَاحِنَا ... عَلَى زَمَانٍ هِيَ مِن كََسْبِهِ
الزمان قد يعني به الدنيا وقد يعني به الحياة
يقول : نحن نجبن عن التضحية بأرواحنا في مواجهة
مصاعب الحياة التي سيطرت علينا فعليا ,
أي يجب أن نجاهد من أجل التحرر من أسر الدنيا .
" ما الذي يريد أن ينطلق نحوه المتنبي حين يتحرر من قيود الدنيا
وقد وصل إلى هذه القمة من العبقرية " ؟!

فهذه الأرْواحُ منْ جَوِّهِ ... وهذهِ الأجْسَامُ مِن تُرْبه
يقول من شدة امتلاك الدنيا لنا أننا امتزجنا بها دون أن نلاحظ
هذه الأنفاس من هوائها , وهذه الأجساد من ترابها !
فكيف لا تسيطر علينا ؟

أخذ الفكرة العامة للبيت ثم طورها ليصل إلى هذا المعنى

من قول الحكيم:
اللطائف سماوية، والكثائف أرضية،
وكل عنصر عائد إلى عنصره الأول.

اللطائف يقصد بها كل شيء خفيف كالهواء والبخار مثلا
فهي في أصلها من الجو والسماء
والكثائف يقصد بها كل شيء صلب فمصدرها من الأرض
فكل شيء صلب مصدره أرضي وكل شيء لطيف مصدره سماوي

هكذا كانت الكيمياء القديمة على زمن المتنبي
ـ هذا الرجل منجم لا ينضب لمعارف عصره ـ

لَو فَكَّرَ العَاشِقُ في مُنْتَهَى ... حُسْنِ الذي يَسْبِيهِ لم يَسْبِهِ
لو فكر العاشق في نهاية جمال محبوبته حال الشيخوخة
أو حال الموت لما نحل جسمه بسبب الحب .

يسبيه : أي ينحل جسمه
أخذها من قول الحكيم: النظر في عواقب الأمور يزهد في حقائقها،
والعشق يعمى الحس عن إدراك رؤية نهاية المعشوق .

لم يُرَ قرنُ الشمسِ في شَرْقِه ... فَشَكَّتِ الأنفسُ في غَرْبِهِ
لم ير الإنسان لحظة ولادته فهو ينسى لحظة موته !
فالذي ينسى نهايته كالذي يشك في غروب الشمس
لأنه لم يرها ذلك اليوم حال الشروق

أخذها من قول الحكيم : آخر التوقي أول موارد الخوف .
والذي يعني التفكير في النهاية هو بداية طريقك نحو الحذر

يَمُوتُ رَاعِي الضَّانِ في جَهْلِهِ ... مِيتَةََ جَالينُوس في طِبِّهِ
طعم الموت واحد عند العالم وعند الجاهل

ورُبَّما زَادَ عَلَى عُمْرِهِ ... وَزَادَ فِي الأَمْنِ على سِرْبِهِ
وربما كان راعي الضان أسعد حياة وأطول عمرا

وغاية المُفرطِ في سِلْمِهِ ... كغَايةِ الْمُفرِطِ فِي حَربِهِ
نهاية المحارب كنهاية رجل السلام !

فَلا قَضَى حاجَتَهُ طَالِبٌ ... فُؤَادُهُ يَخْفِقُ مِنْ رُعْبِهِ
يدعو على الجبناء بألا يوفقهم الله لشيء في هذه الدنيا !!!

وآمل أن أكون قد وفقت في إيصال الفكرة
وإلى لقاء آخر مع قصيدة أخرى وشاعر آخر ومناسبة أخرى

Mera
22-01-2011, 11:33 PM
الأخت Mera (http://www.rewayat2.com/vb/member.php?u=10121)
جزاك الله كل خير على المجهود والتنسيق المبدع
وأعدكم بالمزيد من الكنوز . . .

جزانا و اياكم اخى الفاضل
بارك الله فيك
و فى انتظار المزيد من ابداعاتك باذن الله

daisy
23-01-2011, 05:51 PM
شكرا على الموضوع القيم والشرح الوافى :)

الفاضل 6
23-01-2011, 06:46 PM
شكرا على الموضوع القيم والشرح الوافى :)
ألف شكر على المرور

الفاضل 6
30-01-2011, 11:28 PM
بحر المتدارك , حين ترقص الأبيات رقصة الوداع ...

مرحبا بكم في العدد العاشر من سلسلة كنوز من التراث العربي ...
هذه القصيدة للشاعر الأندلسي
عبد الجبار بن حمديس الصقلي ( 447 - 527 هـ )

والبحر هو المتدارك ,
البحر الذي أفلت من قبضة الفراهيدي
وتداركه العروضيون
ولم يصح أن الذي تداركه هو الأخفش
والقصيدة تذكر الفراق والوداع كما هو الحال عند العرب في البادية
ولم أشرحها حتى لا أفسد تتابع إيقاع الأبيات

قال عبد الجبار بن حمديس :

أَرَأَيْتَ ـ لَنَا ـ وَلَهُمْ ـ ظُعُنَا ... وَصَنِيعَ ـ الْبَيْنِ ـ بِهِمْ ـ وَبِنَا
أَرَأَيْتَ ـ نَشَاوَى ـ قَدْ ـ سَكِرُوا ... بِكُؤُوسِ ـ نَوًى ـ مُلِئَتْ ـ شَجَنَا
وَمَهًا ـ نَظَرَتْ ـ وَنَواظِرُهَا ... خُلِقَتْ ـ لِنَوَاظِرِنَا ـ فِتَنَا
رَحَلُوا ـ فَأَثَارَ ـ رَحِيلُهُمُ ... مِنْ ـ حَرِّ ـ ضُلُوعِكَ ـ مَا ـ كَمُنَا
وحَسِبْتُ ـ سَرَابَ ـ تَتَابُعِهِمْ ... لُجَجًا ـ وَرَكَائِبَهُمْ ـ سُفُنَا
مِنْ ـ كُلِّ ـ مُودِّعَةٍ ـ نَطَقَتْ ... بالسّرِّ ـ مَدَامِعُهَا ـ عَلَنَا
وَرَمَتْكَ ـ بِمُقْلَةِ ـ خَاذِلَةٍ ... هَجَرتْكَ ـ وَعَاوَدَتِ ـ الْوَسَنَا
وَتَرَى ـ لِلسِّحْرِ ـ بِهَا ـ حَرَكًا ... فِيهِ ـ تُؤْذِيكَ ـ إِذَا ـ سَكَنَا
كَثُرَتْ ـ فِي الحُبِّ ـ بِهَا ـ عِلَلِي ... فَظَهَرْتُ ـ أَسىً ـ وَخَفَيْتُ ـ ضَنَى
يَا وَجْدِي ـ كَيْفَ ـ وَجَدْتَ ـ بِهِ ... رُوحِي ـ وَغَدَوْتَ ـ لَهُ ـ بَدَنَا
دَعْ ـ ذِكْرَ ـ نُزُوحٍ ـ عَنْكَ ـ نَأَى ... وَتَبَدَّلْ ـ مِنْ ـ سَكَنٍ ـ سَكَنَا
وَنُزُولَ ـ هَواكَ ـ بِمَنْزِلَةٍ ... كَتَبَتْ ـ زَمَنَا ـ وَمَحَتْ ـ زَمَنًا

وإلى لقاء آخر مع قصيدة أخرى وشاعر آخر ومناسبة أخرى ...

