مشاهدة النسخة كاملة : حتى لا تموت الروح ... قصة حب حقيقية


semeramis
28-04-2010, 04:44 PM
حتى لا تموت الروح 1



إهداء
إلى روح منال

التي سألتني يوما أن أهدي لها أحد أعمالي أو أخصصه لها ، فأجبتها أنني قد أهديتها روحي وعمري فكلي ملك لها ..
إلى التي أهدتني هي حياتها وشبابها وعمرها كله ، وجعلت من نفسها فداء لي
التي أعطتني كل شيء ولم أعطها سوى كلمات رقيقة إما على الورق أو على مسامعها .. لقد كانت كلها كلمات صادقة ، لكني كذبت في إهداء عمري لها .. حين صدقت هي وأهدتني عمرها كله ..
إلى زوجتي وحبيبة قلبي منال نور الدين رحمها الله تعالى رحمة واسعة ، وجمعني بها في مستقر رحمته ..


( حتى لا تموت الروح )
رواية من الواقع
علاء سعد حسن


والأرواح عند أهل السنة لا تموت ، وإنما يموت الإنسان بمفارقة الروح للأبدان ، وإنما الروح تبقى عند ربها إما في اهل النعيم ، وإما في أهل العذاب أعاذنا الله من ذلك ، كتاب الروح لابن قيم الجوزية ص 59، ولقد اختار الكاتب هذا العنوان ككناية عن إحياء ذكرى بطلة الرواية رحمها الله

الروح تعشق قبل القلب دائما ..والأذن تعشق قبل العين أحيانا


أعترف بأنني قد أحببت الحب ، فلو سألتني عن أحب شيء لنفسي في هذه الحياة ، لأجبتك دون تردد : الحب ..
الحب هو أحب شيء لدي في هذه الحياة ..
فالحب عندي قيمة عليا تنبثق منها كافة القيم الإنسانية النبيلة ، والحب الذي أعرفه وأحبه هو حب من صنع الله خالق الأكوان ، وهو العاطفة أو القيمة الوحيدة التي أضافها الله تعالى إلى نفسه سبحانه ، فجعله أي الحب من صنع الله ، هو سبحانه الذي يصنعه ، وهو تعالى الذي ينميه ، وهو – تقدست أسماؤه - الذي يؤلف بين القلوب عليه ، فيقول تعالى : ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة ) الروم21.. ويقول لنبيه موسى عليه السلام ( وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني )طه39 ، ويقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ( لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ، ولكن الله ألف بينهم ) الأنفال63.. ، ويقول للمؤمنين ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ، والله قدير ، والله غفور رحيم ) الممتحنة 7 ..
فالحب عاطفة ربانية تنبع من الله تعالى وتنتهي إليه : ( والذين آمنوا أشد حبا لله )البقرة ، ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله )آل عمران31 ، ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه )

ولكن انتظر .. فما الذي جعلني أسترسل في هذا الحديث الطويل عن الحب ؟؟؟
آه .. لعلني أردت أن أعرفك على قيمة الحب في حياتي ، ولكن عذرا يا صديقي ، فأنا لا أنوي الكلام عن نفسي في السطور المقبلة ، وإنما سأحدثك عنها هي ..
فهي التي تستحق الحديث .. كل الحديث ، والوصف .. كل الوصف ، فلم تكن بنتا كأي بنت ، ولا فتاة كأي فتاة ، ولا امرأة كأي امرأة ..
ماذا يمكنني أن أقول عنها ؟
ربما بحثت عن وصف ، أو أوصاف ، مرات عدة ، ولكني لم أجد ما أستطيع أن ألخص وصفها به ، فلأترك إليك يا صديقي تلك المهمة ..
أحدثك عنها ، ثم اترك لك مهمة وصفها بنفسك بما تجده في نفسك من معانٍ وأفكار ..
لكنني مضطر للحديث عنها من خلالي أنا بالطبع ، فأنا الذي عايشتها ، فهي وإن تكُ قصتها هي في الحقيقة ، فإنها ستبقى أبدا قصتنا معا ..
ربما انفردت هي بأجزاء من فصولها ، وربما انفردت أنا بأجزاء أخرى من فصول الرواية ، لكننا في الأعم الأغلب سنكون معا ..
كنت في حاجة ماسة إلى الحب ، الذي جبلت على تقديره واحترامه ، واعتباره مركزا يدور حوله الكون ، وبدأت أبحث عن الحب ، كان ذلك حتى قبل سن البلوغ ..
لم أكن أعتقد أن في مظهري العام ما يمكن أن يغري بالحب ، لم تكن لي أدنى ثقة في نفسي في هذا الجانب على وجه الخصوص ، ولم أدرِ حتى يومنا هذا ، ماذا في مظهري أو شكلي الخارجي يمكن أن يجذب الجنس الآخر إليّ ؟
.. قالت لي فيما بعد أن عينيي واسعتان ، وأن نظراتي الحيية المتسللة هي سر جاذبيتي ..
قد يكون !! لم يتسن لي أن أسمع هذا الرأي من غيرها ، ولم أسمع في حياتي امرأة سواها ..
لو صدقت شهادتها ، لكان ذلك هو سر ما قابلني من متاعب صغيرة ، قبل أن أعرف الحب ..
حسبي أنني رغم حاجتي الماسة إلى الحب ، ورغم إلحاح فكرته على خاطري ، لم أبدأ أبدا بمحاولة ..
لعلي استجبت تحت ضغط إلحاح العيون مرة ، أو مرتين ..
ولعلي عرفت وتجاهلت ثم تشاغلت ، ثم لم أعد أقوى على المقاومة ، رغم أن التي أحبتني ..
عفوا ، الأدق أن أقول : إن التي ظننتها أحبتني ، لم تكن هي الروح التي أبحث عنها ، ومع ذلك فقدت مقاومتي أو كدت أفقدها تحت إلحاح وملاحقة ، حتى تمكنت أخيرا من الاستعلاء ، ولم يكن ذلك الاستعلاء يا صديقي من زهد أو رهبنة ، أو من ازدراء للمرأة أو تسامٍ عنها ، لكن الفتاة لم تكن الروح التي بدأت تسكن وجداني وتتشكل في خيالي ..

من هي صاحبة هذه الروح ؟
لا أعرف ..
ما اسمها ؟
.........
أين تكون ؟
..........
لم أكن أعرف عنها شيئا .. غير أنني كنت متأكدا من أن طيفها يملأ قلبي ، ويفسد عليّ أي محاولة بعيدا عنها ..




1-2


كنت قد سمعت ، عن أخت لصديق .. وآه من أخوات الأصدقاء ، وأرجو يا صاحبي ألا تظن لحظة واحدة أنني من هذا النوع الذي يتسلل إلى القلوب عبر الأصدقاء ، فلكل أصدقائي شقيقات على كل شكل ولون ، لكن صديقي الذي أحدثك عنه ، كان له شقيقة .. سمعت مرة همهمة حرجة على استحياء وتكتم ، تصدر عن بعض أصدقائنا المشتركين :
أن تلك الشقيقة حالة فريدة من الجدية والالتزام الزائد عن الحد ، والذي ربما يناسب رجلا ، لكن لا يصح أن يقترن أبدا بفتاة .. حيث الرقة والعاطفة و ... ..
ربما كانت هذه الهمهمات هي أول دقة عبرت إلى قلبي الظمآن إلى الري ..

كانت همهمة مهمة ورحلت إلى حال سبيلها ، وكنت في مرحلة لا تسمح لي مجرد التفكير بالارتباط ، فأنا طالب وما أدراك ما الطالب ..
ثم إن بيوت الأصدقاء بالنسبة لي مقدسة .. حرمتها من حرمة بيتي إن لم تكن أشد ..
ذات مرة روى صديقنا ( محمد عبد السلام ) : أنه في ظلمة ليلة من ليالي الشتاء السوداء القاتمة ، كان صاعدا الدرج إلى عصام ، وبجواره انسل مخلوق ، أيقن لا محالة أنه من عالم الجن أو أي عالم آخر ، لأن المخلوق الذي انسل من جواره صاعدا الدرج بسرعة فائقة ، لم يكن يبدو منه شيئا في الظلام ، بل لعله كان متدثرا بالسواد ، أو هو على ما يبدو مخلوق من هذه المخلوقات السوداء التي لا لون لها ..
كاد صديقنا أن يقطع النفس وأشياء أخر ، ولم يدر كيف صعد الدرج بعد ذلك إلى شقة صديقه ، وعندما دلف إلى الصالون ، ولاحظ عصام شحوبه الذي كاد يؤدي بحياته ، سأل عن حاله ، فروى له كيف أنه رأى عفريتا من الجن ، رآه رأي العين يصعد الدرج كالريح المرسلة ، فضحك عصام حتى كاد يستلقي على ظهره من الضحك ..
ثم زاد في رعبه قائلا له :

- فعلا إن بيتنا مسكون بالعفاريت .. حيث احترقت فيه امرأة حتى الموت من قبل ، وإن عفريتها ما يلبس يظهر حينا بعد آخر .. لكنه على كل حال عفريت لا يؤذي .. هو فقط يزور المكان الذي احترقت فيه المرأة ويمضي إلى حال سبيله ، كما رأيته أنت الليلة ولم يحاول أن يؤذيك ..

وصدق ( محمد عبد السلام ) القصة فأخذ يسردها علينا ، بعدما أقسم بأغلظ الأيمان ألا يخطو إلى بيت عصام خطوة واحدة بعد الآن ، فهو لم يتعود بعد على لقاء العفاريت ..




1-3 (http://www.facebook.com/topic.php?uid=168709681569&topic=11167)


وبعد التقصي عن حقيقة العفريت ، عرفت ان هذا العفريت هو شقيقة عصام بنقابها وجديتها وسرعتها على الدرج ، ولعلها هي نفسها كانت خائفة وهي تعدو إلى شقتها من ذاك الصاعد في حلكة الظلام ، ولم يكن درج البيت مضاء بمصباح واحد ، وكان البيت نفسه قديما مظلما لا ( منور) فيه يطل على السلم ، ولا نافذة ، ولا منفذ من نور .. حتى كان يشق علينا نحن الشباب صعوده ليلا إلا بشق الأنفس ..
كانت تلك هي الدقة الثانية التي حفرت نقطة أخرى من نقاط حرف ( الحاء ) على شغاف القلب ..
ثم مضت بنا الأيام .. والطيف الغائم يتشكل على نحو مبهم في وجداني .. حتى جاء عام دراسي ، كثرت فيه مشاغباتي ..
فلتغفر لي يا صاحبي إنما هي فورة الشباب وحماسة المبتدئين ، وإقدام الطامحين ..
شاغبت وشاغب أصحابي ، في أمور وإن كانت طلابية ، وإن كنت أعتقد بعد هذه السنوات الطوال أنها لم تكن خاطئة على وجه الإطلاق ، وإنما كانت جرأة تحتاج إلى ترشيد ..
دعني أتذكر المناسبة ، أو قل المناسبات التي كانت تفتح شهيتنا للمشاغبة .. كنا أيامها في مطلع التسعينات ، في العام الأول من ذاك العقد الممتلئ بالأحداث ، ولقد كان الحدث الكبير الذي يحيط بنا ، هو إقدام صدام حسين على احتلال دولة الكويت الشقيقة ..
لا يخفى عليك أننا يومها لم نكن مع صدام ولا مع غزو العراق للكويت ، بل كانت قلوبنا مع أهل الكويت وشعبه وأبنائه .. غير أننا كنا بنفس القدر الذي نرفض فيه الاحتلال .. كنا نرفض أيضا السماح لقوات التحالف بقيادة الأمريكان النزول بالخليج العربي وتولي مهمة إخراج العراق من الكويت ، كنا نراها خطة مدبرة لاستنزاف أموال الخليج وإمكاناته المادية الهائلة ، وكذا استنزاف قوة العراق العسكرية ..
كنا نراهما ( المال والقوة العسكرية ) عصب حضارة إسلامية أو عربية على وشك الشروق ..
كنا نمثل إذن جبهة طلابية وشبابية رافضة ، ولم يكن هذا هو السبب الوحيد لمشاغباتنا ، بل كان السبب المباشر هو شؤون طلابية بحتة ، لا أحب أن أشغل بالك بها عن موضوعنا الأساسي ..
لقد شاغبنا ، واستحققنا من الدولة أن تهذبنا ، أو أن تعيد تهذيبنا ، وأظنه لا يخفى عليك معنى ذلك ، فالسجن تهذيب وإصلاح !!
وكنا وقتها شبابا جامعيا على مشارف التخرج ومعانقة الحياة ، وكان لابد لنا قبل ذلك من تهذيب وإصلاح ..
كان سجننا في فصل الشتاء ، وليالي الشتاء طويلة باردة ظلماء ، وليالي الشتاء في السجن أكثر طولا وأشد ظلمة ، وأعمق كآبة .. غير أنه قد يدهشك إن أنا أخبرتك أن ( أبي زعبل ) كان من أهم الأماكن التي زرتها في حياتي ، وأن لياليه الطويلة الكالحة ، كانت بالنسبة لي من أسعد ليالي العمر ، أو أنها كانت المدخل لأسعد أيام حياتي كلها ..
تحت وطأة الظلم والظلمة يمكن أن تتغير بعض النفوس ، لاسيما تلك التي لم تؤهل نفسها لتحمل هذا الموقف الغامض ، فلا نحن نعرف إلى متى ؟
ولا هل سيسمح لنا بحضور امتحاناتنا الدراسية أم سيضيع علينا العام ، ونعود من جديد فيلحق بنا من يأتي من خلفنا ؟ ..
في مثل هذه الظروف القاتمة تغيرت نفوس أصدقائي ورفاق الرحلة ، رحلة الشغب ورحلة التهذيب .. غير صديق واحد آنس إلي ، فآنست بالبديهة إليه ..
كنا نسمر معا ونحن راقدين متدثرين بذلك الرداء الخشن الشائك ، وكنت ممن لا يطيقون ملمس الخشونة على جسدي ، فكان النوم يجافيني ، وكان سمر صديقي يؤنسني حتى يغلبه النوم ، ومن ثم يغلبني ..
ولم أدر لم كان يكثر صديقي من الحديث عن شقيقاته ، خصوصا شقيقتيه الكبيرتين وهما اللتان تليانه مباشرة في ترتيب الميلاد ..
أكان ذلك لغرض في نفس يعقوب ؟
أم أن يعقوبنا كان محبا لشقيقتيه ، وكان دائم الحنين إليهن ، وكان ينفس عن حنينه هذا معي ؟؟
حكي لي كثيرا عن كبراهما تلك التي كانت تدرس في جامعة الإسكندرية وتسكن بمدينتها الجامعية ، وكيف التزمت بطريق الهداية ، وكيف أنها شديدة الجدية والالتزام ، شديدة التعلق بالأخلاق القويمة مستقيمة عليها ..
وعاد بنا الحديث من حيث لا ندري ولا نحتسب إلى ( العفريت ) ..



1-4-



وعاد بنا الحديث من حيث لا ندري ولا نحتسب إلى ( العفريت ) .. إلى شقيقة عصام ، فهي التي دعتها إلى الالتزام والاستقامة ، وهي التي أمدتها بالكتب والأشرطة ، وهي التي علمتها كثيرا من الأخلاق والمواقف ، وهي التي تمثل لها النموذج القويم ، وهي التي تزورها في بلدتها التي تبعد عن مدينتنا مسيرة عشرين دقيقة بالسيارة الأجرة ، غير أنها تحتاج ضعف هذا الزمن من الوقت مشيا على الأقدام إلى موقف الأجرة ذاته ..
كان صديقي يحدثني ويكثر في الحديث في ظلمة الليل حيث لا نلمح طيف امرأة في سجن يعزلنا عن الدنيا ، ويعزلنا بالتأكيد عن الجنس الآخر ، فطيف المرأة له مفعول أمضى من مفعول السحر ، وذكر المرأة ينكأ جراحا ، أو بالأحرى يجرح جراحا ، فلم نجرح من قبل لتندمل جراحنا ثم تنكأ ، وإنما كانت هي جراح جديدة تماما ..
كان صديقي يحدثني كثيرا عن ( رتيبة ) شقيقته ، وإنما كان الذي يتسرب إلى نفسي كلها فيملأ كياني كله طيفها .. طيف ( منال ) شقيقة عصام ، وليس طيف رتيبة .. فكل حديث عن أخلاق ( رتيبة ) يعرج بي بالتأكيد إلى خلق صديقتها وداعيتها ( منال ) ..
وما كان يدري أن حديثه عن شقيقة عصام في معرض حديثه عن رتيبة ، قد بنى في القلب أسوارا ، وأضيئت حوله أنوار ، وحرك في الروح مشاعر ، ما كان لها أن تتحرك في تلك الظروف بالغة الغرابة ..
لم أكن أعرف سنها ولو على وجه التقريب ، وأصارحك يا صديقي مصارحة ربما تشمئز بسببها مني .. لقد كانت شقيقة عصام تسبقني في الدراسة .. لذا توقعت أن تكون أكبر مني سنا ، وهذا أمر مرفوض في قانون الحب الذي كنت أضعه لنفسي وقتئذ ..
ولا يخفى عليك طبعا أنني لم أرها ، ناهيك عن أني طالب ، لست على أبواب التخرج من الجامعة بقدر ما أنا على أبواب إعادة الإصلاح والتهذيب ، فأما التخرج من الجامعة فعلمه عند ربي ، وأما الحصول على عمل ، فهذا مما لا أملك أن أماري فيه مراء باطنا ولا ظاهرا ، ما كنت في وسط هذه الأجواء أقنع نفسي أنني أحببت .. لكن الحقيقة أن روحي كانت قد تعلقت بتلك الروح ، وبدأ الطيف الذي يتشكل في وجداني منذ زمن ينمو ، وبدأت ملامحه تكتمل ..



1-5-



وخرجنا من مرحلة التهذيب والإصلاح ، وقد حدث لنا ، أو - لي على الأقل - كثير من التهذيب والإصلاح ، وعزمت بيني وبين نفسي ألا أعود إلى السجن أبدا ، صحيح أنهم اتهموني بالمشاغبة لاحقا ، كانت المناسبة وقتها مؤتمر مدريد للسلام ، أو لعله كان اتفاق غزة أريحا ، الذي كان يسميه الطلاب وقتها سخرية : باتفاق ( عزة مديحة ) ..
ولم أكن شاغبت ، فهربت .. وكان هروبا صعبا محفوفا بالمخاطر ، ولكنني كنت قد أصررت على عدم العودة ، فما نلته من تهذيب وإصلاح يكفيني ، وهي على العموم فريضة على المستطيع مرة في العمر ، طالما أنه سيتزود منها بزاد يبقيه في نفسه طيلة حياته فلا يتجاسر على المشاغبة مرة أخرى .. فما هي قيمة التنفل بعد أداء الفريضة الواجبة !!!
خرجنا من جامعة أبي زعبل للإصلاح والتهذيب ، ثم تخرجت بعد ذلك في الجامعة .. وبدأت أشق طريقي في الحياة ، وكان قد سكنني الحب ، ومازال الطيف الذي تشكل يحتويني ويملأني ، غير أنني ما كنت أصارح نفسي بذلك للصعوبات التي ظننتها أمامي في الطريق ..
كنت ممن يحرصون على الجمع بين الحب والزواج ، أو لم أكن أرى طريقا للحب غير الزواج ، وعشقت الحديث الشريف :
لم ير للمتحابين مثل الزواج ..
وأحببت بيتا للشعر يقول شطره الأخير :
فعجبت كيف يموت من لا يعشق!!!
فالعشق داء وهو الدواء .. وحتى لا يكون العشق داء عضالا مميتا ، فلابد له الدواء من ذاته ، وهو الجمع بين العشيقين في الحلال ، أي الزواج ..
وهكذا وجدت نفسي أبحث عن سبل الزواج ، وأتخلى عن أحلامي العريضة في غزو الصحراء ، و... و .... و ....
من أجل أن أتم مشروع الزواج ..
لم تكن ثمة إمكانات .. لا لم تكن .. بل كان هناك فضول إمكانات .. نعم بالضبط مثل فضلات تبقت من طعام جيد على مائدة نظيفة ، ما تبقى من فضول الطعام كان نظيفا صالحا ، لكنه لا يعدو كونه فضلا تبقى ..
وطمعت في هذا الفضل ( فضل زاد ) .. شقة عي عبارة عن بقية مما ترك الأولون من أجدادي
وفضل مال .. قد يصلح أن يكون زكاة عن مال جيد ..
وكانت هذه هي عدتي للزواج ..
ورغم ذلك مضيت في الطريق إلى الزواج ..
كان هناك تحد قائم ، بل ثمة تحديات ..
مَن تلك الفتاة التي تقبل بمثل هذا الفضل للزاد ؟ ومَن هي تلك الأسرة التي ترضى بمثل هذا الوضع ؟
شريطة أن تكون أسرة محترمة ذات سمعة طيبة وصيت حسن ، ومستو اجتماعي مكافئ لمستوى أسرتنا الاجتماعي ، وهو مستوى بالمناسبة جيد !!
وأن تكون الفتاة ذاتها طيبة من تلك الفتيات التي يحلم بالارتباط بها عشرات الشباب !

1-6-



نسيت أن أحدثك عن عقدة حياتي ، لعلي تناسيت الحديث عنها حتى لا أثقل عليك ، أو حتى أظل متجملا أمامك .. غير أنه من الأمانة إذا أردت حقيقة أن تعرف من هي ( منال ) ، أن أحدثك عن تلك العقدة النفسية التي سيطرت علي تماما ، والتي كانت تسيطر كذلك على أسرتي بل على عائلتي جميعا ، لتدرك بعد ذلك مدى قسوة الامتحان وصعوبته التي ستوضع فيه أي فتاة تقبل الارتباط بي ..

في الماضي القريب ، كان لي قريب من هؤلاء الشباب الرائع الذي يصلح نموذجا وقدوة لأمثالي من صغار السن ، وكان شابا طموحا متدينا ناجحا في عمله ، ميسور الحال ، وكان قد ارتبط بفتاة هي الأخرى قريبة لنا ، رأت فيه نموذج الشاب الناجح الذي يسعدها بشبابه بقدر ما تسعدها إمكاناته المادية الميسورة ، وكان لها هي الأخرى أحلام .. كانت ممن يحببن زينة الحياة الدنيا وملذاتها ، وكانت بالاختصار المفيد ، تريد أن تعيش حياتها وفق هواها وتصوراتها وأحلامها .. ولم يكن لقريبي ذاك أدنى اعتراض غير ما تفرضه الأصول والأعراف في حدود ضيقة بسيطة .. حتى حدث التحول الكبير في حياة قريبي .. لم يكن تحولا سيئا بالجملة بقدر ما كان تحولا مبهما .. كان الزمن هو النصف الأخير من عقد السبعينات ، وكان شباب الجماعات الإسلامية يملأ جامعات مصر ، وبدأ من تخرج منهم في الجامعات الاحتكاك بالمجتمع والتأثير فيه ، وكان منهم من احتك بقريبي وأثر فيه ، وبدأ قريبي يدرك أن في الدين ضوابط وحدودا ، تتفوق في كثير من الأحيان على تقاليد المجتمع وعاداته وأعرافه ..
بدأ يعرف شيئا عن فرض الحجاب على المرأة ، وبدأ يطالب خطيبته .. التي هي قريبته أيضا .. أن تستر جمالها وتتحجب ، وبدأت تتشكل لديه رؤية مخالفة للحياة في ضوء ضوابط وقيم دينية ، لم تكن مكتملة في نفسه من قبل .. وأنا هنا لست بصدد مناقشة هل كانت هذه الأفكار صائبة أم كانت تجنح نحو الغلو .. لكن الذي حدث أن ثمة تغييرا جذريا حدث في شخصية قريبي ذاك ، وأنه بالمقابل لم يحدث أي تغيير في شخصية خطيبته ، إلا النفور من ذلك الشخص الجديد الذي لم تقترن به ولم توافق عليه يوم وافقت على الخطبة من شخص بدا لها اليوم أنه مختلف تمام الاختلاف ..
صحيح أن الاسم هو الاسم ، والشكل هو الشكل ، والوضع المادي والاجتماعي هو نفسه ، غير أن المضمون كان قد تغير بالكامل ، تغير في الاتجاه المضاد ..
حدثت أزمة ، وتفاقمت الأزمة ، لأن الخلاف هذه المرة لم يكن خلافا معتادا بين أهل خطيبين على أثاث أو مهر أو نفقة ، وإنما كان خلافا بين مذهبين في الحياة ..
كان الأمر جديدا على الواقع الاجتماعي ، وزاده تعقيدا علاقة القرابة والنسب التي تربط الجميع ، وأصبح في فض هذه الخطبة ، نوع من زعزعة الاستقرار في أسر أخرى داخل العائلة الكبيرة ..
مرت هذه الفترة بمرها وآلامها .. وانفصمت تلك العلاقة .. واستقر حال العائلة على الوضع الجديد بعد كثير من الاهتزازات والاضطرابات ، ثم راهن الجميع على تلك التي سيرتبط بها قريبي وفقا لأفكاره وميوله الجديدة ..
كان الجميع ضده ، لا لأنه أخطأ ، ولكن كانوا ضده بقدر غرابة ما يحمل من أفكار لم تتسلل من قبل إلى محيطنا الاجتماعي ..
وكنت أنا معه .. كنت وحدي في تلك المعركة ، وكنت صغيرا لا يأبه أحد لرأيي ، لكن كانت هناك داخلي شخصية تتبلور وتنمو ..
وارتبط قريبي بفتاة أخرى من خارج محيطنا العائلي والاجتماعي ، وإذا شئت قلت مرتاحا ، وخارج نطاقنا القيمي أيضا ..
وكان هذا هو أول احتكاك للعائلة بفتيات المساجد ..
والحقيقة يا صديقي أن عائلتنا حملت ظلما بينا لفتيات المساجد من جراء هذه العلاقة .. ربما لم تكن تلك الفتاة من المواظبات على المساجد ، وربما كانت حديثة عهد بالتدين ، ولعلها كانت من أسرة ذات اتجاهات معينة انطبعت بداخلها فلم تتمكن من التخلص من رواسب التربية هذه في فترة انضمامها للمسجد ..
أستطيع أن أقول : أنها كانت فتاة محجبة وكفى ..
لكنهم قاسوها بمقياس أنها امرأة داعية ، يحصون عليها حركاتها وسكناتها ، ويلتمسون لها الأخطاء ، في زمن ركز فيه الإعلام على سلبيات كل ما هو ديني ، وكل من هو متدين ..
وهناك بون شاسع بين فتاة في أول الطريق تتلمس معالمه ، وبين داعية تدخل في عائلة تناصبها العداء مسبقا ، تقيس حركاتها وسكناتها .. وتعد عليها أنفاسها .. فكيف لفتاة بمثل هذه الظروف أن تحول هؤلاء المتربصين بها إلى أحبة متفتحي القلوب لها !!
إنها في الحقيقة كانت مأساة .. صنعتها عائلتنا .. أو صنعتها ظروف عائلتنا ..
وتشربتها ، تشربت هذه المأساة وأنا في بداية سن المراهقة ..
تشربتها حتى سيطرت على نفسيتي تماما .. وتشربت معها أن نموذج المسلم الملتزم قد أسيء تقديمه إلى محيطنا الاجتماعي ، أسيء تقديمه بحسن نية من جانب ، وتربص ومراهنة على سقوطه من جانب آخر ..
ولا أخفي عليك أنني منذ هذا التاريخ وأنا أحمل على عاتقي إعادة تقديم نموذج المسلم الملتزم لمحيطنا الاجتماعي من جديد .. على أن يكون نموذجا ناجحا هذه المرة .. وكانت شريكة حياتي المنتظرة هي فرس الرهان لتقديم هذا النموذج ..
هل تدرك الآن يا صاحبي عمق هذه العقدة النفسية واستحكامها وسيطرتها على نفسي ؟
وهل تدرك الآن كم المعاناة التي ستسببها هذه العقدة النفسية ، وهذه التجربة القاسية لشريكة حياتي المنتظرة ؟
هل تدرك الآن أن نجاحها لن يكون سهلا ، وأن مواقفها ستؤول ، وأن كثيرا من المقارنات الظالمة والخاطئة سوف تعقد لتصرفاتها وآرائها وسكناتها وحركاتها ؟

وقبلت التحدي .. سلاحي فيه الطيف الذي يتشكل بداخلي ، فما كان هذا الطيف لينظر إلى زهرة الحياة الدنيا ، وما كان ليرضى بمباهجها ، إلا بعدما يستوثق من الجوهر .. وأمر موافقة الأسرة يسير ، إذ وضعت في حسباني أن الطيف الذي يسكنني هو من النوع المقاتل ( طيف عفاريتي ) ، ذلك الطيف الذي يقاتل من أجل قضيته ، وهو ولاشك سيكسب معركته مع الأسرة وسيصمم على موقفه طالما تلاقت الأرواح ..
أحلام شباب ؟؟..
نعم هي أحلام شباب .. غض النبتة .. طري العريكة ، لين الجانب .. أخضر القلب والعود معا ، لا يعرف من مصاعب الحياة شيئا كثيرا ، يسمع عنها لكنها لم تسوّد القلب بعد ، ولم تحرق جوفه معوقات الواقع ..
طموحات وأحلام وردية شفافة رقراقة ..
سمها ما شئت ، فأنا معك في أنها أبعد ما تكون عن الواقع والحقيقة .. لكن الذي قد لا تدريه أن أحلام الأمس حقائق اليوم ، وأن أحلام اليوم حقائق الغد ..
وقد تحققت أبعد الأحلام ، وأشد الطموحات خيالا وتحليقا بعيدا عن الواقع .. ذلك لأن الطيف الذي سكنني لم يكن طيفا عاديا ، وروحها التي تحلق بها فتطير بلا جناحين ، لم تكن روحا عادية .. فتحققت الأحلام الغضة البريئة التي لم تكن تحتمل حتى معاناة الانكسار على سدود الواقع وأسواره ..

غني عن القول يا صاحبي أنني تقدمت لخطبتها بواسطة أحد أصدقائنا وذلك من أخيها عصام ، ولا يخفى على فطنتك أيضا أنني رُفضت رفضا قاطعا لا رجعة فيه ، لم أكن ممن يكذبون فيعدون بما لا يستطيعون ، ولم يكن في مقدوري إن أردت أن أكذب ، لقد كنت وأصدقائي منفتحين على بعضنا البعض ، فكل منا يدرك ظروف الآخر تماما .. وكان مما يدركون عنا ، أننا أسرة محترمة جدا وفي وضع مادي جيد ، لكن بالتأكيد لا تملك من أعباء وتكاليف تزويج أبنائها شيئا ..
فرُفضت ، وقيل للوسيط أن الرفض قاطعا مانعا لا تجدي معه إعادة المحاولة .. وبلغت بفشل مهمة مبعوث السلام ، ورثيت لحاله أكثر مما رثيت لحالي ، إذ ذكرني بمبعوث السلام الأمريكي إلى الشرق الأوسط .. ولكن خيبة أملي وجرحي كان كبيرا .. أين الطيف الذي ظننت أنه سيقاتل معي ؟
هل هو مشغول بغيري ؟ أم أنه لم يصله أمري ؟
أم أنهم رفضوا حتى دون أن يشاورونه ..
كلها احتمالات ..
وحدثني الوسيط عن محاولة أخرى وشيكة في مناسبة اجتماعية قادمة ، وأنه سيستغلها لإعادة فتح الموضوع ، وأثنيته عن عزمه شاكرا ، وقد كدت أصرف نظر ، فالطيف الذي يسكنني لم أره ولم يرني ، ولا سبيل بعد ذلك ولا قبله ، لأن أعيد جرح كرامتي أكثر من ذلك ، وطالما أن المبدأ ذاته مرفوض ، فلأوفر لماء وجهي بقية أواجه بها الحياة ..

لكن الطيف بالاشتراك مع مبعوث السلام ، كان له رأيا آخر ..
يتبع بإذن الله تعالى.......

semeramis
29-04-2010, 10:19 PM
2-1- منال تروي


2 - منال تروي

ذكرت لي فيما بعد في ليالي سمرنا وما أكثرها وأحلاها من ليال ، حين كان يؤنس وحدتنا صوتها الشجي ولم يكن ثمة ( تلفزيون ) أو غيره ، قالت :
كانت المناسبة زواج إحدى صديقاتي ، وكانت من المقربات لي ، وقد دخلت بيتنا فعرفتها أمي ، وكان زوجها صديقا مقربا من أخي عصام ، ولذا اتفقت مع أمي أن نذهب سويا لزيارتها بمناسبة مرور أسبوع على الزواج ، وتقديم المجاملة الواجبة في مثل هذه المناسبات ..
واصطحبت أمي وذهبنا ، وكنا خاليي البال تماما من أي شيء ، لم تعنِ لنا الزيارة إلا المناسبة التي ذهبنا من أجلها ..
وبعد فترة من الزمن ، وكنت أنا وأمي نجلس مع العروس في غرفة نومها ، مع عدد من صديقاتها الأخريات ، وبعد فترة دق باب الغرفة فخرجت العروس تتحدث مع زوجها ، ثم عادت فطلبت من أمي أن تخرج إلى زوجها لأنه يريدها في أمر ما ..
وساد شيء من الارتباك والحيرة حتى لملمت أمي نفسها وخرجت إليه ، وساد الاعتقاد أن الزوج ربما أراد أن يسأل عن شيء أو أن يوصي عروسه بشيء على لسان والدتي ، فقد كانت بطبيعة الحال أكبر الزائرات سنا وأكثرهن خبرة ومعرفة ..
وبعد قليل عادت أمي لكنها كانت متجهمة تماما ، ويبدو عليها التوتر والقلق ، وظلت تنظر إلي نظرات حائرة تارة ومتوعدة تارة أخرى ، وشعرت بعد فترة أن توترها بدأ يزداد من حركة أصابعها التي كانت تدق بها ركبتيها بعصبية شديدة ..
وتوجست خيفة وجالت في خاطري بعض الظنون ، فالزوج هو صديق عصام ، وربما أخبرها عن عصام شيئا لم تحبه ، أو أن عصام أوصاه أن يبلغها بقرار ما ، لم يستطع مواجهتها به فطلب من صديقه تبليغها إياه .. وانحصر تفكيري في عصام ، والحقيقة أنني كنت خائفة ، وكانت حال أمي تستدعي العجلة في إنهاء الزيارة والانصراف لأعرف منها ما يعتمل في نفسها ، غير أن خوفي جعلني أطيل الزيارة خوفا من لحظة الإنفراد بها وهي على هذا النحو من التوتر الشديد .. لكنها أشارت لي ، ولم يكن هناك بد من الانصراف ، وبمجرد نزولنا إلى الشارع سألتني في حدة :
- هل ذكر لك عصام شيئا عن خاطب تقدم لك ؟
نفيت نفيا قاطعا وأنا في غاية التعجب ، وحاولت أن أستزيدها فلم تفصح عن شيء ، ولكنها ظلت على توترها وعصبيتها حتى وصلنا المنزل ، وعندما رأت والدي ابتدرته قائلة :

- أرأيت ما يفعل ابنك عصام !

- سألها أبي في شيء من خوف مفاجئ : وماذا فعل ؟ خيرا إن شاء الله ؟

- قالت أمي في انفعال : لقد تقدم إلى ابنتك منال خاطب هو صديق له ، ولقد رفضه الأستاذ حتى دون الرجوع إلينا ، ولا إليها .. فهي أقسمت لي أنها لا تعلم شيئا عن هذا الأمر ..

- نظر إلي أبي مستفهما ، فأومأت برأسي مؤمنة على كلام أمي ..

عند هذا الحد من الحديث كان لزاما علي أن أنصرف من باب الحياء أو الأدب ، حتى ولو كان الموضوع الذي سيناقش هو من أخص خصوصيات حياتي ، لكن كان علي أن أنصرف ، ولم أتلكأ لقد كنت عند باب غرفتي عندما جاءني صوت أبي :

- ادخلي أنت غرفتك الآن يا منال ..
لعله لم يسمع إجابتي التي غمغمت بها وأنا أغلق باب غرفتي من الداخل .. لكن صوت النقاش الحاد كان مرتفعا وكان يأتيني واضحا من خلف الباب حتى دونما أي تعمد مني للإصغاء ، ولم يكن في الحديث ما يغري بالإنصات خاصة وقد رفض عصام العريس وانقضى الأمر .. حاولت أن أمسك مصحفي وأن أنشغل عن النقاش بقراءة القرآن .. لكنني أخفقت .. ظل المصحف في يدي ، لكن عقلي كان مشغولا بما يسمع من نقاش حاد ..
.

2-2-‎

قالت أمي ملخصة الموقف كله :
- سألني زوج ( فلانة ) هل ابنتكم مخطوبة ، أو في انتظار خاطب معين .. قلت له أبدا .. فقال لي : تقدم لها خاطب عن طريقي وهو يسألني عن شروطكم فيمن يتقدم إليكم .. قلت له شروط عادية جدا .. فقط أن يكون شابا طيبا ومتدينا وعلى خلق ومن أسرة طيبة .. قال لي لماذا إذن رفضتموه وهو به كل هذه الصفات وأيضا ظروفه المادية أفضل حالا مني ؟ وها أنا ذا على يدك يا حاجة قد تزوجت بفضل الله .. أظهرت تعجبي .. فقال لي : إن عصام أخبرني برفضكم لهذا الخاطب ، رغم أنه صديقه ويعرفه جيدا ..
انفعل أبي وهو يستدعي عصام بحدة : ووجه له سؤالا :
- هل تقدم لك أحد أصدقائك لخطبة أختك ؟

- قال عصام بهدوء شديد : ليس الأمر على هذا الوضع .. كل ما هنالك أن ( فلانا ) سألني هل تصلح ظروف صديقنا هذا للتقدم لأختك ، فقلت له إن ظروفه لا تصلح .. كان مجرد سؤال وأنا أجبته حسب رؤيتي وتقديري للموقف ..