د. سامي
31-01-2011, 05:38 PM
إضافة أكثر من رائعة أخي الفاضل..
وللحق لها موسيقى متميزة و إيقاع جميل..
كل الشكر لاختيارك و ذوقك و إثرائك الصفحات بما تضع عليها بين أيدينا من درر...
احترامي و تقديري لك و لمجهودك المتميز..
وجزاك الله كل خير

الفاضل 6
31-01-2011, 05:43 PM
إضافة أكثر من رائعة أخي الفاضل..
وللحق لها موسيقى متميزة و إيقاع جميل..
كل الشكر لاختيارك و ذوقك و إثرائك الصفحات بما تضع عليها بين أيدينا من درر...
احترامي و تقديري لك و لمجهودك المتميز..
وجزاك الله كل خير

جزاك الله خيرا على المرور والتعليق

الفاضل 6
28-02-2011, 08:43 PM
قصيدة رعب وأساطير أخرى ...

مرحبا بكم في العدد الحادي عشر من سلسلة كنوز من التراث العربي
شاعرنا اليوم هو ثابت بن جابر وله اسم ظريف : " تأبط شرا " !
والقصيدة تتحدث عن مواجهة مع مخلوق غريب مخيف (الغول) والقصة أعتقد أنها برمتها أسطورة إلا أن البحث في هذا الموضوع جعلني أمر بعجائب وغرائب أنستني القصيدة ذاتها فرتبت للقارئ الكريم كل ما يتعلق بالغيلان في الثقافة العربية

ولننصت الآن للخبراء العرب في هذا المجال فهم أفهم منا بأمور الغيلان

أولا : معلومات عن أسماء الغيلان
الغيلان يقول بعضهم هي من الجن لكنها تمتهن السحر
و منها الذكور ومنها الإناث
فالذكر يسمى : يسمى الكعيكع
والأنثى تسمى السعلاة
والواحد من أولاد الغيلان يسمى : القُطروب أو القُطرب
وتسمى السعالي أيضا بَنَات سَعْسَان
وأم السعالي تسمى السَعْسَلِق ..! عن (الصحاح في اللغة)

ثانيا : وصف لقاءات مع الغيلان
يقول العرب بأن الغيلان لا تقاتل بل تخيف وتسحر وتصنع صورا خيالية مخيفة
يقول احدهم : " السَّعالي هم سَحَرَةُ الجِنِّ يعني أَن الغُولَ لا تقدر أَن تَغُول أَحداً وتُضِلَّه ولكن في الجن سَحَرة كسَحَرة الإِنس لهم تلبيس وتخييل "
ومن طرق الإخافة إيقاد النيران حول المسافرين والغناء
يقول أحد الخبراء :
"يحكى أن السعالى توقد ناراً حوالي الإنسان تخوفهم بها".

قال عبيد الأبرص:
ولله دَرُّ الغُولِ أيُّ رفيقةٍ ... لصاحِبِ قَفْرٍ خائفٍ يَتَقَتَّرُ
ما أحلى مصاحبة الغول في صحراء مقفرة خالية
لإنسان خائف يبحث عن الرزق
فلما رأتْ أَلاَّ أُهَالَ وأنني ... شُجاعٌ إذا هُزَّ الجَبَان المطيَّرُ
لما رأت أنني شجاع لا يهولني شيء
أتَتْنِي بِلَحْن بعد لحْنٍ وأوْقَدَتْ ... حَوَالَيَّ نيراناً تَبُوخُ وتَزْهَرُ
أخذت تغني مرة بعد مرة وأخذت توقد نيرانا تخبو مرة وتشتعل مرة

ثالثا : التزاوج بين البشر والسعالي
ومن الأساطير أن أحد العرب في الجاهلية تزوج إحدى السعالي !
قال أحد الخبراء : " وقالوا إن عمرو بن يربوع تزوج الغول وأولدها بنين ومكثت عنده دهرا فكانت تقول له إذا لاح البرق من جهة بلادي وهي جهة كذا فاستره عني فإني إن لم تستره عني تركت ولدك عليك وطرت إلى بلاد قومي فكان عمرو بن يربوع كلما برق البرق غطى وجهها بردائه فلا تبصره " عن (شرح نهج البلاغة )
ولكن في النهاية :
: " ... فلما رأت برقاً يلمع من نحو ديارهم حنت فطارت إليهم !" عن ( محاضرات الأدباء )
حنّت : أي اشتاقت لأهلها .

رابعا : أماكن تستوطنها الغيلان :
جزيرة السعالي :
بقرب البحر المظلم الغربي ـ أي المحيط الأطلسي ـ فيها خلق كخلق النساء ولهم أنياب بادية وعيونهم كالبرق وسوقهم كالخشب المحرقة يتكلمون بكلام لا يفهم ويحاربون الدواب البحرية، ولا فرق بين الرجال منهم والنساء ... ولا لحى لرجالهم، ولباسهم ورق الشجر. " عن (الروض المعطار في خبر الأقطار)

ومن مواطنها مكان يقال له " بِطَان " :
"بطان هذا تزعم العرب أنه معمور لا يخلو من السعالي والغول "
" ورحاه وسطه " فيقال "رحى بطان"

وأخيرا نختم الموضوع بقصيدة ثابت بن جابر
والقصة كما يبدو أنه كان في سفر والتقى بمخلوق غريب
وأنه وقف كلاهما ـ الشاعر والمخلوق الغريب ـ يتأمل الآخر قليلا
ثم انطلقت الغول نحو الشاعر و... لن أفسد القصة :

قال ثابت بن جابر " تأبط شرا " :

ألا مَنْ مُبلغٌ فتيانَ فهمٍ ... بِمَا لاَقَيْتُ عِنْدَ رَحَى بِطَانِ
من سيبلغ شباب قبيلة "فهم" بهذا الخبر العاجل :
لقد واجهت شيئا فضيعا في مكان يقال له " رحى بطان "

بأني قد لقيتُ الغولَ تهوي ... بِقَفْرٍ كَالصَّحِيفَةِ صَحْصَحَانِ
لقد واجهت الغول تجري بصحراء خالية مستوية
صَحْصَحَان:وهي الأرض المستوية الواسعة

فقلتُ لها : كلانا نضوُ أرضٍ ... أَخُو سَفَرٍ فَخَلِّي لِي مَكَانِي
فقلت للغول أنا وأنت أتعبنا السفر فابتعدي عني
أو دعيني أمر بسلام

فَشَدَّتْ شَدَّةً نَحْوِي فَأَهْوَى ... لها كفِّي بمصقولٍ يماني
فانطلقت الغول نحوي بسرعة , فضربتها بسيفي المصقول يمني الصنع

فأضرِبُها بلا دهشٍ فخرَّت ... صَرِيعاً لِلْيَدَيْن وَلِلْجِرَانِ
فكنت أضربها بلا ارتباك فسقطت على يديها ونحرها

وهذا البيت يعجب الأدباء بطبيعته المسرحية
أي كأن الشاعر أثناء إلقاء هذا البيت كان يمثل أمامهم مشهد قتل الغول

يقول أحد أهل الأدب :
"كيف سلك في ( فأضربها بلا دهش ) قصدا على أن يصور لقومه الحالة التي تشجع فيها بضرب الغول , كأنه يُبصّرهم إياها ويطلعهم على كنهها ويتطلب منهم مشاهدتها تعجيبا من جرأته على كل هول وثباته عند كل شدة . " عن ( مفتاح العلوم )
الجران: جلد الحلق

فقالت عد فقلتُ لها رويداً ... مكانك إنّني ثبتُ الجنانِ
أظن أن هذه الأبيات الأخيرة قد أضافها بعض الرواة
لكي يجعلوا القصة مسلية أكثر
يقول : عندما انصرفت بعد أن ظننت أنها ماتت
إذا بها تقول عُدْ إلَيّ !
فقلت لها إنتظري لست جبانا إنني رجل ثابت القلب

فَلَمْ أَنْفَكَّ مُتَّكِئاً عَلَيْها ... لأنظرَ مُصبحاً ماذا أتاني
فبقيت طوال الليل متكئا على الغول
حتى يصبح الصباح وأنظر إلى هذا المخلوق الغريب

إذا عينان في رأسٍ قبيحٍ ... كَرَأْسِ الْهِرِّ مَشْقُوقِ اللِّسَانِ
فإذا لها عينان في رأس مخيف كرأس القط يخرج منه لسان مشقوق

وَسَاقَا مُخْدَجٍ وَشَوَاةُ كَلْبٍ ... وثوبٌ من عباءٍ أو شنانِ
ولها ساقان مثل ساقي خداج أي ساقان قصيرتان
ولها أطراف كأطراف الكلب ,
وجلدها بعضه مكسو بالصوف
وبعضه جلد خشن .
مخدج: ناقص الخلق، الشواة: الأطراف، الشنان: جلد القربة البالي.

وآمل أن أكون قد وفقت في الشرح وفي الموضوع

وإلى لقاء آخر مع شاعر آخر وقصيدة أخرى ومناسبة أخرى

daisy
28-02-2011, 09:12 PM
شكرا على المجهود الرائع

احمد الرميسى
03-03-2011, 09:34 PM
قصيدة أكثر من رائعة

د. عروة
03-03-2011, 09:42 PM
موضوع أكثر من مميز .. وأنا أعشق هذه النوعية من المواضيع
تحياتي ومتابع معك بإذن الله

حازم إمام
04-03-2011, 06:29 AM
جميلة القصيدة يا أخي ..كنت أعرف منها بعض الأبيات مسبقًا والتي اشتهرت على سبيل الحكم

لولا شرحك لجو النص ما فهمت الغرض منها
تحياتي لك

أشكرك ع الدعوة

الفاضل 6
04-03-2011, 11:26 AM
جزاكم الله خيرا على المرور والتعليق

لكن أظن أن البعض لم يقرأ إلا أول قصيدة "قصيدة ابن زيدون "

وهي القصيدة رقم 1

والقصائد المختارة في هذه السلسلة ( كنوز من التراث العربي )

وصل عددها إلى 11

محمود رمضان
04-03-2011, 01:09 PM
حقيقة أخي الفاضل
أول مرة أسمع هذا الكلام
وأتمنى لو كان موثقا بمصادر
لكن حقيقة شرحك رائع أيها الغول :harhar1:
بارك الله فيك وجزاك الخير

الفاضل 6
05-03-2011, 07:56 PM
حقيقة أخي الفاضل


أول مرة أسمع هذا الكلام
وأتمنى لو كان موثقا بمصادر
لكن حقيقة شرحك رائع
بارك الله فيك وجزاك الخير


عدلت الموضوع وذكرت المصادر أخي محمود
وشكرا على المرور والتعليق

د. سامي
08-03-2011, 05:56 PM
سلمت يداك أخي الفاضل
و كل الشكر لجميل إختيارك و تميزه..
للحق لم أكن أعلم الكثير مما ذكرت,
فكل الشكر لمجهودك و سعيك و لإثراء الصفحات بهاتيك الدرر..:icon31:
بارك الله فيك و جزاك عنا كل خير..
تحياتي و تقديري

الفاضل 6
08-03-2011, 08:06 PM
سلمت يداك أخي الفاضل
و كل الشكر لجميل إختيارك و تميزه..
للحق لم أكن أعلم الكثير مما ذكرت,
فكل الشكر لمجهودك و سعيك و لإثراء الصفحات بهاتيك الدرر..:icon31:
بارك الله فيك و جزاك عنا كل خير..
تحياتي و تقديري

جزاك الله خيرا على المرور والتعليق
وبارك الله فيك
وفي زمن "جوجل" ومحركات البحث لا شيء يتعب المرء
فقط ما يعجبني من القصائد أردت أن أضعه هنا
لكي يعلق بذاكرتي أكثر وأشارك القراء في المنتدى الخواطر حوله

الفاضل 6
23-03-2011, 11:05 PM
مازلنا مع الرعب ...
حين يكون العاشق مجنونا ... بالفعل ... !

مرحبا بكم في العدد الثاني عشر من سلسلة كنوز من التراث العربي

" بعض القراء ملّ هذه المقدمة لكني أعده أن أكررها إلى أن ينسى أنها مملة ! "

شاعرنا اليوم هو شاعر مجنون إلا أنه غير معروف بالنسبة لي , أي أن قائل القصيدة غير محدد
وإن كان هناك من نسب هذه الأبيات إلى عبد السّلام بن رغبان المشهور بديك الجنّ الحمصي
ثم بعد أن نسبها إليه لفق قصة كاملة للأبيات ,
هذا ما أراه .
وطبعا من الأدباء من ينسبها إلى غير ديك الجن
ولكني أخمن أن الشاعر الأصلي مجنون وغير معروف

والأبيات تحكي قصة رعب " جريمة قتل غرامية بمعنى الكلمة "
وهي تحوي مشهدا مرعبا للغاية
حيث لقيت امرأة مصرعها على يد عاشق مجنون حقيقة
إلا أن البيتين الأخيرين يذكر فيهما الشاعر سبب قتله للمرأة التي أحبها ...
وهو الغيرة بسبب الوساوس كما يبدو

وهذا هو ما يجعل القصة التي ذكرها الأدباء باطلة لأنها لا تتسق مع القصيدة

ما نوع العلاقة في القصة ؟
هناك عدة احتمالات

الأول : قد تكون علاقة آثمة وانتهت بمحاولة قطع العلاقة فكانت النتيجة هي هذه الجريمة

الثاني : قد يكون زواجا على سنة الله ورسوله ولكن الزوج مصاب بالوساوس وهو يشك في زوجته إلى أن قتلها في النهاية

الثالث : قد تكون المرأة " جارية " أرادت أن تتلاعب بعقل مجنون لتضحك عليه فأحبها ثم دفعت ثمن ذلك بسبب عقله المقلوب

الرابع : القصة التي ذكرتها كتب الأدب أنها جارية للشاعر اكتشف أنها تخونه فقتلها وهذه لا تتسق مع سياق القصيدة

وفي النهاية الله أعلم

لكن لا شك أبدا في أن الشاعر مجنون فعلا أو مصاب بمرض نفسي خطير ,
أترككم مع الأبيات

قال الشاعر العاشق القاتل المجنون :

يا طلعةً طلع الحِمامُ عليها ... وجَنَى لها ثَمَرَ الرَّدَى بِيَدَيْهَا
يذكر الشاعر الطلعة البهية لحبيبته , تلك الطلعة البهية التي طلع عليها الموت ,
لقد اقتطف لها الموت ثمار الهلاك بيديها هي

رَوَّيْتُ من دَمِها الثَّرَى ولطالَما ... رَوَّى الهوى شَفَتَيَّ من شَفَتَيْها
لقد أروى التراب الظامئ بدمائها ...