- احتد أبي وهو يقول : وهل أنا مت .. حتى تتصرف في شؤون أخواتك على هذا النحو دون مجرد الرجوع لي ولرأيي ؟!

- قال عصام بخجل : ليس الأمر كذلك .. كل ما في الأمر أن ظروفه لا تناسب على الإطلاق ، وهو لا يعتبر تقدم فعلا للخطبة .. وأنا لم أرجع إليكم لأنني أعلم رأيكم مسبقا ..

- احتد أبي قائلا : أظن أن هذا ليس من شأنك وحدك يا عصام .. على أقل تقدير تعطيني فكرة عن هذا الأمر .. هل هو شاب سيء ؟

- على العكس تماما يا بابا هو شاب ممتاز جدا ، دينا وخلقا ومن أسرة محترمة .. لكن ظروفه المادية لا تسمح بمجرد التفكير بالارتباط .. هذا كل ما في الأمر ..

- هل تظنه رأى أختك ؟

- قال عصام بيقين : بالتأكيد يا بابا رآها ، فكيف يخطبها إن لم يرها ! .. ولكن من هذه الناحية اطمئن فلعله رآها مصادفة أو في الطريق إلى البيت ، فهو من النوع الخلوق الذي لا ينظر إلى الفتيات أو يشاغلهن ..

- قال أبي بحزم : ما هي ظروفه بوضوح ؟

- قال عصام ببرود : أبدا لا يوجد شيء .. .. مجرد أنه شاب جامعي وصديق لي ويعمل في محل للبقالة ..

- سأل أبي مضيقا الخناق على عصام : هل عنده شقة ؟

- أجاب عصام في اقتضاب : شقة متواضعة جدا في بيت قديم كان ملكا لجده ، وهي في حارة شعبية ..

- زاد انفعال أبي وهو يقول : أي أن عنده شقة ..

- أصر عصام على موقفه قائلا : شقة متواضعة جدا ، أنا لا أعتبرها شقة ..

- هل رأيتها ؟

- نعم .. ذهبنا للمذاكرة فيها مرة أو مرتين من قبل ..

- هل سيساعده أحد من أهله في أمر الزواج ؟

- تلعثم عصام وهو يقول: إن أمه كانت تعمل بالخارج ، وأظن أنه قال انها وهبت له مبلغا بسيطا من المال ، سوف يعينه على تجهيز شقته ، ويحاول المشاركة في مشروع للبقالة التي يعمل فيها من أجل هذا الهدف ..

- قال أبي محتدا : إذن هو شاب جاد وليس لعوبا يا عصام ..

- قال عصام : أنا لم أقل أنه لعوب ، بالعكس هو جاد جدا ، لكنه غير مناسب .. فهناك عشرات الشباب من زملائنا مثله خلقا ومعدنا ، وأفضل منه بكثير في الإمكانات المادية ..

- لكن أحدا من هؤلاء لم يتقدم لخطبة أختك ، وصديقك هذا هو الذي تقدم ، والواجب يا بني في هذه الحالة ، أن نجلس معه ونناقش الأمر ، وأن نستطلع رأي صاحبة الشأن ..
كانت أمي تجلس صامتة حتى هذا الجزء من الحوار ، ولكنها تكلمت أخيرا :
- صحيح يا أبا عصام .. أن عصام أخطأ بعدم استشارتك ، ولكن هو أدرى بظروف صديقه ، وطالما لا يراه مناسبا ، فأعتقد ...

قاطعها أبي قائلا بحسم من لا يقبل المناقشة في الأمر :
- أظن أن من حقي أن أراه وأن أجلس معه .. هو لن يجبرني على الموافقة على الزواج من ابنتي .. ولكن من واجبي كأب أن أكوّن فكرة عن هذا الشاب .. ولا تنسِي أن رأي عصام مهما كان صوابا ، فإنه لابد يفتقر إلى خبرة الأب ..

صمت أبي لحظة ثم استدعاني رافعا صوته بالنداء ..
كنت على أتم الاستعداد للخوض في هذا الحوار الذي لم يكن يسعدني كثيرا ، لكنه استفزني أكثر من أي شيء ..
فمن أعطى الحق لأخي عصام أن يتصرف في شؤوني بهذه البساطة ؟
وكيف له أن يقرر من الذي يناسبني ومن الذي لا يناسبني ؟
ثم على أي أساس وأي مواصفات وشروط تلك التي يفضل بها رجلا على آخر ؟
أعلى أساس المال وحده يفعل ذلك ؟
ومن قال له إنني أقيم للمال أي وزن أو اعتبار من حيث المبدأ ؟

كانت عشرات الأسئلة تغلي في نفسي ، ومع ذلك تثاقلت عندما استدعاني أبي ، وأخذت أمشي إليه على مهل مبدية شيئا من الحياء مشوبا بعدم الرضا عن كل ما حدث .. اتخذت مكاني في المجلس .. فابتدرني أبي سائلا :

- هل سمعت ما قاله أخوك عصام ؟

- قلت على استحياء : سمعت جزءا من الحديث ..

- وما رأيك أنت ؟

- أنا أترك الأمر لك يا بابا

- هل توافقين على شاب بمثل هذه الظروف التي ذكرها عصام ؟

- أجبت مستنكرة : أية ظروف يا بابا .. كل ما سمعت منه أنه شاب مستقيم وذو خلق ..
- قال عصام محتدا : لكنه لا يملك أي مقومات مادية للزواج .. والزواج كما تعلمين ، ليس أخلاقا حميدة فقط ، و.. ولكن له متطلبات للحياة والمعيشة ..

- أعطاني تدخل عصام فرصة للتنفيس عما يجول بخاطري فقلت بحدة : إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ، والمال في النهاية هو ملك لله يؤتيه من يشاء .. فليس مما يعيب الرجل أن يكون فقيرا في ماله ، وإنما ما يعيبه أن يكون فقيرا في دينه أو أخلاقه ..

نظر أبي إلى كل منا على حده .. ثم قال بحسم :
- أنا سأقابل هذا الشاب لأتعرف إليه بنفسي ، وعليك يا منال أن تنسي هذا الموضوع حتى أخبرك عن رأيي فيه .. وأنت يا عصام عليك أن تحدد له موعدا ليقابلني فيه ..
- تلعثم عصام وهو يقول ساخطا : ولكني أبلغته برفضنا لهذا الأمر .. فكيف أذهب إليه ...

- قال أبي محتدا : هذه مشكلتك أنت .. أنت الذي أوقعت نفسك فيها ، وعليك أن تخرج نفسك بطريقتك .. لكن عليك أن تحدد له موعدا ..
بهذا الحزم أنهي أبي النقاش .. وأدركت من نظرات عصام الحانقة ، أننا على مشارف قطيعة قد تطول ، ولم يكن هذا أوانها .. أنا التي كنت غاضبة منه .. لكني تحاملت على نفسي لأكلمه .. لعلي أظفر منه ببعض التفاصيل عن هذا الخاطب .. لم يزد أن ذكر لي اسمه من بين أسنانه .. وأضاف أنه زميله في الكلية .. ثم قال حانقا : كنت أنتظر أن تؤيدي وجهة نظري .. فكيف لشاب بهذه الإمكانات أن يتقدم لخطبة بنات الناس ؟
- كدت أنفجر فيه ، لكنني تمالكت نفسي ، وقلت له : وأنت يا عصام ألست في ظروف أسوأ منه ، فمتى تخطب إذن ؟

- قال بحزم : ولذلك أنا لا أفكر في هذا الأمر الآن .. ليس قبل أن أسافر إلى الخارج ، وأكوّن نفسي ، وأكون جديرا بأن أتقدم لمن أريد ..

- قلت في سخرية : وعندها تختار من اشتريت لها الأثاث ، والأجهزة .. أو قد تشتري العروس التي تتناسب مع ما تقتنيه من أجهزة .. أما أنا فحلمي يا عصام أن أشارك شريك حياتي تأسيس بيتنا خطوة ، خطوة ، وأن أشعر أن كل ما نقتنيه هو ملك لنا معا ، وأنني شريكة فيه .. سوف أتعب معه .. فعلا .. أنا متأكدة من ذلك .. ولكن كل ركن في بيتنا سيكون سعيدا لأنه جاء من كفاحنا معا ..

نظر إلي عصام مستنكرا ، أو لعله مستهجنا .. وتركني وتحرك نحو باب غرفته فأغلقه خلفه بعنف ، دون أن ينبس بكلمة واحدة ، وعندها أدركت أن قطيعة طويلة قد بدأت ..

2-3-‎

كان عصام صديقي كما هو شقيقي ، وكثيرا ما غطيت في البيت على مغامراته .. وكنت آنس في الحديث معه ، كما كنت في أشد الحاجة إلى الاستنارة برأيه ، فهو كذلك الذي يعرف ذاك المتقدم لخطبتي .. لكن المسالة في النهاية مسألة مبدأ .. ولقد انتصرت في الخطوة الأولى .. لقد أرسيت مبدأ أن المادة ليست هي العنصر الأول ولا هي العنصر الأهم .. لكنني تساءلت : هل يكون رجلنا ذاك ممن يستحقون القتال من أجلهم ؟ أم أنه يكون غير ذلك ؟
أمام هذا السؤال توكلت على الله ، واعتمدت على حيلتي ، فإذا كان عصام قد قطع عني خيط المعلومات ، واكتفي بمقاطعتي ، لاختلافي معه في أمر من أخص خصوصياتي ، فقد لجأت إلى صديقتي ( سهير ) ، كانت خريجة نفس كلية عصام .. ذهبت إليها وسألتها عن اسم ذاك الشاب .. كانت الحروف تخرج من فمي متلعثمة ، ووجنتاي قد احمرتا حتى صارتا لون الدم .. وشعرت بحرارة شديدة في أذني .. ونظرت إلي ( سهير ) بكل ما يمكن أن تنظر به فتاة إلى صديقتها في مثل هذه الحالة ، من خبث ، وإشفاق ، ودهاء .. ثم علت ضحكتها حتى أنارت وجهها كله ،وهي تتساءل :
- إذا فقد وقع ؟

- تجاهلت سؤالها متغابية ، وكررت سؤالي لها : هل تعرفينه ؟

- قالت وعيناها تبرقان من السعادة : وكيف لا أعرفه وهو من أفضل الشباب في الكلية ، وهو بالمناسبة صديق عزيز لأخي ، وهو كذلك من أعز أصدقاء خطيبي ..
ثم جذبتني من ذراعي ، نحو غرفتها ، ثم قالت انتظري لحظة .. عند أخي في ألبومه بعض الصور له .. سأريك إياها .. وقبل أن أرفض أو أوافق ، وقد وجدت نفسي في موقف حرج ، وقد غلبني الحياء تماما ، كانت قد انصرفت من الغرفة .. كنت بيني وبين نفسي في غاية الحياء ، غير أنني وبعد سماع شهادتها تلك ، في غاية الشوق واللهفة لرؤية صورته ، ولتكوين فكرة عامة عنه ..
بعد قليل عادت سهير وقد أخرجت بعض الصور من ألبوم أخيها ، وأشارت إليه في أكثر من صورة .. لم تكن كلها صورا واضحة ، فقد كانت صورا جماعية بين حشد من الطلاب ، أو الأصدقاء .. كل ما لاحظته بوضوح هو نحافته الظاهرة .. لم أبدِ رأيا ، وتحججت بان الصور غير واضحة .. لكنها لم تنس أن توصيني به خيرا ،
وقالت لي مداعبة :
- أرجو ألا تغاري من اهتمامي به ، فهو أصغر سنا مني وأنا أعتبره أخي الأصغر .. ولقد كانت تتراهن عليه فتيات من الكلية ، ولقد أرسلت له تحذيرا مع شقيقي لحمايته من حبائلهن .. لقد كان نشطا جدا في العمل الطلابي ، حتى أطلق عليه زملاؤه وكذا الموظفون بها : لقب ( الزعيم ) ، وأهم ما يميزه حديثه إذا وقف خطيبا في مجموعة من الطلاب ، فله قدرة غير عادية على اكتساب التعاطف ، والتأثير في مستمعيه ...
بين صلاة الاستخارة وبين استشارة صديقتي .. انشرح صدري مبدئيا لذلك الشاب .. غير أن بيني وبين معرفته خطوات كثيرة أهمها رأي أبي ، وهو وإن كان قد أبدى امتعاضا مما فعله عصام ، وهذا الامتعاض راجع في المقام الأول لأنه تجاهل رأي أبيه ، فأخذ المسألة مسألة كرامة وإثبات وجود ، إلا أن رأيي أبي لن يقل عن رأي عصام تعسفا من الناحية المادية ، فهو لن يرمي ابنته .. كما هو شائع في المجتمع ، ولابد أن يشترط شروطا مادية ستكون تعجيزية ولا شك لشاب في مقتبل حياته ..
فيما بعد عرفت من وضع درج خزانة ملابسي أنه قد فتح في غيابي ، وفتشت فيه فلم أجد شهادتي الجامعية ، وتوقعت أن عصام قد جاء يبحث عن صورة لي فلم يجد ، حيث أنني لا أحب الصور ، ولا ألجأ إلى التصوير الفوتوغرافي إلا في الضرورات للأوراق الرسمية ، إذن فإن خاطبي ، لم يرني ، كما انني لم أره ، وأنه سوف يتعرف علي من خلال صورة ! وللعجب ! فإن صورتي الموضوعة على الشهادة الجامعية ، هي قديمة جدا كذلك ، لقد كانت صورتي وأنا في الثانوية العامة !!!
تركت درجي وتساءلت : أي خاطب هذا الذي يتقدم لفتاة لم يرها من قبل ؟
هل يمكن أن يكون من هذا النوع ؟
وتعقد جبيني من العجب ، وأنا أتساءل : هل يمكن أن يصدق قولهم : الطيور على أشكالها تقع ؟

2-4-‎

أعرف أن الشباب مهما كان مستوى فكرهم ، ينجذبون إلى الفتيات من خلال الجمال والمظهر ، فكيف لشاب لم ير فتاة أن يتقدم لخطبتها ، ومن أين له بصفاتي ؟ أو من أين سمع عني ، حتى يغامر هذه المغامرة ؟

انشغلت بهذه الأفكار فترة من الزمن ، شغلتني عن انقضاء الأيام حتى الموعد الذي ضربه له أبي لمقابلته .. لكنني كنت أكثر لهفة لرؤية هذا الشاب الغريب في تفكيره ، وتأكدت بعد ذلك من أن شهادتي الجامعية كانت مع عصام ، عندما فتشت درجي في اليوم التالي فوجدتها تحت بعض الأوراق ..
لم أكن في وقت ما أكثر حنقا على عصام ، من حنقي عليه في هذه الأيام .. كنت في حاجة ماسة إليه .. إلى الحديث معه .. إلى الاستئناس برأيه .. إلى أن يحدثني حديثا مطولا عن صفات هذا الشاب ، وعن طريقة تفكيره ، ولماذا اختارني أنا على وجه التحديد ليتقدم لخطبتي .. عشرات الأسئلة ، لم يكن يعلم إجابتها سوى عصام .. لكنه قاس جدا في غضبه ، وقاس جدا في قطيعته وخصامه ..
هممت أكثر من مرة أن أكسر حاجز الصمت بيني وبينه .. لم يطاوعني الحياء ، ولم أكن رغم حاجتي إليه قد خف حنقي عليه بسبب تصرفه في شؤوني دون مشورتي ..
ألست أنا روحا وكيانا وإنسانا من حقه أن يتخذ قراراته بنفسه ، أو على أقل تقدير يشارك في اتخاذها ؟
أم أنا طفلة بلهاء يقررون لي ما يحلو لهم ؟.. وتذكرت اقتراب الموعد الذي ربما قرر بناء عليه أبي مصيري دون الرجوع إلي ..
لكن يحسب لأبي على كل حال ، أنه رد لي اعتباري أمام عصام ، وأنه أصر على رؤية الشاب بنفسه ..

جاء الموعد ، وجلس أبي مع ضيفه فترة طويلة من الزمن ، كانت بالنسبة لي دهرا كاملا .. وحاولت أن أتشاغل ، وهرعت إلى غرفتي وأمسكت بالمصحف ، وحاولت عبثا أن أتلو بتمعن وخشوع .. لكنني وجدت نفسي بعد لحظات واقفة أصلي .. لم تكن صلاة استخارة ، لقد كانت صلاة حاجة ، لقد دعوت الله تعالى أن ييسر لي قضاء هذه الحاجة .. لقد أحببت هذا الشاب .. لم أره ، ولم أعرف عنه الكثير .. كلها خطوات على الطريق .. امتداح عصام لأخلاقه وتحفظه على إمكاناته .. نور يشع من وجه ( سوسو ) صديقتي الحبيبة ، وهي توصيني به خيرا ..
لكن هناك أشياء أبعد من ذلك تجذبني إليه تشعرني أنه هو صاحبي الذي أنتظره .. هو الطيف الذي ظل يتشكل في كياني منذ سنوات ..
طريقة تفكيره ..
إقدامه على الخطبة من فتاة لم يرها ولا يعرفها ..
محاولته الخطبة في مثل ظروفه المادية ..
لابد أنه شاب غير عادي .. دعوت ورجوت الله أن يوفقني للخير .. وشعرت في دعائي بالخشوع ثم بالسكينة ، ونسيت ، ولأول مرة منذ الصباح ، انقضاء الوقت ، وانشغلت حقيقة عن لقاء أبي به .. حتى نادتني أمي لبعض شؤونها ، فكنت في الصالة عندما انصرف وعاد إلينا أبي .. عرفت من وجهه الذي كان متهللا .. أنه سعيد أو على الأقل مرتاح ..
اقترب مني أبي واحتضنني وقبلني على وجنتي ، وبين عيني ..
كان السؤال يكاد يقفز على لساني ، أجابه أبي قبل أن أنطق به :
- شاب جيد يا منال .. جعله الله من نصيبك ..
كنت في لهفة إلى التفاصيل .. وأقبلت أمي متهللة ومتحفزة ، كل عضو من أعضائها ينطق بالأسئلة ، ولجأت إلى غرفتي .. إلى وسادتي أحتضنها ، وصوتهم يأتيني من خلف الباب الذي تغافلت عن إحكام إغلاقه ..

أمي تسأل بلهفة وأبي يجيب :
كل الذي عرفته من حديثهم : أنه شاب جيد واثق من نفسه ، طموح ، غير خجل من إمكاناته ، له نظرة إلى المستقبل وإلى الحياة ، يبدو أن وضع أسرته وأهله جيد جدا ، لكنه يقدم نفسه قائلا ها أنا ذا .. لا يحب الاعتماد عليهم كثيرا ، رغم أنهم بما شعرت من حديثة نقطة هامة لصالحه تماما ، فمثل هذه الأسرة لن تترك ابنها يتعثر ..

لم أسمع إلا هذا القدر من الحديث ، ووجدت نفسي ألجأ إلى نافذة غرفتي ، أفتحها ، وأنظر إلى السماء عبر سواد الليل ، وألق النجوم ، وأشكر ربي ، وانسابت دموع غزيرة على وجنتي ، وحمدت الله كثيرا ، ووجدت نفسي أردد في نغم عذب كأنه صادر من كائن آخر غيري :
أسبح ربي مثل الطيور وأهتف باسم إله كبير
أرى كبرياء بلون السماء وومض النجوم وبعد المسير
وفي شفق مشفق كالجراح يذكر من أبصروا بالسعير
وحين يساق السحاب الجواد ليحي في الأرض موتى القبور
وفي الشمس لفت بظل الحياء تنادي الأحبة عند البكور
أسبح ربي مثل الطيور وأهتف باسم إلــه كبير
أرى كبرياء بلون السماء وومض النجوم وبعد المسير

ثم تساءلت : إذا كان هذا هو رأي أبي ، وهو من عرفته حريصا متشككا ، فماذا يمكن أن يكون رأيي أنا فيه عندما أراه ؟ ..

لم أدر على وجه التحديد ماذا كنت أفعل في هذه اللحظات .. ربما دمعت عيني كثيرا ، وربما حدثت نفسي بصوت مرتفع .. لكني حمدت الله كثيرا جدا أن شقيقتي لم تكن بالغرفة ، وأنها حينما جاءت كنت قد تمالكت نفسي ، ومسحت دموعي بطرف ثوبي ، وعاد إلي بعض اتزاني .. أقبلت أختي فقبلتني وهي تقول :
- مبروك يا منال .. بابا يقول أنه شاب جيد ..
-
- وقبلت أختي بحب ، ودعوت لها بصدق : بأن تلحق بي عما قريب ..

- لكنها عادت فذكرتني .. باق في الأمر خطوة مهمة .. هي لقاؤكما معا .. عصام يقول أنه بالتأكيد رآك من قبل .. لكن المهم رأيك أنت فيه ، ربما لم يعجبك ..

كادت كلمة تخرج من فمي ، أمسكتها في اللحظة الأخيرة ..
أنا متأكدة أنه لم يرني بعد ، كما أني متأكدة أنه سيعجبني ..
لقد أعجبني فعلا ..
روحه أعجبت روحي ..
لقد تلاقت الأرواح ..
وعندما تتلاقى الأرواح ، فليس للأجساد قيمة أو أهمية ..
كنت بالطبع أحادث نفسي ، وهيهات أن أصرح بهذه الخواطر إلا له يوم يصبح أهلا لهذا الحديث ..
لم أنم ليلتي .. كان ذهني مشغول بأسئلة تلح عليه بقوة :
هل تراه أهلا لهذه المشاعر ؟
هل هو فعلا حلم حياتي الماضية ؟
وأمل حياتي المقبلة ؟؟

2-5-

كانت لي تجارب سابقة .. كانت التجربة الأهم فيها مؤلمة شديدة الإيلام ..
لقد تقدم لخطبتي على مدار سنوات دراستي الجامعية بعض الشباب ، كانوا في الغالب يأتون عن طريق شقيقي عصام وهاني ، وكان يتم إثناؤهم عن عزمهم هذا بلطف ، كان المبدأ السائد في الأسرة أنه لا ارتباط ، ولا تفكير في ارتباط ، إلا بعد الانتهاء من الدراسة الجامعية ..
وبعد الانتهاء من الدراسة مباشرة تقدم لخطبتي ، شاب كان ابن صديق لوالدي ، وكان فيما يبدو شابا ميسور الحال المادي ، كما ذكروا لي عنه أنه صاحب خلق ودين .. لكنَّ صفاتٍ أخرى ، ذكرت لي عنه ، جعلته بعيدا عن أحلامي في رفيق الحياة ..
وأمام إصرار من أبي ، وإلحاح دائم من أمي ، وموافقة مبدئية من عصام ، وحيادية كاملة من هاني .. كان لابد أن أراه .. ولقد رأيته ، فاعتذرت لأهلي في إشفاق وخجل ..
ولأنها كانت التجربة الأولى ، فلم يحاول أحد أن يضغط علي .. وتركوا لي القرار الأخير ، واعتذروا للشاب في أدب ورقة ..

ثم تقدم لي خاطب ، كان من جيراننا ، وكان وثيق الصلة بشقيقي عصام ، كان من أعز أصدقائه ، كان هذا الشاب كما كان يروي لي شقيقي ، زعيما دينيا وسياسيا بكليته بالجامعة أثناء الدراسة ، وكان حديث عهد بالتخرج ..
تقدم هذا الشاب لخطبتي ، ولا شك أنه قد رآني بطريقة أو بأخرى بحكم الجيرة السكنية ..
ولقد أكبرت فيه أن يختارني ، وأن يختار أسرتي للارتباط بها ..
ولم تكن حالة هذا الشاب ميسورة من الناحية المالية ، وكان في مقتبل حياته العملية .. وضح تحفظ عصام على هذه الخطبة منذ البداية ، لكنه بحكم صداقته الوثيقة جدا به ، لم يكن أمام عصام مفر من أن يعرض الأمر على الأسرة ، وأن يضغط في سبيل إتمام هذه العلاقة مع صديق عمره ..
ولا أفشي سرا ، إن قلت أنني كنت قد سمعت عن هذا الخاطب كثيرا على لسان شقيقي عصام ، وأحيانا على لسان هاني ، وهذا بعكس ما يحدث مع عماد الآن .. إلا أنني لم أكن قد رأيته ..
وأذكر أن الأسرة بعد المداولة والأخذ والرد ، قد قررت رفض طلب هذا الخاطب لظروفه المادية المتعثرة ..
وبدأت أنا أمارس ضغطا كبيرا على أمي ، وكنت أؤمن بمبدأ أن الفقر ليس عيبا ، وأن الرجال لا يقدَّرون بإمكاناتهم المادية ..
وظللت ألح على أمي ، ولم أكن قد علمت بالرد الذي وصل لهذا الخاطب المتقدم .. لكن محاولاتي المتكررة في إقناع أمي ، والإلحاح عليها في إعادة فتح الموضوع مع أبي .. أثمر أخيرا ، فقرر أبي أن يرسل عصام لاستدعائه لمقابلته ، والتفاهم معه ..
ربما كان نفس السيناريو الذي يحدث مع عماد الآن يتكرر بصورة كربونية ..
وحدث أثناء هذه الفترة أن الهواجس كانت تنتابني .. كنت أحارب من أجل تثبيت مبدئي في اختيار شريك حياتي .. أن المادة لا قيمة لها ولا اعتبار ..
ومع ذلك شعرت بالاضطراب والقلق .. فرغم أن الشاب المتقدم لخطبتي جار لنا ، وأسرته معروفة لأسرتنا جيدا ، ومع ذلك فقد كنت أستشعر نفور أبي ، نفورا يتجاوز قضية الإمكانات المادية !!
وهرعت إلى ربي في صلاة استخارة دعوته فيها أن يلهمني الصواب ، وأن يختار لي الأصلح لحياتي وآخرتي ..
ولقد نمت على وضوئي بعد صلاة الاستخارة فرأيت رؤيا عجيبة ، حتى أنني استيقظت من نومي منقبضة الصدر ، متوترة الأعصاب ..
لكنني لم أبح برؤيتي لأحد .. كنت في أعماق نفسي مصرة على أن أخوض التجربة إلى نهايتها ..
لقد رأيت في الرؤيا ، أن أحدهم يقدم لي ثوبا .. كان الثوب جميل المنظر .. فضفاضا واسعا بشكل عجيب ، فأغراني منظره واتساعه ، وشعرت أن هذا الثوب سيسترني تماما ، فارتديته ، وما لبثت أن عرفت أنه رغم اتساعه ، فهو ثوب شفاف كالزجاج المصقول ، لا يستر جسدي بل يفضح عوراته ..

كانت الرؤيا مقبضة للنفس ، مؤرقة للروح ، لكنني رفضت استلام الإشارة .. ومضيت في التحدي الكبير ، ولم أكن أدرك أنني أتحدى ذاتي ، قبل أن أتحدى أي شخص آخر ..
لقد ذهب عصام ، واستدعى ذلك الشاب لمقابلة أبي ، فما كان من الشاب في أول لقائه بأبي إلا أن قال له في برود :

- إنني علمت يا عمي أنني مرفوض بالنسبة لكم نظرا لظروفي المادية .. والحقيقة أنني فكرت في الأمر ، ووجدت أن معكم حق .. فظروفي الآن غير ملائمة للارتباط ، فقررت أن أرجئ هذا الأمر حتى تتحسن ظروفي مستقبلا .. وقد عزمت على ألا أفكر في موضوع الزواج في الوقت الحالي .. ولولا أن صديقي عصام جاءني ، وطلب مني أن أعيد المحاولة ، وألح علي في لقاء حضرتك .. ولولا أنني فهمت منه أن نساء البيت قد ألححن عليه في ذلك .. فما كنت سأحضر لمقابلتك ، ولكنني حضرت من أجلهن ، ولرغبة ابنتك منال في ذلك !!

وظل أبي ينظر إلى ذاك الشاب صامتا شاردا .. كانت عيناه تحملقان فيه دون أن يراه ، ظل على هذا الوضع فترة من الزمن .. ثم نهض دون أن ينبس بحرف واحد .. ودخل إلى الشقة ، وبحث عن عصام ، وقال له بهدوء مميت :
- اذهب يا عصام فاصرف صديقك ، بأي وسيلة تراها مناسبة .. لكن لا تدعه يقابلني مرة أخرى !!

ثم دخل أبي غرفته وأغلق على نفسه الباب ، وظل منفردا بوحدته يومين كاملين لا يكلم فيهما أحدا من أفراد الأسرة ، ولا يتناول فيهما زادا إلا ما كانت تلح عليه به أمي إلحاحا شديدا ، وظل لا يخرج من غرفته إلا إلى صلاة أو قضاء حاجة ..
وبعد محاولات مضنية من جانبي استطعت في نهاية اليومين أن أقطع عليه عزلته ، فدخلت عليه وقبلت كفه ورأسه ، واستحلفته بالله أن يخبرني بسبب حزنه العميق غير المسبوق هذا ..
وقد أجابني بومض الدموع في عينيه .. وقبل رأسي في حنان ، ثم روى لي ما كان من حديث ذاك الشاب معه ..
وظللت أبكي ، لقد كدت أنهار تماما ، وقد خاب أملي خيبة شديدة قاتلة في هذا الشاب ..
لكن سرعان ما ثبت إلى رشدي ، وتذكرت الإشارة التي أرسلها لي المولى عز وجل ، ولكنني رفضت استقبالها في حينها ، فكانت العاقبة قاتلة تماما لكرامتي وكرامة أسرتي !!
لقد تكرر نفس السيناريو من جانب أسرتي مع عماد ، رفض وإعراض ، ثم قبول على مضض ، ودعوة للقاء ..
لكن شتان بين مقابلة أبي الأولى التي كسرت نفسه ، وبين اللقاء الثاني الذي أبهجه وأدخل عليه البشر والسرور !!
كنت ألمح في عيني أبي ، وأنا أخوض معركتي مع الأسرة للمرة الثانية على إقرار مبدأ : المادة آخرا وبعد كل شيء ..
كنت ألمح عتابا يذكرني بتجربتي الأولى ، وبطعنة قاسية طعن بها أبي في كبريائه .. حتى كدت أستسلم ، وأترك الأمر لهم يقررون فيه ما شاءوا ..
لكن بقية من عزم وإصرار ، وأمل في أن الله تعالى لن يضيع فتاة حالمة ، متوكلة عليه كل التوكل مثلي .. فمضيت في الطريق ، وأنا أتحسس قلبي بيدي مع كل خطوة أخطوها ..
لكن الإشارات هذه المرة ، لم تكن مقبضة ، ولا متوترة .. كانت كشدو الطيور في بكورها ، وكشروق الشمس حين يتنفس الصبح بأنفاس ربانية رائعة ، وهو يهمس في أذن الكائنات :
الليل ولى لن يعود وجاء دورك يا صباح ..

يتبع بإذن الله تعالى..........

semeramis
29-04-2010, 10:19 PM
2-1- منال تروي


2 - منال تروي

ذكرت لي فيما بعد في ليالي سمرنا وما أكثرها وأحلاها من ليال ، حين كان يؤنس وحدتنا صوتها الشجي ولم يكن ثمة ( تلفزيون ) أو غيره ، قالت :
كانت المناسبة زواج إحدى صديقاتي ، وكانت من المقربات لي ، وقد دخلت بيتنا فعرفتها أمي ، وكان زوجها صديقا مقربا من أخي عصام ، ولذا اتفقت مع أمي أن نذهب سويا لزيارتها بمناسبة مرور أسبوع على الزواج ، وتقديم المجاملة الواجبة في مثل هذه المناسبات ..
واصطحبت أمي وذهبنا ، وكنا خاليي البال تماما من أي شيء ، لم تعنِ لنا الزيارة إلا المناسبة التي ذهبنا من أجلها ..
وبعد فترة من الزمن ، وكنت أنا وأمي نجلس مع العروس في غرفة نومها ، مع عدد من صديقاتها الأخريات ، وبعد فترة دق باب الغرفة فخرجت العروس تتحدث مع زوجها ، ثم عادت فطلبت من أمي أن تخرج إلى زوجها لأنه يريدها في أمر ما ..
وساد شيء من الارتباك والحيرة حتى لملمت أمي نفسها وخرجت إليه ، وساد الاعتقاد أن الزوج ربما أراد أن يسأل عن شيء أو أن يوصي عروسه بشيء على لسان والدتي ، فقد كانت بطبيعة الحال أكبر الزائرات سنا وأكثرهن خبرة ومعرفة ..
وبعد قليل عادت أمي لكنها كانت متجهمة تماما ، ويبدو عليها التوتر والقلق ، وظلت تنظر إلي نظرات حائرة تارة ومتوعدة تارة أخرى ، وشعرت بعد فترة أن توترها بدأ يزداد من حركة أصابعها التي كانت تدق بها ركبتيها بعصبية شديدة ..
وتوجست خيفة وجالت في خاطري بعض الظنون ، فالزوج هو صديق عصام ، وربما أخبرها عن عصام شيئا لم تحبه ، أو أن عصام أوصاه أن يبلغها بقرار ما ، لم يستطع مواجهتها به فطلب من صديقه تبليغها إياه .. وانحصر تفكيري في عصام ، والحقيقة أنني كنت خائفة ، وكانت حال أمي تستدعي العجلة في إنهاء الزيارة والانصراف لأعرف منها ما يعتمل في نفسها ، غير أن خوفي جعلني أطيل الزيارة خوفا من لحظة الإنفراد بها وهي على هذا النحو من التوتر الشديد .. لكنها أشارت لي ، ولم يكن هناك بد من الانصراف ، وبمجرد نزولنا إلى الشارع سألتني في حدة :
- هل ذكر لك عصام شيئا عن خاطب تقدم لك ؟
نفيت نفيا قاطعا وأنا في غاية التعجب ، وحاولت أن أستزيدها فلم تفصح عن شيء ، ولكنها ظلت على توترها وعصبيتها حتى وصلنا المنزل ، وعندما رأت والدي ابتدرته قائلة :

- أرأيت ما يفعل ابنك عصام !

- سألها أبي في شيء من خوف مفاجئ : وماذا فعل ؟ خيرا إن شاء الله ؟

- قالت أمي في انفعال : لقد تقدم إلى ابنتك منال خاطب هو صديق له ، ولقد رفضه الأستاذ حتى دون الرجوع إلينا ، ولا إليها .. فهي أقسمت لي أنها لا تعلم شيئا عن هذا الأمر ..

- نظر إلي أبي مستفهما ، فأومأت برأسي مؤمنة على كلام أمي ..

عند هذا الحد من الحديث كان لزاما علي أن أنصرف من باب الحياء أو الأدب ، حتى ولو كان الموضوع الذي سيناقش هو من أخص خصوصيات حياتي ، لكن كان علي أن أنصرف ، ولم أتلكأ لقد كنت عند باب غرفتي عندما جاءني صوت أبي :

- ادخلي أنت غرفتك الآن يا منال ..
لعله لم يسمع إجابتي التي غمغمت بها وأنا أغلق باب غرفتي من الداخل .. لكن صوت النقاش الحاد كان مرتفعا وكان يأتيني واضحا من خلف الباب حتى دونما أي تعمد مني للإصغاء ، ولم يكن في الحديث ما يغري بالإنصات خاصة وقد رفض عصام العريس وانقضى الأمر .. حاولت أن أمسك مصحفي وأن أنشغل عن النقاش بقراءة القرآن .. لكنني أخفقت .. ظل المصحف في يدي ، لكن عقلي كان مشغولا بما يسمع من نقاش حاد ..
.

2-2-‎

قالت أمي ملخصة الموقف كله :
- سألني زوج ( فلانة ) هل ابنتكم مخطوبة ، أو في انتظار خاطب معين .. قلت له أبدا .. فقال لي : تقدم لها خاطب عن طريقي وهو يسألني عن شروطكم فيمن يتقدم إليكم .. قلت له شروط عادية جدا .. فقط أن يكون شابا طيبا ومتدينا وعلى خلق ومن أسرة طيبة .. قال لي لماذا إذن رفضتموه وهو به كل هذه الصفات وأيضا ظروفه المادية أفضل حالا مني ؟ وها أنا ذا على يدك يا حاجة قد تزوجت بفضل الله .. أظهرت تعجبي .. فقال لي : إن عصام أخبرني برفضكم لهذا الخاطب ، رغم أنه صديقه ويعرفه جيدا ..
انفعل أبي وهو يستدعي عصام بحدة : ووجه له سؤالا :
- هل تقدم لك أحد أصدقائك لخطبة أختك ؟

- قال عصام بهدوء شديد : ليس الأمر على هذا الوضع .. كل ما هنالك أن ( فلانا ) سألني هل تصلح ظروف صديقنا هذا للتقدم لأختك ، فقلت له إن ظروفه لا تصلح .. كان مجرد سؤال وأنا أجبته حسب رؤيتي وتقديري للموقف ..

- احتد أبي وهو يقول : وهل أنا مت .. حتى تتصرف في شؤون أخواتك على هذا النحو دون مجرد الرجوع لي ولرأيي ؟!

- قال عصام بخجل : ليس الأمر كذلك .. كل ما في الأمر أن ظروفه لا تناسب على الإطلاق ، وهو لا يعتبر تقدم فعلا للخطبة .. وأنا لم أرجع إليكم لأنني أعلم رأيكم مسبقا ..