أجريت سيفي في مجال خناقها ... ومَدامِعِي تجري على خَدَّيْها
هنا يتصور الرعب والبشاعة والحب والجنون في بيت واحد
لقد كان يبكي أثناء فصل الرأس عن الجسد !

الآن انتهى مشهد القتل
ولننتقل للسبب
لكنه قبل أن يذكر السبب أقسم على شيء ...

فوَحَقِّ نَعْلَيْها وما وطئ الحَصَى ... شيءٌ أَعَزُّ عَلَيَّ من نَعْلَيْها !
يقسم بأحذيتها أنه يحبها !
فلا يوجد عنده ما هو أعز على نفسه من أحذية حبيبته !
طبعا الرجل مجنون والمجنون مرفوع عنه القلم

ما كان قَتْلِيها لأني لم أكُنْ ... أبكِي إذا سَقَطَ الغبارُ عليها
هنا ينفي أن سبب القتل هو الكراهية بل الغيرة التي سيذكر سببها لاحقا
لكن لنا وقفة مع هذا البيت الغريب
هذا البيت بحاجة إلى تفكير عميق لأن المجانين يبتكرون تعبيرات فريده :
يقول :" لم يكن قتلها بسبب أنني لم أكن أتألم عندما تتألم " !
هذه هي الجملة التي تلخص ما أراد قوله

وعبارة : ( لم أكُنْ أبكِي إذا سَقَطَ الغبارُ عليها )
كناية عن عدم الاكتراث للألم
بمعنى ان الشاعر يبرئ نفسه من السادية

لو لم يكن مجنونا لكان بإمكانه أن يقول بكل سهولة :
قد كنت أبغضُ قتلها بل إنني ... أبكِي إذا سَقَطَ الغبار عليها
أو شيئا شبيها بهذا , لكن المجنون مجنون

لكنْ ضَنَنْتُ على العيون بحُسْنها ... وأنِفْتُ من نَظَر الحسودِ إليها !
الآن نأتي إلى الجنون المطبق لمن لا يعرفه
الآن نعرف لماذا قتل المجنون حبيبته التي ما زالت حبيبته رغم قطعه لرأسها
لقد بخل بحسنها على عيون الناس !
وأنِفَ أي ترفع من نظر حساده إليها !
والجملة الأخيرة تدل على أنه مصاب بالوساوس
وهذه الوساوس تتعلق بغيرة مفرطة على امرأة جميلة
أوقعها حظها العاثر في ارتباط برجل مجنون تماما .

وأعتذر ممن صدمته القصيدة
ولكنها رغم مأساويتها فريدة في الأدب العربي القديم ...

وإلى لقاء آخر مع شاعر آخر وقصيدة أخرى ومناسبة أخرى ...

د.محمود
24-03-2011, 01:46 AM
((وكذا الدهر إذا ما عزَّ ناسٌ ذلَّ ناسٌ..))
أحسنت الاختيار أخي العزيز الفاضل
وثنَّيت إتحافنا بهذا الشرح الذي جمع بين الوضوح والاختصار..
فجمعت الحسنيين...
ليتك تتعاهدنا بمثل هذه الأعمال من آن لآخر....
خالص تقديري
وتقييمي المتواضع
***

محمود رمضان
24-03-2011, 05:39 AM
أحسنت الاختيار أخي الفاضل
ليس بالضرورة أن يكون مجنونا
فالغيرة والوساوس اذا عصفا بذهن ابن امرأة
فانهما كفيلتان على جعله يرتكب حماقات أشد من الجنون
ولعل هذا المقصود بقول البعض ومن الحب ما قتل
أو أنه مجنونا ولكنه يستحق جائزة نوبل على هذه القصيدة التي سطرها وهو يبلغ هذا الحد من الجنون
بورك فيك أخي على طيب ما تمتعنا به

د. عروة
24-03-2011, 09:15 PM
صراحة معلومة أدبيه لأول مرة أسمع به وبهذا الشاعر
بوركت علي الإختيار المميز
تحياتي وتقديري

د.محمود
24-03-2011, 09:24 PM
بوركت أخي الفاضل على هذا المشروع الرائع
أسأل الله – عز وجل – أن يمنَّ عليك بنعمة المواصلة؛ وأن يثبت خطاك ويتم عليك نعمه...
خالص تقديري

الفاضل 6
25-03-2011, 10:48 PM
((وكذا الدهر إذا ما عزَّ ناسٌ ذلَّ ناسٌ..))



أحسنت الاختيار أخي العزيز الفاضل


وثنَّيت إتحافنا بهذا الشرح الذي جمع بين الوضوح والاختصار..


فجمعت الحسنيين...


ليتك تتعاهدنا بمثل هذه الأعمال من آن لآخر....


خالص تقديري


وتقييمي المتواضع


***



قصيدة ابن زيدون هي أول قصيدة قدمتها

والآن وصلت العدد إلى 12 قصيدة

وجزاك الله خيرا على المرور والتعليق

الفاضل 6
25-03-2011, 10:54 PM
أحسنت الاختيار أخي الفاضل

ليس بالضرورة أن يكون مجنونا
فالغيرة والوساوس اذا عصفا بذهن ابن امرأة
فانهما كفيلتان على جعله يرتكب حماقات أشد من الجنون
ولعل هذا المقصود بقول البعض ومن الحب ما قتل
أو أنه مجنونا ولكنه يستحق جائزة نوبل على هذه القصيدة التي سطرها وهو يبلغ هذا الحد من الجنون
بورك فيك أخي على طيب ما تمتعنا به


بارك الله فيك

وجزاك الله خيرا على المرور والتعليق

الفاضل 6
25-03-2011, 10:55 PM
صراحة معلومة أدبيه لأول مرة أسمع به وبهذا الشاعر
بوركت علي الإختيار المميز
تحياتي وتقديري

جزاك الله خيرا على المرور والتعليق

الفاضل 6
25-03-2011, 10:57 PM
بوركت أخي الفاضل على هذا المشروع الرائع



أسأل الله – عز وجل – أن يمنَّ عليك بنعمة المواصلة؛ وأن يثبت خطاك ويتم عليك نعمه...


خالص تقديري


بارك الله فيك

الفاضل 6
31-03-2011, 01:12 AM
روائح زكية ولكن أين ؟ ...

مرحبا بكم في العدد الثالث عشر من سلسلة كنوز من التراث العربي
اليوم سنبتعد عن الرعب وعن القتل وعن الجنون
موضوعنا اليوم هادئ يسرب إلى النفس الهدوء والسلام والنعاس اللذيذ
اليوم لا نتحدث عن قصيدة بعينها إنما نتحدث عن معنى ,
عن فكرة
نتحدث اليوم عن الرائحة الزكية حين تتضوع ممن نحب .
هذه هي الفكرة ,
الرائحة الزكية حين تكون فيمن نحب تكون أروع بلا شك
إنها لا تتسرب إلى الأنف بل تتسرب فورا إلى القلب
إننا نشمها بقلوبنا .
وهذه الفكرة المتعمقة لم تصدر من فيلسوف عظيم ولا من مفكر عبقري
بل صدرت عن أمٍّ أعرابية حنون !
ولنستمع لهذه الأعرابية التي تجلس في خيمتها
وترقّص طفلها الصغير وهي تغني بهذه المقطوعة " الأرجوزة "
تقول الأم الأعرابية الحنون :

يَا حَبَّذَا رِيحُ الوَلَدْ
ما أحب رائحة الولد وما أروعها !

رِيحُ الْخُزَامَى فِي البَلَدْ
إنها مثل رائحة أزهار الخزامى
في البلد التي نحبها !

أَهَكَذَا كُلُّ وَلَدْ ؟!
هل كل الأطفال بهذه الروعة ؟!

أَمْ لَمْ يَلِدْ قَبْلِي أَحَدْ ؟ !
أم أنني الوحيدة في التاريخ التي رزقت بطفل ؟!

والذي يعنينا هو قولها " رِيحُ الْخُزَامَى فِي البَلَدْ "
لنأخذه ولننقله إلى مختبر البحوث الشعرية
ولنضعه تحت المجهر حتى ندرسه
والنتيجة هي كالتالي :
هذه الأعرابية تصر على أن رائحة الأزهار في بلدها
أروع من رائحة الأزهار في أي مكان آخر
ولكي تؤكد هذه النظرية ضربت لنا مثالا برائحة ولدها
أي أن رائحة الأزهار عند المصري في مصر
ورائحة الأزهار عن الشامي في الشام
ورائحة الأزهار عند الصيني في الصين
يجب أن تكون أروع من رائحة الأزهار في أي مكان آخر
حسنا , لكم أن تقتنعوا برأي الأعرابية الأم الحنون الشاعرة
والتي لم تظن أن هذه الكلمات سوف تأخذ كل هذا العمق الفلسفي ,
ولكن يجب أن تستمعوا لوجهة النظر الأخرى
ماذا عن شعراء الطبيعة ؟!
ماذا عن الشعراء الذين يفقدون أعصابهم حين يرون بهجة الأرض المزهرة
سيغضبهم هذا البيت للغاية وسيحتجون وسيتظاهرون ضد تصريحات هذه الأم الأعرابية
هذا الكلام معناه ينسف شعر الطبيعة من جذوره
لأنها تريد منا أن نتجاهل أي روعة في أي مكان آخر !
هذا ظلم
ماذنب الطبيعة عندما نقابلها بالتجاهل
لأننا لم نولد بأرضها
إن أي مكان رائع تكتنفه الخضرة هو بلد شعراء الطبيعة وهو أرضهم
وقد عبر ابن الرومي عن احتجاجه بهذه القصيدة
التي قلب فيها المعنى

قال ابن الرومي :

ورِياضٍ تَخَايَلُ الأَرْضُ فِيهَا ... خُيلاءَ الفتاةِ في الأبْرادِ
الطبيعة تتبختر الأرض فيها كما تتبختر الطفلة بسعادة في ثيابها الملونة

ذَاتَ وَشْيٍ تَنَاسَجَتْهُ سَوَارٍ ... لَبِقَاتٌ بِحَوْكِهِ وَغَوادِ
هذا الثوب من الخضرة والأزهار
نسجته بدقة وعناية السحب التي تسري بالليل وتغدو في الصباح
لتحوك الخضرة على الأرض بدقة ومهارة
كما يحوك الخياط الماهر الثوب الرائع الذي تبخترت فيه الفتاة

فَهْيَ تُثْنِي عَلَى السَّمَاءِ ثَنَاءً ... طَيِّبَ النَّشْرِ شَائِعاً فِي البِلادِ
الأرض تذكر السماء بكل خير
ولكنها ثناءها ليس كلاما بل رائحة !
فابن الرومي يعتبر روائح الأزهار كلام الأرض
الذي تثني به على السماء والذي ينتشر في كل مكان

مِنْ نَسِيمٍ كَأَنَّ مَسْراهُ فِي الأرْ ... وَاحِ مَسْرَى الأَرْوَاحِ فِي الأَجْسَادِ
هذا الثناء هوالنسيم الذي يسرى ليس في الرئات بل في الأرواح
أليست الأرواح هي التي تعطي الأجساد الحياة
إن رائحة أزهار الربيع تعطي الأرواح الحياة !

حَملَتْ شُكْرَهَا الرِّيَاحُ فَأَدَّتْ ... مَا تُؤَدِّيهِ أَلْسُنُ العُوَّادِ
هذا الشكر حملته الرياح ووزعته على كل مكان
كما يذكر الضيوف أهل الدعوة بكل خير

مَنْظَرٌ مُعْجِبٌ تحيَّةُ أَنْفٍ ... رِيحُهَا رِيحُ طَيِّبِ الأَوْلادِ !!!
إن الطبيعة تعطيك منظرا رائعا يعجبك
وتحييك الأض المخضرة بلغتها التي لا تتقن غيرها " لغة الرائحة "
هذه التحية التي تلقيها عليك تسمعها بأنفك !
وتنساب روائح الطبيعة المذهلة إلى روح الشاعر مرهف الحس
كما تنساب رائحة أحب أولادك إلى قلبك !!!!

وإلى لقاءٍ آخر مع شاعر آخر وقصيدة أخرى ومناسبة أخرى

د. عروة
31-03-2011, 07:07 AM
روائح زكية ولكن أين ؟ ...


مرحبا بكم في العدد الثالث عشر من سلسلة كنوز من التراث العربي

اليوم سنبتعد عن الرعب وعن القتل وعن الجنون
موضوعنا اليوم هادئ يسرب إلى النفس الهدوء والسلام والنعاس اللذيذ
اليوم لا نتحدث عن قصيدة بعينها إنما نتحدث عن معنى ,
عن فكرة
نتحدث اليوم عن الرائحة الزكية حين تتضوع ممن نحب .
هذه هي الفكرة ,
الرائحة الزكية حين تكون فيمن نحب تكون أروع بلا شك
إنها لا تتسرب إلى الأنف بل تتسرب فورا إلى القلب
إننا نشمها بقلوبنا .

وهذه الفكرة المتعمقة لم تصدر من فيلسوف عظيم ولا من مفكر عبقري
بل صدرت عن أمٍّ أعرابية حنون !
ولنستمع لهذه الأعرابية التي تجلس في خيمتها
وترقّص طفلها الصغير وهي تغني بهذه المقطوعة " الأرجوزة "

تقول الأم الأعرابية الحنون :

يَا حَبَّذَا رِيحُ الوَلَدْ
ما أحب رائحة الولد وما أروعها !