- احتد أبي قائلا : أظن أن هذا ليس من شأنك وحدك يا عصام .. على أقل تقدير تعطيني فكرة عن هذا الأمر .. هل هو شاب سيء ؟

- على العكس تماما يا بابا هو شاب ممتاز جدا ، دينا وخلقا ومن أسرة محترمة .. لكن ظروفه المادية لا تسمح بمجرد التفكير بالارتباط .. هذا كل ما في الأمر ..

- هل تظنه رأى أختك ؟

- قال عصام بيقين : بالتأكيد يا بابا رآها ، فكيف يخطبها إن لم يرها ! .. ولكن من هذه الناحية اطمئن فلعله رآها مصادفة أو في الطريق إلى البيت ، فهو من النوع الخلوق الذي لا ينظر إلى الفتيات أو يشاغلهن ..

- قال أبي بحزم : ما هي ظروفه بوضوح ؟

- قال عصام ببرود : أبدا لا يوجد شيء .. .. مجرد أنه شاب جامعي وصديق لي ويعمل في محل للبقالة ..

- سأل أبي مضيقا الخناق على عصام : هل عنده شقة ؟

- أجاب عصام في اقتضاب : شقة متواضعة جدا في بيت قديم كان ملكا لجده ، وهي في حارة شعبية ..

- زاد انفعال أبي وهو يقول : أي أن عنده شقة ..

- أصر عصام على موقفه قائلا : شقة متواضعة جدا ، أنا لا أعتبرها شقة ..

- هل رأيتها ؟

- نعم .. ذهبنا للمذاكرة فيها مرة أو مرتين من قبل ..

- هل سيساعده أحد من أهله في أمر الزواج ؟

- تلعثم عصام وهو يقول: إن أمه كانت تعمل بالخارج ، وأظن أنه قال انها وهبت له مبلغا بسيطا من المال ، سوف يعينه على تجهيز شقته ، ويحاول المشاركة في مشروع للبقالة التي يعمل فيها من أجل هذا الهدف ..

- قال أبي محتدا : إذن هو شاب جاد وليس لعوبا يا عصام ..

- قال عصام : أنا لم أقل أنه لعوب ، بالعكس هو جاد جدا ، لكنه غير مناسب .. فهناك عشرات الشباب من زملائنا مثله خلقا ومعدنا ، وأفضل منه بكثير في الإمكانات المادية ..

- لكن أحدا من هؤلاء لم يتقدم لخطبة أختك ، وصديقك هذا هو الذي تقدم ، والواجب يا بني في هذه الحالة ، أن نجلس معه ونناقش الأمر ، وأن نستطلع رأي صاحبة الشأن ..
كانت أمي تجلس صامتة حتى هذا الجزء من الحوار ، ولكنها تكلمت أخيرا :
- صحيح يا أبا عصام .. أن عصام أخطأ بعدم استشارتك ، ولكن هو أدرى بظروف صديقه ، وطالما لا يراه مناسبا ، فأعتقد ...

قاطعها أبي قائلا بحسم من لا يقبل المناقشة في الأمر :
- أظن أن من حقي أن أراه وأن أجلس معه .. هو لن يجبرني على الموافقة على الزواج من ابنتي .. ولكن من واجبي كأب أن أكوّن فكرة عن هذا الشاب .. ولا تنسِي أن رأي عصام مهما كان صوابا ، فإنه لابد يفتقر إلى خبرة الأب ..

صمت أبي لحظة ثم استدعاني رافعا صوته بالنداء ..
كنت على أتم الاستعداد للخوض في هذا الحوار الذي لم يكن يسعدني كثيرا ، لكنه استفزني أكثر من أي شيء ..
فمن أعطى الحق لأخي عصام أن يتصرف في شؤوني بهذه البساطة ؟
وكيف له أن يقرر من الذي يناسبني ومن الذي لا يناسبني ؟
ثم على أي أساس وأي مواصفات وشروط تلك التي يفضل بها رجلا على آخر ؟
أعلى أساس المال وحده يفعل ذلك ؟
ومن قال له إنني أقيم للمال أي وزن أو اعتبار من حيث المبدأ ؟

كانت عشرات الأسئلة تغلي في نفسي ، ومع ذلك تثاقلت عندما استدعاني أبي ، وأخذت أمشي إليه على مهل مبدية شيئا من الحياء مشوبا بعدم الرضا عن كل ما حدث .. اتخذت مكاني في المجلس .. فابتدرني أبي سائلا :

- هل سمعت ما قاله أخوك عصام ؟

- قلت على استحياء : سمعت جزءا من الحديث ..

- وما رأيك أنت ؟

- أنا أترك الأمر لك يا بابا

- هل توافقين على شاب بمثل هذه الظروف التي ذكرها عصام ؟

- أجبت مستنكرة : أية ظروف يا بابا .. كل ما سمعت منه أنه شاب مستقيم وذو خلق ..
- قال عصام محتدا : لكنه لا يملك أي مقومات مادية للزواج .. والزواج كما تعلمين ، ليس أخلاقا حميدة فقط ، و.. ولكن له متطلبات للحياة والمعيشة ..

- أعطاني تدخل عصام فرصة للتنفيس عما يجول بخاطري فقلت بحدة : إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ، والمال في النهاية هو ملك لله يؤتيه من يشاء .. فليس مما يعيب الرجل أن يكون فقيرا في ماله ، وإنما ما يعيبه أن يكون فقيرا في دينه أو أخلاقه ..

نظر أبي إلى كل منا على حده .. ثم قال بحسم :
- أنا سأقابل هذا الشاب لأتعرف إليه بنفسي ، وعليك يا منال أن تنسي هذا الموضوع حتى أخبرك عن رأيي فيه .. وأنت يا عصام عليك أن تحدد له موعدا ليقابلني فيه ..
- تلعثم عصام وهو يقول ساخطا : ولكني أبلغته برفضنا لهذا الأمر .. فكيف أذهب إليه ...

- قال أبي محتدا : هذه مشكلتك أنت .. أنت الذي أوقعت نفسك فيها ، وعليك أن تخرج نفسك بطريقتك .. لكن عليك أن تحدد له موعدا ..
بهذا الحزم أنهي أبي النقاش .. وأدركت من نظرات عصام الحانقة ، أننا على مشارف قطيعة قد تطول ، ولم يكن هذا أوانها .. أنا التي كنت غاضبة منه .. لكني تحاملت على نفسي لأكلمه .. لعلي أظفر منه ببعض التفاصيل عن هذا الخاطب .. لم يزد أن ذكر لي اسمه من بين أسنانه .. وأضاف أنه زميله في الكلية .. ثم قال حانقا : كنت أنتظر أن تؤيدي وجهة نظري .. فكيف لشاب بهذه الإمكانات أن يتقدم لخطبة بنات الناس ؟
- كدت أنفجر فيه ، لكنني تمالكت نفسي ، وقلت له : وأنت يا عصام ألست في ظروف أسوأ منه ، فمتى تخطب إذن ؟

- قال بحزم : ولذلك أنا لا أفكر في هذا الأمر الآن .. ليس قبل أن أسافر إلى الخارج ، وأكوّن نفسي ، وأكون جديرا بأن أتقدم لمن أريد ..

- قلت في سخرية : وعندها تختار من اشتريت لها الأثاث ، والأجهزة .. أو قد تشتري العروس التي تتناسب مع ما تقتنيه من أجهزة .. أما أنا فحلمي يا عصام أن أشارك شريك حياتي تأسيس بيتنا خطوة ، خطوة ، وأن أشعر أن كل ما نقتنيه هو ملك لنا معا ، وأنني شريكة فيه .. سوف أتعب معه .. فعلا .. أنا متأكدة من ذلك .. ولكن كل ركن في بيتنا سيكون سعيدا لأنه جاء من كفاحنا معا ..

نظر إلي عصام مستنكرا ، أو لعله مستهجنا .. وتركني وتحرك نحو باب غرفته فأغلقه خلفه بعنف ، دون أن ينبس بكلمة واحدة ، وعندها أدركت أن قطيعة طويلة قد بدأت ..

2-3-‎

كان عصام صديقي كما هو شقيقي ، وكثيرا ما غطيت في البيت على مغامراته .. وكنت آنس في الحديث معه ، كما كنت في أشد الحاجة إلى الاستنارة برأيه ، فهو كذلك الذي يعرف ذاك المتقدم لخطبتي .. لكن المسالة في النهاية مسألة مبدأ .. ولقد انتصرت في الخطوة الأولى .. لقد أرسيت مبدأ أن المادة ليست هي العنصر الأول ولا هي العنصر الأهم .. لكنني تساءلت : هل يكون رجلنا ذاك ممن يستحقون القتال من أجلهم ؟ أم أنه يكون غير ذلك ؟
أمام هذا السؤال توكلت على الله ، واعتمدت على حيلتي ، فإذا كان عصام قد قطع عني خيط المعلومات ، واكتفي بمقاطعتي ، لاختلافي معه في أمر من أخص خصوصياتي ، فقد لجأت إلى صديقتي ( سهير ) ، كانت خريجة نفس كلية عصام .. ذهبت إليها وسألتها عن اسم ذاك الشاب .. كانت الحروف تخرج من فمي متلعثمة ، ووجنتاي قد احمرتا حتى صارتا لون الدم .. وشعرت بحرارة شديدة في أذني .. ونظرت إلي ( سهير ) بكل ما يمكن أن تنظر به فتاة إلى صديقتها في مثل هذه الحالة ، من خبث ، وإشفاق ، ودهاء .. ثم علت ضحكتها حتى أنارت وجهها كله ،وهي تتساءل :
- إذا فقد وقع ؟

- تجاهلت سؤالها متغابية ، وكررت سؤالي لها : هل تعرفينه ؟

- قالت وعيناها تبرقان من السعادة : وكيف لا أعرفه وهو من أفضل الشباب في الكلية ، وهو بالمناسبة صديق عزيز لأخي ، وهو كذلك من أعز أصدقاء خطيبي ..
ثم جذبتني من ذراعي ، نحو غرفتها ، ثم قالت انتظري لحظة .. عند أخي في ألبومه بعض الصور له .. سأريك إياها .. وقبل أن أرفض أو أوافق ، وقد وجدت نفسي في موقف حرج ، وقد غلبني الحياء تماما ، كانت قد انصرفت من الغرفة .. كنت بيني وبين نفسي في غاية الحياء ، غير أنني وبعد سماع شهادتها تلك ، في غاية الشوق واللهفة لرؤية صورته ، ولتكوين فكرة عامة عنه ..
بعد قليل عادت سهير وقد أخرجت بعض الصور من ألبوم أخيها ، وأشارت إليه في أكثر من صورة .. لم تكن كلها صورا واضحة ، فقد كانت صورا جماعية بين حشد من الطلاب ، أو الأصدقاء .. كل ما لاحظته بوضوح هو نحافته الظاهرة .. لم أبدِ رأيا ، وتحججت بان الصور غير واضحة .. لكنها لم تنس أن توصيني به خيرا ،
وقالت لي مداعبة :
- أرجو ألا تغاري من اهتمامي به ، فهو أصغر سنا مني وأنا أعتبره أخي الأصغر .. ولقد كانت تتراهن عليه فتيات من الكلية ، ولقد أرسلت له تحذيرا مع شقيقي لحمايته من حبائلهن .. لقد كان نشطا جدا في العمل الطلابي ، حتى أطلق عليه زملاؤه وكذا الموظفون بها : لقب ( الزعيم ) ، وأهم ما يميزه حديثه إذا وقف خطيبا في مجموعة من الطلاب ، فله قدرة غير عادية على اكتساب التعاطف ، والتأثير في مستمعيه ...
بين صلاة الاستخارة وبين استشارة صديقتي .. انشرح صدري مبدئيا لذلك الشاب .. غير أن بيني وبين معرفته خطوات كثيرة أهمها رأي أبي ، وهو وإن كان قد أبدى امتعاضا مما فعله عصام ، وهذا الامتعاض راجع في المقام الأول لأنه تجاهل رأي أبيه ، فأخذ المسألة مسألة كرامة وإثبات وجود ، إلا أن رأيي أبي لن يقل عن رأي عصام تعسفا من الناحية المادية ، فهو لن يرمي ابنته .. كما هو شائع في المجتمع ، ولابد أن يشترط شروطا مادية ستكون تعجيزية ولا شك لشاب في مقتبل حياته ..
فيما بعد عرفت من وضع درج خزانة ملابسي أنه قد فتح في غيابي ، وفتشت فيه فلم أجد شهادتي الجامعية ، وتوقعت أن عصام قد جاء يبحث عن صورة لي فلم يجد ، حيث أنني لا أحب الصور ، ولا ألجأ إلى التصوير الفوتوغرافي إلا في الضرورات للأوراق الرسمية ، إذن فإن خاطبي ، لم يرني ، كما انني لم أره ، وأنه سوف يتعرف علي من خلال صورة ! وللعجب ! فإن صورتي الموضوعة على الشهادة الجامعية ، هي قديمة جدا كذلك ، لقد كانت صورتي وأنا في الثانوية العامة !!!
تركت درجي وتساءلت : أي خاطب هذا الذي يتقدم لفتاة لم يرها من قبل ؟
هل يمكن أن يكون من هذا النوع ؟
وتعقد جبيني من العجب ، وأنا أتساءل : هل يمكن أن يصدق قولهم : الطيور على أشكالها تقع ؟

2-4-‎

أعرف أن الشباب مهما كان مستوى فكرهم ، ينجذبون إلى الفتيات من خلال الجمال والمظهر ، فكيف لشاب لم ير فتاة أن يتقدم لخطبتها ، ومن أين له بصفاتي ؟ أو من أين سمع عني ، حتى يغامر هذه المغامرة ؟

انشغلت بهذه الأفكار فترة من الزمن ، شغلتني عن انقضاء الأيام حتى الموعد الذي ضربه له أبي لمقابلته .. لكنني كنت أكثر لهفة لرؤية هذا الشاب الغريب في تفكيره ، وتأكدت بعد ذلك من أن شهادتي الجامعية كانت مع عصام ، عندما فتشت درجي في اليوم التالي فوجدتها تحت بعض الأوراق ..
لم أكن في وقت ما أكثر حنقا على عصام ، من حنقي عليه في هذه الأيام .. كنت في حاجة ماسة إليه .. إلى الحديث معه .. إلى الاستئناس برأيه .. إلى أن يحدثني حديثا مطولا عن صفات هذا الشاب ، وعن طريقة تفكيره ، ولماذا اختارني أنا على وجه التحديد ليتقدم لخطبتي .. عشرات الأسئلة ، لم يكن يعلم إجابتها سوى عصام .. لكنه قاس جدا في غضبه ، وقاس جدا في قطيعته وخصامه ..
هممت أكثر من مرة أن أكسر حاجز الصمت بيني وبينه .. لم يطاوعني الحياء ، ولم أكن رغم حاجتي إليه قد خف حنقي عليه بسبب تصرفه في شؤوني دون مشورتي ..
ألست أنا روحا وكيانا وإنسانا من حقه أن يتخذ قراراته بنفسه ، أو على أقل تقدير يشارك في اتخاذها ؟
أم أنا طفلة بلهاء يقررون لي ما يحلو لهم ؟.. وتذكرت اقتراب الموعد الذي ربما قرر بناء عليه أبي مصيري دون الرجوع إلي ..
لكن يحسب لأبي على كل حال ، أنه رد لي اعتباري أمام عصام ، وأنه أصر على رؤية الشاب بنفسه ..

جاء الموعد ، وجلس أبي مع ضيفه فترة طويلة من الزمن ، كانت بالنسبة لي دهرا كاملا .. وحاولت أن أتشاغل ، وهرعت إلى غرفتي وأمسكت بالمصحف ، وحاولت عبثا أن أتلو بتمعن وخشوع .. لكنني وجدت نفسي بعد لحظات واقفة أصلي .. لم تكن صلاة استخارة ، لقد كانت صلاة حاجة ، لقد دعوت الله تعالى أن ييسر لي قضاء هذه الحاجة .. لقد أحببت هذا الشاب .. لم أره ، ولم أعرف عنه الكثير .. كلها خطوات على الطريق .. امتداح عصام لأخلاقه وتحفظه على إمكاناته .. نور يشع من وجه ( سوسو ) صديقتي الحبيبة ، وهي توصيني به خيرا ..
لكن هناك أشياء أبعد من ذلك تجذبني إليه تشعرني أنه هو صاحبي الذي أنتظره .. هو الطيف الذي ظل يتشكل في كياني منذ سنوات ..
طريقة تفكيره ..
إقدامه على الخطبة من فتاة لم يرها ولا يعرفها ..
محاولته الخطبة في مثل ظروفه المادية ..
لابد أنه شاب غير عادي .. دعوت ورجوت الله أن يوفقني للخير .. وشعرت في دعائي بالخشوع ثم بالسكينة ، ونسيت ، ولأول مرة منذ الصباح ، انقضاء الوقت ، وانشغلت حقيقة عن لقاء أبي به .. حتى نادتني أمي لبعض شؤونها ، فكنت في الصالة عندما انصرف وعاد إلينا أبي .. عرفت من وجهه الذي كان متهللا .. أنه سعيد أو على الأقل مرتاح ..
اقترب مني أبي واحتضنني وقبلني على وجنتي ، وبين عيني ..
كان السؤال يكاد يقفز على لساني ، أجابه أبي قبل أن أنطق به :
- شاب جيد يا منال .. جعله الله من نصيبك ..
كنت في لهفة إلى التفاصيل .. وأقبلت أمي متهللة ومتحفزة ، كل عضو من أعضائها ينطق بالأسئلة ، ولجأت إلى غرفتي .. إلى وسادتي أحتضنها ، وصوتهم يأتيني من خلف الباب الذي تغافلت عن إحكام إغلاقه ..

أمي تسأل بلهفة وأبي يجيب :
كل الذي عرفته من حديثهم : أنه شاب جيد واثق من نفسه ، طموح ، غير خجل من إمكاناته ، له نظرة إلى المستقبل وإلى الحياة ، يبدو أن وضع أسرته وأهله جيد جدا ، لكنه يقدم نفسه قائلا ها أنا ذا .. لا يحب الاعتماد عليهم كثيرا ، رغم أنهم بما شعرت من حديثة نقطة هامة لصالحه تماما ، فمثل هذه الأسرة لن تترك ابنها يتعثر ..

لم أسمع إلا هذا القدر من الحديث ، ووجدت نفسي ألجأ إلى نافذة غرفتي ، أفتحها ، وأنظر إلى السماء عبر سواد الليل ، وألق النجوم ، وأشكر ربي ، وانسابت دموع غزيرة على وجنتي ، وحمدت الله كثيرا ، ووجدت نفسي أردد في نغم عذب كأنه صادر من كائن آخر غيري :
أسبح ربي مثل الطيور وأهتف باسم إله كبير
أرى كبرياء بلون السماء وومض النجوم وبعد المسير
وفي شفق مشفق كالجراح يذكر من أبصروا بالسعير
وحين يساق السحاب الجواد ليحي في الأرض موتى القبور
وفي الشمس لفت بظل الحياء تنادي الأحبة عند البكور
أسبح ربي مثل الطيور وأهتف باسم إلــه كبير
أرى كبرياء بلون السماء وومض النجوم وبعد المسير

ثم تساءلت : إذا كان هذا هو رأي أبي ، وهو من عرفته حريصا متشككا ، فماذا يمكن أن يكون رأيي أنا فيه عندما أراه ؟ ..

لم أدر على وجه التحديد ماذا كنت أفعل في هذه اللحظات .. ربما دمعت عيني كثيرا ، وربما حدثت نفسي بصوت مرتفع .. لكني حمدت الله كثيرا جدا أن شقيقتي لم تكن بالغرفة ، وأنها حينما جاءت كنت قد تمالكت نفسي ، ومسحت دموعي بطرف ثوبي ، وعاد إلي بعض اتزاني .. أقبلت أختي فقبلتني وهي تقول :
- مبروك يا منال .. بابا يقول أنه شاب جيد ..
-
- وقبلت أختي بحب ، ودعوت لها بصدق : بأن تلحق بي عما قريب ..

- لكنها عادت فذكرتني .. باق في الأمر خطوة مهمة .. هي لقاؤكما معا .. عصام يقول أنه بالتأكيد رآك من قبل .. لكن المهم رأيك أنت فيه ، ربما لم يعجبك ..

كادت كلمة تخرج من فمي ، أمسكتها في اللحظة الأخيرة ..
أنا متأكدة أنه لم يرني بعد ، كما أني متأكدة أنه سيعجبني ..
لقد أعجبني فعلا ..
روحه أعجبت روحي ..
لقد تلاقت الأرواح ..
وعندما تتلاقى الأرواح ، فليس للأجساد قيمة أو أهمية ..
كنت بالطبع أحادث نفسي ، وهيهات أن أصرح بهذه الخواطر إلا له يوم يصبح أهلا لهذا الحديث ..
لم أنم ليلتي .. كان ذهني مشغول بأسئلة تلح عليه بقوة :
هل تراه أهلا لهذه المشاعر ؟
هل هو فعلا حلم حياتي الماضية ؟
وأمل حياتي المقبلة ؟؟

2-5-

كانت لي تجارب سابقة .. كانت التجربة الأهم فيها مؤلمة شديدة الإيلام ..
لقد تقدم لخطبتي على مدار سنوات دراستي الجامعية بعض الشباب ، كانوا في الغالب يأتون عن طريق شقيقي عصام وهاني ، وكان يتم إثناؤهم عن عزمهم هذا بلطف ، كان المبدأ السائد في الأسرة أنه لا ارتباط ، ولا تفكير في ارتباط ، إلا بعد الانتهاء من الدراسة الجامعية ..
وبعد الانتهاء من الدراسة مباشرة تقدم لخطبتي ، شاب كان ابن صديق لوالدي ، وكان فيما يبدو شابا ميسور الحال المادي ، كما ذكروا لي عنه أنه صاحب خلق ودين .. لكنَّ صفاتٍ أخرى ، ذكرت لي عنه ، جعلته بعيدا عن أحلامي في رفيق الحياة ..
وأمام إصرار من أبي ، وإلحاح دائم من أمي ، وموافقة مبدئية من عصام ، وحيادية كاملة من هاني .. كان لابد أن أراه .. ولقد رأيته ، فاعتذرت لأهلي في إشفاق وخجل ..
ولأنها كانت التجربة الأولى ، فلم يحاول أحد أن يضغط علي .. وتركوا لي القرار الأخير ، واعتذروا للشاب في أدب ورقة ..

ثم تقدم لي خاطب ، كان من جيراننا ، وكان وثيق الصلة بشقيقي عصام ، كان من أعز أصدقائه ، كان هذا الشاب كما كان يروي لي شقيقي ، زعيما دينيا وسياسيا بكليته بالجامعة أثناء الدراسة ، وكان حديث عهد بالتخرج ..
تقدم هذا الشاب لخطبتي ، ولا شك أنه قد رآني بطريقة أو بأخرى بحكم الجيرة السكنية ..
ولقد أكبرت فيه أن يختارني ، وأن يختار أسرتي للارتباط بها ..
ولم تكن حالة هذا الشاب ميسورة من الناحية المالية ، وكان في مقتبل حياته العملية .. وضح تحفظ عصام على هذه الخطبة منذ البداية ، لكنه بحكم صداقته الوثيقة جدا به ، لم يكن أمام عصام مفر من أن يعرض الأمر على الأسرة ، وأن يضغط في سبيل إتمام هذه العلاقة مع صديق عمره ..
ولا أفشي سرا ، إن قلت أنني كنت قد سمعت عن هذا الخاطب كثيرا على لسان شقيقي عصام ، وأحيانا على لسان هاني ، وهذا بعكس ما يحدث مع عماد الآن .. إلا أنني لم أكن قد رأيته ..
وأذكر أن الأسرة بعد المداولة والأخذ والرد ، قد قررت رفض طلب هذا الخاطب لظروفه المادية المتعثرة ..
وبدأت أنا أمارس ضغطا كبيرا على أمي ، وكنت أؤمن بمبدأ أن الفقر ليس عيبا ، وأن الرجال لا يقدَّرون بإمكاناتهم المادية ..
وظللت ألح على أمي ، ولم أكن قد علمت بالرد الذي وصل لهذا الخاطب المتقدم .. لكن محاولاتي المتكررة في إقناع أمي ، والإلحاح عليها في إعادة فتح الموضوع مع أبي .. أثمر أخيرا ، فقرر أبي أن يرسل عصام لاستدعائه لمقابلته ، والتفاهم معه ..
ربما كان نفس السيناريو الذي يحدث مع عماد الآن يتكرر بصورة كربونية ..
وحدث أثناء هذه الفترة أن الهواجس كانت تنتابني .. كنت أحارب من أجل تثبيت مبدئي في اختيار شريك حياتي .. أن المادة لا قيمة لها ولا اعتبار ..
ومع ذلك شعرت بالاضطراب والقلق .. فرغم أن الشاب المتقدم لخطبتي جار لنا ، وأسرته معروفة لأسرتنا جيدا ، ومع ذلك فقد كنت أستشعر نفور أبي ، نفورا يتجاوز قضية الإمكانات المادية !!
وهرعت إلى ربي في صلاة استخارة دعوته فيها أن يلهمني الصواب ، وأن يختار لي الأصلح لحياتي وآخرتي ..
ولقد نمت على وضوئي بعد صلاة الاستخارة فرأيت رؤيا عجيبة ، حتى أنني استيقظت من نومي منقبضة الصدر ، متوترة الأعصاب ..
لكنني لم أبح برؤيتي لأحد .. كنت في أعماق نفسي مصرة على أن أخوض التجربة إلى نهايتها ..
لقد رأيت في الرؤيا ، أن أحدهم يقدم لي ثوبا .. كان الثوب جميل المنظر .. فضفاضا واسعا بشكل عجيب ، فأغراني منظره واتساعه ، وشعرت أن هذا الثوب سيسترني تماما ، فارتديته ، وما لبثت أن عرفت أنه رغم اتساعه ، فهو ثوب شفاف كالزجاج المصقول ، لا يستر جسدي بل يفضح عوراته ..

كانت الرؤيا مقبضة للنفس ، مؤرقة للروح ، لكنني رفضت استلام الإشارة .. ومضيت في التحدي الكبير ، ولم أكن أدرك أنني أتحدى ذاتي ، قبل أن أتحدى أي شخص آخر ..
لقد ذهب عصام ، واستدعى ذلك الشاب لمقابلة أبي ، فما كان من الشاب في أول لقائه بأبي إلا أن قال له في برود :

- إنني علمت يا عمي أنني مرفوض بالنسبة لكم نظرا لظروفي المادية .. والحقيقة أنني فكرت في الأمر ، ووجدت أن معكم حق .. فظروفي الآن غير ملائمة للارتباط ، فقررت أن أرجئ هذا الأمر حتى تتحسن ظروفي مستقبلا .. وقد عزمت على ألا أفكر في موضوع الزواج في الوقت الحالي .. ولولا أن صديقي عصام جاءني ، وطلب مني أن أعيد المحاولة ، وألح علي في لقاء حضرتك .. ولولا أنني فهمت منه أن نساء البيت قد ألححن عليه في ذلك .. فما كنت سأحضر لمقابلتك ، ولكنني حضرت من أجلهن ، ولرغبة ابنتك منال في ذلك !!

وظل أبي ينظر إلى ذاك الشاب صامتا شاردا .. كانت عيناه تحملقان فيه دون أن يراه ، ظل على هذا الوضع فترة من الزمن .. ثم نهض دون أن ينبس بحرف واحد .. ودخل إلى الشقة ، وبحث عن عصام ، وقال له بهدوء مميت :
- اذهب يا عصام فاصرف صديقك ، بأي وسيلة تراها مناسبة .. لكن لا تدعه يقابلني مرة أخرى !!

ثم دخل أبي غرفته وأغلق على نفسه الباب ، وظل منفردا بوحدته يومين كاملين لا يكلم فيهما أحدا من أفراد الأسرة ، ولا يتناول فيهما زادا إلا ما كانت تلح عليه به أمي إلحاحا شديدا ، وظل لا يخرج من غرفته إلا إلى صلاة أو قضاء حاجة ..
وبعد محاولات مضنية من جانبي استطعت في نهاية اليومين أن أقطع عليه عزلته ، فدخلت عليه وقبلت كفه ورأسه ، واستحلفته بالله أن يخبرني بسبب حزنه العميق غير المسبوق هذا ..
وقد أجابني بومض الدموع في عينيه .. وقبل رأسي في حنان ، ثم روى لي ما كان من حديث ذاك الشاب معه ..
وظللت أبكي ، لقد كدت أنهار تماما ، وقد خاب أملي خيبة شديدة قاتلة في هذا الشاب ..
لكن سرعان ما ثبت إلى رشدي ، وتذكرت الإشارة التي أرسلها لي المولى عز وجل ، ولكنني رفضت استقبالها في حينها ، فكانت العاقبة قاتلة تماما لكرامتي وكرامة أسرتي !!
لقد تكرر نفس السيناريو من جانب أسرتي مع عماد ، رفض وإعراض ، ثم قبول على مضض ، ودعوة للقاء ..
لكن شتان بين مقابلة أبي الأولى التي كسرت نفسه ، وبين اللقاء الثاني الذي أبهجه وأدخل عليه البشر والسرور !!
كنت ألمح في عيني أبي ، وأنا أخوض معركتي مع الأسرة للمرة الثانية على إقرار مبدأ : المادة آخرا وبعد كل شيء ..
كنت ألمح عتابا يذكرني بتجربتي الأولى ، وبطعنة قاسية طعن بها أبي في كبريائه .. حتى كدت أستسلم ، وأترك الأمر لهم يقررون فيه ما شاءوا ..
لكن بقية من عزم وإصرار ، وأمل في أن الله تعالى لن يضيع فتاة حالمة ، متوكلة عليه كل التوكل مثلي .. فمضيت في الطريق ، وأنا أتحسس قلبي بيدي مع كل خطوة أخطوها ..
لكن الإشارات هذه المرة ، لم تكن مقبضة ، ولا متوترة .. كانت كشدو الطيور في بكورها ، وكشروق الشمس حين يتنفس الصبح بأنفاس ربانية رائعة ، وهو يهمس في أذن الكائنات :
الليل ولى لن يعود وجاء دورك يا صباح ..

يتبع بإذن الله تعالى..........

semeramis
30-04-2010, 10:36 PM
3-1- اللقاء




حدد معه عصام موعدا للقائي بعد نجاحه في أخذ الموافقة المبدئية من أبي .. أبلغه عصام أنه تبقت خطوتان نحو إعلان الموافقة النهائية على الخطبة .. الخطوة الأولى هي خطوتنا معا ، أنا وهو .. وهل سيحدث قبول بيننا ، أم أن لكل منا رأيا سيبديه عقب المقابلة .. وأما الخطوة الثانية والحاسمة في حالة حدوث القبول بيننا هي رؤية الأهل للشقة ، للموافقة النهائية عليها ..
كانت هذه الأخبار تأتيني عن طريق أمي ، فلم يكن عصام قد صفح عني بعد .. رغم اتخاذه لكافة الخطوات العملية لإتمام هذه الخطبة ، إلا أنه مازال حانقا علي لمعارضتي رأيه ، وخروجي ككيان منفصل مستقل عن كيانه كشقيقي الأكبر وصديقي ، وحامل أختام أسراري !!!
علمت أن الموعد سيكون يوم الاثنين القادم عقب صلاة العشاء ، كان اليوم هو السبت .. فمازال أمامي يومان حتى نلتقيا .. فهل تراني أعجبه .. لم أسأل نفسي هل تراه يعجبني .. كنت أشعر أن هذا سؤال قد أعد له الجواب ..
ومضى يوم السبت ومثله الأحد ثقيلا بطيئا كالحا ، لا يريد أن ينقضي ، وأشعر أن ساعات اليوم قد زادت أو طالت فعلا عن معدلها الطبيعي ، ولم يكن هذا محض وهم ، ولكن كان له سبب فسيولوجي وجيه ، لقد تسارعت دقات قلبي بشكل ملحوظ ، ولم يعد يدق ستين دقة في الدقيقة ، بل أصبح يدق خمسة وسبعين دقة أو ربما ثمانين دقة أو خمسة وثمانين ، ولذا فقد كنت أشعر باتساع الدقيقة وطولها ، ومن ثم طالت الساعات فالأيام ..
حتى الظروف الخارجية نفسها كانت كأنها تتحالف ضدي .. كان الجو العام خانقا جدا في مدينتنا ..
كنت معتادة على الخروج إلى دروس المسجد بشكل شبه يومي تقريبا ، ولا يخلو بيتنا من زيارات أخواتي وصديقاتي ، لكننا الآن رغم كوننا في منتصف فصل الصيف تقريبا ، وحرارة الجو خانقة تماما ، كان الجو العام يوحي بخريف الغضب عقب أحداث نقابة المهندسين بمدينتنا ..

كانت النقابة قد عقدت مؤتمرا عاما لمناصرة قضية البوسنة والهرسك ، وحدث أن كان عدد الحضور ضخما .. أنا وصديقاتي كنا من الحاضرات ، لم يقتصر الحضور على المهندسين ولا النقابيين ، ولكن شمل جماهير عريضة من الشباب ، وضاق بهم مقر النقابة ، فأبقونا والسيدات في المبنى ، وأخذت الجماهير تتابع المؤتمر في الشارع الرئيسي ، والشوارع الجانبية حول مقر النقابة ، واعتبر مسؤولوا الأمن بالمحافظة أن ما يحدث تجمهر وليس مؤتمر ، وأن فيه إخلال بالأمن وتحد له ، فأمر مدير الأمن بتفريق الجماهير ، ونزلت قوات الأمن المركزي إلى الشارع وبدأت في استخدام الهراوات ، وقابلتها الجماهير بالهتاف والتكبير ، وتصاعد الموقف واستخدمت قوات الأمن الرصاص المطاطي وقنابل الغاز ، وتم إصابة عدد من الشباب ..
حتى أن شقيقا لإحدى صديقاتي فقد ساقه ، فقد تم بترها بسبب خرطوشة من الرصاص المطاطي قد استقرت فيها !!
ثم أعقب ذلك حملة اعتقالات واسعة ، ولم يبق بيت في المدينة إلا وأصابه غم وهم ..
وباتت أجواء صيفنا الحار خريفا باهتا حزينا ، لا أثر فيها لبهجة ، وتأجلت كثير من حفلات الزواج التي حددت مواعيدها سابقا ، وبأمر من مسؤولي الأمن بالمحافظة أغلقت المساجد التي كنا نلتقي فيها ، في وجه الدروس والمحاضرات ، لم تعد تفتح أبوابها إلا في الأوقات المحددة للصلاة فقط ..




3-2-




تضافر الظروف الخارجية والداخلية كان يخنقني .. وشعرت انني في حصار اجتماعي يتحالف فيه ضدي عصام بطول قطيعته لي مع شدة حاجتي إليه ، وظروف المدينة نفسها ، وكذا قلبي الذي يكاد يفلت من بين ضلوعي ..
وأخيرا انقضى اليومان ، ومنذ صباح الاثنين ، وأنا أحاول أن أتشاغل .. أشغل نفسي بأي شيء وكل شيء ، حتى يحين موعد اللقاء ..
وأخيرا جاء .. حضر عصام إلى غرفتي وتواضع ثم تنازل فقبلني على جبيني قبلة حانية جميلة .. ثم قال وهو ينظر في خجل إلى الأرض :
- هيا يا عروسة حتى ترين عريسك وتعاينينه في كشف الهيئة .. ولكن عليك أن تحذري تماما من الخداع .. فليست هناك سوى هذه الفرصة لإبداء رأيك .. فتحققي منه جيدا ، من مظهره وشخصيته .. وكل ما تستطيعين أن تلحظيه عنه .. واسأليه ما شئت من الأسئلة .. فهذه هي فرصتك الوحيدة والأخيرة .. اللهم قد بلغت .. اللهم فاشهد ..

قال عصام جملته الأخيرة بحركة تمثيلية محببة إلى نفسي منه .. وهو يضحك .. لكن ما قاله لي قد سبب زيادة مطردة في دقات قلبي ، كنت أشعر أنه سيقفز من صدري ، لعله يريد أن ينفتح أمام هذا الخاطب المتقدم ، ليسكب فيه ما يشاء من حب ..

سيطرت على نفسي بصعوبة بالغة وأنا أتقدم مع أخي ، كفي ترتجف بين كفه إلى الصالون ، وفتح الباب أخيرا ، ولم أرَ غرفة صالوننا ، ولم أرَ ذاك الجالس ، أخاله منتظرا على أحر من الجمر .. لم أر سوى نور باهر كأن الشمس قد عاودت الشروق بعد العشاء ، لكنه كان شروقا أبيض لا أثر فيه لعين الشمس الحمئة .. وبهرني النور ، وهز كياني كله فأخذت أرتجف .. حتى أن عصام أوصلني بنفسه إلى مقعدي ، وقد شعر شعورا خفيفا بانتفاضة جسدي كله ..
وجلست وأخذت أنظر إلى موقع قدماي ، وشعرت بعد لحظة أنني فقدت السيطرة على نفسي ، وأن ركبتاي تصطكان ، بينما كفي اليمني تعتصر كفي اليسرى ، كان أصعب امتحان يمكن أن يوضع فيه إنسان ..
ولم يطل الصمت .. جاءني صوته محييا ، كان صوتا خفيضا حييا مرتعشا خائفا .. صوت مخنوق يجاهد ليأخذ المبادرة .. وعرفت أنه أيضا يعاني ، لكنه كان أكثر جرأة مني ، وهذا هو المأمول منه كرجل ، فلو طال الصمت أكثر من ذلك فربما نهضت وتركت الغرفة ومضيت ، لكن كلماته الأولى جاءت كمخرج أكيد من هذا المأزق ..
بدأ يكلمني عن إعجابه بصفاتي التي سمعها عني من بعض المقربين .. ثم انتقل بالحديث عن جامعة الإسكندرية وعن رأيه بها ، وحاول إشراكي معه في الحديث عن طريق توجيه بعض الأسئلة العامة ، وأخذت أجيبه ، وأنا لا أعي تماما السؤال ولا الإجابة التي تتلعثم على شفتي ، بقدر ما أحاول بالحديث إخراج نفسي من هذا التوتر .. وبدأت أطمئن إليه ، ثم أخذ صوته يقوى ويتجه نحو الوضوح والحسم ، وعرفت من خلال الصوت أن له شخصية معينة ، وأنه يميل إلى إبداء آراء كثيرة في مواقف وقضايا مختلفة ومتعددة ..