رِيحُ الْخُزَامَى فِي البَلَدْ
إنها مثل رائحة أزهار الخزامى
في البلد التي نحبها !

أَهَكَذَا كُلُّ وَلَدْ ؟!
هل كل الأطفال بهذه الروعة ؟!

أَمْ لَمْ يَلِدْ قَبْلِي أَحَدْ ؟ !
أم أنني الوحيدة في التاريخ التي رزقت بطفل ؟!



والذي يعنينا هو قولها " رِيحُ الْخُزَامَى فِي البَلَدْ "
لنأخذه ولننقله إلى مختبر البحوث الشعرية
ولنضعه تحت المجهر حتى ندرسه
والنتيجة هي كالتالي :
هذه الأعرابية تصر على أن رائحة الأزهار في بلدها
أروع من رائحة الأزهار في أي مكان آخر
ولكي تؤكد هذه النظرية ضربت لنا مثالا برائحة ولدها
أي أن رائحة الأزهار عند المصري في مصر
ورائحة الأزهار عن الشامي في الشام
ورائحة الأزهار عند الصيني في الصين
يجب أن تكون أروع من رائحة الأزهار في أي مكان آخر


حسنا , لكم أن تقتنعوا برأي الأعرابية الأم الحنون الشاعرة
والتي لم تظن أن هذه الكلمات سوف تأخذ كل هذا العمق الفلسفي ,


ولكن يجب أن تستمعوا لوجهة النظر الأخرى
ماذا عن شعراء الطبيعة ؟!
ماذا عن الشعراء الذين يفقدون أعصابهم حين يرون بهجة الأرض المزهرة
سيغضبهم هذا البيت للغاية وسيحتجون وسيتظاهرون ضد تصريحات هذه الأم الأعرابية
هذا الكلام معناه ينسف شعر الطبيعة من جذوره
لأنها تريد منا أن نتجاهل أي روعة في أي مكان آخر !
هذا ظلم
ماذنب الطبيعة عندما نقابلها بالتجاهل
لأننا لم نولد بأرضها
إن أي مكان رائع تكتنفه الخضرة هو بلد شعراء الطبيعة وهو أرضهم

وقد عبر ابن الرومي عن احتجاجه بهذه القصيدة
التي قلب فيها المعنى


قال ابن الرومي :

ورِياضٍ تَخَايَلُ الأَرْضُ فِيهَا ... خُيلاءَ الفتاةِ في الأبْرادِ
الطبيعة تتبختر الأرض فيها كما تتبختر الطفلة بسعادة في ثيابها الملونة

ذَاتَ وَشْيٍ تَنَاسَجَتْهُ سَوَارٍ ... لَبِقَاتٌ بِحَوْكِهِ وَغَوادِ
هذا الثوب من الخضرة والأزهار
نسجته بدقة وعناية السحب التي تسري بالليل وتغدو في الصباح
لتحوك الخضرة على الأرض بدقة ومهارة
كما يحوك الخياط الماهر الثوب الرائع الذي تبخترت فيه الفتاة


فَهْيَ تُثْنِي عَلَى السَّمَاءِ ثَنَاءً ... طَيِّبَ النَّشْرِ شَائِعاً فِي البِلادِ
الأرض تذكر السماء بكل خير
ولكنها ثناءها ليس كلاما بل رائحة !
فابن الرومي يعتبر روائح الأزهار كلام الأرض
الذي تثني به على السماء والذي ينتشر في كل مكان

مِنْ نَسِيمٍ كَأَنَّ مَسْراهُ فِي الأرْ ... وَاحِ مَسْرَى الأَرْوَاحِ فِي الأَجْسَادِ
هذا الثناء هوالنسيم الذي يسرى ليس في الرئات بل في الأرواح
أليست الأرواح هي التي تعطي الأجساد الحياة
إن رائحة أزهار الربيع تعطي الأرواح الحياة !

حَملَتْ شُكْرَهَا الرِّيَاحُ فَأَدَّتْ ... مَا تُؤَدِّيهِ أَلْسُنُ العُوَّادِ
هذا الشكر حملته الرياح ووزعته على كل مكان
كما يذكر الضيوف أهل الدعوة بكل خير

مَنْظَرٌ مُعْجِبٌ تحيَّةُ أَنْفٍ ... رِيحُهَا رِيحُ طَيِّبِ الأَوْلادِ !!!
إن الطبيعة تعطيك منظرا رائعا يعجبك
وتحييك الأض المخضرة بلغتها التي لا تتقن غيرها " لغة الرائحة "
هذه التحية التي تلقيها عليك تسمعها بأنفك !
وتنساب روائح الطبيعة المذهلة إلى روح الشاعر مرهف الحس
كما تنساب رائحة أحب أولادك إلى قلبك !!!!




وإلى لقاءٍ آخر مع شاعر آخر وقصيدة أخرى ومناسبة أخرى

بورك فيك علي هذه الدرر المنثورة أخي الفاضل
تحياتي وتقديري

أبو النور
31-03-2011, 01:29 PM
رائع ما صاغت يداك أخي الفاضل

شكراً للدعوة الكريمة ..

دمت مبدعاً ..:)

الفاضل 6
31-03-2011, 07:57 PM
د. عروة

أبو النور

جزاكما الله خيرا على المرور

الفاضل 6
11-04-2011, 06:12 PM
خمسة أبيات تهدم عقيدة بأكملها ...

مرحبا بكم في العدد الرابع عشر من سلسلة كنوز من التراث العربي
تتعدد العقائد والمذاهب المنحرفة عن سبيل الله في الأرض
ولكن من أخطرها دعوى أن المسيح عليه السلام هو ابن لله
تعالى الله عما يقول الظالمون
وهذه المقولة هي من أشنع المقولات التي تقال على ظهر الأرض
وتكاد تتفطر بسبب هذه المقولة السماوات كما يخبرنا القرآن الكريم
ولدينا اليوم شاعر أراد ان يرد على أصحاب هذه الفرية العظيمة
ولكن بالعقل الذي يرفض هذه الفكرة غير المعقولة أساسا
وأما عن قائل القصيدة فلم أجد ما يشير إليه ,
إلا إشارة في أحد المواقع أنها للغزالي والله اعلم
أترككم مع القصيدة ...
قال الشاعر المؤمن بوحدانية الله :

عَجَبِى للمَسِيحِ بَيْنَ النَّصَارَى ... وَإِلَى أَيِّ وَالِدٍ نَسَبُوهُ
يستغرب من كون المسيح عليه السلام بين النصارى وهم ينسبونه لله
أي كيف يلحقون نسبَهُ بالله تعالى وهو يعيش بينهم

أَسْلَمُوهُ إِلَى اليَهُودِ وَقَالُوا ... أَنَّهُمْ بَعْدَ قَتْلِهِ صَلَبُوهُ
ثم مع اعتقادهم انه ابن لله تخلوا عنه وسلموه لليهود
ثم قالوا إن اليهود قد قتلوا ابن الله ـ تعالى الله ـ

فَإِذَا كَانَ مَا تَقُولُونَ حَقَّا ... وَصَحِيحًا فَأَيْنَ كَانَ أَبُوهُ ؟!
إن كان النصارى على حق فأين كان الله عندما قتل اليهود المسيح كما زعموا
أليس الله مطلعا على كل شيء ؟!

حِينَ حَلَّ ابْنُهُ رَهِينَ الأَعَادِي ... أَتُرَاهُمُ أَرْضَوْهُ أَمْ أَغْضَبُوهُ ؟
حين وقع المسيح بين أيدي اليهود والله سبحانه ينظر لهم
هل أرضى اليهود الله سبحانه بذلك أم أغضبوه ؟

فَلَئِنْ كَانَ رَاضِيًا بِأَذَاهُمْ ... فَاحْمَدُوهُمْ لأَنَّهُمْ عَذَّبُوهُ
إن كان الله راضيا عما فعلوه بالمسيح فاشكروهم على تنفيذ هذه الجريمة !

وَإِذَا كَانَ سَاخِطًا فَاتْرُكُوهُ ... وَاعْبُدُوهُمْ لأَنَّهُمْ غَلَبُوهُ !!
وإذا كان الله غاضبا وهم يقتلون ابنه فاتركوا عبادته
واعبدوهم لأنهم صاروا أقوى منه ـ تعالى الله ـ
أي أنهم خربوا بيوتهم بأيديهم بهذا المنطق الأعوج

والمحصلة :
الولد قطعة من أبيه
فلو كان لله ولد لانتقم له ومنعه من شرهم
فالوالد لا يرضى بما يحدث لولده من الأذى حتى لوكان مسيئا فكيف بالصالح
ولكن المسيح عبد لله يجري عليه ما يجري على العباد المؤمنين من الأذى والبلاء
فهو محتاج إلى دعاء حتى ينصره الله كبقية العباد
وينصره الله بما ينصر به عباده من أعدائهم بسبب إيمانهم ودعائهم لربهم
سواء كان هذا النصر الإلـهي بالغلبة على العدو
أو بالنجاة من شره
أو بالثبات على التوحيد حتى الممات
( وعزتي وجلالي ما من عبد اعتصم بي ،
ثم كادت له السماوات والأرض ومن فيهن ،
إلا جعلتُ له من بينهن فرجاً ومخرجاً )
ولذلك رفعه الله إليه
" بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا " النساء 158
" إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ " آل عمران 59,60


وإلى لقاء آخر ...

د. سامي
11-04-2011, 09:44 PM
إختيار متميز كما عودتنا أخي الفاضل..
بارك الله فيك..
أعتذر منك على تأخري في المرور على إضافتك الثالثة عشرة بجميل ما فيها من وصف و مشاعر تميزت كإختيارك لها..
أما عما أضفت هنا فلا يسعني إلا أن أشكرك و أدعو لك أن يجعلها الله في ميزان حسناتك..
تحياتي لك و تقديري لما تقوم به من مجهود ههنا

أبو النور
12-04-2011, 12:22 AM
جزاك الله كل خير أخي الفاضل ..

إعداد متميز و رائع بالغعل ..:)

د. عروة
12-04-2011, 08:18 AM
بورك فيك وجزيت خير الجزاء علي ماتبذله من جهد في إظهار روائع هذه اللغة العظيمة
تحياتي وتقديري

الفاضل 6
12-04-2011, 11:21 PM
إختيار متميز كما عودتنا أخي الفاضل..
بارك الله فيك..
أعتذر منك على تأخري في المرور على إضافتك الثالثة عشرة بجميل ما فيها من وصف و مشاعر تميزت كإختيارك لها..
أما عما أضفت هنا فلا يسعني إلا أن أشكرك و أدعو لك أن يجعلها الله في ميزان حسناتك..
تحياتي لك و تقديري لما تقوم به من مجهود ههنا



جزاك الله كل خير أخي الفاضل ..

إعداد متميز و رائع بالفعل ..:)



بورك فيك وجزيت خير الجزاء علي ماتبذله من جهد في إظهار روائع هذه اللغة العظيمة
تحياتي وتقديري


بارك الله فيكم

وجزاكم الله خيرا على المرور والتعليق

الفاضل 6
07-07-2011, 11:45 PM
ما بعد المحرقة ...

مرحبا بكم في العدد الخامس عشر من سلسة كنوز من التراث العربي

اليوم موعد مع رائحة الحرائق ، رائحة الألم ، رائحة الموت !!
اليوم موعدنا مع الحزن والألم والتشاؤم
هل قرأت رواية خيال علمي تتحدث عما سيحدث بعد حرب نووية يتم فيها دمار العالم ؟
أو بعد ارتطام نيزك عملاق بالأرض ، أوبعد مجاعة كبرى ، أو بعد وباء رهيب .
و هل عرفت الجو الذي تتحدث عنه :
مرحلة ما بعد الحضارة
ما بعد الحياة الحقيقية ..
مرحلة البكاء على الأطلال : ".. وَكُلُّ نعيمٍ لا مَحالةَ زائِلُ"
يقول بعض النقاد إن حالة البكاء العربي في الجاهلية على الأطلال
ليست وليدة البداوة والترحّل
والفراق بعد اللقاء في المراعي كما هو الرأي السائد عن الجاهلية .
بل إن الظاهرة أعمق من ذلك .
إن بكاء الشعراء قد سبق ذلك بوقت طويل وذلك بعد زوال الحضارات والأمم الضخمة
التي سبقت الجاهلية ذاتها والتي ورثت الجاهلية عنها البكاء .
وكثيرة هي الحضارات التي انتهت بالفناء ووقف أبناؤها يبكون عليها وعلى قسوة الحياة بعد اندثارها .

وقصيدتنا اليوم من أقدم النصوص في تراثنا العربي
اليوم يقف شاعر عربي قديم جدا على شاطئ حضارات وأمم غرقت في بحر الفناء والموت
قبائل وملوك ومدن ربما يسمع عنها بعض القراء لأول مرة
ويرسم لنا الشاعر "سُلْمِيّ بن ربيعة" من ذاكرته الحية صورًا بانورامية للبشر وللحياة وللسعادة وللنعيم الزائل
ويستخلص لنا منها خلاصة تأثير زوالها الأليم في نفسيته
والذي جعله لا يفرق بين الموت والحياة وبين السعادة والشقاء
وهي أقصى درجات الحزن

ولنذهب للقصيدة ...

قال سُلْمِِيّ بن ربيعة :

( إنَّ شِوَاءً ونَشْوَةً ... وَخَبَبَ الْبازِلِ الأمُونِ )
إنَّ شريطا يمر على شاشة ذهن الشاعر يعرض لنا عدة صور من الحياة التي عاشها ،
ولكن بعد انتهاء العرض ما الذي سيحدثنا عنه الشاعر ؟!
شريط الذاكرة الشعرية يعرض الصور التالية :
الصورة الأولى "الشواء" : تمر على ذهن الشاعر أمسيات الشواء
الصورة الثانية "ونشوةً" : الشاعر جاهلي فهو يقصد الخمر
الصورة الثالثة وخبب البازل الأمون : سير الناقة القوية المأمونة
الخبب نوع من سير الإبل
البازل الناقة التي عمرها تسع سنين أي مكتملة الخلقة
الأَمُون : المأمونة التي لا يخاف راكباها

( يُجْشِمُهَا الْمرْءُ في الْهَوَى ... مَسَافَةَ الغَائِطِ الْبَطِينِ )
مازلنا مع صورة الناقة : يتعبها صاحبها في هواه قاطعا الأودية المستوية العريضة
والغائط: المطمئن من الأرض. والبطين: الواسع الغامض .