لم أستطع خلال حديث طويل ومتقطع أن أختلس النظر إليه .. كاد الحياء يقتلني ، وكان النور يبهر عيني ، وكنت قد آنست نوعا ما إلى حديثه ، وفي لحظات الصمت ، أو عندما كان يتجه بحديثه لأخي ، ليعطيني فرصة لالتقاط الأنفاس .. حاولت أن أختلس النظر إلى وجهه .. لكن عينيه كانتا شقيتين ، وأحسست أنه يتسلل بنظراته إلي من أسفل النظارة الطبية السميكة التي يضعها على عينيه ، وحاولت أكثر من مرة أن أسترق النظر إلى وجهه فلم أفلح .. وشعرت أن عينيه تلاحقاني دائما ..
فاستحييت ، وقنعت من النظر إلى منتصفه تقريبا .. وتعجبت في نفسي من إلحاح نظراته .. رغم وضوح الحياء في انكسارها وتسللها من أسفل النظارة ، ثم حمرة الخجل الشديدة الظاهرة على أذنيه .. حيث لمحتهما مرة واحدة فكانتا بلون الطماطم ..
ومع ذلك لم تتح لي عيناه أن أنظر إلى وجهه ..

3-3-




تحدث معي حديثا جريئا حادا ، لا في نبرته ، وإنما في فكرته وآرائه حول الأثاث ، والشقة ، والأحلام ، وأنه يفضل الكفاح المشترك عن تقديم كل شيء لفتاة بعد أن يفقد الرجل حماسه وعاطفته ، ولا يقدم لفتاته سوى المادة ، والمادة فقط ..
وانتقل بالحديث عن اعتقاده بأن المال لا يصنع سعادة ، مشيرا إلى أنه لو أراد السفر العاجل لتحقق له ذلك وبشروط مقبولة ، لكون له قريب مقيم في الخليج منذ سنوات طوال وهو يلح عليه بالسفر إليه ، ولكنه يأبى هذا المنطق ..
يسافر .. ربما .. فليس هناك ما يمنع من الفكرة نفسها ، لكن يوم أن تكون معه رفيقة حياته ، فهي رفيقة الكفاح كما هي رفيقة السعادة .. وانتقد الذين يضيعون أعمارهم وراء فخامة ستائر النوافذ ، وألوان الحوائط ونوع الطلاء الموضوع عليها ، رغم أن فخامة الطلاء وفراهة الأثاث ، لا تصنع سعادة ولا تجلب حبا .. ربما أثارت إعجابا وعجبا عند أول مرة تراها العين ، ثم سرعان ما تصبح شيئا عاديا مألوفا من مكونات الحياة .. أما الحب والعاطفة فهما اللذان يصنعان السعادة ، ويصنعان الدفء ، ويصنعان الأمان ، ويصنعان الحياة ..
كان يحدثني بما يعتلج في صدري ، وأدركت من أول وهلة أنه رومانسي وعاطفي جدا ، لأنه لم يفتأ يتحدث عن هذه الكلمة دون خجل أو مواربة ، أو حتى مراعاة لوجود عصام معنا ، وما فتئ يقارن بين العاطفة وبين المادة ، حتى ظن عصام أنه يستمع إلى ( تشي جيفارا ) ، أو غيره من كبار دعاة اليسارية ، وأنه ينوى أن يسكنني في كوخ وأنه سيكتب فوقه : كوخ الحب .
فتدخل عصام في الحديث مستدركا :

- ولو أن هذا لا يمنعك من طلاء شقتك .. العاطفة شيء جميل ، لا خلاف على ذلك ، ولكن أيضا قد لا توجد العاطفة أساسا إذا كان الزوجان يعيشان في بيت من الطوب الأحمر !!
وضحك عصام ، فضحك ..
وكانت فرصة لي لالتقاط أنفاسي المبهورة .. لقد بهرت به .. ولقد تعودت عيناي على جو الغرفة ، وربما أدركت بعد فترة أنه لم يكن هناك أي شيء غير عادي في ضوئها ، لكن النور الذي أشرق في عيني ، إنما أشرق في قلبي ونفسي ، وكأنها إشارة من الله تبارك وتعالى أنه أملي الذي انتظرته طويلا ، وإن كنت قد رددت قبله عددا من الخطاب لم يبهر عيني نور استقبالي لهم ، ولم يبهر أذني وقع أصواتهم ، ولم يبهر عقلي أثر حديثهم .. أدركت أن هذا الشاب مختلف ..
وأحببت لو أني أسأله سؤالا واحدا فقط .. سؤال واحد بدا لي أنه الحاسم تماما في هذا الأمر .. لكني ، لم أجرؤ على التفوه به ..
وأمسكت لساني ، ويبدو أن علي من الآن فصاعدا أن أتمرن جيدا على امساك اللسان ، وكبت المشاعر .. وإلا لأصبحت فترة الخطبة كارثية تماما ، لما يمكن أن يحدث فيها .....
وانتهى اللقاء الأول ، لكن أثره لم ينتهِ من قلبي ، ونوره لم ينطفئ في روحي .. وحاولت جاهدة أن أخفي حقيقة مشاعري خلف قناع جامد من التجهم ، ولإشعار من حولي بأنني غارقة في تفكير عميق قبل اتخاذ قراري الأخير

يتبع بإذن الله تعالى

hopy
01-05-2010, 09:37 PM
حلوه اوى
كملى انا متابعه معاكى

semeramis
02-05-2010, 06:44 PM
4 -1- شهادتي عن اللقاء

وإذا كان ما مضي هي رواية منال التي روتها لي عن لقائنا الأول ، فإنه لي أيضا ما أرويه لها عن هذا اللقاء الذي غير مسار حياتي تغييرا جذريا ، صحيح أن بوادر هذا التغيير الجذري كانت تلح علي منذ زمن ، لكن كان هذا هو اللقاء الحاسم في مجرى الحياة ..

كنت أستعد لهذا اللقاء منذ فترة ، وبالتحديد منذ قابلت والدها قبل حوالي أسبوع ، وكنت لا أزال أعمل في محل ( البقالة ) أتمرن على مهنة اعتقدت يوما أنها ربما أصبحت مهنتي ، وكنت أمضي في العمل نحو ثماني ساعات كانت كفيلة في الحقيقة إلى التهام جزء مؤثر من الوقت .. لكن ساعات العمل كانت عاجزة تماما بالطبع عن التهام تفكيري في هذا الموعد الذي ينبني عليه الكثير ..

في هذه الفترة وربما قبلها بقليل ، كان عصام قد استوثق مني أنني لم أرَ شقيقته ، وأنني تقدمت لخطبتها ( عمياني ) على حد تعبيره عن ذلك ..
فأخذ يلح علي مشددا أن أراها قبل أن نقدم على أية خطوة أخرى ، وأخذ يحدد لي المواعيد التي تذهب فيها إلى دروس المسجد ، وواعدني أن ألتقيه قبل هذه المواعيد بقليل حتى أتمكن من رؤيتها ..
لكن ظروفا ألمت بالمساجد وحالت دون انعقاد تلك الدروس ، ولم يتيسر لي رؤيتها ، وكان عصام مصرا على هذا الطلب ، وكنت أنا غير حريص عليه ، ولكني وللخروج من هذا المأزق ، ومرور الزمن دون اتخاذ خطوة عملية ، ألححت على عصام أن يأتيني بصورة فوتوغرافية لها ، تردد عصام ، وهو يقول :
- من الصعب الحصول على صورة حديثة لها ..

وأكدت له أن الصورة تكفي .. وكنت في قرارة نفسي أعلم أن الصورة لن تكفي ، غير أنني كنت واثقا أن الشكل الخارجي لن يغير من رأيي ولا موقفي قيد شعرة .. ولذا ألححت عليه في هذا الطلب ، قطعا للوقت ، ومنعا للاختلاف بيني وبينه حول هذه النقطة ..

وعاد عصام بعد يومين فأحضر لي شهادتها الجامعية معتذرا عن عدم حصوله على صورة مفردة حديثة لها .. فشكرته ، ورجوته أن يترك هذه الشهادة عندي لصباح اليوم التالي ، ولعل عصام ، رغم حرصه الشديد لم يتوقع غرضي من هذا الطلب ، فوافق عليه بلا مناقشة .. أما أنا فأخذت الشهادة الجامعية ونسخت منها صورة ، ثم قصصت منها صورة منال ، وأصبحت أحتفظ بها تحت وسادتي ، ولا أخفي عليك أنني في بعض الليالي التي تلت ذلك ، كنت أتحدث إليها .. إلى الصورة .. كنت أحاول أن أأتلف معها .. وأحيانا كنت أطبع على هذه الصورة .....
وكنت اعلم أن أمي الحبيبة من النوع الذي لا يهدأ ، فهي لا تدخر وسعا في قلب سريري ، بل غرفتي كلها رأسا على عقب للتنظيف والتنظيم وخلافه ، فكنت أضع الصورة الحبيبة أسفل وسادتي وقت النوم ، فإذا استيقظت صباحا ، أخفيتها خلف مرآة خزانة ملابسي ، فما كانت أمي لتنظف خلف المرآة !

وأذكر أنني كنت ذات مرة في رحلة عمل خاطفة مع صديق لنا ، وكانت بعض أنباء عن تقدمي لخطبة شقيقة عصام قد بدأت تتسرب ، سألني رفيق الرحلة هل رأيتها ؟
فأجبته : رأيت صورتها ..
عاد رفيقي يسألني دون مواربة سؤالا ربما حاك في صدره :
- هل هي جميلة ؟

وأجبته إجابة أحببت أن تكون قاطعة ، ورجوت أن يبلغها لكل من يحاول أن يتطفل على هذه الجزئية تحديدا ، قلت له :

- من خلال الصورة ، وبالطبع هي غير واضحة تماما ، لكن أستطيع أن أقول مقبولة .. ولو أني أردت الزواج حسب مواصفات الجمال المتعارف عليها ، لم أكن لأختار صاحبة هذه الصورة .. غير أن الجمال الذي سيطر علي هو جمال روحها ، وهذا ما أنا في حاجة ماسة إليه ، وهذا يكفيني ويسعدني ..

4-2

مرت الأيام إذن ، وتجهزت للقاء المرتقب .. أتذكر أنني صليت صلاة .. لم تكن صلاة استخارة ، وإنما صلاة دعوت الله تعالى فيها بالتوفيق والنجاح ..
كنت أعرف أنني مقبل على اختبار جدي .. كنت أشبهه باختبارات كشف الهيئة في الكليات العسكرية ..
وكنت أدرك أن للفتيات عيونا فاحصة ومدققة أكثر بكثير مما يملكه الشباب في هذا الجانب ، وأن فتاة تستطيع من خلال نظرة سريعة خاطفة أن تقوّم الشخص الذي أمامها تقويما دقيقا ظاهريا وداخليا ..
وكنت بيني وبين نفسي عازما على أمر ، هو في حد ذاته خطر في مثل هذه المواقف الاجتماعية الحساسة ..
عزمت على تقديم نفسي كما أنا ، وقررت بيني وبين نفسي ألا أكذب ولا أتجمل .. ولا حتى أقدم أحسن ما عندي لأخدع فتاة بريئة مسكينة ، قد تسلمني قلبها وروحها لأكون كل شيء في حياتها ، ثم يكون هذا التسليم على أساس خادع ..
قررت أن أكون أنا نفسي بمظهري العادي دون تكلف أو تأنق مبالغ فيه ، وأن أظهر حدة آرائي ، وربما غرابتها ، على حقيقتها تماما ، وأن أعرض عليها فكرتي عن الحياة وعن المستقبل بشيء من الوضوح ..
بالجملة قررت أن أكون خلال لقائي بها .. ( أنا ) على حقيقتي على طريقة الكتاب المفتوح ..
ولا أعرف إلى أي مدى نجحت في تقديم نفسي لها بهذا الشكل ، ولكن حسبي نيتي الخالصة في ذلك ..
توكلت على الله ونزلت من بيتي ، فشعرت أن دقات قلبي تتسارع بشكل غير مسبوق ، وأنني لا أستطيع أن أتمالك نفسي ، فقد كنت أرتجف .. إنها ساعة الحقيقة .. إن كنت تفهم تماما ما أعنيه بهذه العبارة ..
وتقدمت أخيرا إلى بيت عصام .. وانتظرت في غرفة الصالون التي جلست فيها مرارا من قبل .. لكنني كنت أجلس على جمر مشتعل ..

وأخيرا فتح الباب ، وجاءت أميرتي ومليكة قلبي .. جاءت يعانق كفها كف شقيقها عصام ، ولا أكذبك إن ذكرت لك أنها كانت اللحظة الأولى التي أشعر فيها بالغيرة من عصام ، بت أشعر منذ هذه اللحظة بأنني الأولى بأن أكون بجوارها تعانق كفي كفها على هذا النحو ..

جلست هي قبالتي بزاوية منحرفة بحيث لا تكون في اتجاه نظري مباشرة ، وأطرقت إلى الأرض ، ولم يكن صعب علي أن أتبين حرج الموقف لثلاثتنا .. لكن أول معلم تبينته بعد دخولها الغرفة مباشرة ، هو هذا النور الذي يسطع من جبينها أسفل خمارها السكري ، كانت كأن الشمس تشرق من جبهتها .. وبهرني النور ..
وحتى يومنا هذا أؤمن أن أكثر ما يميزها هو هذا النور الذي يسطع من جبينها .. لقد أدركت على الفور أن هذه الفتاة روحانية ، وأن روحها نورانية شفافة ..

هناك أشخاص عندما تقابلهم لأول مرة تشعر بأنهم كتلة من الأعصاب ، أي شديدي التوتر العصبي والتقلب المزاجي ، وقليل جدا من الأشخاص الذين يمكن أن تعتبرهم أرواح .. لكنني أمسيت أوقن منذ هذه اللحظة الأولى للقائنا أن منال هي روح .. روح نورانية شفافة .. كطبيعة فراشات الربيع ..

مرت فترة صمت عصيبة .. حاولت أن أقطعها بأي حديث .. كان الأهم عندي في هذه اللحظة أن أجد صوتي ، ووجدته أخيرا يخرج مضطربا مخنوقا ، فأحييها به ..
ولم يمض وقت طويل حتى كان كل توتري قد ذهب عني .. شعرت أنني أجلس أمام فتاة أعرفها من قبل ، وأنها قريبة مني ، ولم أعد مضطربا ، وبدأت أوجه لها بعض الأسئلة .. حتى أخرجها من أي جو للاضطراب ، ولأسمع صوتها ..

وصوتها كان المعلم المبهر الثاني .. كان صوتها ساحرا فاتنا .. كانت تنطق الحروف بطريقة غريبة .. طريقة فيها شموخ ورنين معين يشنف الأذن .. كان صوتها رخيما من تلك الأصوات الفخمة التي تشعرك بالعظمة والإباء والشمم ، وآه يا صديقي مما يفعله في نفسي تأثير الصوت الجميل .. أنا من الذين يحبون الصوت الجميل حبا لا حد له ..
أحب الحداء ، وأعشق الأناشيد الرقيقة والجميلة .. وأعيش معها بوجداني كله .. وشعرت أن اله تعالى يعوضني خيرا ..
وتذكرت في التو الحديث الشريف : من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه ..

4-3-


وأنا لم أبحث عن الجمال عندما قررت الارتباط بفتاتي .. لم أكن أعرف أين يمكن أن أجد مواطن جمالها ، فإذا بالله تعالى يعوضني بنور يشع من وجهها ، وصوت من أحلى ما سمعت في حياتي ..
وكادت تطفر دموعي من الشكر ، لكني تحاملت وتجملت .. وبدأت أستعرض أمام فتاتي طائفة من أفكار هي في غاية الحدة والتطرف .. في الناحية الاجتماعية طبعا .. لقد ازدريت المادة حتى شئت أن أقول ربما عشت معي على التراب .. ولم تكن أي فتاة في مثل مركزها يمكن أن تجيبني بشيء سوى بالرفض القاطع ، إلا أن فتاتي التي تجلس أمامي ، لم تكن فقط توافقني على هذه الآراء ، ولكني كنت أشعر بطربها من سماع هذه الأفكار .. وكأنها كانت تنتظر أن تسمعها هي بعينها !!
طال بنا الحديث .. ربما ، وكنت خلاله حريصا كل الحرص أن أوجه جزء منه إلى شقيقها عصام ، وأن أتجه إليه بوجهي ونظري لأعطي لها فرصا كاملة لتقيسني بنظراتها .. كنت أعرف أن الحياء يمنعها من النظر إلى مباشرة ، كما لم أستطع أنا أن أحد النظر إليها ، وإنما ألممت بشكلها بوجه عام ..
وكنت أريد أن أعطيها الفرصة لترى عيوب شكلي الكثيرة .. وأن تلحظ نظارتي السميكة ، وحجم أذناي الكبيرتين .. وأشياء أخر .. حتى تبني قرارها على أسس سليمة ..

الغريب حقا أن منال كانت قد قررت نفس قراري تقريبا .. لقد كانت تجلس أمامي على طبيعتها تماما .. بخمارها السكري وعباءتها ( البيج ) الفضفاضة وجوربها الذي يستر قدميها ، حتى قفاز كفها ..
ربما هي بالغت قليلا في ستر مواطن أنوثتها ، فمن حقي كخاطب أن أرى بعض هذه المواطن .. لكن العجيب أنها لم يكن عليها أي مسحة من مسحات وسائل التجميل ، ولم تكن هذه الروح النورانية في حاجة لمثل هذه المسحات أبدا .. إن جمالها يكمن في الهيئة التي خلقها عليها بارئ الأرواح ..
ولم أرد أن أنصرف من لقائي بها دون أن أقول لها انني متيم بها وأريد أن أتمم الخطبة الآن .. لم أستطع طبعا أن أذكر حرفا واحدا من ذلك .. لكني استودعتهم ، وهممت بالانصراف ، فرافقني عصام إلى الشارع ، وأمهلني ثلاثة أيام حتى يعطيه كل طرف منا رأيه ، وقلت له أنا لا أحتاج إلى هذه المهلة .. أنا موافق وأبصم لك بأصابعي العشرة من الآن .. ابتسم عصام قائلا : فكر على مهل ولا تتعجل ..

انصرفت من لقائنا وقد أمسيت إنسانا آخر .. قبل هذا اللقاء كنت فردا .. كنت مسؤولا عن نفس واحدة ، عن روحي فقط ، أما الآن فأنا مسؤول عن روحين .. وعن نفسين ..
أخيرا وجدت الحب الذي عشت على أمل العثور عليه طويلا ..
منذ هذه الليلة ، لم يكن يتسنى لي أن أتذوق طعم النوم حتى ألقي نظرة طويلة حالمة على الصورة التي اقتنصتها لروح القلب ، ثم أطمئن على مكانها أسفل الوسادة ، التي لن تصبح بعد هذه الليلة خالية ..
يتبع بإذن الله..................ز

semeramis
02-05-2010, 06:46 PM
حلوه اوى

كملى انا متابعه معاكى

شكرا ياقمر نورت الرواية

semeramis
03-05-2010, 10:47 PM
5 - 1- الموافقة النهائية والتجهيز للخطبة ..

بعد لقائي الأول مع عماد عرفت لأول مرة في حياتي معنى الحب .. كنت أشعر بالحياء الشديد حتى من نفسي ، حين تلح علي هذه المشاعر الجميلة الحالمة ، وأتساءل :
هل حقا من حقي أن أشعر تجاهه بهذه العاطفة قبل أن يربطنا أي رباط من أي نوع ؟..
إنه بالكاد تقدم لخطبة لم تتم ؟!
لكني كنت أخادع نفسي إذ أطرح عليها مثل هذه الأسئلة .. لأن الأمر لم يكن أمر منطق وعقل ..
لقد قال القلب المحروم الظمآن ، أو القلب الراهب الزاهد الذي كان يطرد خواطر الحب وأطيافه من قبل ..
قال كلمته ..
وليس للقلب كلمة سوى كلمة ( الحب ) ..
وأنا قد أحببت عماد ..
لم يعد الأمر بعد كلمة القلب يحتمل أي نوع من الممانعة أو التلكؤ ..
كان علينا أن نذهب إلى شقة عماد لنعاينها على الطبيعة ، وأيا كانت نتيجة هذه المعاينة ، لم يكن من المحتمل أن تكون سوى نتيجة واحدة تقضي بإتمام الخطبة ..
لكن هناك أبي وشروطه ، ولئن تنازل الرجل مشكورا عن كثير من طلباته المادية التي لا غنى عنها لأي أسرة تقبل ابنتها على الخطبة ، إلا أنه لن يتغاضى أبدا عن أي عيب يمكن أن يراه في شقة الزوجية المنتظرة ..
أخذت أدعو الله تعالى وألح عليه في الدعاء أن ترضي شقة عماد أبي ، وأن يوافق على خطبتنا سريعا ..
كنت أضحك من نفسي وأتساءل :
إذا كان هذا هو حالي .. فكيف يكون حال المسكين عماد ؟..
لعله يدعو بحرقة أكبر ، فالشقة في النهاية هي شقته ..
رغم القلق واللهفة ، كان هناك شعور دائم يطمئنني أن عماد هذا من نصيبي ، وأننا خلقنا من نفس واحدة ..

جاء موعد ذهابنا لمعاينة الشقة وكان ذلك بعد عصر يوم الجمعة التالي للقائنا معا .. وكانت بالنسبة لي فرصة لكي أختلس بعض النظرات إلى عماد .. تلك النظرات التي عجزت عنها وأنا بمواجهته في غرفة الصالون .. بالإضافة إلى شغفي لرؤية مسكن المستقبل ، وهل يتطابق مع ما في خيالي أم لا ..

في النهاية وصلنا إلى العنوان المطلوب ..

5-2-

كنا قد أخذنا طريقنا عبر الشوارع الرئيسية بالمدينة ، وكانت فكرة عصام ، ألا نستقل سيارة أجرة .. حتى نستطيع أن نقدر المسافة من بيتنا إلى شقة المستقبل .. ثم وصلنا إلى شارع محطة السكك الحديدية ، واتخذنا منه شارعا متفرعا ، لكنه رئيسيا أيضا يربط بين محطة القطار ، وبين محطة الحافلات ( شارع الأتوبيس ) كما نطلق عليه في مدينتنا ..
وأخيرا توقف بنا عصام في منتصف هذا الشارع تقريبا .. وأشار لنا إلى أحد البيوت .. وبدا لي المنظر مبشرا وواعدا ، فقد كان البيت إذن يطل على شارع عمومي واسع ..
لكن عصام ما لبث أن أوضح لنا ، أن مدخل البيت من الجهة الخلفية ، ومضينا في خطوات بطيئة ، يقطعها كل من أبي وأمي بالتأمل لما حولنا ، فوصلنا إلى حارة ضيقة .. ربما كانت شبيهة إلى حد كبير بحارتنا التي نقيم فيها .. وهنا توقف عصام ، وأشار لنا إلى مدخل البيت ..
وتطلعنا جميعا إلى منظر البيت فوقنا ..
من الوهلة الأولى بدا المنزل نفسه قديما جدا .. وصغير المساحة ..
ولمحنا عماد الذي كان ينتظر في الشرفة ، فخف هابطا الدرج بسرعة ، ليكون في استقبالنا بابتسامة بشوشة وسلم على أبي وعلى أمي وعلى عصام ، ثم دعانا للصعود دون أن يوجه لي كلمة واحدة .. ربما حياء ، وربما ارتباكا ..
فصعدنا عبر درج سقط دهان جدرانه ..
وفتح عماد باب الشقة الذي كانت أخشابه متهالكة متآكلة ، ثم دعانا للدخول ، واصطحبنا إلى غرف الشقة ، لم تكن الغرف ضيقة جدا ، كانت مناسبة إلى حد ما .. حيث كانت الشقة تتكون من ثلاثة غرف .. كل منها لها منفذ على الشارع ، حيث كانت الشقة تطل على شارعين من جهتين مختلفتين .. كانت إحدى الغرف وهي أكبر الغرف تقريبا لها نافذة على الشارع ، بينما كانت كل من الغرفتين الباقيتين لها شرفة .. واحدة تطل على الشارع الرئيسي ، والأخرى تطل على الحارة ، فوق مدخل البيت ..
لكن الصالة كانت ضيقة تماما ، ولم يكن لها ثمة منفذ على الهواء .. وأما المطبخ والحمام ، فكانا لا يحتملا وقوف أكثر من فرد واحد في أي منهما .. كلاهما كان نقطة الضعف في هذه الشقة ، بالإضافة بالطبع إلى رداءة الجدران والأرضيات ..
رغم ذلك ، لم أشعر من قبل بمثل هذا الانشراح الذي شعرت به وأنا أرى تلك الشقة .. شعرت أنها المكان الذي أحلم به ، حتى أنني بدأت أتخيل كيف أستغل كل ركن من أركانها ، وأخطط ماذا سنضع في هذه الغرفة ، وماذا سنضع في الغرفة الأخرى ..
أصبحت تلك الشقة القديمة الضيقة متهالكة الأبواب والنوافذ كالحة اللون .. أصبحت شقتي فعليا منذ هذه اللحظات ..
والعجيب حقا ، رغم أنني كنت أرى الشقة لأول مرة ، أن ما تخيلته لأماكن الغرف ، كان يتطابق مع نظرة عماد للأمر ، كانت هذه الشقة هي التي تم زواج أبويه فيها قبل أكثر من ربع قرن ، فعاش فيها عماد جزء من طفولته المبكرة ، وكان يحفظ بذاكرة الطفل الصغير أماكن كل شيء ، وقد كان ما يرويه لي بعد ذلك متطابقا مع ما بدا لي عند الوهلة الأولى لزيارة الشقة .. كأنني أنا التي عشت فيها من قبل ، وما تخيلته من تنظيم لها ، كأنه لم يعدُ أن يكون استعادة ذكريات طفولتي فيها !!

نظرت تجاه عماد مرة أو مرتين متفلتة من نظرات الرقابة الصارمة من أبي وأمي وأخي .. شعرت أن عماد أيضا يتحين الفرصة لينظر إلى .. فقررت ألا أعاود النظر إليه مرة أخرى حتى لا تلتقي عيوننا ، فالأمر مازال مبكرا جدا على هذه اللحظة ..
أصبحت أركز عينيى على تعبيرات وجه أبي وأمي .. أما قسمات أمي فكانت محايدة .. قرأت على صفحة وجهها .. أن زواج البنت سترة ، ولو بالحد الأدنى من المتاع .. أما أبي فقد كانت قسمات وجهه تظهر شيئاً غير قليل من الضيق ..
لكنني شعرت بشيء من الاطمئنان والثقة حين سمعته يقول لعماد :
- لكن هذه الشقة تحتاج إلى عمل كثير يا عماد

- فأجابه عماد بثقة وتأكيد : طبعا ، طبعا يا حاج .. وأنا أنوي أن أطور فيها كثيرا ، فسيتم إعادة تشطيبها بالكامل .. بدءاً من مدخل البيت ووضع الدرج ..

كانت كلمات عماد ، كلمات رجل يعرف ما ينبغي عليه فعله ، وتنم عن وضوح رؤيته بالنسبة لما ينوي عمله فيها ..
كانت هذه الإجابة هي عنصر الاطمئنان الذي بدأ يتسلل ببطء إلى ملامح أبي .. كان أبي في الغالب يريد ردا مقنعا يبني عليه حيثيات موافقته ..

غادرنا الشقة .. ومشيت أنا وعصام في المقدمة

5 - 3 -‎

غادرنا الشقة .. ومشيت أنا وعصام في المقدمة ، وكان أبي يمشي مع أمي خلفنا وصوت نقاشهما يصلنا واضحا ، كانا يبديان ملاحظاتهما على الشقة ، أما عصام ، فلم يكن له رأي يبديه ، حيث كان قد أبدى رأيه من قبل ، وحيث لم تكن هذه هي زيارته الأولى لشقة عماد ، فقد علمت أنهم أحيانا كانوا يضعون فيها وسائل نشاطهم في الجامعة من لوحات وأوراق وغير ذلك ..
بدأ عصام يحدثني عن عماد ويسألني عن انطباعي العام عنه ، ثم بدأ يفتح لي قلبه ويحدثني عنه ، وأثنى عليه ثناء جميلا كنت في أشد الحاجة أن أسمعه منه .. وأضاف أخيرا أن له تحفظين أساسيين على عماد ، التحفظ الأول أنه شديد العصبية حاد الانفعال ، وهو يخشى علي من انفعالاته تلك ..
ابتسمت له مطمئنة ، كنت أجيبه دون أن أنطق :
- سوف أستوعب انفعالاته ، سأحول تلك الانفعالات إلى عاطفة خالصة ..

أما التحفظ الثاني : أنه ليس له أخت ، ولعله عديم الخبرة بمعاملة الفتيات ..
أما هذه من وجهة نظري فكانت أهم مميزاته .. لقد كان عماد كله عاطفة وشوق إلى الارتباط بفتاة ..
كان أخي عصام حالة فريدة من الناس .. يأخذ موقفا ما من موضوع معين ، ويصر على هذا الموقف حتى تظن أنه لن يتخلى عنه أبدا ، ثم إذا تبين له خطأ هذا الموقف وصحة الموقف الآخر المضاد ، كان يتبنى الموقف الآخر بنفس الإصرار والتصميم .. فلقد أصبح الآن رسول السلام الموكل بإتمام خطبتي على عماد .. وكأن الله قد شرح صدره لذلك بعدما كان مصدر الرفض ..
- همس في أذني : اطمئني .. طالما أعجبك الولد .. فسوف أتكفل بإقناع أبيك بالشقة ..

- ابتسمت عيني له ..
لكن النقاش خلفنا بدأ ينبئ بأن الأمر بات محسوما لصالح عماد .. لم تكن إمكاناته المادية في مجموعها جيدة ، كانت أقل من المتوسطة في نظر أبي وأمي ، غير أن النقطة الأساسية التي رجحت كفته هي طبيعة شخصيته ، بالإضافة إلى صغر سنه ، وطموحه في مستقبل أفضل ..
بدأت مصابيح الفرح تضيء في قلبي ، وبدت دقاته الآن ذات معنى ، ولها ما يبررها
لم ينغص علي فرحتي بعدها سوى تحذيرات أمي الملحة المتكررة بألا أتمادى في الفرحة ، وأن أراعى مشاعر شقيقتي الكبرى التي لم تتم خطبتها بعد ..
ولم تكن أختي قد تخطت سن الزواج ، فلم تكن تكبرني سوى بعام واحد .. لكن هذا الأمر كان في غاية الأهمية والحساسية لدى أمي .. مما جعلني أختزل كل مشاعر الفرح داخل قلبي فقط ، دون أن أعبر عنه بأي وسيلة من وسائل التعبير ..

5 - 4 -

وأخيرا تم تحديد موعد لأسرة عماد لزيارتنا زيارة عائلية كاملة ليتم فيها الاتفاق النهائي بين الكبار .. كنت في الحقيقة متوجسة من تلك الزيارة ، أسأل نفسي :
هل جاء الدور على أم عماد وعلى أبيه لمعاينتي ، ومعاينة الأسرة ، كما كان أبي وأمي يفعلان مع عماد من قبل ؟
ترى ماذا سيكون رأيهما في تلك العلاقة ؟
وتمت الزيارة ، ومرت بسلام .. كانت لي انطباعاتي العاجلة على أسرة عماد ..

كنت قد حضرت جانبا من تلك الزيارة فرحبت بأم عماد ، وهي سيدة شديدة الأناقة قوية الشخصية ، لها نظرة فاحصة لما حولها ، ينبئ وجهها الممتلئ ذو البشرة البيضاء عن جمال فاتن كان في مرحلة الشباب ، لم يندثر أثره بعد ، وإن خبت فتنته الساحرة .. ويدل مظهرها على أنها شخصية من شخصيات المجتمع فيها نوع من الأنفة ، والكبرياء ..
شعرت لأول وهلة لرؤيتها بالرهبة تتملكني .. وما لبثت في الزيارات التالية أن تلاشت هذه الرهبة ليستقر مكانها الحب والتقدير والاحترام .. إنها أم أحب شخص لي في الوجود !!

أما والد عماد فقد كان يوحي مظهره منذ النظرة الأولى ، بالقلب الطيب الحنون ، وقد كان هو الآخر يملك قدرا فائقا من الوسامة والجاذبية ، تشعرين وأنت تنظرين إليه .. أنك تنظرين إلى أحد نجوم السينما .. لقد كان عماد قريب الشبه من ملامح والده .. غير أنه كان نسيجا آخر غير والديه ، فلم تكن وسامته من النوع الصارخ مثلهما .. لقد أسرني التعلق بوالد عماد ، كما أسرني حب عماد من أول نظرة ..

جلست معهم قليلا في حضور جميع أفراد أسرتنا عدا شقيقتي كما تقضي التقاليد .. ثم تطرق الحديث بعد المجاملات الواجبة ، إلى بعض بنود الاتفاق على إجراءات الزواج وأعبائه ، وهنا نظر إلي بابا ، وغمزتني أمي لأنصرف ..
انصرفت من الغرفة لأجد صديقة لي على الهاتف ، تسأل عن أخباري
فأخبرتها بأمر وجود أسرة عماد في زيارتنا ، وسألتني عن سبب انصرافي عنهم .. فذكرت لها تطرقهم إلى الحديث عن الاتفاقات ، فسمعت رنة ضحكتها على الطرف الآخر .. وقالت لي :
- مبروك يا عروسة .. طالما تحدثوا في الاتفاقات ، فمعنى ذلك موافقتهم عليك يا جميل ..

بشرتني صديقتي فنعم البشرى وجزاها الله عني كل خير ..


الحلقات القادمة : 6 - أسرتي تتحفظ !!

semeramis
04-05-2010, 06:57 PM
6 - 1- أسرتي تتحفظ !!!

كان أول من أسررت له بنبأ تقدمي لخطبة شقيقة عصام ، هو ( أحمد عبد الجواد ) صديق العمر ، كنت أأتنس برأيه ، وأحب أن أسعده كذلك بخبر طيب ، فقد كان يفرح لي كفرحه لنفسه ..
وكان لأحمد شقيقة تخرجت في نفس كلية ( منال ) ، أخبر أحمد شقيقته بأمر هذه الخطبة ، ثم جاءني في اليوم التالي قائلا في بشر :
أن شقيقته أخبرته أن منال تتمتع بلباقة وثقافة غير عادية ، وأنها كانت رقم واحد ( نمبر وان ) بين طالبات مدينتنا بالكلية .. فرد عليها أحمد متحمسا : ونحن أيضا قد جئناها بخير من عندنا ، إن عماد هو خطيب الجامعة ..
تذكرت أنا هذه البشرى السارة ، وأنا أناقش تحفظات أمي ، وانطباعاتها عن أهل منال وبيئتها ، كنت شديد المراهنة على منال .. وقد كانت والحق يقال أهلا للمراهنة عليها بالروح والنفس ..

ثمة تحفظات بسيطة بدأ تداولها في جانب أسرتنا ، إلى جانب عقدتنا القديمة المتعمقة في جذور نفوسنا من فتيات المساجد ..
صارحتني أمي قائلة :
- أنا أعرف خالة منال جيدا ، كانت زميلة قديمة لي في المدرسة التي كنت أعمل بها قبل خمسٍ وعشرين سنة .. وبالمناسبة فإن خالتها هذه كثيرا ما أطعمتك من يدها ، عندما كنت ترفض تناول الطعام من يدي وأنت صغير !!

- استبشرت وقلت لأمي : خيرا .. أي أن بيننا عيش وملح ..

- أردفت أمي متجاهلة تعليقي المرح : لقد كانت خالتها سيدة فاضلة .. لكنني أصارحك القول يا عماد أنها من بيئة شعبية جدا ، في طريقة حديثهم ، ومعاملاتهم العامة .. ثم أضافت متشككة : وأنا أعرف يا بني مدى نفورك من هذه البيئة ، وتعودك على مستوى معين من المعاملة ..

- قلت مؤكدا : لقد تعاملت مع والدة منال في أكثر من مناسبة ، في ظروف ألمت بعصام ، وأخذت عنها نفس الانطباع الذي تذكرينه يا أمي ، ففعلا بيئتهم شعبية جدا .. ولكنني متأكد أن منال مختلفة تماما ، فهي ليست ابنة بيئتها .. ولا تنسي يا أمي أن التعليم الجامعي ، والإقامة بالمدينة الجامعية بالإسكندرية ، والتعلق بدروس المساجد .. كل هذه مقومات تعيد صياغة الإنسان وسلوكه الاجتماعي ..

- قالت أمي في تشكك : لقد صارحتك يا بني بما عندي وأنت حر فيما تراه ، ولكني أدرى بتطلعاتك .. أنا أعرف أنك أرستقراطي أكثر من مستوانا الذي نعيش فيه .. فهل ستتحمل أن تتعايش مع مستوى اجتماعي مختلف عنه ؟!

- وعدت أؤكد لأمي على لباقة منال وكياستها التي شهدن بها المحيطات بها من معارفها ..

6 - 2 -‎

ولقد كانت منال يا صاحبي بنت الحارة .. أو فلنقل أن أسرتها كانت أسرة عاشت حياتها في الحارة .. ولا يجب أن يغيب عن ذهنك أنني لا أقصد بالحارة هنا ، الحارة المصرية التي صورها أدب نجيب محفوظ ..
فالحقيقة يا صاحبي أنني أحب حارة نجيب محفوظ .. بدفئها وحميميتها ، وترابط العلاقات بها ..
أحب المشربية ، وصورة بنت البلد بالبرقع والياشمك .. وربما بالخلخال أيضا ..
أحب خان الخليلي ، وزقاق المدق ..
لكن يبدو أن الحارة في القاهرة ليست كالحارة في ( دمنهور ) ..
لقد أعجبت في فترة مراهقتي بـ ( حميدة ) وهي تختر بدلال في زقاق المدق ، وتعلقت بابنة خان الخليلي ، وأحببت فتيات حواري محفوظ .. بيد أن حارة مدينتنا لم تكن تمت بصلة قرابة أو نسب للحارة المحفوظية في الأدب العربي ..
فلم يكن ثمة فارق واضح وحقيقي بين الحارة والشارع الكبير في مدينتنا ، بل كان لكل شارع رئيسي عدة حارات جانبية كمنافذ من هذا الشارع إلى الشوارع الأخرى .. وكان بيت أسرتي الذي درجت فيه ، يطل على الشارع الرئيسي الواسع الجميل ، كما يطل من جهته الخلفية على شارع جانبي ، كنا نعتبره حارة !!
ولم يكن ثمة فرق جوهري بين سكان بيوت تفتح أبوابها وشرفاتها على هذه الجهة أو تلك ..
لكن الحارة التي أقصد أن منال قد درجت فيها مع أسرتها ، فلقد كانت أمرا مختلفا .. كان الحي كله برمته حيا شعبيا ، من تلك العشوائيات القديمة ، وكان بيتهم وهو بالمناسبة بيت العائلة ، يطل على حارة ضيقة مظلمة ( زقاق ) ، ويسكن فيها أخلاط من بيئات شتى يغلب على أهلها أن يكونوا من أرباب الحرف .. ويغلب على نساء الحارة : الأمية ، والفراغ ..
لقد كن في تباين واضح مع سكان وسط البلد ، أو ما كنا نطلق عليها أحياء المدينة الجديدة .. التي أقيم فيها ، وكانت جل نسائه من أصحاب الشهادات الجامعية والمتوسطة ، والوظائف الحكومية المرموقة أدبيا واجتماعيا .. المطحونة ماديا !!
وكانت حارة بيت أسرة منال - كنظيراتها - تتميز بجلوس النسوة لفراغهن على أعتاب المنازل يرصدن الرائح والغادي ، ويناقشن أمورهن اليومية ، وربما أسرارهن المنزلية على رؤوس الأشهاد !.. مع هذا التداخل الغريب بين المنازل ، بما تطير معه أسرار البيوت ، وما يدور في ظلماتها خلف الأبواب المغلقة ..
بعكس شوارعنا الواسعة ، والتباعد النسبي للسكان ، وفتور العلاقات الاجتماعية ، وإغلاق البيوت على أسرارها ..
وكانت الحارة تنتهي بفسحة أكثر اتساعا ، وهي البرحة أو الفسحة التي تحتوي على صنبور المياه ( حنفية الماء ) ، وقد كان هذا المنظر .. منظر ( حنفية المياه ) والنساء الشعبيات بزيهن التقليدي ( الملس الأسود ) ، يتجمعن حولها لملئ آنيتهن بالماء ، أو غسل القدور على قارعة الطريق ..
منظر ولا شك ينقلنا من عصر إلى عصر .. ينقلنا من قلب المدينة النابض حيث البنوك ، والحدائق والمصالح الحكومية ، والمديريات العامة ، والمؤسسات الحديثة ، والمحلات التجارية الراقية ، والمساكن الضيقة النظيفة .. والشوارع المنتظمة .. إلى جو الريف بكل ما يوحي به من تقليدية ، غير أنه لم يكن هناك جدول مياه رقراق ، ولم تكن ثمة حقول خضراء ..
في الحارة يتم تبادل الألفاظ البذيئة ، والنكات المكشوفة ، والكلمات والعبارات الشعبية ، بشكل أوسع وأعم من تكرارها في شوارع وسط البلد .. ويتم صرف السباب الحاد بالمجان ، ولأتفه الأسباب ، وأحيانا كثيرة على سبيل الدعابة والمجاملة والترحيب !!
6 - 3 -‎

إن طبيعة السلوك والمعاملة في الحارة تختلف في الملابس والزي .. طريقة الكلام .. الآداب والسلوكيات العامة ..
فإنك وأنت تتجول ترى بسهولة النساء على أبواب الدور ، بملابس النوم .. ملابس تعكس الترخص والسهولة .. أما الفتيات فيظهرن ( بجلابيب ) البيت دون عناية خاصة بمظهرهن ..
وترى الأولاد الصغار ، بالملابس الداخلية فقط ، أو تراهم بملابس النوم متسخة ، فضلا عن انك تجدهم دائما حفاة ، لا يحبون انتعال الأحذية ، ولا حتى البسيطة منها !!
وترى الشباب يقف متنطعا على الناصية ، يتسقط سمعه الأصوات والأسرار والحكايات ، خاصة النسائية منها ..
لقد كنت أنقل مشاهداتي هذه عن الحارة لأصدقائي منذ أيام الدراسة الجامعية ، فكانوا يسخرون مني في دهشة !!
وهم يهتفون :
- أنت تعيش في برج عاجي يا عم عماد .. خفف من غلوائك الحالمة هذه شيئا ما ، لتحيا معنا على الأرض ..

وكنت أنظر إليهم مشفقا .. لأنني فعلا لم أكن أستطيع .. وكانوا هم على حق فالأحياء الشعبية هي أصل مدينتنا ، بينما الأحياء الجديدة هي امتداد دخيل عليها ..
ويسكن في الحارة كثير من ( الأفنديات ) وهم من موظفي الحكومة ذوي الدخول المتوسطة .. وتتميز أسرهم بصفات عامة مشتركة ، تفصلهم اجتماعيا ووجدانيا عن البيئة التقليدية للحارة .. ربما اختلط أبناء تلك الأسر من الذكور ببيئتهم ، فينطلقون للعب مع الجيران والأتراب ، دون الشعور بالغربة عن أبناء الحارة ..
أما المرأة أو الزوجة والأم ، فتبقى غالبا في بيئة منعزلة تماما عن الجارات ، فهي في الأعم الأغلب امرأة عاملة ، لها أولوياتها وضوابطها ، وعلى غرار الأم العاملة المثقفة ، تنشأ فتيات أسر ( الأفندية ) ، شبيهات أمهاتهن في مفاصلة مع الوسط الاجتماعي للحارة ، وبعض هاتيك الفتيات يشعرن بالنفور والانزعاج من كونهن بنات الحارة ، فهن يردن أن يكن مثل أترابهن من بنات المجتمعات الراقية المتطورة ..

وكان الحاج نور الدين ( والد منال ) وأسرته من بين أسر الأفندية التي تسكن الحارة الشعبية ..
و ( حارة النمر ) حارة تقع داخل حارة جانبية أخرى ، بين سوقين من أسواق المدينة للخضروات والفاكهة والسمك .. فأنت تذهب إليها متجاوزا سوق ( سيدي عمر ) مارا بحارة ( مصلي ) ثم حارة ( الغفرا ) حتى تصل إلى حارة النمر التي يقع بها مسجد ( النمر ) ..
وكان بيت السكنيدي نفسه بيتا متهالكا قديما .. لكنه لم يكن متداعيا أو آيلا للسقوط .. كان من هذه الناحية ، قويا ، كالشيخ الذي يطمع ورثته في موته ، لتؤول ثروته إليهم .. لكنه يقف في وجههم صامدا يخرج لهم لسانه في سخرية ، وقد قضى أغلبهم نحبهم قبله ..
كان بيت السكنيدي من هذا النوع الصامد المتحدي رغم الشيخوخة والظلمة ، والبروز في الحارة ..
ولم يكن له ثمة شرفات على الشارع ، بينما كانت له نوافذ من تلك الكبيرة العتيقة ..

أما أنا يا صاحبي ، فلقد كنت للأسف الشديد أرستقراطي النزعة والتوجه ، لم أكن حتى أختلط بأترابي من أبناء الشارع ، ولو كان من شوارع وسط البلد !! وكان أصدقائي من بيئات اجتماعية شتى ، بغير أدنى تمييز ، لكن كان يجمعهم جميعا ، عفة القول والسلوك .. وتهذيب التصرفات ، ورقة الأسلوب ..
كما لم أكن في طفولتي أحب أن ألعب مع أقراني في الشارع ، لقد أصبحت منذ نعومة أظفاري مدمنا على الذهاب إلى نادي المدينة الاجتماعي ، وهو يمثل شريحة النوادي بطبقتها الاجتماعية الراقية ..
والحقيقة يا صاحبي أعترف أنني كنت أدخل إلى النادي الاجتماعي الراقي متسللا ..
لا أريد أن يذهب عقلك إلى أنني كنت من متسلقي الأسوار ..
لا .. أبدا ، فلقد كان والد أحد أصدقائنا يعمل نادلا في ( بوفيه النادي ) ، وكان هذا الصديق يدخل النادي لوالده في أي وقت من ليل أو نهار ، كأنه عضو عامل من أصحاب الاشتراكات المالية الضخمة ، وكنا نحن ندخل على أثره باعتبارنا أصدقائه المقربين .. ثم تطورت علاقتنا بالنادي ، فأصبحنا أعضاء في بعض فرقه الرياضية ، ولنا بطاقات تسمح لنا بالدخول في أي وقت .. لكنها كانت عضوية رياضية بلا أعباء مادية ، ولم تكن عضوية عاملة ..
وكان شارعنا الذي نسكن فيه من تلك الشوارع الجانبية التي تتفرع من الشارع الرئيسي الذي يربط المدينة كلها .. تطل واجهة منزلنا على عدة حدائق مفعمة بالخضرة والجمال .. وكانت شرفة منزلنا ، وهو طبعا مسكن بالإيجار .. كانت شرفته بطول واجهته تقريبا فكانت تفتح على عدة غرف بالشقة !!
وكان لي في الشرفة المميزة حديقة جميلة من النباتات المنزلية ، آلت إلي من أبي ، الذي كان مولعا بزراعة نباتات الزينة ، فلما شببت عن الطوق ، ترك لي أمر الاعتناء بها ، حيث كانت تمتلئ بأصص الصبار ( الشمعدان ) .. ونباتات الياسمين ، والفل ، و( الكوليس ) ، وغيرها من النباتات المتسلقة الخضراء الزاهية ..


6 - 4 -‎

مكررة

6 - 5

وجه الشبه الوحيد بين موقع منزلنا ، وموقع منزل أسرة منال .. كان هو هذه الإطلالة المميزة على المسجد الجامع الكبير ، فلقد كان أمام كل من المنزلين ذلك المسجد الجامع ، الذي يجعل جدران كل من المنزلين يردد صدى الآذان والصلوات على مدار اليوم والليلة ، فمسكنها يطل على مسجد ( سيدي النمر ) ، ومسكني يطل على مسجد ( سيدي الطودي ) !!
في هذه الأجواء والبيئة التي نشأت فيها ، كنت أبدو لأصدقائي شديد الترف .. شديد التحليق بعيدا عن واقع البيئة الاجتماعية التي نعيش فيها ..

وكانت أمي ، وهي أدرى الناس بطبيعة نفسيتي وتكويني في ذلك الوقت ، تشفق علي ، من التضحية بهذا الترف الفكري والشعوري ..
إنني أتذكر قبل اصطحاب أمي إلى زيارة أسرة منال ، كم من مرة ذكرت لها :

أن أسرة منال مكافئة لأسرتنا اجتماعيا وماديا ، ولكن ظروفاً اجتماعيةً معينةً من وصال الوالدين والعائلة ، قضت بألا يتركون بيت العائلة القديم في الحي الشعبي ، وينطلقون للسكن في الأحياء الجديدة .. وأنهم فضلوا البناء في أرضهم على أن ينتقلوا إلى السكن بأعباء مادية مرهقة لأسرة مكافحة تسعى لبناء منزل خاص ..
كنت أذكر لهم ذلك مرارا وتكرارا ، لأنني كنت موقن أن جولتي القادمة معهم ، ستكون حول تمايز البيئة بين الأسرتين ، رغم إيماني العميق بضرورة التكافؤ الاجتماعي في الزواج !!

ولقد أثبتت منال على الدوام أنها بنت فكرتها ، وليست بنت بيئتها ، لقد عاشت منال دائما كبنت للمسجد ، لا كبنت الحارة ..

وثمة معوق آخر ، لم يكن في حسباني على الإطلاق .. كان لنا أقارب من جهة أبي ، وأبي كان شديد الوفاء لأقاربه عظيم البر لهم ، وكان لأقاربنا هؤلاء بنات ، منهن من هي في سن الزواج ، وكان هناك شعور طاغٍ لدى أبي أنهم يرحبون بي زوجا لابنتهم ، وأنهم ينتظرون منا الخطوة الأولى ..
بل زاد الأمر تعقيدا أن بعض أقارب الفتاة قد تحدثوا مع والدتي في هذا الأمر ، ووصل الأمر ذروته ، حين حدثني قريب لي وللفتاة في هذا الموضوع ..
كانت قريبتي تلك جميلة من حيث مقاييس الجمال ، كما كانت صغيرة في السن وكانت جيدة المواصفات بلغة المجتمع ، ورغبة أبي في ارتباطي بها واضحة جلية ..
غير أنها كانت بمثابة أخت بالنسبة لي .. وكان مجرد تخطيها إلى غيرها وهي صالحة للخطبة ، هو في ذاته يمثل إهانة لها ولأسرتها .. هكذا كانت العائلة تنظر إلى الأمر ..
قد يكون هذا الموضوع هو أحد العوامل الأساسية في تحفظ أبي ، ولم يكن بد من إقناع أبي وأمي بكل مبرر يمكن أن أجده لظروف الأسرة التي نحن بصدد التعارف معها ..
ثمة تحفظ أكبر بدا في الأفق .. كان من الطبيعي أن تظهر منال في عين والدي وأمي على صورتها الطبيعية تماما ، دون أن تشرق من بين جبينها شمس ، أو يبهر عيونهما منها نور .. أو يريا فيها الروح التي رأيت ..
ولم تكن هي على مستوى الجمال الذي يأملون لابنهم الارتباط به ..
ولم يكن عليهما أن يشعرا بأي نقطة ضعف ، تجاه الإمكانات المادية لابنهما ، أو غيرها من الأمور ، فقد كانت نظرتهما للأمر على أني عريس ( لقطة ) مستقبلي أمامي ، وأن هذه لا تعدو تجربة ، وأن فرص النجاح في الحياة ممتدة وسانحة .. ولا أريدك يا صاحبي أن تغفل لحظة عن المثل الشعبي : ( القرد في عين أمه ..... )
وأمام هذا الواقع لم يخفِ كل من أبي وأمي تحفظاتهما تجاه هذه العلاقة المستجدة برمتها .. وكانت نقطة الجمال هذه هي معركتي .. كما كانت نقطة الإمكانات هي معركتها مع أهلها ..

ذكرت لهما وقد كنت صادقا جادا فيما ذكرت :
- ان أي تحفظ آخر غير الشكل الخارجي سوف ألتزم به ، فلو كان العيب في هذه الأسرة خلقيا أو اجتماعيا ، أو أي شيء من هذا القبيل ممن قد يسيء لعلاقة المصاهرة ، فسوف أصرف نظري عن هذه العلاقة في الحال ، باعتبار أسرتي شريكة لي ومن حقها تماما الاختيار لنسب ابنها وصهره ..
أما إذا كان الأمر يتعلق بالجمال فقط ، فإن هذا الأمر بالتحديد يرجع لي وحدي ، أنا الذي أقدر مواطن الجمال فيمن أحب ، وأنا الذي سأستشعر به وأتذوقه ، وفي النهاية هذا أمر خاص تماما ..

6 - 6 -

ومن العجيب جدا أنني اضطررت أن أستشهد برواية أجنبية ، فقرأت لهما مقطعا كاملا منها ، وكنت من هواة قراءة الأدب المترجم ، وكنت من المتأثرين بروايات الكاتبة البريطانية أجاثا كريستي لما تعالجه من قضايا اجتماعية ، وتسليطها الضوء على الطبيعة البشرية ..
لقد استشهدت لهما بهذا المقطع من الرواية ، وقد كنت أقرأ الفصل من الرواية على سبيل المصادفة في التوقيت .. كتبت أجاثا في روايتها :
" إنه الآن يعجب لنفسه كيف بلغت حماقته هذا الحد .. إنه يذكر كيف تبخر نصف إعجابه بها عندما تعرف إليها وأنصت إلى حديثها لأول مرة .. وتبخر مع نصف الإعجاب كل الحب ، إنه لم يكن حبا بالمعنى الصحيح .. وإنما كانت نزوة عابرة أثارتها فتنة روزماري الظاهرية .....................
وكذلك استمتعت روزماري بها فقد كانت ترقص كفراشة ، وتصبح دائما موضع أنظار الجميع في كل مكان يحضره معها .
كانت جميلة تماما في صمتها .. فإذا شرعت في الحديث ضاع ثلاثة أربع الجمال ، ولقد كان أنتوني يحمد الله أنه لم يكن زوجا لها ، وإلا كيف كان يعيش معها بعد أن يزول أثر الجمال في النفس بطول المعاشرة ، ولا تبقى إلا الحماقة والغباء وتفاهة التفكير ، وضحالة الشعور "

لم تكن فلسفة مني أن ألجأ إلى هذا الأسلوب في الاستشهاد أو الإقناع .. ولكن القيم المجردة تحتاج إلى أمثلة وقصص لتقريبها إلى أرض الواقع .. ولئن كان اغلب الآباء ، يتحسرون على عقول أبنائهم التي أفسدتها القراءة ، فإن أبواي كانا يعلمان أن القراءة تأخذني إلى طريق صعب وعر ، لكنه في النهاية لا يعدو أن يكون الطريق الصحيح ..
كان والداي يحبان أصحاب البشرة البيضاء ، وكان ذلك يمثل لهما ما يشبه التمييز العنصري ، فلم يكونا يريان الجمال في غير البشرة البيضاء والوجوه الشقراء !!

ولم تكن منال دميمة أو منفرة .. كانت سمراء اللون ، كانت أفتح قليلا من اللون البرونزي الذي تحرص فتيات اليوم أن يظهرن به ، وكان لها عينان بنيتان جميلتان ، من أجمل ما يميز وجهها ، تحت حاجبين كثيفين ، أما أنفها فكانت من هذا النوع الرقيق الأنِف .. كانت فيها أنفة وكبرياء ، وكنت إذا نظرت إليها من جانب الوجه لمحت أول ما لمحت هذه الأنف الشماء التي تذكرني بشموخ الخيل العربية الأصيلة .. أما أذناها فقد كانتا من الرقة والجمال والدقة ما يغنيهما عن التجمل ( بأقراط الزينة ) ، كما اعتادت هي ألا تجملهما بتلك الأقراط غالبا .. ثم هذه الذقن المسحوبة الرقيقة التي أشتهيها ..
لكن ملامح وجه منال في مجملها كانت تلفها صرامة ، تخفي ملاحتها ..
ربما سيطرت عليها هذه الصرامة كلما شعرت بالتوتر أو الانفعال أو الترقب ، بينما سرعان ما تختفي تلك الصرامة ، فيشع وجهها نورا ربانيا جميلا صافيا يبرز بوضوح ملاحة ملامحها ، ودقة تقاطيعها الرقيقة الحلوة ، وجمال نفسها وروحها ، إذا شعرت بالرضا والهدوء ..
ولقد أذن الله تعالى لي أن أكتشف معالم هذا الجمال الهادئ المنبعث من النفس ، فهنأت به وحدي ، دون سواي !!
وعلى مضض وغير كامل اقتناع وافقت أسرتي بشيء من الحرج والممانعة ، لكنها لم تكن ممانعة تصل إلى حد الرفض ، ولقد كنت بارا بوالدي ، أو على الأقل أحب أن أكون بارا بوالدي ، محبا له واثقا في حكمته وفي قدرته على الحكم على الأمور حريصا على رضائه ، ولو كنت استشعرت منه رفضا قاطعا أو غضبا شديدا ، كنت سأخضع لرأيه إلا إذا كان الرفض لعنصر هو من أخص خصائصي مثل نسبية الجمال ، فقد كنت سألح على إقناعه ..
ويبدو أن أمي على تحفظها قد قامت بهذا الإقناع بدلا مني ..

وعلى إثر هذه الموافقة المتحفظة ، ذهبت مع أسرتي لشراء ما يمكن اعتباره شبكة العروس ، أو هدية العروس بمناسبة الخطبة ..

6 - 7 -

كانت منال قد أخبرتني في معرض حديثنا الأول ، وأنا أحدثها عن التجرد من الماديات : أنها لا تحب الذهب ولا تلبسه !
وعجبت أن تقول فتاة ذلك .. لكن يجب أن تكون الشبكة من الذهب ، وكان عرف تلك الأيام أن تكون الشبكة من الذهب في حدود ثلاثة آلاف من الجنيهات ، وكان العرف أيضا أن تذهب العروس وأسرتها مع عريسها وأسرته لاختيار الشبكة بنفسها ..
ولكننا كنا قد تجاوزنا العرف .. كلا الأسرتين كانتا قد اتفقتا ضمنا على تجاوز العرف ، إتماما لتلك العلاقة العجيبة التي يقودها شباب لا يقيمون للعادات والتقاليد كبير وزن ..
فذهبت مع أبي وأمي لشراء الشبكة ، حقيقة أنا أستحي أن أسميها شبكة ، وكانت أمي تستحي كذلك ، فاعتبرتها هدية رمزية فقط .. لقد كان ما اشتريناه لمنال ، خاتم الزواج الذهبي ( دبلة الخطوبة ) ، ومثله لي لكن من الفضة ، و ( أنسيال ) أسورة ذهبية حديثة .. لم يتجاوز ثمنها واحد على خمسة من قيمة الشبكة المتعارف عليها في ذاك الزمن ، أو أكثر قليلا ..
قس على ذلك كل ما يمكن أن أقدمه لمنال وأسرتها من الأعباء المادية للزواج .. إنها دائما ستبقى في حدود عشرون بالمائة مما تعارف عليه المجتمع ! لكنني كنت أنوي تعويضها بأن أقدم لها من الحب والمودة والرحمة عشرين ضعف ما تعارف عليه المجتمع كذلك ، فهل تراني أنصفتها ؟؟؟
وكنت قد علمت كذلك تاريخ ميلاد منال من خلال شهادتها الجامعية التي احتفظت بصورتها ، وكان تاريخ الميلاد بفضل الله قريبا ، فقررت أن يكون يوم ميلادها هو يوم إعلان خطبتي لها ، رغم أنه وافق يوما من أيام منتصف الأسبوع ، وكان العرف الذي اتخذناه وراء ظهورنا سخريا ، أن تكون احتفالات مثل هذه المناسبات في نهاية الأسبوع أي الخميس أو الجمعة ، ولم يعننيِ سوى أن يكون يوم ميلاد فتاتي هو يوم ميلادنا سويا كروح واحدة نؤرخ بها لميلاد أسرة المستقبل !!!


الحلقات القادمة : 7 - أول هدايا حبيبي

semeramis
05-05-2010, 11:27 PM
الحلقة السابعة
7- أول هدايا حبيبي

1-7

بعد زيارة أسرة عماد لنا، والاتفاق على إتمام الخطبة ومشروع الزواج، بدأت أتلقى هدايا حبيبي عماد، وأنا وإن كنت أروي عن هذه الفترة في حياتي بهذا الوضوح وتلك الجرأة التي لا توحي بأي قدر من حياء أو خجل، فإن الحقيقة كانت غير ذلك تماما، لقد كان هذا ما يشعر به قلبي وتعلنه دقاته العنيفة التي ظلت تعزف لحن الحب ..


لكن نطق تلك الكلمات ذاتها فكان هذا من أول المستحيلات وليس من رابعها فحسب، لقد كانت كلمة حب وحروفها، وكل ما يتصل بها من مشتقات، من المحرمات في أسرتنا المحافظة، كنا نخجل من مجرد تداولها حتى بين الأخت وشقيقتها ، أو البنت وأمها ..
كانت كلمة (حب) كلمة خارجة تماما عن نطاق قاموسنا العائلي، لكني بعد أن تحررت من سيطرة تقاليد عائلتنا المحترمة علي يد عماد، فإنني أروى ما شعرت به فعلا دون أي مواربة أو خجل ، فلقد أحببته ..
منذ هذه الفترة الأولى بدأ عماد يمطرني بالهدايا.. وكانت أول هدية وأغلاها عندي وأكبرها على قلبي، هي اختياره ليوم ميلادي ليكون يوم إعلان خطبتنا ..
كان لذلك وقعا غير عادي على نفسي، لقد شعرت من هذه الهدية الأولى واللمسة الرقيقة الحانية، كم هو شاعري هذا الإنسان، إنه مخلوق عاطفي بالفترة ..
كنت وقتها أقرأ كتابا رقيقا عجيبا ، هو من أجمل ما قرأت في حياتي عن فن ( الإتيكيت )، وكان الكتاب بعنوان (الذوق) ، وكان مؤلفه الحاج عباس السيسي، وهو رجل أفنى عمره في دعوة الإسلام والتعرض للمحن والابتلاءات ، وما قيل عن ثباته واحتماله، يجعله آخر من يظن الإنسان أن يصدر عنه مثل هذا الكتاب الرقيق كل الرقة، المهذب كل التهذيب، الراقي كل الرقي.. وهو ربيب السجون والمعتقلات، ورجل الكفاح والمواجهة !!
وكان خطيبي عماد كأنه يطبق حرفيا سطور هذا الكتاب الذي كنت شغوفة به وقتها ..
كان حسا راقيا جدا منه أن يحتفي بيوم ميلادي الأول معا بهذه الطريقة، لقد أعطى لهذا اليوم الذي لم أكن أعبء به من قبل أو أشغل بالي به، أعطاه معنى وقيمة كبرى في حياتي ..
لقد أدركت من هذه اللفتة الرقيقة أنني فعلا قد ولدت من جديد، وأن ميلادي الجديد هو ميلادنا معا، أنا وعماد ..
و تذكرت أغنية كانت حبيبة إلي نفسي أيام الصبا تقول :
لما اتقابلنا عرفنا يومها ليه احنا اتولدنا
وقلنا السنة الجاية ده أول عيد ميلادنا
فهل يا ترى سيأتي يوم وأردد مع الأغنية نفسها قولها :
لما بتخاصمني روحي بتخاصمني
وألقى نفسي تايهة والدنيا تايهة مني

2-7
هل يمكن أن يكون بيني وبين عماد خصام وعتاب وهجر؟..
أغمضت عيني ورجوت الله بكل إخلاص ألا يكون ..
أما الهدية الثانية، فقد كانت شبكتي ..
كنت قد أخبرت عماد أنني لا أحب الذهب ولا ألبسه، وكنت مشفقة عليه من أن يشتري لي شبكة غالية القيمة، مع أني فعلا لن أتزين بها ولن تكون لها فائدة ..
ولكنه اشترى هدية خطبتنا (أنسيال) كان تحفة فنية، ولقد أجمع كل من رآه ، وخاصة من النساء، وكانت منهن خبيرات بالذهب مفتونات به وبوسوسته ، على أن هذه المشغولات الذهبية لا يتم تصنيعها هنا في مصر ، وأن هذه التحفة الذهبية ، الخفيفة في وزنها، النادرة في نقشها وإبداعها، يمكن أن تكون مستوردة من الخارج ، أو لعل والدة عماد قد أحضرتها معها من إحدى دول الخليج حيث كانت تعمل ..
لكن عماد قد أكد لي في مناسبة تالية أنه هو الذي اشتراها على ذوقه الخاص ، وكانت فعلا مختلفة عن المعروض ليلتها في سوق الذهب (الصاغة)، كان يقول ذلك برقة خجلا ومعتذرا عن انخفاض قيمتها وخفة وزنها ..
ولقد أردت أن أقول له إنها عندي تساوي أكثر بكثير من أغلى شبكة تقدم لأي عروس.. يكفي أنها من ذوقك الخاص، ولئن رخص ثمنها، فيرفع قيمتها وقدرها العناية باختيارها.. لقد جعلت المحيطات بي من خالات وقريبات وصديقات منبهرات بها ..
كل هذا قد ذكرته لعماد بلا صوت، فكل الذي استطعت أن أنطق به هو قولي له :
جزاك الله خيرا.. لقد كلفت نفسك كثيرا من أجلي ..
كثير جدا من المشاعر كنت لا أملك التعبير عنه بالكلمات، ولا بغير الكلمات ، فلقد كانت عيون ترقبنا.. كنا نجلس معا أيام خطبتنا، في وجود محرم، وكان هذا المحرم إما أن يكون أخي، أو أمي، وكلاهما لم يكن ليغفل أو ينام ..
3-7
وتوالت بعد ذلك هدايا عماد الغالية على قلبي ونفسي ..
كان يتحسس حبي لأشياء معينة ، فإذا عرف معلومة معينة عن شيء أحبه ، فلابد أن يأتي به معه في الزيارة التالية.. لم تكن أشياء ذات قيمة مادية كبيرة، لكنها كانت عندي أغلى من المجوهرات ..
وكان شقيقي الأصغر، الذي كنا نطلق عليه في أسرتنا: الصعيدي، لأنه لم يكن يقبل النقاش أو التفاهم، وليس أهل الصعيد بهذه الصفة بالتأكيد ، فلقد عاشرت منهم فتيات في المدينة الجامعية ، وكن مثالا للذكاء وسعة الأفق.. غير أن هذه الصفة (الصعيدي) ظلت ملتصقة بهاني شقيقي الأصغر لنفس السبب، وهو عنفه في المواقف المختلفة .. فلنقل أنه كان صعيديا على طريقة الأفلام القديمة
ورغم ذلك، كانت له مواقف في غاية الطرافة إذا جلس هو رقيبا علينا ..
كنت أستشعر ، بأن (خفيرا) يجلس على المقعد الذي بالركن يداعب شاربه بيده اليمنى، وممسكا بندقيته بيده اليسرى، وكنت أشعر أنه ربما لو صدرت مني أو من عماد كلمة خاطئة، فإننا ولابد سنسمع صوته صائحا في قوة :
هييه .. من هناك؟
كانت هذه هي صورة شقيقي هاني المنطبعة في نفسي ، ومع ذلك كان كلما حضرنا في لقاء .. يريد أن يغيظني باعتباري أخته التي تكبره مباشرة ، فيذكر أشياء أحبها أمام عماد ، للدلالة على أني مازلت طفلة ، فأنا مثلا أحب الشيكولاته إلى حد الهوس ، وأعشق القطط ، وهكذا ..
وكان إذا ذكر هاني شيئا من ذلك ، أصبح أنا على ثقة من أن عماد سوف يحضره لي في الزيارة القادمة ..
كان عماد فعلاً يحرص على أن يحضر لي أنواعا من الشيكولاته في أغلب زياراته تقريبا ..

4-7
وكانت قطتي ( بوسي ) من النوع السيامي الممتاز ، وكانت صديقتي ، وحبيبتي ، وهي فعلا مخلوقة لم أنسها أبدا طيلة حياتي .. وكنت المسؤولة عنها .. عن مأكلها ومشربها ونظافتها والعناية بها ، ورعاية حالتها النفسية والمزاجية فهي قطتي ..
كانت ( بوسي ) فعلا صديقتي ، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى .. وكانت كثيرا ما تأتيني ، أثناء زيارة عماد لي ، وكنت أحملها وأداعبها وأدللها في وجوده ، ولاحظت أن عماد يشمئز من القطط ، وينفر منها ، لا يملك تجاهها أي شكل من أشكال الود .. كانت حتى إذا مرت بجواره يأنف منها ..
وكانت (بوسي) هي الشيء الوحيد الذي اكتشفته حتى وقتنا ذاك الذي أحبه ، ولا يحبه عماد ، بل يأنف منه بقوة.. أما ما عدا (بوسي) فقد كانت مشاعرنا وأذواقنا متطابقة إلى حد مذهل ..
ولقد أصيبت بوسي باكتئاب.. ربما شعرت بأنني شغلت عنها بعماد .. ربما ، لكن بالتأكيد أنها قد أصيبت باكتئاب ، أخذ يزداد يوما بعد يوم فتغيرت تصرفاتها وأفعالها ، وأصبحت مصدر إزعاج في المنزل ، حتى ألحت أمي علي أن أطردها ، لكنني لم أكن لأفعل ذلك أبدا ..
وقد حدث أن قفزت (بوسي) ذات مرة من نافذة غرفتي إلى الشارع ، وكانت شقتنا في الطابق الرابع ، فلما اصطدمت بأرض الشارع أخذت تعوي ، كانت قد تكسرت بعض عظامها ، لكنها والحمد لله لم تمت ، أخذت أنظر إليها من النافذة ودموعي تسيل على خدي ، وناديت على هاني، لكنه لم يكن موجودا، فارتديت ملابسي ، ونزلت إلى الشارع وحملتها بحنان وحزن إلى صدري، وعدت بها إلى المنزل ، وبقيت أمرضها فترة تجاوزت الشهر.. وكنت أروي تلك الواقعة لعماد بكل ألم وحزن في زياراته إلي ، وكنت ألمح التأثر عليه من أجلي لا من أجل ( بوسي )، لقد انضم صوته إلى صوت أمي بالتخلص منها، لكنه لم يكن يصرح بذلك احتراما لمشاعري ..
وحدث بعد هذا الشهر الذي اعتنيت فيه (ببوسي) حتى تماثلت للشفاء، وبدأت تستعيد حركتها ونشاطها ، أن عاودت القفز مرة أخرى من النافذة ، سمعت هذه المرة صرخة هائلة دوت في سكون الحارة قبيل الفجر تقريبا .. ثم صمتت بوسي إلى الأبد ..
بكيت قطتي بحرقة ، وشعرت بحزن عميق، وقد فقدت شيئا عزيزا غاليا ، كان يؤنسني في وحدتي ، وكنت حقيقة أحبها ..
في الزيارة التالية لعماد، لاحظ شرودي وحزني ، وسألني عن ذلك وألح في السؤال برقة ، فأخبرته عن حزني لموت قطتي ( بوسي ) ..
كان حانيا ، وهو يقول لي أنه لا يحب القطط ، ولكنه على استعداد أن يشتري لي قطة بدلا منها ، غير أنه قد سمع بعض المعلومات عن أمراض تنقلها القطط للإنسان ، خاصة للنساء ، وأن بعض هذه الأمراض يؤثر على إنجاب الأطفال .. ولذا رجاني أن أقطع علاقتي مع القطط ..
ولم يكن في وسعي أن أفعل غير ذلك ، فلم تكن قطة أخرى سوف تعوضني عن فقداني لصديقتي الوفية ( بوسي ) ..
لكن المفاجأة الحقيقية ، كانت في الزيارة التالية ، عندما حضر عماد وهو يحمل كرتونا .. وضعه على الطاولة بيني وبينه ، وهو يسألني أن أخمن ، ماذا بداخل هذا الكرتون الصغير ..
هممت أن أصرخ من فرط السعادة واللهفة: (قطة صغيرة)، لولا يقيني من أن عماد لا يحب القطط، وتذكرت تحذيره السابق لي من علاقتي بالقطط ..
ولم أطق صبرا ففتحت الكرتون مستأذنة إياه وهو يبتسم ابتسامة واسعة ..
لقد أراد عماد أن يبتكر طريقة يطور بها علاقتي بالحيوانات الأليفة.. لقد أحضر لي سلحفاة.. سلحفاة برية صغيرة !!!
وعلمت أنه أنفق من وقته كثيرا وهو يبحث عن هذه الهدية ، وعرفني أنها تتغذى على ورق (الخس) والأوراق الخضراء عموما ، وعلى بقايا الخيار والطماطم ..
وكانت السلحفاة مسلية تماما، لم تكن تشبه القطط، أبدا لم يكن لها وجه شبه بالقطط.. لكنها كانت حيواناً من نوع آخر، تجيد الحياء فتختبئ طويلا داخل صومعتها الحجرية ، وتطبق نظام البيات الشتوي أو الصيفي فلا تخرج من مخبئها أياما عديدة .. وكانت تتحرك كأنها مدرعة تتحرك على الأرض .. ومع الاختلاف الشديد بينها وبين (بوسي) فقد أحببتها ..
كانت هداياه كلها بسيطة ، لكنها كانت رقيقة إلى حد مذهل ، كانت كلها تأتي في وقتها ومكانها تماما ..
5-7
لقد باغتني ألم التهاب الزائدة الدودية، في أول أسابيع خطبتنا، وأجريت لي جراحة لإزالتها.. وأمضيت في المستشفى الخاص.. ثلاثة أيام أو أربعة.. كان عماد يحضر لزيارتي مرتين يوميا، وكان يحضر معه في كل مرة هدية.. لم تكن سوى زهرة الياسمين و (الفل) تلك الزهرة التي كان مغرما بزراعتها في حديقة شرفته ..
وكنت أحتفظ بهذه الزهرات البيضاء اللطيفة، حتى تذبل تماما، ولم أكن أفرط فيها حتى بعد ذبولها.. كانت عندما تفقد شذاها تبقى رائحة عماد، فأضعها بين صفحات إحدى كتبي واتركها تعطر الكتاب، إن لم يكن برائحتها ، فبلمساته الحانية ..
وكان في هذه الفترة يحدثني كثيرا عن الشعر ، وكان يحفظ أشعارا كثيرة مفعمة بالمعاني ، مغرقة في العاطفة.. أغلبها تتحدث عن الوطن، والأمة أو الغربة، أو الفداء ..
وكان كلما ذكر لي بعض هذه الأناشيد ، حاول أن يحضر لي الأشرطة التي سمعها فيها ، وعلم أنني لا أملك مسجلا لسماع الأشرطة ، فكانت هديته لي في أول عيد مر على خطبتنا وكان عيد الفطر هو جهاز تسجيل صغير ( ويكمان ) ..
أما الوردات البلدية التي كان يتحفني بها بين فترة وأخرى، فقد كانت أحب هداياه إلى قلبي ونفسي …
كنت أظل أرشف عبيرها وأستنشق عطرها بعد انصرافه، حتى أحيلها في نفسي إلى عسل مصفى من الحب والهيام ..
وربما كان كتيب صغير ذو عنوان ملفت، أو بطاقة تهنئة مختارة بعناية شديدة .. كلها هدايا تنبئ عن قلب مفعم بالرقة.. مصنوع من العاطفة.. ممتزج بالحنان ..
كانت اختياراته دائما ساحرة، ولقد أردت أن أرد له هدية من هداياه، وتمنيت أن يوفقني الله إلى ردها.. حلمت أن يكون عقد زواجنا في يوم ميلاده، لقد عرفت تاريخ ميلاده، وكان بعد خطبتنا بسبعة أشهر ، وقد كانت فترة سبعة أشهر كافية لتحترق القلوب البريئة على نيران الحب الصامت .. المحروم من التعبير .. الممنوع من البوح ..
كنت متلهفة على عقد الزواج ، وأن أكون أنا التي تحدد التاريخ لأهديه له .. لكن أسرتنا وظروف مرضية ألمت بأبي كان لها رأي آخر ..