( والْبِيضَ يَرْفُلَنْ كالدُّمَى ... فِي الرِّيْطِ وَالمُذْهَبِ المَصُونِ )
الصورة الرابعة: النساء البيض كالدمى العاجية يرفلن في اللباس
الريط، وهي الملاءة الواسعة.
والْمُذْهب المصون؛ يراد به الثياب الفاخرة المطرزة بالذهب المحفوظة للمناسبات

( وَالْكُثرَ وَالْخفْضَ آمِناً ... وَشِرَعَ المِزْهَرِ الْحَنُونِ )
الصورة الخامسة : كثرة المال مع الراحة والأمن
الصورة السادسة : استماع الشاعر الجاهلي لضروب ألألحان والغناء ،
والمزهر آلة وترية .

( مِنْ لَذَّةِ الْعَيْشِ ، وَالْفَتَى ... لِلدَّهرِ وَالدَّهرُ ذُو فُنُونِ )
إن كل ما ذكره الشاعر هو ملذات الحياة التي زالت !
الآن انتهى العرض ،
وبدأ حديث الشاعر عن حقيقة هذه المشاهد التي عرضها علينا في الأبيات السابقة
ما الذي انتهت إليه ؟
الفناء ... فقط الفناء
والفتى الغافل لا يعرف أنه في قبضة الأيام !
وفي قبضة هذا الكوكب الذي لا يرحم والذي يتفنن في التغير والتبدل
إن شئت فتخيل كوكبا جحيميا تتساقط فيه الشهب والنيازك وتنفجر فيه البراكين
هذا هو الجو الذي ألف فيه الشاعر قصيدته الحزينة .
كل ما ذكره شاعرنا هو مقدمات لنتيجة واحدة
هي أنها جميعا مجرد متع ومجرد لذات زائلة

ثم يستمر الشاعر في البيت التالي ليبث همومه ويعطينا حكمته البالغة ...

( وَالْيُسرُ لِلْعُسْرِ ، وَالغِنى ... للْعُدْمِ ، وَالْحَيُّ لِلْمنُونِ ) !!
الرخاء في قبضة الشدة ، والغنى في قبضة الفقر ، والحياة في قبضة الموت !!
أيُّ ألم ؟!
أقصى درجات الحزن والألم والتشاؤم حين يكون النعيم والألم بمعنى واحد
لأن النهاية واحدة
ومن هذه الفكرة أخذ أبو العلاء المعري تشاؤمه في قصيدته الشهيرة :
ـ غيرُ مجدٍ في مِلَّتي واعتقادي ... نَوْحُ باكٍ ولا ترنُّـمُ شادي
لا يجدي البكاء ولا يجدي الغناء مع من عرف حقيقة الحياة
ـ وشبيهٌ صوتُ النعيِّ إِذَا قِيـ... سَ بصوتِ البشيرِ في كلِّ نادِ
ولا فرق بين من يبشر بمولود ولا بين من ينعى ميتا

نعود إلى شاعرنا ...
( أهْلَكْنَ طَسْماً وَبعْدَهُ ... غذِيَّ بَهْمٍ وذَا جُدُونِ )
يتفجع ويقول كيف إن "العُسْر" و"العُدْم" و"الموت" :
ـ مالذي يعنيه حصر الشاعر للهلاك في هذه الثلاث ؟! سنعرف لاحقا ـ
إنَّ "العسر" و"العُدْم" و"الموت" :
أهلكت قبيلة "طسم" وهم من بقايا قوم عاد
وأهلكت "غَذِيَّ بَهْم" وهو ملك يمني لم يكن يأكل إلا صغار الماعز لأن لحمها ألذّ
وأهلكت "ذا جُدُون" أي صاحب الجدون جمع جَدَن وهو الصوت الشجي
وهو ملك يمني ويقال أنه جد بلقيس وهو أول من غنى باليمن .

( وَأهْلَ جَاشٍ ومَأْرِبٍ ... وَحيَّ لُقْمانَ وَالتُّقُونِ )
وأهلكت أهل مدينة "جأش" وأهل مدينة "مأرب" مدينتان في اليمن
وحيّ لقمان : وهو لقمان بن عاد صاحب النسور
وهو غير لقمان المذكور في القرآن
والتقون : بنو تِقن بن عاد .
ـ هل لاحظتم شيئا ؟ ـ
البيتان السابقان يعكسان واحدة من أعظم مآسي الجاهليين
وهي عدم علمهم بوجود حياة أخرى بعد الموت !! ،
إنه ينسب سبب الفناء إلى "العسر" و"العُدْم" و"الموت"
وليس إلى القدر والبلاء والتمحيص ويقابل ذلك بالتسليم
والإيمان بأن ما عند الله خير وأبقى
مشكلة الجاهليين الأبدية هي عدم فهمهم لحقيقة الموت
وأنه انتقال من حياة إلى حياة أخرى
"إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين "
بينما البشرى جاءت بعدهم :
"هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا"
هذه الحقيقة التي يعرفها أطفالنا بفضل الإسلام لم يكن الجاهليون يعرفونها
تخيلوا لو أننا نعاني ما نعانيه اليوم من هموم الحياة البسيطة دون أن نعرفها
فكيف بشاعر حساس يبكي حضارة بأكملها ولا يوجد عزاء .؟!

وإلى لقاء آخر مع شاعر آخر ومناسبة أخرى وقصيدة أخرى

د.محمود
11-07-2011, 02:00 PM
تقدمة طيبة أخي الفاضل للقصيدة..
أما شرحك للقصيدة ؛ فتعكس تمكنك الجيد لأدوات الكتابة ؛ تلك التي جعلتك تصوغ بعض الأبيات التي تبدو ( كالأحافير) الجيولوجية في كلمات شاعرة سلسة...
خالص تقديري
وتقييمي المتواضع..:)

أبو النور
11-07-2011, 02:14 PM
سلمت يداك أخي ..

تحليل رائع و جولة متميزة ..

بإنتظار جديدك ..

شكراً للدعوة الكريمة ..

د. عروة
11-07-2011, 06:53 PM
مقدمة رائعة وشرح أروع أخي الفاضل
سلمت يمناك
تحياتي وتقديري

الفاضل 6
16-07-2011, 01:55 AM
تقدمة طيبة أخي الفاضل للقصيدة..

أما شرحك للقصيدة ؛ فتعكس تمكنك الجيد لأدوات الكتابة ؛ تلك التي جعلتك تصوغ بعض الأبيات التي تبدو ( كالأحافير) الجيولوجية في كلمات شاعرة سلسة...
خالص تقديري
وتقييمي المتواضع..:)

وخالص شكري لمرورك العطر

سلمت يداك أخي ..

تحليل رائع و جولة متميزة ..

بإنتظار جديدك ..

شكراً للدعوة الكريمة ..
وشكرا للمرور والتعليق

مقدمة رائعة وشرح أروع أخي الفاضل
سلمت يمناك
تحياتي وتقديري
وسلمت على المرور والتعليق