الحلقة القادمة 8- لوعة الحب والإنتظار.........

semeramis
06-05-2010, 10:01 PM
8– لوعة الحب والانتظار


منذ الوهلة الأولى لخطبتي لمنال ، أدركت أنها من النوع الكتوم الذي لا يفصح عن مشاعره بسهولة ، وأدركت أنني مقبل على مرحلة من العذاب والضنى .. كنت أحبها ، ولم أكن أملك من الوسائل ما أستطيع أن أعبر به عن هذا الحب ، أما هي فقد كانت متحفظة ، حريصة كل الحرص في كلماتها وتعبيراتها ..

وكان الرقيب ، وما أدراك ما الرقيب ، يعد علينا أنفاسنا .. وكان عندنا فوق ذلك وقبله رقابة ذاتية ، ربما حدثتك عن أمثلة لها يوما ..
المهم أنني كنت أحب وممنوع من التعبير ، ولا شك يا صاحبي أن أشق أنواع العواطف على القلب هي العواطف المكبوتة التي لا يملك الإنسان التعبير عنها وإبرازها ، ولقد استسلمت لهذا الحب الصامت ، الذي كان يشقيني فعلا أكثر من كونه يسعدني .. حتى أنني كثيرا ما عدت من زيارة منال ، وقد كنت أثناء الزيارة على أحسن حال من الانطلاق والسعادة ، كنت أحدثها عن نفسي ، عن آمالي وطموحاتي ، عن أعمالي عن بعض ذكرياتي المختلفة .. عن بعض قضايا الساعة ، وكانت تحدثني أحاديثا مقتضبة ، لكنها كافية للتعرف عليها وعلى أفكارها واهتماماتها ، وأعمالها .. كنت في حضرتها سعيدا ، رغم الرقابة ، ورغم الحرمان .. لكنني أكون سعيدا بمجرد القرب منها والحديث إليها ، وتصل سعادتي ذروتها حين أستمع إلى النغم الذي يصدر من فمها على هيئة كلمات يجملها صوتها الرخيم الفخم ..

فإذا عدت من زيارتها إلى بيتنا شعرت بكآبة شديدة واكتئاب حاد .. كنت أشعر كأنني فقدتها ، فقدت منال ، وفقدت السعادة ولو إلى حين ..
لم أعد أطيق صبرا على فراقها هذا الأسبوع الطويل الممل ، حتى تحين موعد زيارتي المقبلة ..

أمي لاحظت هذا الهم الذي يصيبني عقب كل زيارة تقريبا ، وظنت بي الظنون .. وحاولت معرفة الأسباب والتخفيف عني ، ولم يكن شيء ممكن أن يخفف عني سوى الارتباط الدائم بمنال ..
أما هي فقد كانت تتفنن في تعذيبي ، وازدياد لوعتي وأشواقي ..
كان والدها مريضا بالكلى ، ورأيت أنا ذالك فرصة سانحة ، لأتصل هاتفيا ببيتهم كثيرا للاطمئنان على صحة الوالد العزيز ، ولم أكن أرجو إلا أن أسمع صوتها ، أن أسمعه فقط ، وكنت مستعدا أن أقسم بأغلظ الأيمان أنني لن أكلمها كلمة رقيقة واحدة ..
ومع ذلك ماذا تظن أنها كانت تفعل معي ؟

لم تكن ترد ابتداء على الهاتف ، فكان الذي يكلمني في كل مرة شخص مختلف .. وكنت أتعمد أن أتحدث في البيت في أوقات لا يتواجد فيها أخواها ، وحين كانت ترد على الهاتف وتعرف أنني أنا المتصل ، كانت تجيبني :
لحظة واحدة .. ثم تناول سماعة الهاتف إلى أمها ، أو تذهب بها إلى أبيها المريض على فراشه ليرد علي بنفسه ..
كنت أشعر وأنا على الطرف الآخر أنها تفعل ذلك بارتباك وحذر شديد وكأنني سأخطفها عبر أسلاك الهاتف !!!

ولكن أشد ما كان يؤلمني طيلة شهور من خطبتنا أنها لم تكن تنطق اسمي ، لم أسمع اسمي من فمها ولو لمرة واحدة ..

كان بعض أصدقائي المقربين ممن يعرفون ما اشتهرت به بينهم من حياء وتحفظ ، ويسمعون عن التزام شقيقة عصام ( خطيبتي ) يتندرون علينا في مجالسنا المشتركة قائلين :

إن عماد وخطيبته من النوع الذي يقول حضرِتك ، وسعادتك .. ويا أفندم .. إنها خِطبة في ثكنة عسكرية ..

كانوا يضحكون ، وكنت أحترق ، ولم يكن شيء مما يحدث في لقاءاتي بمنال يمكن أن يتسرب إلى لساني ، لقد كان كل ما بينا من الأسرار المقدسة ..

لقد كان ومازال .. حتى أنني أؤنب نفسي كثيرا وأنا أفشي هذه الأسرار الآن .. وأراجع نفسي المرة بعد المرة من الغرض الذي من أجله أكتب عنها ..

وربما بعد فترة من الجهد والعناء في الكتابة والتدوين .. أمزق ما كتبت من أوراق .. حفظا لأسرارها المقدسة .. وأقسم بالله أنه لولا أن تلك المواقف البسيطة ، والمنمنمات العاطفية ، تشكل فسيفساء الشخصية الإنسانية ، ما كنت لجأت إلى تدوينها .. لكنها معالم الإنسان في شخص منال ..

ذكرت لك أن أصدقائي كانوا يتندرون عليَ ، وكنت أحترق ، لأن هذا ما كان يحدث فعلا ..

لقد كانت تخاطبني بحضرتك ، وأفندم .. وكأنني ضابط المباحث المكلف بالتحقيق معها !!

بعد فترة من الزمن لم أعد أطيق ، وكنت قد قرأت إعلانا ما ، بان كلية التربية تعقد دبلومة دراسية في التربية لخريجي الجامعة العاطلين من أمثالي ، لإعدادهم كمدرسين في مجالات تخصصاتهم الدراسية المختلفة .. كانت مدة الدراسة في هذه الدبلومة عام دراسي كامل ، وكانت بمصروفات تعتبر كبيرة إلى حد ما ..

ولم أكن يا صديقي ممن يطيقون الدراسة والبحث .. على الرغم من أنني شغوف بالبحث الأكاديمي شريطة أن يكون على طريقتي الخاصة دون التقيد بمواعيد وامتحانات ، وغير ذلك من تعقيدات الدراسة الأكاديمية ، لكنني وجدتها فكرة عظيمة .. وقررت أن أتقدم للالتحاق بهذه الدبلومة التربوية ..

ثم قررت إغراء خطيبتي بالتقدم إليها ، ولقد كانت هذه خطة خطرة ، بل خطرة جدا ، لقد كانت منال في هذه الأثناء تعمل مدرسة في إحدى المدارس الخاصة ، وكان عليها إذ ذاك أن تضحي بعملها ، وكانت هي مضطرة لعملها للإنفاق على احتياجاتها الخاصة كفتاة .. وليس معنى ذلك أن أسرتها لم تكن تنفق عليها ، لكن هي كانت لها نفقاتها وأنشطتها الخاصة وكانت لا تحب أن تطلب نفقتها من أحد ..
ولكنها فعلا استجابت لإغرائي وتقدمت إلى الدبلومة ..

وأصارحك القول أن غرضي لم يكن شريفا بتاتا من هذه الخطة .. لقد قررت العودة للدراسة ، بشرط أن تعود منال للدراسة لنصبح طالبين معا في الجامعة من جديد ..
لم أكن في هذه الخطة مهتما بالدبلومة ولا الدراسة ولا التربية ، ولو لم تتقدم منال إلى الدراسة فيها ، فلم يكن أسهل علي من سحب أوراقي والاعتذار عن الاستمرار ..
كانت هذه من المرات القليلة في حياتي التي استخدمت فيها وسيلة غير شريفة للوصول لهدفي ..

تصورت أنني بذلك أؤمن وسيلة لرؤيتها ولقائها كل يوم .. تخيلت أنني ممكن أن أعيد الحب الشرعي إلى أيام الجامعة وانطلاق الشباب !!

لكن منال قد علمتني درسا لم أنسه ..

كما أنني استفدت .. استفدت فعلا من دراساتي في تلك الدبلومة .. لقد كانت العلوم الإنسانية من هواياتي ، فإذا بي أنغمس إلى أذني في دراسة علوم النفس على مختلف أنواعها ومسمياتها من الصحة النفسية ، إلى علم نفس النمو ، إلى فلسفة التربية .. وغيرها من الدراسات الثرية تماما ، والتي أشبعت نهمي بتلك العلوم إلى حد كبير ..

استجابت منال إلى إغرائي وتقدمت للدراسة في الدبلومة ، وتخلت عن وظيفتها لتتفرغ للدراسة ، ولأنها من الطالبات المواظبات والمجتهدات ، على عكسي تماما في هذا الجانب ، فقد كانت تأتيني بالأخبار أولا بأول ، وكنت أنا ما أزال مرتبطا بعملي كبقال غارق في الجبن والزيتون بأنواعهما ..

لم أفكر مرة أن أذهب إلى الكلية لأسأل عن مصير أوراقي التي تقدمت بها .. لكنها أخبرتني أن أسماء المقبولين قد أعلنت ، وأنها وجدت اسمي بين كشوف الأسماء .. وحمدت الله بيني وبين نفسي وتنفست الصعداء ، أنها تتذكر اسمي هذا الذي لم تذكره أمامي مرة واحدة منذ خطبتنا ، كأنه في ذاته كلمة خارجة عن حدود الأدب واللياقة ..

وأخبرتني أن علي أن أذهب إلى مستشفى الجامعة بالإسكندرية لإجراء الكشف الطبي المطلوب ، وكان يوما واحدا محددا لجميع طلاب الدبلومة ، وسعدت كثيرا بهذا الخبر ..

ربما استطعت أن أقابلها في رحاب جامعة الإسكندرية ، وأن أتحدث معها ، ولو قليلا فقط بعيدا عن الرقابة المشددة ..

لكنني تلقنت الدرس الأول يا صديقي .. لم يكن متاحا لي أن أحادث خطيبتي خارج جدران غرفة الصالون .. تلك الغرفة التي تحبنا ونحبها .. وفي وجود مقص الرقيب الذي نجح حتى الآن في حذف اسمي باعتباره لفظا خارجا على الآداب العامة ..

فهمت من خلال هذه الرحلة إلى جامعة الإسكندرية أنه ممنوع الاقتراب أو حتى محاولة الاقتراب ..

أسقطت الدبلومة من حساباتي .. طالما الأمر لن يعدو رؤيتها من بعيد لبعيد .. واستمررت في عملي ..

لكن الدراسة كانت قد بدأت ، وخلال أسبوعين كاملين لم أذهب خلالهما إلى كلية التربية مرة واحدة .. عرفت منها أن الحضور مهم ، وأن الدراسة شيقة جدا ، وأنها تحضر جميع المحاضرات ..
وهي تدعوني بوضوح وحسم ، أو تستطيع أن تقول بمنطقية أن أحضر جميع المحاضرات ..

ولك أن تتخيل يا صديقي وقع هذا الطلب على نفسي .. أنا الذي طيلة دراستي الجامعية الطويلة لم أحضر عدد من المحاضرات تتجاوز عدد أصابع اليدين ..
خلال كم سنة ؟
لا لن أشبع فضولك في هذا الجانب .. يكفيك أن تعلم أن سنوات دراستي في كليتي العملية كانت أكثر من أربع سنوات بكل تأكيد !!

تفكرت طويلا في هذا الأمر .. هل أستطيع فعلا أن أحضر المحاضرات في تلك الدراسة الاختيارية غير الإجبارية ؟
ولم لا ؟
مازالت الفرصة سانحة أمامي أن أراها كل يوم ، ولأن أتفوق في دراستي أمامها ، فمازال الرجل يبحث في عصرنا عن مظاهر التفوق ليثبت لامرأته جدارته بها ، وأن أعطيها كذلك فرصة لتعرف عن شخصيتي شيئا خارج حدود جدران صالون بيتهم .. تعرفني بين أصدقائي وزملائي ..
وليكن ..

بدأت فكرة الدبلومة فكرة خبيثة تماما .. لعبة ، وانقلبت اللعبة ، وضحيت بعملي من أجل الدراسة ..
وانتظمت فيها ، ودرست ما مجموعه أكثر بكثير من كل دراساتي الجامعية السابقة .. وأحببت المواد الدراسية ، وكنت أراها كل يوم .. ربما في البداية كانت تتجاهل نظراتي .. لكن مع الوقت أصبحنا سويا نحضر المحاضرات من أجل أن تلتقي عيوننا عدة مرات أثناء المحاضرة ..

كنت قد ذكرت لك الضوابط التي أفهمتني منال إياها دون أن تنطق بكلمة
وكانت تلك الضوابط أو الفرمانات تنص على أنه :
- الكلام خارج البيت ممنوع منعا باتا
- ممنوع أي محاولة للقاء أو الاحتكاك .. أثناء اليوم الدراسي ..
- مسموح فقط بتبادل النظرات بين الحين والآخر

لكن أهم من كل هذا أنني أدركت بما لا يدع مجالا للشك حقيقة مشاعرها نحوي .. تجلى ذلك في نظراتها ، وتجلى في شيء عجيب جدا لا يمكن تصديقه بسهولة ، حتى أنني نفسي ، لم أستوعبه في أول الأمر ..

كنت أرى منال في الكلية وبين زميلاتها بوجه ، وكنت أراها حين لقائنا الأسبوعي في صالون بيتهم بوجه آخر مغاير تماما !!..

كانت أمامي في لقاءاتنا ، مطمئنة الوجه ، هادئة البال ، يسطع على جبينها النور الذي حدثتك عنه سابقا ، وأستشف الرضا من خلف معالم وجهها ، الرضا وشيء من السعادة .. نور روحاني هادئ لكنه مؤثر تماما ..

أما في الكلية وبين زميلاتها ، فكانت معالم الجدية التي ربما تصل إلى حد الخشونة ، والنظرات الجادة ، والحركات الحادة ، والحرص الذي يجعل الفتاة التي أمامي هناك ، فتاة مختلفة كل الاختلاف عن خطيبتي ..
أدركت مع نفسي وبعد طول مراقبة .. أن جمال منال من النوع الذي يشع من الداخل ، ينبعث من روحها .. أشعر به حين تكون هي وادعة راضية مطمئنة ، وهو يختفي تماما إذا أثارتها مثيرات أو لم تكن في حالة من الرضا والطمأنينة الكاملة ..
وأدركت أن منال تطمئن إلي ، وتسعد لوجودي معها ..

وأهم من هذا كله فإن الدبلومة أعطتنا حياة مشتركة وموضوعات ومواقف وأشخاص مشتركة يمكن أن يتناولها حديثنا ، وبدأ تحفظ منال في حديثها معي يقل شيئا فشيئا ، دون أن ينتهي كلية ، ودون أن تنطق اسمي !

كنت قد طلبت منها ذات مرة أن نراجع بعض ما نحفظ من القرآن معا في لقاءاتنا ، كانت هذه فكرة جديرة بالموافقة والتشجيع ، وكان غرضي فيها شريفا تماما ، كان من أجل الاجتماع على القرآن ، وليس حول القرآن أي لعب أو غرض .. لكنها اعتذرت .. اعتبرت أن ترتيلها للقرآن أمامي فيه نوع من الفتنة لحلاوة صوتها ، وقبلت اعتذارها ، أو لم يكن مناص من قبوله ، وإن لم أرضَ ..

وفجأة وبعد عدة أشهر وعشرة .. ودون مقدمات من ناحيتي .. حدثت المعجزة .. بل المعجزات ..
ثلاثة أو أربعة مفاجآت توالت فوقعت على قلبي وقوع الغيث على قرية ميتة فتحييها من موات ..

كانت المفاجأة الأولى أني اتصلت بها ، أو أقصد ببيتهم هاتفيا لأطمئن على صحة الوالد ، كان الوقت ظهرا ، وكان الغرض شريفا ، فلقد أسقط في يدي تماما أن تمن علي بحديث في الهاتف .. لكنني فوجئت بأنها هي التي ترد علي في الهاتف ، ترددت قليلا واضطرب صوتها ، لكنها أكملت الحديث ، وأعطتني إجابة شافية عن حالة والدها الصحية .. واستمرت في الحديث ، حتى هممت أن أسألها : لم لا تناول السماعة لأحدهم أحدثه .. ابتسمت لنفسي لنكتتي الصغيرة .. وودعتها على الهاتف باحتشام ووقار ..

ثم كانت المفاجأة الثانية في زيارتي التي أعقبت هذه المكالمة الهاتفية ، إذ أخبرتني أنها موافقة على مراجعة ما نحفظ من القرآن معا !!!
بعدها مباشرة سافرت إلى القاهرة لقضاء يومين عند أقارب لي في القاهرة ، وحضور معرض القاهرة الدولي للكتاب ، وكنا أيامها على مشارف شهر رمضان ، واشتريت مجموعة قيمة من الكتب من المعرض ، في حدود ما تسمح به ميزانيتي ، ولم أنسها ، فلقد خصصتها ببعض الكتب ، لكن كلها كانت كتبا لا يمكن أن أهديها إياها إلا بعد عقد الزواج ، لكني اشتريت لها لعبة .. كانت لعبة الصور المجزأة ( البازل ) ..

وفي لقائنا التالي وكان الأخير قبل شهر رمضان ، كان من حسن طالعي ، أن والدتها هي الرقيب هذه الليلة ، ورقابة الأم فيها من التجاوز ما ليس في رقابة أحد أسدي كوبري قصر النيل ..

لم أعطها هديتها مغلفة كما جرت العادة بيننا من قبل ، ولو فعلت لأخذتها شاكرة في حياء ، ثم لم تفتحها أمامي .. لكنني قمت بتفريغ صندوق اللعبة ونشرتها على الطاولة في الوسط بيننا ، ثم نهضت من على مقعدي واقتربت من الطاولة ، ودعوتها ، فنهضت واقتربت هي الأخرى من الطاولة من الجهة المقابلة .. وأريتها اللعبة ، وحاولنا معا من بعيد ، فمازالت طاولة صالونية على الطراز الفيكتوري – كما يقول الإنجليز في أدبهم – حاجزا بيننا ، لكننا اقتربنا .. اقتربنا إلى الحد الذي لم أعد أحتمل فيه أي صبر أو فراق ..

وكانت المفاجأة الرابعة ، يوم جئت أخبرها فقبل الأسبوع الأخير من رمضان : أنني سوف أعتكف في المسجد الأيام الأخيرة وأنني لن أحضر لزيارتهم إلا في العيد .. فرجتني ألا أفكر فيها أثناء الاعتكاف حتى لا يفسد اعتكافي ، فوجئت برجائها ذلك العفوي البريء ، فنظرت إليها طويلا حتى احمر وجهها وأطرقت إلى الأرض ، وأعتقد أنها ظنت أنها أخطأت ..

وفي الفترة التي تلت ذلك ، أدركت أننا بدأنا مرحلة جديدة في علاقتنا معا ، مرحلة لا مصارحة ، ولكن لا تحفظ ..

وأتذكر جيدا أن سؤالا ظل يحيك في صدري أتحين فرصة لأسألها إياه .. حتى ظننت ذات مرة أن الفرصة قد حانت .. كان الحارس هذه المرة هو عصام .. وكان من عادته أن يجلس متجاهلا لنا تماما ولا يشاركنا الحديث ويتركنا نتحدث بما نشاء ، ونظرت إليه مرة بعد مرة فإذا به قد أغمض عينيه وأسند رأسه إلى مسند مقعده ، وظننت أنه قد استغرق في النوم ، خاصة أنه بقى على هذه الحالة أكثر من عشرة دقائق كنت أراقبه فيها بمعدل نظرة كل دقيقة .. حتى استوثقت من نومه فتجاسرت ، وطرحت سؤالي :

- منال .. أنني إلى الآن لم أسمعك مرة واحدة تناديني باسمي .. لماذا ؟

سمعت منال السؤال ، وعصرها الحياء عصرا ، ولم تعد تدري أين تضع عيناها أتطرق إلى الأرض أم تنظر تجاهي ، أم ناحية شقيقها ؟.. ورأيت كفيها تتشابكان في توتر ، لكنه كان توتر لذيذ ، يجيبني ولو نصف إجابة على سؤالي ..
كان حياؤها وهي على هذه الصورة التي لا تعرف فيها أين تختبئ مني أو تحتجب عن ناظري ، كان في حد ذاته فتنة ، وعاهدت نفسي ألا أعرضها لمثل هذا الحرج بعد الآن ..

ومضت بنا الأيام على هذا النحو ، وقد رضيت تماما بهذا القدر الهائل من الانفراج ، ووطدت نفسي ألا أطلب المزيد ، وإنما كنت ألح على أهلها وأهلي بالتعجيل بعقد الزواج ، لقد نضجت الثمرة وحان وقت قطافها ..

لم تكن الظروف مهيأة .. ولقد حدثت بعض مواقف طريفة بعد ذلك .. لكن أشدها وقعا وتأثيرا كانت محدودة العدد ، عظيمة الدلالة ..

فجأة توتر الجو حولنا .. أقصد الجو السياسي العام .. بدأ تضييقا منظما على جماعة الإخوان ، وبالتالي على نشطاء العمل الإسلامي .. وزادت حدة الاعتقالات واتسعت رقعتها ، كان ذلك تمهيدا للمحاكمات العسكرية التي أعقبت ذلك بعدة شهور ..

وبدأت أشم في الجو رائحة خطر .. وأن الأمر هذه المرة جد لا هزل ، ربما أقبل الشباب على ضربة تضاهي في قوتها ضربتي عامي 54 ، و65 ..

هكذا قدرت بشيء من الجزافية ، وفي هذه الأثناء ، كانت الامتحانات الجامعية تقترب .. وأصبح الجو مشحونا من كل اتجاه .. وأتذكر أنني في هذا الوقت على وجه التحديد كتبت رسالة إلى قريبي الذي يعيش في الخليج طالبا منه أن يبحث لي عن تأشيرة وعمل ، وأطلعته على الظروف السياسية والأمنية التي تبرر طلبي هذا بعد طول تمنع ورفض .. لأنني اعتبرت الأجواء ممطرة ..
وأتذكر أنني كنت أستعد للامتحانات وكنت جالسا أستذكر بعض دروسي ، قبل ظهر أحد أيام الجمعة ، وقبيل صلاة الجمعة بوقت محدود لا يتجاوز ثلث الساعة ، جاءني أحد الأصدقاء ، طالبا مني أن أحضر إلى المسجد للقيام بخطبة الجمعة حيث اعتذر خطيب هذا الأسبوع في اللحظات الأخيرة ، وحاولت إفهامه أنني غير مستعد بأي نوع من الاستعداد .. وحاولت أن أجعله يراني غارقا في أنواع من الكتب الفلسفية ، وأن ذهني الآن بعيدا عن أي نوع من الموعظة الواجبة في مثل هذه المناسبات ، إلا أنه أصر مخيرا لي : إما أن أخطب الجمعة ، وإما أن يغلق المسجد ..

واخترت أن أخطب .. ونزلت معه على عجل ، ولم يكن في ذهني موضوع حقيقة ، فلما صعدت المنبر ، وجدتني أتحدث عن الابتلاء والمحن ، حديث من يعيش أجواء المحنة ، كانت الخطبة مؤثرة تماما ، حتى أعدها من أفضل خطبي على الإطلاق .. ولم يكن ذلك نابعا من شيء إلا من قدر استشرافي لمستقبل خانق محتمل ..

في هذه الأجواء ، اقترب موعد يوم ميلادي .. لم أكن لأتذكره تماما .. ولم أكن قد نسيته ، تستطيع أن تقول لم يكن عندي اهتمام به بوجه خاص .. حتى كانت زيارتي لمنال اليوم السابق لتاريخ ميلادي مباشرة .. وكانت قد أعدت لي هدية .. تلك الهدية التي أحتفظ بها دائما أبدا ..
لم تكن هدية عادية .. لقد عبرت عن كل شيء ..
كانت هديتها عبارة عن كتاب وكتيب ..
أما الكتاب فقد كان ديوان شعر للشيخ يوسف القرضاوي بعنوان لفحات ونفحات ، وأما الكتيب فقد كان عن علي عزت بيجوفيتش رجل الإسلام في البوسنة وفي أوربا كلها ..
كانت الهدية تقدير ، ورسالة ..
شاعرية القرضاوي وصلابة بيجوفيتش ..

أما الإهداء فقد كان تحفة نادرة من الرقة والعاطفة والتقدير ، ولئن أهديت هدايا كثيرة في حياتي من أحباب كثر ، لكن لم يكن ولن يكون مثل هذا الإهداء .. كانت جملة من عبارتين كتبت على الصفحة الأولى من ديوان الشعر :

إلى أرق قلب ، وأعذب لسان .
إلى .. عماد

كنت قد أخذت الهدية من منال شاكرا ، ولم أفكر في فتحها أمامها ، تحسبا لأي مفاجأة ، فلأعطي لنفسي فرصة اختيار التعليق المناسب على مهل .. وعندما انصرفت من الزيارة ، لم أطق صبرا على عدم معرفة محتوى الهدية ، ونوع الكتاب الذي اختارته لي ، فقد كنت أدرك من تغليف الهدية ، أنه كتاب .. وكنت في شوق بالغ لقراءة عنوانه ، وطال بي الطريق من منزلها إلى منزلنا ، ولم أدرِ لم تطول الطرق وتقصر دائما على عكس أمنياتنا ورغباتنا ؟!
ووصلت إلى منطقة خالية من الشارع ، والذي كان في مجمله خاليا بعد منتصف الليل .. وفضضت الغلاف الخارجي ، وأخرجت ديوان الشعر ، ثم كتيب ( بيجوفيتش ) من داخله ،

وما أن قرأت الإهداء .. حتى توقفت في الشارع لا ألوي على شيء ..
شعرت أنني أريد الرجوع إليها فأقبل رأسها وكفيها .. ولو من فوق الخمار والقفازين .. فكرت في أن أتصل بها هاتفيا ، لأقول لها لقد وصلت رسالتك يا أعظم روح ، وأرق وجدان ، وأكبر حب ..

لقد كان قلبي يخفق بقوة وسرعة أكثر مما يمكن أن يتحمله جسدي .. لقد كنت سعيدا فوق ما تخيلت مدى القمة التي تصلها سعادة أي إنسان ..

وكان علي رغم مشاعري المحمومة ، أن أمضي إلى طريق العقل ، فأنقل قدماي في بطء وجزل إلى منزلي .. وما أن وصلت إلى شارع منزلنا حتى لمحت مخبرا سريا .. يحمل لاسلكيا بيده ويتحدث فيه وينتظر الإشارات .. كان هذا المخبر يقف أسفل بيتنا تماما ، وربما بالقرب من بوابة المنزل تماما ..
ودق قلبي بعنف ووجل ، لكن هذه المرة لم يرقص من السعادة ، ولكنه ارتعش من الخوف حتى كاد أثناء رعشته أن يتوقف ..
ونظرت في ساعتي ، فوجدتها قد تعدت الواحدة صباحا ..

لقد كان الجو العام موحيا ، ولقد كانت توقعاتي لها ما يؤيدها ، ولكن لم أكن توقعت أن تجري الأمور بهذه السرعة ، فإن المباحث حينما تقرر توجيه ضربة ، فليكن اسمي مدرجا في المرحلة التاسعة أو العاشرة أي بعد عدة شهور .. أما الآن فهذا غريب مثير ومقلق إلى أبعد حد ..
وصعدت الدرج وأنا أرتجف ، وحمدت الله أن وجدت أخي مستيقظا ، فسألته هل جاء أحد يسأل عني ، فأجاب بالنفي ..
تركته ودسست الهدية الحبيبة ، وأنا أتألم من أن تكون لحظة السعادة الغامرة هي نفسها لحظة القلق المطبق ، دسست هديتي أسفل وسادتي .. وخرجت إلى الشرفة أترقب ..
وتوقعت أن يأتوا في غضون من ساعة إلى ساعتين .. ومرت الدقائق بطيئة ثقيلة موحشة ، ولم يكن في الشارع أي مستيقظ ، سوى هذا الصوت المزعج الذي ينبعث من جهاز اللاسلكي ..
وظللت على هذه الحالة حتى آذان الفجر ، وكان آذان الفجر بالنسبة لأمثالنا بمثابة صافرة الإنذار التي تنطلق عقب انتهاء الغارة الحربية معلنة بالأمان وإمكانية الخروج من المخابئ .. إنهم لا يأتون أبدا بعد أذان الفجر ، فالحمد لله قد مرت الليلة ..

أما ما حدث لي هذه الليلة فهو من أسراري التي كتمتها عن الجميع ، حتى أنه يعد من الأسرار النادرة جدا التي لم أخبر بها منال !

أعقب ذلك أنني أحببت أن أكتب لها أرق إهداء ممكن على بطاقة معايدة بمناسبة عيد الأضحى ، فلم أكتب سوى جملة واحدة عادية جدا ، لأن الكلمات هربت ، ولأنني خشيت من التفتيش الذاتي ..

لم تقنعنِ البطاقة ، وفي أول فرصة لاحت لي .. قد كان الدور على أم منال للمناوبة أقصد لمرافقتنا .. وتركتنا بضع دقائق لقضاء بعض شؤونها ..

فاستغللت الفرصة واعتذرت لمنال عن بطاقة المعايدة .. قلت لها :

- أعرف أنها كانت باهتة ..

أجابت بحياء وهي مطرقة إلى الأرض :

- لكنني قرأت ما خلف السطور .. وفهمت كل ما لم تكتبه ..
كانت تطمئنني ، وكانت تقطع الطريق على استكمال كلماتي .. لكنني تجاسرت وقلت لها :
- أردت أن أكتب على البطاقة عبارة ( أحبك جدا )

أما رد الفعل الذي أعقب تجاسري على النطق بهذه الكلمة ، فقد كان مذهلا .. شعرت بأن منال تغوص في مقعدها ، كأنها ترجوه أن يبتلعها فيغيبها عن عيني ..

ولما لم يستجب لها المقعد ، نهضت واقفة وكل جسدها يهتز ، وخرجت من الغرفة .. غابت دقيقتين .. ثم أحضرت كوب من الماء وقالت لي :

تفضل ..

وللمرة الثانية عاهدت نفسي ، ألا أعرضها لأكثر مما تطيق .. هي تعرف ، وأنا أعرف .. فما فائدة هذه المراهقة ؟؟
لم ولن أجد إجابة .. لكنه الواقع كما كان ..

لكني اكتفيت بذلك فلم أراهق بعد هذا الموقف ، وأجلت كل مشاعري إلى الليلة السابقة لعقد الزواج ..

semeramis
07-05-2010, 11:03 PM
9 – لم أكن في الضنى وحدي

كما لعبة ( البازل ) بالضبط .. تحتاج لتجميع أجزاء الصورة حتى تتضح معالمها ، وهكذا لا يمكنني أن آخذ كل الحقيقة من روايتي ، أو من معايشتي بمفردي ، فما ذكرته سابقا لم يعدو أن يكون نصف الحقيقة فقط ، أما نصفها الآخر فهو مع منال التي تركته في مذكراتها قائلة :

عرفت كثيرا من صديقاتي وأخواتي اللواتي تضيف لهن مرحلة الخطوبة ، أو حالة الحب ، تضيف لهن شيئا أو أشياء ..
كأن تكون لحياتهم معنى أو معاني ، ثم تكتمل هذه المعاني في مرحلة الخطبة ، أو يضفن إلى شخصيتهن شيئا بحالة الحب ،
بعض هؤلاء تكن مكتملات الشخصية ويكون الارتباط برجل هو المكمل الأخير لتلك الشخصية ، وبعضهن لا تكن كذلك ، غير أنها تعيش الحب لحظات سعيدة حالمة ، دون أن يكون له أثرا عميقا على شخصيتها وتعاملاتها ومداركها ، فهي لا تتغير ، وتستخدم الحب كوسيلة للترفيه أو التنفيس أو المتعة ..
وقليل ممن عرفت كانت حالة الحب تغير حياتهن تغييرا جذريا ، بحيث تنقلب الفتاة من حالة إلى حالة أخرى مغايرة تماما .. كأنها ولدت من جديد ..
ولقد كنت أنا من هذا النوع الثاني .. كنت من القليل من الفتيات .. لقد قلبت حالتي مع عماد كياني كله ، وغيرت من شخصيتي تغييرا كاملا ..

أحببت عماد ، ولم أكن قبل معرفتي به قد حلمت بهذا النوع من الحب ، كنت في طفولتي وبداية شبابي قد سمعت كثيرا من قصص القريبات والجارات ، كانت كل واحدة منهن تعاني مع زوجها أو مع أهله ، أو مع كلاهما معا .. ولم أكن أسمع من أمي ولا من واحدة من زائراتها تحمد الله على حياتها ..

والأشد من ذلك ، أنني نشأت في بيت عائلة ، بالطبع كان لأبي وأمي شقة خاصة بهما ، لكن البيت نفسه كان بيت عائلة ، فكنا في البيت مع جدتي ، وعماتي ، وأعمامي قبل زواجهم ، وكانت أمي دائمة الشكوى لنا ولخالاتي ، من العديد من المشكلات اليومية مع كل طرف من تلك الأطراف ..
وكانت هذه المشكلات تؤثر تأثيرا مباشرا على العلاقة داخل الأسرة بين أبي وأمي ، وبين أبي وبيننا جميعا ..
لم أكن أشعر بالاستقرار ولا الهدوء ، ولم يكن يمر يوما دون مشكلة من تلك المشكلات المتكررة ..
فإذا أضفت إلى ذلك مشكلات الجيران ، وما كانت تحكيه أمامي بعض الصديقات .. كان كل هذا يؤثر في نفسيتي تأثيرا عميقا ..

لقد كنت ومازلت أتعجب من بعض أمور في الحياة الاجتماعية للناس ، وفي الطبيعة البشرية للإنسان ..
مثال على ذلك أنا وشقيقتي والتي تكبرني بعام واحد ، ولذا فإن إدراكنا لكم المشكلات الاجتماعية يكاد يكون متساويا لاقتراب السن ، ومع ذلك تكونت لدى أختي عقدة عميقة من فكرة سيطرة الرجل ، ومن فكرة تقبل أم الزوج ( الحماة ) ، ومن قبول المعيشة في بيت عائلة .. ومن أشياء كثيرة .. جعلتني أتوقع ، أن تصنع نفسية سوداوية ..

بينما أنا التي كنت أمر بنفس تلك الظروف ذاتها ، وأتغذى على نفس تلك الأفكار .. كنت على النقيض تماما ..
كنت دائما ما أشعر بأن جزء من الحقيقة ناقص .. بأن كل شاكية من هاتيك الشاكيات كان في إمكانها أن تصنع شيئا يخفف شكايتها ، لكنها لم تفعل ، مكتفية بلعب دور الضحية والمظلومة ..
وكنت أنا أراهن نفسي أنني لو وضعت في نفس الظروف تماما ، فسوف أفعل شيئا مختلفا ، سأكسب حب هؤلاء جميعا ..
سأستطيع أن ألعب عدة أدوار في وقت واحد .. دور الزوجة المحبة ، والابنة الطائعة ، والأم الحانية ، وزوجة الابن البارة بأم زوجها وأخوته وأخواته .. كانت هذه هي نظرتي الدائمة للحياة ..

وأنا لا أدعي وأنا أكتب هذه السطور أنني نجحت في ذلك تمام النجاح ، فهذا ما لم أشهد به لنفسي ، ولكنني أتعجب فقط من الفوارق في الطبيعة البشرية ، حين تتحد عوامل الوراثة والبيئة والتربية ، ثم تنتج أكلا مختلفا ألوانه ..

والظاهرة الاجتماعية الأخرى التي كنت أتوقف أمامها كثيرا .. هي أنني كنت ألاحظ كل امرأة أعرفها تقريبا كيف تكون راضية بخطيبها قبل الزواج ، منجذبة إليه ، مؤمنة به ، حتى إذا تزوجا بدأت المشكلات ، وانتهى الرضا والانجذاب والإيمان .. تلاشى كل ذلك وتحول إلى اتهام ، وتعويل على النصيب الذي ابتلاها بهذا الزوج !!!

كل هذه العوامل البيئية والتربوية التي أثرت على تكوين شخصيتي ، كانت تتصارع في المقابل مع معنى آخر مختلف تماما للعلاقة الزوجية .. لتكوين الأسرة الإنسانية البسيطة ، علاقة تقوم على السكن والمودة والرحمة .. علاقة نفس انبثقت من نفس ، وروح خرجت من روح ، وسكن يقضى على كل هاجس أو توتر ، ومودة ورحمة خلقها خالق كل الأزواج ..
طالما تساءلت أليس هذا هو قانون الله تعالى ؟

كنت كثيرا ما أحضر احتفالات الأعراس الإسلامية في المساجد .. وأسمع الخطباء يتبارون ، في ذكر علاقة المودة والرحمة ، وخيرية النبي صلى الله عليه وسلم لأهله .. كلهم إذن يعلمون ذلك ، وكلهن كذلك يدركنه .. فما الذي يحدث حينما يلتقيان ؟
أين تذهب المودة والرحمة ؟

بين عوامل البيئة والظواهر الاجتماعية ، وبين الاقتناعات العقلية التي يطمئن إليها القلب ويحميها النص المقدس .. كان الصراع يتأجج ، ولقد اخترت الانحياز الكامل لما يطمئن إليه القلب .. لابد أن الله تعالى لم يرفع المودة والرحمة من القلوب ، غير أن الإنسان هو الذي لا يهتدي إليهما ..

لقد كنت منذ البداية أنوي ، بل قررت أن أفعل المستحيل لأن أحب خاطبي أيا كان .. طالما رضيت به ووافقت عليه .. وأن أبحث عن نعمة السكن والمودة والرحمة .. وكنت أتخيل هذه المودة على شكل اطمئنان وهدوء ورضا ..
وكانت دعوتي الدائمة منذ تفتحت عيناي على مشكلات الحياة الاجتماعية .. دعوتي المخلصة المخبتة لله تعالى : أن يرزقني الزوج الصالح الذي يحافظ على نقاء قلبي ، وأن تتحقق بيننا المودة والرحمة .. كان هذا دعائي في كل سجدة خاصة في صلاة الفجر ..

لكنني لم أكن لأطلب أكثر من ذلك .. كنت قد أدركت أن علاقات الحب الجارف ، والوله الشديد ، والتعلق الذي لا حدود له .. علاقات لا وجود لها إلا في الروايات الأدبية ، والأفلام السينمائية .. لكنها لا تحدث على أرض الواقع ..

لكل هذا عندما تقدم عماد لخطبتي أحببته هذا النوع من الحب الهادئ الرقيق .. لكن شخصيته لم تكن من هذا النوع .. لقد كان عاطفي مشبوب العاطفة .. وسرعان ما تحول حبي له إلى نوع من الحب أكثر رومانسية من كل ما قرأته في رواية أو شاهدته في فيلم ..

ربطت بيني وبين عماد منذ الوهلة الأولى .. خاصة بعد تعمده اختيار تاريخ ميلادي ليؤرخ به لعلاقتنا ، منذ هذه اللحظة ، لم يكن من الممكن التحكم في مشاعري تجاهه أو إخضاعها إلى أي عقل أو منطق ..
أحببته كأشد ما يكون حب فتاة ظمآنة محرومة ، لشاب مفعم بنداء العاطفة والاحترام ، وكان أحلى ما في هذا الحب ، أنه يأتي في إطاره الاجتماعي السليم ، خاطب ومخطوبة ..

لكنني رغم هذه المشاعر الفياضة التي كانت تضغط على أعصابي كله .. عانيت .. عانيت كثيرا جدا من عدم قدرتي على التعبير عن هذه المشاعر .. كنت أختزنها ، وأختزن معها إشارات عماد المتكررة ، فتضغط على نفسي ضغطا شديدا ..

لقد نشأت في أسرة ، تعتبر العاطفة حتى بين أفرادها عيبا ..
ولا أنسى أبدا أنني حاولت مرة وأنا في بداية سن المراهقة أن أعبر لأمي عن مشاعر حبي تجاهها ، فعاقبتني على ذلك عقابا شديدا ، كأني أتيت جرما شنيعا .. منذ هذه الحادثة وقد انعقد لساني تماما عن النطق بكلمة عاطفية رقيقة ..

ثم جاء عماد وأعطاني ما لم أستشعره في حياتي من قبل ، وحاول أن يحلل عقدة من لساني ، ولو أن عماد استطاع أن يحرك جبلا راسخا من مكانه ، ما تخيلت أنه ينجح في تحريك لساني ، ومع ذلك حركه حركة خفيفة لكنها ملفتة .. ولم يكن هو ليقنع بذلك ويرضى ، ولم يكن يدرك أن إلحاحه هذا فوق طاقتي ، لم يكن يدرك طبيعة التفاعلات التي تحدث داخل الأسرة ..

كان عماد يزورني في الأغلب الأعم مساء الخميس ليلة الجمعة ، وكانت زيارته الأسبوعية لي عيدا لنفسي ، أهيأ لها فيه كل أسباب السعادة والرضا ..
لكن أمي كانت تستقبل يوم الخميس منذ صباحه بنكد ظاهر ، وعصبية مفرطة ، وحدة عنيفة .. ومنذ الصباح تذكرني في كل لحظة أن لي شقيقة أكبر مني ، وأنها لم تخطب بعد ، وأن علي أن أراعي مشاعر أختي ، فهي شديدة الحساسية ..
وأصمت وتستمر أمي في حدتها وتحذيراتها .. وأسألها عن المطلوب مني حتى تهدأ قليلا ..
فيبدأ فيض الممنوعات :
لا تظهري فرحتك بمجيء خطيبك
لا تظهري لهفتك على موعده
لا تطيلي الحديث معه
اطلبي منه أن ينصرف سريعا ، لا داعي للسهر كثيرا ..
لا تظهري سعادة بعد انصرافه
لا تتحدثي مع أختك عن مشاعرك تجاهه ..
.... ..... ....

وبعد انصراف عماد تبدأ قائمة التقريع واللوم :
لقد سهر أكثر مما يجب
لماذا أنت مسرورة هكذا ؟
.... .... .....

ويستمر اللوم والتعنيف نهار يوم الجمعة كاملا وجزء من الليل .. وربما امتد إلى بقية أيام الأسبوع ، وربما عوقبت على خطأ لم أرتكبه بأن أمنع من الخروج في وسط الأسبوع ، لأنني سمحت لعماد أن يسهر أكثر مما ينبغي ..

أحيانا كان يفيض بي ، فأقول لأمي بصوت خافت لكنه معبر : لماذا لا تقولين له أنت يا أمي أن سهره الزائد يقلقكم ؟.. فأنا لا أستطيع أن أذكر له ذلك .. هذا أمر فوق طاقتي ..
وهنا يبدأ سيل آخر من السخرية والعتاب ..

أما أخوي الأشاوس .. فلقد صرت أنا وعماد لهما بمثابة الفريسة التي سقطت بين يدي صياد !!
بدت غيرتهما طاغية لا حد لها ..

في بداية علاقتي بعماد ، كان عصام يزورني في غرفتي قبل زيارة عماد ، فيلقنني ما يجب أن أقول ، وما يجب ألا أنطق به أو أفعله في حضوره ، يحذرني من الضحك بصوت ، أو إشعار عماد بسعادتي به ، أو التلميح إلى أي شيء من مشاعري تجاهه ، هذه عورات لا يجب أن تظهر من الفتاة المحترمة ..

ثم يجلس معي بعد الزيارة شارحا بعصبية وسخط الأخطاء التي وقت فيها ، أو وقع فيها عماد ، كان يجب ألا يقول هذه الكلمة ..

وأنظر إلى عصام بعجب متسائلة : وهل أنا مسؤولة عن لسانه ؟
ويجيب بحزم : كان يجب ألا تشجعيه على قول ذلك .. أشعريه أن هذا يضايقك ..
وكان علي أن أصمت ، فما في رأس عصام لن يتغير ، فما فائدة الجدال ؟؟

منذ أول لقاء في يوم خطبتنا نفسه .. بدأت التوجيهات والتحذيرات .. ثم بدأ اللوم العنيف بعد اللقاء .. كانت سهرتنا الأولى مع عماد وفي وجود عصام عقب الاحتفال بالخطبة مباشرة ..

نسيت أن أصف حفل الخطبة نفسه .. لقد كان عماد يجلس مع أبي وأخوتي ووالده وأخوته وأصدقائه في غرفة خارجية ، وبعض الأقارب .. وكان صوت المسجل ينبعث بالأناشيد الجميلة من عندهم ، أما أنا فقد كنت في غرفة داخلية مع أمي وأم عماد وخالاتي وصديقاتي .. لم يكن ثمة عريس وعروس كما يحدث في كل الحفلات !!

التي ألبستني شبكتي .. خاتم الخطبة ، والأنسيال ، هي والدة عماد نيابة عنه ، وكان الذي ألبسه خاتم الخطبة الفضي هو أبي ، فما كان عماد ليسمح لنفسه ، وما كنت لأسمح له أن يلمس كفي قبل العقد ..

وظننت بعد انقضاء الحفل ، وانصراف المدعوين ، أن من حقي كأي عروس أن أحتفل مع خطيبي بهذه المناسبة التي لا تتكرر في العمر كله .. وكنت ما أطمح فيه أن أجلس معه في وجود عصام ، ولكن في جو فيه شيء من الانفتاح وعدم التحفظ ، نعبر عن القليل ، والقليل فقط من سعادتنا ..
وكان جزاء طموحي هذا عقب انصراف عماد .. تقريع عنيف من عصام :

كنت تبتسمين بشكل زائد

السعادة كانت بادية على وجهك أكثر مما ينبغي

شكرته أكثر من مرة على هدية الخطبة ، لم يكن هناك داعٍ

تكلمت معه كثيرا دون تحفظ

أرجو ألا تتكرر هذه التجاوزات مرة أخرى ..

وفي زيارة عماد التالية إلينا ، كان من الطبيعي أن أستلهم جلسة أبي الهول أمام الأهرامات الثلاثة ، ففي بيتنا أربعة أهرامات وليس ثلاثة فقط !!

بعد فترة من الزيارة طلب عماد مني كأسا من الماء .. فلما انصرفت من الغرفة .. تبعني عصام بعد لحظة ، وقال لي :
- لماذا تجلسين هكذا صامتة كأنك أكلت لسانك ؟
الرجل لاحظ وجومك وسألني عن ذلك فأحرجني ..

أجبت :
- أنا أنفذ تعليماتك ..
قال عصام غاضبا :
- أنا طلبت منك التخفيف من الابتسام ، ولم أطلب منك الصمت التام .. هل فهمت ؟

ولم أكن أستطيع أن أفهم أو أستوعب هذه الأوامر المتداخلة والمتضاربة ..

أما بطاقات المعايدة ، وأغلفة الهدايا التي كان يحضرها لي عماد ، فقد كان يتم تفتيشها تفتيشا دقيقا بحثا عن كلمة مهربة هنا أو هناك ..

ويوم أن سألني عماد سؤالا محرجا كاد أن يقتلني به حياء .. حين ظن أن عصام نائما بجوارنا ، فسألني لماذا لا نطق اسمه أو أناديه به ..
لقد دعوت الله أن تنشق الأرض وأن تبتلعني ، فلا أخرج منها .. ولم أجبه بغير الإطراق إلى الأرض .. ومع ذلك ..

مع ذلك لم تمر تلك الليلة ولا الأسبوع التالي كله على خير ..
لقد ظل عصام في تحقيق كامل معي ، وظل يوبخني ، ويلومني أن أتحت لعماد أن يسأل مثل هذا السؤال الصريح ؟
أخيرا قلت له : يا عصام أريدك أن تلاحظ أمرا واحدا .. أمر واحد فقط من فضلك .. إن خطيبي عماد يدرس معي في الكلية وفي نفس المدرج ، ولو لم نكن أنا وهو أهلا للثقة ، لكنا الآن لسنا في حاجة للتعبير عن أنفسنا أمامكم .. في وسعنا أن نلتقي كل يوم ، ونحن نلتقي بالفعل .. بوسعنا أن نتحدث وأن نضحك ، وبكل حرية .. لكننا نراعي ربنا فهو الرقيب ، ولا نراعيك أنت .. هل فهمتني يا عصام ؟
ذهل عصام من مواجهتي له ، فهدد بإلغاء الدراسة ، فقلت له :
- لا تستطيع أن تهددني بذلك ، فلو احتكمنا إلى بابا فهو يرى أن من الطبيعي جدا أن يتحدث الخاطب ومخطوبته بدون محرم ، ما لم تكن خلوة ، ولو احتكمنا له لصرح لنا باللقاء في الكلية في وسط الطلاب .. فلا تلجئني لذلك ، لأنني لا أريد أن أفعل ذلك رعاية لله ، وصونا لهذا الخمار الذي أرتديه ..

بوادر قطيعة جديدة كانت على وشك البدء مع أخي عصام .. لكن حدثت أمورا أسرية أجلتها إلى حين ..

أما كشاكيل المحاضرات ، والكتب ، والمذكرات التي كنا نتبادلها أنا وعماد في الفترة الأخيرة من الدبلومة ، فكانت تخضع لرقابة صارمة ..
ومع ذلك كان يمرر لي فيها عماد بعض تعليقات في غاية العجب

وكانت أكثر التعليقات تكرارا بين ثنايا السطور :

( يا لذيذ يا رايق ) ..
كان هذا هو تعليقه المفضل ..

مرة وجدت كلمة مكتوبة بقلم رصاص ثم ممسوحة .. كانت ممسوحة بإصبعه مثل تلاميذ الروضة المهملين ، لعله لم يجد ممحاة ، أو أنه تعمد محوها بهذا الشكل لتلفت نظري ..
لقد كان مكتوبا قبل المحو كلمة : أحبك ..

ولم تكن بعض تصريحات عماد تخلو من مغامرة وصبابة .. وكنت أعذره ، وقد كنا نحفظ أثر : أن من عشق فكتم وعف فمات فهو شهيد ..
فالحب المكتوم الصامت سبب من أسباب الفتك بحياة الإنسان ..

كل هذه الحواجز وغيرها كانت تعجزني عن التعبير عن مقدار حبي لعماد .. أما هو فكان لا يعدم وسيلة للتعبير .. في صورة هدية أو نظرة أو كلمة .. لقد كان يغازلني أحيانا .. خاصة إذا كانت الرفيق لنا هي أمي .. ولم أسمع كلمة غزل واحدة مما قال ، لكني كنت أعرف أنه يغازلني عندما تحمر أذناه ، وتضيق عيناه ، ويخفت صوته ، يخفت كثيرا فلا أسمعه ، لكني كنت أشعر أن الجملة التي قالها وهو على هذه الحالة هي جملة غزل ، فكنت أستحي ، وأنظر إلى الأرض ، وبالطبع لا أطلب منه إعادتها لأني لم أسمعها ..

وكنا نقضي أغلب أوقاتنا معا في حديث مسترسل عذب كأنه ينحدر من مصب نهر ، ينطلق به عماد عن السيرة ، وكان عماد إذا بدأ بالحديث عن السيرة ، فلا يمكن أن يوقف تدفقه شيء ولا أحد ، وكنت أحب أن أسمع السيرة النبوية الشريفة منه ، كنت قد قرأتها من أكثر من كتاب من قبل ، ولكني لم أسمعها ولم أفهمها بمثل ما كنت أستوعبها من حديث عماد .. كانت له ملكة خاصة في ذلك .. كان يتعمق معانيها بشكل كبير ، وكان يخرج منها بدلالات وإسقاطات على الواقع المعاصر بشكل ملفت ، والأعجب من ذلك أن حديثه فيها كان متدفقا ، أي كلما استرسل استزاد ، فهو حديث يزيد ولا ينقص ، ويسري ولا ينقطع .. وأحببت أن أسمع السيرة منه دائما ..

وكنا نتناول الأحداث المحيطة الجارية وهموم الأمة .. وكانت له رؤية ورصد مختلف غالبا عما أسمعه في الدروس التي أحضرها ، ولم أكن بالضرورة أتفق معه في كل ما يذهب إليه من تحليل ، أو توقع ، لكنني كنت مفتونة بحديثه في السيرة النبوية تماما ..

وكان له باع في الشعر ، وحس رفيع جدا في ذلك .. كنت قد تعودت أن أسمع أشعار الحماسة والجهاد .. كانت هي الأشعار المتداولة في الأناشيد المشهورة التي طالما ترنمنا بها في ربوع الجامعة مثل :
لبيك إسلام البطولة كلنا نفدي الحمى
لبيك واجعل من جماجمنا لعزك سلما
لبيك إن عطش اللواء سكب الشباب له الدماء
لبيك لبيك لبيك ...

ومثل :
تهون الحياة وكل يهون
ولكن إسلامنا لا يهون
نضحي له بالعزيز الكريم
ومن أجله نستحب المنون

ونشيد :
يا دعوتي سيري سيري سيري
لا يوقفك ظالم أو غدر شرير

أما هو فقد كان يختار من الشعر أرقه وأعذبه .. كانت أشعارا وطنية ، لكنها مفعمة بالعاطفة .. وكانت اغلبها مما أسمعه لأول مرة ، فلم تكن تتردد إلا على لسانه .. وأنا أذكر منها مطلع نشيد كان له عنده مكانة خاصة يقول :

حبيبتي بلادي
نسيت في موائد الثناء
سيدا تعشق الفداء
أحب أن يراك مسجدا مقدسا ثراه
كفة الكلام عنده نصف كفة العمل
نسيته مقيدا
شغلت عنه بالبريق
ومن سيطفئ الحريق غيره
إن جهلت سره
حبيبتي بلادي
قد كنت أكتب الكلام من دمي
قد كنت أقرأ الحروف واحدا فواحدا لتقرئي لتفهمي
وكنت أعزف النشيد هامسا لعله إلى الفؤاد ينتمي
وكنت يا بلادي وكنت .. وكنت يا حبيبتي وكنت

....

وكان يحب أناشيد الشاعر هاشم الرفاعي المفعم بالشاعرية .. فيردد قصيدته التي مطلعها :

أبتاه ماذا قد يخط بناني
والحبل والجلاد ينتظراني
هذه السطور إليك من زنزانة مقرورة صخرية الجدران
لم تبق إلا ليلة أحيا بها وأظن أن ظلامها أكفاني
ستمر يا أبتاه لست أشك في هذا وتحمل بعدها جسماني

وكان لا يخرج من حالته تلك الحالمة الشاعرية ، إلا أذا أزعجه أحد أو موقف ما ، فقد كان ينقلب شخصا عنيفا في مجادلته ، ويحاول مقارعة الحجة بالحجة .. لقد دخل ذات مرة في حوار حاد جدا مع عصام ، في إثر الإعلان عن عملية إرهابية قامت بها جماعة الجهاد في مصر .. وكانت له حدة في آرائه ، وكان يصف أصحاب منهج العنف بخوارج العصر ، ولقد اختلف معه عصام اختلافا كبيرا فقد كان بالفطرة متعاطفا معهم ، بينما عماد كان حادا عليهم منفرا من أساليبهم ومنهجهم ..
أدركت أنني أمام صاحب رؤية ، فهو ليس ممن يرددون ما يذكر أمامهم دون تمحيص ..
وأحيانا أخرى كنا نقطع الوقت وهو يروي لي خطبة ألقاها في المسجد ..

ولقد ذكرتني رقته وشاعريته ، بأول نشيد أنشدته في حياتي للأخوات في المدينة الجامعية ، فقد كان يقول مطلعه :
أحباب ديني أخوتي
في ليلنا كالشمعة
تبكي وتحرق نفسها
في لهفة للدعوة

وقد كان عماد هو الذي عرفني على المنشد الرائع أبو راتب ..
فحفظت عنه من أجمل ما سمعت :

مضى الذين شغاف القلب يعشقهم
من الأحبة من حولي فوالهفي
وسرت حقل هشيم غربة وأسى
يجتاحني شرر التحنان والأسف
وا حر شوقي إليهم كلما هجست نفسي إليهم
ونفسي بهم مشبوبة الكلف
إني سئمت من الدنيا وزهرتها
ومل قلبي فراق قاداتها الألف
ماض وأعرف ما دربي وما هدفي
والموت يرقص لي في كل منعطف

كان عماد بتركيبة شخصيته التي جبلت على الرقة ، وتغذت على الشعر ، وترعرعت على الذوق الرفيع والحس العالي ..
كان يبدو أمامي كأنه طيف إنسان ، وليس جسد إنسان .. وأمام هذا الطيف انهارت حصوني الدفاعية ، وانهارت معها كل العقد النفسية التي ورثتها عن بيئتي المحيطة ، وأشرقت أمامي الأرض بنور ربها ، ولم أعد أرَ منها سوى الحب .. حب يتفجر متدفقا ولا يجد مسارب للتعبير عنه ، فأين يذهب سوى تحطيم السدود التي تقف أمامه ؟!

وكنت قد تعلمت خصلة أو خصالا من كثرة اختلاطي وعشرتي بقطتي الفقيدة ( بوسي ) .. لقد أحببتها وعايشتها حتى حد التقليد والمحاكاة أحيانا ، وأدركت أن هناك أمورا يمكن أن يتعلمها الإنسان .. يتعلمها حتى من الحيوان ..
وكان مما تعلمت من ( بوسي ) .. قوة وأهمية حاسة الشم ، فقد كانت القطة تعرف أبناءها ، وأماكنها ، وتعبر عن حبها بحاسة الشم ، فهي تتشمم قططها الصغيرة ، وهي تمرغ أنفها في ملابسي تتشممني .. ولقد ورثت هذه الخصلة العجيبة عنها ..

كان من أميز صفات عماد ولعه الشديد بالعطور ، وكانت أنواع عطره التي يستخدمها مميزة تماما ، فكانت نادرة ونفاذة ، ومحببة للنفس ، ولم أكن قد شممت مثلها من قبل ، كأنها تصنع له وحده .. وكان هو من النوع المفرط جدا في استخدام هذه العطور ، سواء عند زيارته لي ، أو حتى عند ذهابه إلى الكلية ..
كنت أعرف وصوله إلى الكلية قبل أن أراه ، من رائحته التي تنتشر في المكان على بعد عدة أمتار ..
ومنذ وعيت على هذه الحقيقة ، واتتني فرصة جديدة وفريدة للتعبير عن حبي ، فقد ادعيت لأمي أن من واجبي أن أقوم بتنظيف وتنظيم غرفة الصالون ، صباح كل يوم جمعة ، وقبل أن يدخلها أحد ، وذلك عقب زيارة عماد لنا مساء الخميس ، حتى لا يشق ذلك العمل على شقيقتي ، فأقوم به وحدي ، ورحبت أمي بذلك مسرورة ..

فكنت أدخل غرفة الصالون .. وأحكم إغلاقها على نفسي ، ثم ألقي بنفسي على المقعد الذي يجلس دائما عليه عماد أمامي في زيارته ، وأدفن وجهي فيه وأظل أتشمم عطر حبيبي ، وأستنشق رائحته ، حتى أرتوي ، وأحيانا كنت أضبط نفسي متلبسة بتقبيله .. تقبيل الغطاء القماشي للمقعد ..
ثم أقوم فرحة نشطة ، كفراشة تدور بأنحاء الغرفة أنجز أعمالي ، وأنا أتغنى بآخر ما سمعت من عماد من أشعار رقيقة .. حتى إذا انتهيت من إعادة ترتيب الغرفة ، عدت إلى مقعده ، كنحلة تمتص الرحيق ، تمتصه إلى آخر ذرة فيه حتى لا يستشعره أحد غيري ، فهو ملك خاص لي وحدي ..

كنت أنا أفعل هذا بينما هو يسألني محرجا إياي لماذا لا أنطق اسمه !!

نعم كنت لا أجرؤ على أن أنطق اسمه .. كان اسمه رقيقا ، كان كاسم التدليل ، وليس كاسم جاد ، وكنت أخشى أن أخرجه من فمي منغما ، كما كنت أدرب نفسي على النطق به بيني وبين نفسي ، فتقع الواقعة ..

وخلال فترة الخطبة جاءت فكرة الدراسة بدبلومة التربية ، نجدة من السماء .. كانت فرصة مواتية .. جعلتني أرى عماد كل يوم .. وأن ألاحظه بين زملائه .. كنت فخورة به .. كان متميز الشخصية بين الجميع ، وكنت أباهي به زميلاتي في الدراسة ، وكن يسألنني متعجبات .. كيف لا تلتقيان وتجلسان معا وتخرجان معا .. إنه خطيبك ، وليس مجرد حبيبك أو صديقك !
وأكدت أكثر من زميلة لو أنها تملك خطيبا ما تركته من يدها لحظة واحدة ..
كن يتضاحكن مني .. أما أنا فقد كان يكفيني تبادل النظرات .. لقد أصبح لدي حرية أوسع لأن أتبادل معه النظرات ، وأن تلتقي عيوننا ، لأن لقاء العيون عن بعد مختلف نوعا ما .. وقد كانت طبيعة جلستنا المعتادة في مدرجات الجامعة في الأقاليم أن يخصص مدرج اليمين للفتيات ، ومجرد اليسار للطلبة ..
وهذا كان من أبدع ما يكون حيث كنا نجلس متقابلين كل في مدرج .. ما يعطينا فرصة لتبادل النظرات أثناء المحاضرات ..

وعرفت عماد أكثر من خلال الدبلومة ، كيف يحاور ، متى يستفز .. تعامله مع الفتيات .. أو فلأقول نظرته إليهم ؟ .. لم أكن أختبره ، وما كنت في حاجة إلى اختباره .. لكنني كنت أستكشفه أكثر فأكثر ..

وكنت كثيرا ما أسأله عن رأيه في مواقف بعينها حدثت أثناء وجودي بالكلية ، وأن أعرض عليه بعض مشكلات الفتيات ، دون ذكر أسماء بالطبع ، ملتمسة منه رأيا في حلها ، وكان يشير كثيرا بآراء اجتماعية قاسية لكنها ناجحة .. كأنها جراحة يجريها طبيب من أجل الشفاء التام ..

كنت أتمنى أن يوافق الأهل على إتمام عقد الزواج قبل امتحانات آخر العام ، حتى تكون فرصة لنذاكر معا ، لكنهم رفضوا رفضا قاطعا ..

وظل أمر عقد الزواج معلقا ، ترجئه الظروف والأعذار المختلفة .. حتى وجدت من عماد صلابة غير عادية في المطالبة بتحديد واضح لموعد العقد .. لقد كان حازما جدا هذه المرة في طلبه ، وحاول أبي وأمي التسويف والمماطلة ، لكنه كان عنيدا جدا هذه المرة ، وأعلن تصميمه وإصراره على تحديد موعد عقد الزواج بعد انتهاء الامتحانات بأسبوعين ..
حتى احتدم النقاش لأول مرة بين أبي وبين عماد .. ووجدت نفسي تلقائيا ودون وعي مني أنحاز علنا إلى صف عماد ، وأقول لأبي :
التعجيل بموعد العقد أفضل يا بابا ..

ونظر لي كل من أبي وأمي نظرات قاسية متوعدة ، لكنني كنت قد أعلنت رأيي .. واحتراما لمشاعرهما نهضت من مكاني .. لم أترك عماد في المعركة وحده .. كنت أشعر أنني من خلال كلمتي التي أعلنتها أمام الجميع قد ربحنا معا أكثر من نصف الجولة ..
وبالفعل بمجرد انصرافي ، أخذوا يناقشون معا التفاصيل .. بعدما أصبح رأينا أنا وعماد نهائيا !!!
أخيرا وبعد طول لهفة وانتظار ، سيكتب لحبنا أن يكون شرعيا كاملا ، سيكتب لنا أن نتبادل كلمات الحب دون شعور بإثم ، ودون خوف من رقيب ..

كنت أدرب نفسي على أول جملة سألقيها في أذن عماد بعد العقد مباشرة ..

اطمأن قلب عماد فلم يعرضني لحرج بالغ بأسئلته الصعبة ، ولم يلح علي بكلمات خفيضة الصوت أفهمها ولا أسمعها .. لم تتغير رقته ، لكنه على ما يبدو عزم على الصبر إلا من بعض تلميحات ، كنت لا أفهم المقصود منها على وجه كامل ، لكني كنت أدرك أن وراءها معنى من معاني الغزل ..

ذات مرة سألني سؤالا فقهيا غريبا ، قال:
لماذا من سنن الصيام ، تعجيل الفطر ، فيكون بعد آذان المغرب مباشرة ، وتأخير السحور إلى ما قبل الفجر ؟

تحيرت قليلا ، ولم أدر جوابا مناسبا تماما ، كما لم أفهم مناسبة لتوقيت طرح السؤال .. وبعد لحظة صمت .. أجاب هو :
لأن الله سبحانه يدربنا على التزام أوامره ، وليس هذا مرتبطا بقدرة الإنسان على الاحتمال والصبر ، فنحن مثلا نستطيع تحمل الصيام إلى بعد صلاة العشاء ، ولكن عندما يأمرنا الله بالفطر ، فعلينا أن نمتثل ..
نظرت إليه موافقة ، فهي على ما تبدو وجهة نظر صحيحة .، ولكنني مازلت في حيرة من توقيت طرح هذا الموضوع ..
ولاحظ هو حيرتي ، إن لم يكن قد تعمد إثارتها ، فأردف يقول :

وعلى هذا يجب أن يكون منهج حياة المسلم ، فنحن نلتزم بالضوابط .. عندما يحل الله تعالى أمرا أو أمورا بعد طول تحريم ومنع ، فكما التزمنا بالمنع وصبرنا ، فعلينا أن نلتزم بلحظة التحليل ونفطر على ما أحله الله لنا ..
خشيت من الفكرة ، شعرت أنه يمهد لعمل ما ..
لكنه لم يصرح ، وأنا لم أجرؤ على الاستزادة .. وتركنا الأمر معلقا ..

وظلت الأمور تجري على هذا المنوال ، حتى فاجأني ليلة عقد الزواج ، وكان قد حضر للاتفاق معي على بعض التجهيزات الخاصة بالاحتفال بالمناسبة .. وفوجئت بأن عصام يدعوني لمقابلته ثم ينصرف متذرعا بقضاء شأن ، ولم يكن ذلك من عادته أبدا ، كنت قد دخلت إلى الغرفة في اللحظة التي خرج عصام منها ، ودون قصد مني كنت قد أغلقت الباب خلفي .. وانتظر عماد لحظة حتى جلست في مكاني على مقعدي المخصص ، ثم نهض واتجه إلى باب الغرفة ففتحه قليلا .. وحمدت صنيعه في نفسي .. فإنه حتى قبيل العقد بليلة واحدة يصر على أن تكون علاقاتنا منضبطة ..

ثم عاد وجلس أمامي ، وقال بصوت خفيض ، لقد استأذنت من عصام لمدة خمسة دقائق للاتفاق على أمور خاصة بترتيبات الحفل ، ثم طلب مني مباشرة ألا أضع أي ( مكياج ) على وجهي غدا ، قائلا في حياء .. إنه يريد أن يتذوق الفاكهة كما هي ، دون تدخل صناعي .. ، ثم قال لي كلمة انتفض لها جسدي كله ، وقفز قلبي من مكانه .. لقد ذكرني أنه غدا سيتذوق .... سيتذوق ... ... سيتذوق .....

لا لن أستطيع أن أذكر أكثر من ذلك .. لقد ارتجفت تماما ، وقد أذهلني ما قال .. وظللت بعض لحظات حتى استطعت السيطرة على نفسي .. كنت خلالها مركزة نظراتي على الباب المفتوح قليلا ، وكأنني أحمد الله أن الباب مازال مفتوحا .. وبعد برهة صمت هائلة .. قلت له :
إذن فسوف أطلب من بابا تأجيل العقد ..
فصاح دون أن يملك نفسه قائلا :
إلا هذا الطلب ، فلم أعد أحتمل أو أطيق ، ولو فعلت ذلك لكنت تحكمين علي بالموت ..

وأدركت أنه لم يحضر من أجل الاتفاق على أي شيء ، سوى على هذا الطلب المذهل .. لكن كل تجهيزات العرس كانت قد أعدت سلفا ، كانت ترتيبات العقد أن يتم في مسجد الحي ، وكان قد طبع بطاقة الدعوى التي كانت في غاية الرقة والأناقة ، وكان يتصدرها الحديث الشريف : أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف .. رواه أبو داود

وقد اتفق مع الفرقة التي ستحيي الحفل بالأناشيد الجميلة بعد الخروج من المسجد .. كان عماد يريد أن يحي تراثا دعويا قديما أوشك على الانقراض ..

ورغم كل حبي لعماد وولهي به .. إلا أنني كنت ناقمة عليه .. ناقمة عليه حقا ، لأنه لم يرحمني حتى في ليلة العقد ، ولكنه أوقد مشعلا من نار في قلبي ، كما أحرجني إحراجا كاد يعصف بي ، لولا رحمة الله ..

ماذا يريد هذا الرجل ، وإلى أين يذهب بي ؟

لقد ظلت تحذيرات الأسرة والأهل ، تتوالى علي منذ تحديد موعد العقد إلى ليلتنا هذه ، وكأنني سينعقد زواجي على الثعلب المكار ، وليس على بشر مهذب كل التهذيب ، رقيق كل الرقة ، استطاع رغم عاطفته المشبوبة أن يتحمل عشرة أشهر وأسبوع دون أن يرتكب حماقة كبرى ، إلا اللمم بطبيعة الحال !!!

semeramis
08-05-2010, 10:58 PM
10 - 1 - ليلة العقد


ليلة العقد كانت حلمي الدائم ، وأملي الحبيب ، منذ سنوات طويلة ، كانت تتداعي لي صورها متداخلة في سعادة وحبور غامض ، لم أكن أدرك أو أعرف ما يجب أن يكون فيها ، إنما كانت خيالات بعيدة باهتة ، كل ما أعرفه عنها أنها سعيدة بشكل أكبر حتى من قدرتنا على استيعاب السعادة ..
في فترة الخطبة ، أصبح تفكيري في ليلة العقد وحلمي به يأخذ أشكالا أكثر تحديدا ، لكنها كانت أشكالا تتراقص في مخيلتي كأنها أكبر من الواقع ، وأقرب إلى الخيال ، كنت أشعر أنني في هذه الليلة سأحصل على ..
سأحصل على أشياء تفوق الوصف ..
سيكون لي حبيب ، كيف سيكون وضع هذا الحبيب ؟
كيف ستكون علاقته معي ؟
كيف سيعبر كل منا عن مشاعره تجاه الآخر ؟
تخيلت في البداية أنني سأحصل على شقيق وصديق مثل عصام .. كانت هذه هي الصورة المبدئية ، شقيق وصديق أثق به وأعتمد عليه ، أتكلم معه ، أتكلم معه في كل شيء وعن كل شيء دون قيد أو تحفظ ، أمتزج به .. أصارحه بما في نفسي ، وآه مما في نفسي هذه ..
إن نفسي تشبه البئر العميقة الغائرة شديدة الظلمة ، ولكنها مليئة بالكنوز والأسرار معا ، وإني أريد أن أخرج كل ما يختلج داخلها ، وكل ما تموج به ، أريد أن أعرض عليه كنوزها ليستثمرها لي ، ونسعد بها سويا ، وأريد أن أخرج له أسرارها المظلمة ليقضي على هواجسها وكوابيسها ، حتى لا تبقى النفس الغائرة البعيدة تخيف تظلم ، وإنما تسعد وتنير فقط ..
كنت أعرف أن عماد في أشد الشوق واللهفة إلى أشياء بعينها ، وكنت أشد منه لهفة وشوقا إلى أشياء أنا الأخرى ..
كنت أدرك لهفته على أن يسمع اسمه منغما من بين شفتي ، وكنت أنا أكثر شوقا إلى أن أنطق بهذا الاسم ( عماد ) ، أنطق به طويلا عاليا ، أسكبه في مسمعه رقة وحنانا ، كما تسكب النحلة من عسلها في زهرة جميلة ..

كنت أريد أن أجهر باسمه بعدما تغنيت به طويلا وكثيرا هامسة به دون أن يسمعني أحد ..
وكنت أشد لهفة إلى أن أعبر له أو أقول له ، بل كنت أشد لهفة ، إلى أن أسمع نفسي أنطق بكلمة ( الحب ) ذات الوقع الجميل والأثر الرائع ، التي حرمت من التفوه بها بين أسرتي على مدار عشر سنوات ، كنت متشوقة في شغف إلى أن أقول له كلمة :
أحبك ..

كنت أشعر أن في داخلي مرجلا يغلي بالعاطفة والأشواق ، ولم أعد أطيق الاحتمال ، وكنت في أشد اللهفة على أن ألقي ما في براكين قلبي المضطرمة بالحب الكبير .. وكنت أريد مع ذلك شيئا ثالثا ، هو أن ألمس كفه بكفي ..
ثلاثة أشياء تمنيتها ، وشعرت أن الحصول عليها هو بمثابة الحصول على منتهى السعادة الإنسانية في الأرض .. لو ملكت هذه الأشياء الثلاثة ، فإنني أملك بذلك كل شيء يمكن أن يملكه إنسان على وجه الأرض ..
كنت أدرك أنني لو حققت أمنياتي الثلاث هذه ، فإن الزمن نفسه سيتوقف ، ليخلد اللحظة .. ليقدسها ..
حلمت بهذه اللحظة ليال طويلة ، وفكرت فيها أياما كثيرة ، وانتظرتها في ترقب بالغ شديد ..


10 - 2 - تابع ليلة العقد

وكنت أدرك أن للعاقد على زوجته بعض حقوق ، كنت أسمع عنها من أخوات دخلن هذه المرحلة ، لكني كما ذكرت من قبل كنت أتصور كل هذه الأشياء بشكل مبهم متداخل ، فلم يكن يعنيني من الأمر كله سوى الأشياء الثلاثة التي بها أشعر أنني حزت الدنيا بحذافيرها ..
لقد كانت لحظة فريدة خالدة أظن أنها كانت أجمل لحظة في حياتي الماضية ، وكذا في حياتي القادمة ، ولئن عببت من ألوان السعادة بعدها عبا ، إلا أن هذه اللحظة تبقى فريدة وحدها ، لأنها كانت المفتاح والمدخل ، ولولاها ، لما شعرت بسعادة قط ..
لقد تحققت أمنياتي الثلاث دفعة واحدة في لحظة ، لم أعد أشعر فيها بشيء يدور حولي ، وكأنني غصت في أعماق نفسي ، وبدأت أتعمق فيها إلى قرار مكين ، وأخرجت منها أضواء وأنوارا وكنوزا مذهلة ، وألقيت عنها أسرار وظلمات ، فطرحتها بعيدا عني ، وكنت أتحرك داخل ذاتي ، كنت أغلف نفسي بسعادة لم أعد أشعر معها بما يمكن أن يكون في العالم الخارجي ..
تحققت هذه اللحظة فور هبوطنا من السيارة التي أقلتنا إلى الإسكندرية ، فوضعت ذراعي على ذراعه أعلقها بها ، ولقد كان كل ما بي متعلقا به ، ولمسته أخيرا ، لأدرك فقط أنه حقيقة .. حقيقة واقعة ، وليس حلما أو خيالا أو طيف إنسان ، ها هو ذراعه تمس ذراعي ، فهو إنسان حقيقي بلحم وشحم ..
وقلت له :
( عماد )
يا لها من حروف رائعة بديعة ..
انتظرها طويلا
وانتظرتها أطول
قلت له بوضوح وبصوت مسموع ، لا أثر فيه لهمس ، وإن كانت خلايا جسدي كلها تهمس به ، ودقات قلبي كانت تهتف به في نفس اللحظة ، تساعدني على أن أجهر بالكلمة الجميلة .. ثم .. ثم ألقيت ما في نفسي من حمم الحب الملتهبة ، مرة واحدة لتستقر النفس ، وتلفظ ما يموج بها ويضطرم من مشاعر حارقة ملتهبة ..

- عماد .. إني أحبك .. جدا .. جدا .. جدا ..

هكذا تحققت كل أمنياتي في لحظة واحدة بعد غروب يوم خميس ..
ولو قدر للكون كله أن يتلاشى وأن يتوقف ، وللقدر أن يوقف حياتي عند هذه اللحظة ، فما كنت سأصبح أكثر سعادة من ذلك ، فلم أكن أنتظر بعدها أي سعادة أو متعة أو لذة أخرى .. تحققت كل أمنياتي في الحياة ، ولم أكن أنتظر حتى مقابل من عماد ولا رد فعل منه .. كانت كل أمنيات الحياة عندي مرتكزة على تلك اللحظة ..
ولو أن شاعرا أراد أن يختصر كل دواوين الشعر التي قيلت في العشق والهوى ، والحب والجوى ، ولو أن كل قصص الحب ورواياته وأفلامه ومسلسلاته ، أراد لها واصف أن يلخصها في سطر ، وأن يختزلها في جملة .
ولو أن كل كلمات الغزل والعشق والهيام المعسولة الرائعة في الوجود ، كان يمكن إجمالها في جملة واحدة ..
لم يكن ذلك يخرج أبدا عن سطر بدأت به حياتي ، ووصلت معه إلى القمة ..

عماد .. إني أحبك .. جدا .. جدا .. جدا

فهل سمعتم بيتا من شعر أجمل من ذلك ؟ وهل عرف الناس أغنية يمكن أن تكون أروع من ذلك ؟ وهل قرأ الوجود قصة حب أسمى من هذه ؟..

عماد إني أحبك .. جدا ..جدا .. جدا ..

نطقت بها أخيرا .. لا لأسعده فقط ، فما عدت أفكر في أن سعادته جزء منفصل عن سعادتي وإنما سعادتنا معا هي سعادة واحدة ..
لقد اكتملت سعادتنا معا ..
أما هو .. أقصد أنا ..
أقصد ..
لا أدري ..
فلم أكن في هذه اللحظة أميز بين هو وأنا ، أو أشعر أننا شخصان .. بل امتزجت معه تماما فصرنا روحا في جسدين ، ونبضا واحدا يصدر من قلبين يرددان لحن الوجود الخالد ..
أحبك .. أحبك .. أحبك ..

أقصد أنه لو جاز لي أن أعبر عنه بضمير الغائب ، أنه لم يجب ، لم يعرف كيف يجيب ، فلم يزد على أن ضغطت ذراعه ذراعي المتعلقة بها ، يشعرني أنني معه وهو معي .. فقط
ولم ينطق لعدة دقائق تالية .. ولم يستطع حتى أن ينظر إلي ..
ولقد صارحني بعد ذلك أنه كان في حالة من السعادة ، تمنى معها لو لم يكن في الطريق العام قط ، لأنه خشي إن هو نظر إلي ، أن يعتبرنا الناس مجانين فعلا لما يمكن أن يحدث بيننا..

قال لي :
- لم أجب ، لأنها كانت لحظة لم أعد أعتقد فيها أن قدمي تلامس الأرض ، بل كنت أطير هائما أحلق في سماء السعادة العليا ..

أما أنا فلم أكن ألامس الأرض بقدمي ك>لك .. كنت في حالة من السعادة لا تكون إلا بين اليقظة والمنام ، أو أن تكون في عالم علوي ليس على الأرض .. كنت أشعر أنني هائمة ، روحي ترفرف ترتشف من السعادة ، التي غابت فيها الجوارح عن الوجود .. كنت أشعر بعد هذه اللحظات أننا نعيش من الداخل ، أننا خلعنا عنا الجسم الخارجي الذي يمثل لنا أسوارا وحواجز ، وألقيناه عنا ، كما يلقى الناس ثيابهم ، لتلتقي أنفسنا الشفافة ، وتتعانق قلوبنا النابضة بالحب ..
لم يعد لحواسنا الخارجية وجود ..
كانت هذه حقيقة مشاعري ، وليست هذه محاولة مني لجعل اللحظة شاعرية أكثر مما كانت ..
فإني أتذكر دقات قلبي وقلبه أكثر من خطوات أقدامنا ، ومن كلماتنا ..
لم نعد نتكلم ، كان القلب هو الذي يتكلم ، والقلب هو الذي يسمع ..
ولقد مضينا على كورنيش بحر الإسكندرية ، لا نعي تماما حقائق الوجود ..
قال لي كلمات كثيرة ، وكنت أستقبلها بقلبي ، كما علقت على بعضها بقلبي أيضا ..

قال لي :
أنه قرأ أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تقول أن النساء مطمورات في الرجال ..

وقال :
أنا لا أعرف على وجه التحديد معنى كلمة مطمورات .. لكني أفهم ، أو أستشف من معناها ، أن النساء متعلقات بالرجال ولهات بهم ..

وقلت له : وأنا مطمورة بك يا حبيبي ..

وقال لي :
أنه قرأ أن السيدة عائشة قالت : لقد خلق الرجل من الأرض فجعلت نهمته في الأرض ، أي أموالها وثرواتها وسيادتها ، والنساء خلقن من الرجل فجعلت نهمتهن في الرجل ..
نظرت إليه ولهى ولم أعقب

وروى لي حلما أو رؤيا ..تهت معه فيها ، وكنا نقترب على الكورنيش من محطة الرمل تقريبا ..
.
.
10 - 3 - تابع ليلة العقد

وروى لي حلما أو رؤيا ..تهت معه فيها ، وكنا نقترب على الكورنيش من محطة الرمل تقريبا ..
كان يحلم .. أننا معا في الكلية ( الدبلومة ) ، وأنه كان ينظر إلي ، وأنا أختلس النظر إليه ، حتى لاحظ الطلاب والطالبات ذلك ، وبدت ابتسامات ، وانتشرت همهمات ، ولاحظت أنا ذلك فأشحت بوجهي عنه ، حتى لا أزيد من لفت الأنظار .. وأن قلبه كان يدق بعنف لأنه كان لا يحتمل فراق نظراتنا ولو للحظات قليلة .. وكان معه – في الحلم أو الرؤيا – مذكرات أو ملخصات ، وكان يريد أن يعطيها لي ..
ثم خلا المعمل فجأة ، وانصرف جميع الطلاب ، وكذا الأستاذ .. ربما كانت فترة استراحة أو انتقال إلى محاضرة أخرى في مدرج آخر ..
غير أني بقيت في مكاني ، فجاء إلي ، ومد يده لي بالمذكرات فتناولتها منه وأنا مطرقة إلى الأرض ، لكنه لم يملك نفسه – في الحلم أو الرؤيا – فقبلني ..

عندما وصل إلى نهاية روايته لرؤيته أو حلمه .. شعرت بتهدج صوته وتردده ، وكان كأنما يسأل نفسه أيذكر كل ما رءاه أم يتوقف عند حد معين ؟ وظل الصوت يرتعش ، حتى خشيت أن يسقط مني في البحر المظلم .. ولم أشأ أن أعقب ..

وانتابني في تلك اللحظة إحساس غريب جميل .. هو أجمل إحساس يمكن أن ينتاب امرأة في حياتها ، وأظنه إحساسا ينتاب كل فتاة في مثل هذه المناسبة ..
أحسست أنني أميرة ..
هو يعاملني كأميرة ..
كأميرة كانت حتى صباح هذا اليوم من عامة الشعب ، وفجأة عند العصر ، تم اختيارها لتكون ( السندريلا ) وتصبح الأميرة العظيمة الهائمة ..
فكنت في تلك اللحظة أشعر بشعور الأميرة ، لا كأميرة من تلك الأميرات اللاتي ولدن أميرات ، وعشن حياتهن كلها كأميرات ، وإنما كفتاة من العامة ، تم اختيارها للتو أميرة حقيقية متوجة !
لكنه كان يقف أمام الأميرة يطلب ودها ورضاها كما يقف واحد من الرعاع بباب الأميرة الفاتنة ، أو كأحد أفراد حرسها المطيعين المهذبين ..
ولقد أشعرني فعلا بأنني الأميرة السعيدة الفاتنة الآمرة للقلب ، المسيطرة على كل شيء ، لكنه لم يكن يدرك أبدا أنني في نفس هذه اللحظة كنت أشعر أنه هو الملك ..
فكنت أميرة نعم ، أما هو فكان مليكي الآمر الناهي .. المليك الذي تسترضيه الأميرة بكل كيانها ..
ولا يمكنني أن أتخيل أن لحظة جلوس أي ملك وأميرته على العرش لأول مرة في حياتهما ، ممكن أن تكون أسعد بالنسبة لهما ، من هذه اللحظة بالنسبة لي ، لقد توجني عماد أميرة حبه ، فتوجته ملكا على قلبي ورأسي وروحي وكياني كله ..
هذا الإحساس ظل يسكنني فترة طويلة ، حتى أنني أذكر أننا بعد عودتنا إلى منزلي ، وبعد أن صلينا العشاء مع شقيقي عصام ، ثم استأذنت لتبديل ملابسي ، وخرج عصام من الغرفة وقلبه يحترق من الغيرة ، ثم عدت إلى عماد بعد ذلك إنسانة أخرى ، عندما رآني لأول مرة بلا خمار .. نظر إلي مذهولا ، كانت عيناه تتفحصني يريد أن يتعرف علي .. فلم يكن قدر أن يراني بهذه الصورة .. وداعبت أنفه رائحة لطيفة ، فغازلني قائلا :
- عطرك جميل
قلت له :
- ليس عطرا ، وإنما هو زيت الشعر له رائحة حلوة قوية ..
سألني بحرص من يريد أن يحفظ عني كل أدواتي واستخداماتي : ما اسمه ؟
قلت له وقد ملأني الإحساس الذي انتابني على الكورنيش :

- سأقول لك ولكن بشرط ألا تعقب .. اسمه .. زيت الأميرة ..

ونظر إلي ولمحت التعقيب في عينيه أكثر مما سمعته من شفتيه .. وضحكنا معا ، وهو لا يملك إلا أن يسمعني التعقيب .. وهو يقول :

- حقا إنك لأميرة ..

كنت أشعر بالكلمة أكثر مما تعنيه حروفها ..
وظللت معه على الكورنيش هائمة حتى عرجنا إلى محطة الرمل ، ثم أحضر لنا ( أيس كريم ) من النوع الفاخر الذي كنا نحبه ، ولم أكن أشعر بأن طعم ( الآيس كريم ) الرائع الذي كنت أحبه جدا ، والذي كان مميزا وراقيا تماما من هذا المكان ، لم أشعر أن طعمه قد أنساني مذاق كلمتي الحلوة التي عطرت فمي منذ نطقت بها :

عماد .. أنا أحبك .. جدا .. جدا .. جدا

كان النطق بها أجمل من ( الآيس كريم ) وأحلى من ( الشكولاته ) التي كنت مغرمة بها إلى حد الهوس ..
لم أفق من غيبوبة الحب اللذيذة إلا على صوت ..
لا .. في الحقيقة لم يكن صوتا ..
بل كانت وكزة تنبيه خفيفة في الكتف ..
.
.
10 - 4 - تابع ليلة العقد

لم أفق من غيبوبة الحب اللذيذة إلا على صوت ..
لا .. في الحقيقة لم يكن صوتا ..
بل كانت وكزة تنبيه خفيفة في الكتف ..
ونظرت إلى جواري في انتباه مفاجئ .. كانت سيدة رقيقة تمشي مع زوجها بجوارنا ، ولقد حاولت لفت انتباهي للبقعة الكبيرة التي أحدثها سقوط قطعة محترمة من ( الآيس كريم ) على خماري ( السكري ) ..
إنني عندما أستعيد ذكريات هذه اللحظات ، لا أشك أن السيدة الرقيقة المحترمة نادت علي ، أو حاولت تنبيهي بالكلام قبل أن توكزني برقة في كتفي ، وأنني كنت في شغل شاغل عن سماع أي شيء حولي ، أو ربما أنها قدرت أنني لا يمكن أسمعها وأنا على هذه الحالة ، ففكرت أن تنبهني بتلك الطريقة الرقيقة ..
وعندما أفكر بتلك الطريقة تنتابني موجة من الحياء والخجل .. لقد أشهدنا خلق الله تعالى على حبنا في هذه الليلة ..
لكن لم لا ؟
لقد كانت ليلة التتويج على أية حال ..
ومضينا بعد ( الآيس كريم ) نتمشى من جديد ، ولم نعد نعرف الطرقات ولا الشوارع التي كنا نحفظها تقريبا ، فلم نعد ندري أين نسير ، ولكننا كنا نعرف أننا معا ..
وغنى لي في رقة وحب وهيام .. أغنية لابد أنها لامست شغاف قلبه ، كما أثر إحساسه بها في نفسي وقلبي ..
طول عمر قلبي خالي وبيهرب مالغرام
من كل رمش جارح من نظرة وابتسام
كانت العيون تقابله وتلمح بالكلام
كان يهرب حتى قبل ما يرد لهم سلام
لحد عنيك ما قابلوني نسيت روحي وتاه عقلي
وضحكنا طويلا ، وأنا أقول له معقبة :
- ولكني لا أريدك أن تنسى روحك .. ألست أنا روحك ؟
ولا يجب أن يتوه عقلك .. فعقلك هو الملك الذي يسير حياتنا ، فكيف تسمج له أن يتوه منك ؟

ثم حان وقت العودة ، وتحيرنا كثيرا .. من أي الطرق التي تداخلت علينا نعود ؟
وفي طريق عودتنا عرجنا على محطة الرمل ، فاشترى عماد ( فيشارا ) ومضينا أخيرا إلى المرافقين لنا شقيقي عصام ، وصديق عماد صاحب السيارة الذي دعانا بسيارته لهذه السهرة الممتعة ..
وفي السيارة في ظلام الليل الحالك في طريق عودتنا بعد منتصف الليل .. زال عني كل التحفظ الذي بدا علي في طريق الذهاب عصرا ، وزالت رهبتي تماما ..
كنت في طريق الذهاب أتحاشى نظرات عماد المتكررة إلي ، وكنت طوال ساعة أو أكثر قطعتها السيارة في الطريق .. أردد في نفسي جملة واحدة ، أريد أن أحفظها حفظا لا يدع لي مجالا للتلعثم أو التردد ، وكنت أعيش في حالة من توقع ظلالها ، ووقعها على نفس عماد .. كنت أعصر كفي بكفي الأخرى ، أو أدق على ركبتي في توتر ..
أما في طريق عودتنا فلم يعد مجال للتوتر ، ولم تعد حواجز .. كنت أنا وعماد مطمورين في بعضنا البعض ..
وكان يداعبني ( بشقاوته المحببة ) فيمد كفه في كفي ليأخذ منها ( الفيشار ) ، وتنبهت أنه يحب ( الفيشار ) فسكبت كمية من ( القرطاس الورقي المميز لفيشار محطة الرمل ) في كفه ، فعاد ووضعها في كفي ، وهو يهمس أنا لا أحب إلا أن آخذها حبة ، حبة من كفك .. فإن لها طعما آخر ..
وهمست له دون أي تكلف : ( يا شقي )
ثم لم أتمالك نفسي بعد هذا التعقيب ، ووجدت نفسي في جوف الظلام أختلس قبلة أطبعها على كتفه الأيمن حيث كنت جالسة عن يمينه ..
كانت لحظة أخرى من لحظات الإنعتاق من جاذبية الأرض وظلالها وقوانينها ..
كانت لحظة أخرى من لحظات التحليق فوق السحاب .. كنت هائمة تماما غير مدركة لجوارحي ..
وأظن أنه من الصعب أن يصدقني أحد حين أقول : أنني لم تدفعني الجوارح ، ولا أي إحساس بالرغبة عندما طبعت على كتفه هذه القبلة الخاطفة ، وإنما كانت تدفعني الروح ، ويستحثني القلب ، ولم يكن لها أي طعم خارجي ، بل كل طعمها كان في الداخل حيث النفس والروح والقلب ..
ولقد أشعرني حينها أنني كنزه الغالي الثمين ، ولست مجرد أميرة فقط ، لقد اقترب مني وهمس :
- ليس الآن يا حبيبتي .. نحن في السيارة على الطريق ، ولا أحب أن يطلع أحد على أسرار مشاعرنا ..

10 - 5 - تابع ليلة العقد

وحاولنا بعدها أن نلتزم الصمت والهدوء ، وحاول أن يتباعد عني ..
كانت لحظات شاقة طويلة وقاسية .. ولم يكن صديقنا صاحب السيارة يدرك ما نعانيه فكان يبطئ في سيره ليعطي لنا أكبر فرصة ممكنة للتعبير عن مشاعرنا مستغلين الظلام الدامس ..
ولم تكن بنا حاجة إلى هذا الظلام الدامس .. لقد ولد حبنا في النور ، ووصل ذروته في النور ..
وما أروع الحب وأجمله وأعظمه حين يولد في النور ، وينمو في النور ، ويصل ذروته في النور ..
نعم كان حبنا في النور ، ولا يجب أن يعجب أحد من ذلك ..
إن كل من رآنا معا كان يدرك أننا نحب ، كما لم يحب حبيب حبيبا في عالمنا من قبل ..
وكل من كان ينظر لأحدنا منفردا ، كان يوقن أنه يحب ..
وكل من كان يسمع كلماتنا المتراقصة على الشفاه تعزف للحياة لحن الحب .. كان يدرك إلى أي مدى نحن نحب ..
لقد كانت إلتماعة الحب تتألق في نظرات عيوننا .. ولقد كان نور الحب القدسي الطاهر يشع من وجهينا ..
إن كل من تعامل معنا سواء عن بعد أو قرب ، وسواء كنا معا ، أو لم نكن ، كان يدرك ببساطة ووضوح : أن كل منا يحب ..
إنه حب قوي جريء لا أثر فيه لخوف أو اضطراب ، بل هو حب مشرف يزين صاحبه ، ولا يخدش كرامته أو يسيء إليه .. أنه حب يتألق تحت سمع المجتمع كله وبصره ، في أبهة وعظمة وكبرياء ، كما تتألق الجوهرة الثمينة الرائعة بين حبات عقد ثمين ..
إن الجواهر المسروقة تظل مدفونة في الظلام محرومة من التألق والتوهج متناغمة مع مصادر النور ، أما الجواهر المملوكة لأصحابها بطرق شرعية لا غبار عليها ، فإنها تتألق دائما تحت الأضواء الباهرة ، يباهي بها صاحبها في إنفة وكبرياء ، وثقة واطمئنان ..
ولقد كان حبنا أنا وعماد جوهرة فريدة رائعة ، حصلنا عليها بطريق لا غبار عليها ، ولا شك فيها ، فكان يتوهج متلألأً كلما سقط عليه النور الباهر ..
لقد كانت هذه الليلة .. ليلة العقد .. هي أعظم ليلة في حياتي ..
كانت حدا فاصلا بين ما قد كان ، وبين ما هو آت ..
في ليلة واحدة نضجت إنسانيتي كلها لأصبح إنسانا كاملا ، بعدما عشت طويلا نصف إنسان ..
لقد فتحت في هذه الليلة باب حياة كاملة من الحب والسعادة والسكينة والرحمة ..
حياة تموج بالأحداث ، وتعج بالمواقف ، لكنها ، تتراءى أمام ناظري كأطياف عرائس خيالية ..
كأرواح تتراقص في الفضاء .. تحيا في حبور ، وتعيش في جمال أخاذ كأنه الخيال أو أبعد من الخيال ..
حياة جميلة حالمة أعيشها ، وأدركها ، وأعرفها ، ولكنني لا أملك القدرة على التعبير عنها أو وصفها .. حين تعجز كلماتي ، وتفشل مترادفات اللغة عن التعبير ..
ولذا أترك لعماد أن يعبر عن بعض ذكرياتنا عنها ..
وقد لمحته يكتب عنها فيستفيض ، وإن لم يكن قد سمح لي بقراءة ما كتبه بعد .. لكنني سوف آخذه منه حتما لأقرأ سطور سعادتنا في مذكراته ..

الحلقات القادمه : 11 – ذكريات العقد
ان شاء الله

Princess Amira
08-05-2010, 11:05 PM
أول مرة آخد بالي من الرواية دي،، ان شاء الله هقرأها وأعلق عليها لاحقا

semeramis
09-05-2010, 08:29 PM
منوره يامرمر بإنتظارك وأكيد هتعجبك ياقمر

semeramis
09-05-2010, 08:36 PM
11 –1- ذكريات العقد

1 – ذكريات العقد

استيقظت صبيحة يوم العقد ، وكان يوم الخميس الأول من شهر يوليو ، 7 /7 فهو تاريخ لا ينسى ، استيقظت بعد الفجر بقليل على رنين متواصل لجرس الباب .. ولم أكن استطعت النوم إلا منذ ساعتين فقط على الأكثر ، ومع أول دقة لجرس الباب ، كنت أول من استيقظ من أهل البيت !
ونظرت حولي وقدرت الوقت الذي استيقظت فيه ، وعرفت على وجه اليقين - لا التخمين - السبب الذي من أجله دق جرس الباب بهذا الإلحاح في هذا الوقت المبكر جدا من الصباح ..
كنت أول الواصلين إلى باب الشقة ، تبعني أبي الذي استيقظ فزعا على صوت رنين الجرس المتواصل ..
كان القادم أحد أصهار والدي ، جاء يخبرنا بوفاة قريب لنا على درجة وثيقة من القرابة ، استرجعنا :
إنا لله وإنا إليه راجعون ..

انهار أبي على أول مقعد بجوار باب الشقة ، حتى بدأ يستجمع وعيه ، وكانت أمي قد لحقت بنا في الصالة ، ونزل عليها الخبر نزول الصاعقة ، فهي أم العريس ، التي طالما اشتاقت إلى فرحة حقيقية في حياتها ، وها هي علامات الفرح تنزاح من أمام عينيها ، وأنوار الفرح قد أطفأت في قلبها الحاني ، وأسدلت ستائر سوداء قاتمة سميكة على مسرح البهجة والأمل ..

لا أريد أن أسترسل في هذه الذكرى كثيرا ، لأن الميت كان عزيزا على قلوبنا جميعا ، وقرابته اللصيقة ، ومسؤولية أبي باعتباره كبير العائلة ، لم تجعل أمامنا كثير من الاختيارات ، وكان الاختيار الوحيد الممكن هو أن نتحمل مسؤوليتنا كاملة ، فكنت مع أبي أول من مررنا على أسر العائلة ، أسرة ، أسرة ، نبلغهم بالخبر ، وتولينا مسؤولية العزاء على المقابر حتى كنت آخر النازلين منها عقب الدفن ، وبين الوقتين كنت قد اتخذت مع أصهاري إجراءات إلغاء مراسم الفرح ..

استدعيت عصام هاتفيا على عجل ، لكنه لم يتمكن من الحضور إلي ، فكان هاني هو الذي وافاني في البيت وعلى وجهه أشد علامات القلق والرهبة ، لقد ترك عمال الإضاءة يعملون في تزيين واجهة بيتهم بأنوار الفرح .. وكذا عمال الفراشة ..
أخبرته بما حدث باختصار ، وبقرارنا الذي لم يكن لنا بد من اتخاذه تقديرا لظروف العائلة ووضع أبي بالنسبة لها ..
وكان هاني في الحقيقة رجلا يقدر المواقف ، وتطوع هو بتعديل كافة الأوضاع مع أسرته ..
حيث لم يعد هناك عرس ولا احتفال ، وإنما يعقد العقد في صمت شامل ..
على أن تحضر أسرتي العقد ، ثم تنصرف بالكامل .. فيما عدا أنا بالطبع فأبقى مع عروسي وأسرتها .. تنصرف الأسرة لا لتقدم واجب العزاء ، ولكن لتتلقى العزاء في فقيد العائلة .. رحمه الله !!!

وأنا في هذه اللحظة أحمد الله أن جعلني ، كما جعل منال ، من الذين يموتون وحاجة الفرد منهم في صدره لم تتحقق ، وهكذا أمي ، وهكذا أبي .. وأنعم بها من صفة ، إنها وصفٌ وصفَ به النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار رضي الله عنهم .. ونحن نرضى أن نشاركهم هذه الصفة العظيمة المباركة ..


ووصلنا إلى الإسكندرية ، وقد ترك صديقنا (علي حمدي ) السيارة في أحد الشوارع الجانبية بالقرب من النادي الشاطئي الذي دعانا لتناول المشروبات فيه ..
أخبرنا ( علي ) بدعوته وأشار لنا إلى مدخل النادي ، ثم هبط من السيارة هو وعصام ، وسبقانا إلى النادي ..
بينما هبطت أنا من السيارة ، واتجهت لأفتح للعروس الباب ، وهبطت هي الأخرى وقد مددت لها ذراعي لتعلق ذراعها بها ، وتلامسنا .. وهممت أن أمشي فجذبتني برقة ، وهمست في أذني :
- عماد .. أحبك جدا .. جدا .. جدا

ولم تكن كلمات .. لكنه كان لحنا .. اللحن الخالد ..
ولن أقول انتهى اللحن ، ولكن أقول منذ لحظتها ، وبدأ لحن الحب يعزف ..
اللحن الذي كنا نعده سويا منذ شهور كلحن صامت ، بدأ الآن يعزف بصوت مسموع على آلة واحدة لا يعرفها كثير من الناس كآلة من آلات الموسيقى ، هي القلب ..
تقدمنا في الشارع إلى النادي ، ولم أكن أمشي ، ولكني كنت أطير .. لم أستطع السيطرة على نفسي ، كنت هائما لدرجة أننا عندما التحقنا بالموجة البشرية في انتظار عبور الطريق في شارع جمال عبد الناصر إلى جهة الكورنيش .. نظرت إلينا امرأة مسنة في دهشة بالغة ..
فتاة ترتدي الخمار في ذراع شاب .. لكنهما هائمين تماما !

11 – 2 - تابع ذكريات العقد


في النادي جلسنا ، وتناولنا بعض المشروبات ، ثم بحثنا عن مسجده الصغير لأداء الصلاة .. وبعدها مضينا إلى محطة الرمل ، وتمشينا على الكورنيش ونحن ننظر إلى زبد البحر ..
تحدثنا ، وكان حقيقا علي أن أقول لها .. كما قالت لي ..
ولقد كنت أعرف هذه المناطق جيدا ، جيدا جدا ، محطة الرمل وشارع صفية زغلول ، والانطلاق منه إلى محطة مصر و ( محمد أحمد لشطائر الفول والفلافل ) ..
كنت أعرف هذه الأماكن بحكم دراستي أحيانا في الإسكندرية ، وبحكم أنني جبتها يمينا ويسارا مئات المرات ..
ولقد كانت هي تعرفها أيضا بحكم دراساتها الجامعية الدائمة في الإسكندرية ، ومع ذلك فقد تهنا في الطريق ..
لقد ضللنا الطرق ، أو ضلت منا الطرق ..
ورغم أن هذه الشوارع كلها موازية للكورنيش ، فإننا أخذنا وقتا طويلا للخروج من التيه ، والعودة إلى مكان سيارتنا ..
وصدقت في دندنتي لها بصوتي الأجش الخشن :

لحد عنيك ما قابلوني
نسيت روحي وتاه عقلي ..

ودعنا محطة الرمل بعد أن اشتريت ( فيشارا ) .. وفي محطة الرمل شيئان لا يمكن أن أذهب إليها دون أن أشتريهما :
( الآيس كريم ) ، و( الفيشار ) ..
أما ( الآيس كريم ) فكان في بداية نزولنا إليها ، حينما بدأنا نتوه عن العالم من حولنا ، ونذهل عن أنفسنا ..
وكما نظرت تلك المرأة المسنة إلي بعين الريبة ونحن بصدد عبور طريق جمال عبد الناصر ، فإن امرأة لطيفة حيية اقتربت من منال ، ونحن نلعق ( الآيس كريم ) ونبهتها إلى تلك البقعة الكبيرة التي أحدثتها على خمارها الفضفاض .. فاستحت منال ، وهي تطرق بعينيها إلى الأرض ..

وأما ( الفيشار ) فأخذناه معنا في السيارة .. كان ظلام الليل على الطريق فاتنا ، وكنت أضع حبات ( الفيشار ) في كفها ثم أتناولها من بين كفيها حبة .. حبة ..

ثم احترمت أن معنا رقباء في السيارة ، وأمامنا بقية السهرة في الغرفة التي على الطريق .. تسمع الأشواق ، وتنتظر ..
الغرفة التي عاصرت صمتنا وصبرنا وصومنا .. ومن حقها أن تشهد الليلة بعض فرحنا ..
ثم .. لفنا الصمت !!
حاول صديقي بدهاء أن يطيل بنا الطريق ، أو يطيل بنا الزمن على الطريق .. فاتخذ الجانب الأيمن ، وتبع سيارة نقل كبيرة ، متذرعا بأن ضوء السيارات في الجهة المقابلة يؤذيه في عينيه .. لكن هذه الحيلة لم تخرجنا عن صمتنا .. لقد كان تقديسنا للخصوصية يلزمنا بالصبر مهما طال الطريق والزمن ..

وفي غرفة الصالون .. الغرفة التي شهدت لقاءنا الأول بدأنا حياتنا معا بصلاة العشاء ، وكان معنا عصام ، ثم ودعنا ودخل حجرته لينام .. أو هكذا قال ..
وانصرفت خلفه منال .. ثم عادت بعد دقائق .. عادت فتاة جديدة ، لم أكن قد رأيتها من قبل .. عادت زوجة بعدما كانت خطيبة ..

ورفرف الحب بأجنحته النورانية على جو الغرفة ..
وأشرقت شمس الرحمة .. وغشيتنا السكينة .. وتنزلت علائم المودة ..
ولم ننسَ .. أبدا لم ننسَ ، أن اللذين يجمع بينهما الله في علاه ، لا يمكن أن يخونا الأمانة ..
نعرف أن في عقد الزواج فسحة ومباحات عظيمة واسعة ، لكن التمتع بها لا يعني التجاوز إلى ما وراء ذلك ، مما لا يتوقعه العرف الاجتماعي ولا يستصيغه إلا بعد الزفاف ..
كان اتفاقنا إذن على ذلك اتفاقا مقدسا ، وإن لم يكن مكتوبا أو مسموعا .. لقد اتفقنا عليه منذ أول لحظة بدقات قلوبنا وخلجات نفوسنا ، وومضات عيوننا ..


11 - 3 - تابع ذكريات العقد


ظللت أنظر إلى منال فترة من الزمن أملأ عيني من تقاطيع وجهها ، وأحاول أن أقيس هيئتها .. كانت العباءة والخمار الفضفاضان المهفهفان اللذان رأيتها بهما مرات عديدة بعدد لقاءاتنا السابقة كلها ، قد حجبا عني كثيرا .. حتى بدت لي كأنني لم أعرفها من قبل .. كانت أميرة حقيقية ..
وعرفت يا صديقي عرفت يقينا ، بل قل رأيت عين اليقين ، فلقد كنت عرفت في يقين من قبل ، ولكني الآن انتقل من المعرفة إلى المعاينة ، رأيت عين اليقين ، أن من يتوكل على الله فهو حسبه ..
وتساءلت أين هذه الأميرة الجالسة أمامي في جمال وفتنة ، من تلك الصورة التي استطعت أن اختلس منها نسخة من عصام ، وبنيت عليها تخيلي عن خطيبة الغد وزوجة المستقبل ؟
وأين آراء الأهل التي كانت لا تراها جميلة بالدرجة المطلوبة ؟!
لقد توكلت على الله ، وها أنا أرى اليوم أنه تعالى حسبي .. وها هي أميرة حبي بجواري ، كما لم أحلم بفتاة من قبل ..
إنها الروح .. الروح مرة أخرى .. تلك الروح الفاتنة الرائعة التي تجذب القلب والعقل والروح بجاذبية ساحرة آثرة ..
لا أدري هل كانت تشعر بما يجول في خاطري أم لا ؟
وأغلب الظن أنه لم يكن يمكنها ذلك ، فهي بعد العقد لم يظهر لها شيئ جديد من شخصيتي ( من حيث مظهري على الأقل ) .. أما أنا فكنت أستكشف المعالم الجديدة لكنزي العظيم ..
وصدّقت رسول الله صلى الله عليه وسلم .. صدّقته في حديثه وهو الصادق المصدوق :
ما رزق عبد من نعمة في الدنيا بعد تقوى الله خير من المرأة الصالحة ..

ولا تظنني يا صديقي أبالغ ، أو أصبغ ذكرياتي بصبغة إيمانية ، لم يكن موعدها وزمانها في تلك اللحظة التي ينتظرها العشاق ..
ما أحدثك به الآن كان هو الحقيقة تماما ، لقد توكلت على الله ، فأعطاني فوق ما أريد وأتمنى وأتخيل ، وصدّقت نبي الله ، فصدقني الله تعالى وعده .. وعلمت أنني أملك الآن خير كنوز الدنيا جميعا ( امرأة صالحة ) .. نظرت إليها فبهرتني .. وأعلم يقينا أني لو أمرتها لأطاعتني ، ولو غبت عنها لحفظتني ..
وماذا يريد الإنسان من الدنيا أكثر من ذلك وأعظم !!

وبعد فترة وجيزة من تبادل المشاعر الرقيقة ، وجدت اللحظة قد حانت أخيرا لفعل ما .. هذا الفعل الذي لم تخلُ منه رواية رومانسية ، ولا فيلم سينمائي عربي كان أو أجنبي ، وربما لا يخلو منه إعلان من إعلانات دور العرض السينمائي ، تلك التي تسمى ( أفيشات الفيلم ) ، هذا الفعل الذي سيطر على حياتي عمرا من الزمن ، لكنني قد صبرني الله .. حتى أقبل موعد الفطر بعد طول صيام .. وأقدمت على الفعل ، لكنه جاء قويا بقوة الشحنة العاطفية ، عميقا بعمق أثره الدفين في النفس .. عنيفا بحكم عدم التجربة وانعدام الخبرة ..

وكان رد الفعل عليها قاسيا حقا .. لقد سقطت منال على المقعد متهالكة ، يكاد لا يكون في جسدها نبض .. وشعرت بحالها ، وأبصرت الشحوب الحاد على وجهها ، وأخذت أتلطف بها حتى بدأت تستفيق بعد دقائق .. وأخيرا لمحت الدموع تترقرق في عينيها ..
أشفقت عليها بكل ما في الكلمة من معنى ، وحاولت إخراجها من حالتها بأي وسيلة ، ولقد نجحت ، ولم أغادرها حتى عادت البسمة تتألق على وجهها ، ونور الشمس يسطع على جبينها .. لكنني كنت حانقا .. رغم أن قلبي كان عندها .. لكنني أيضا كنت حانقا ، وإن لم أبدِ لها إلا الرقة والتفهم ..



11 - 4 - تابع ذكريات العقد

انصرفت إلى بيتنا ، ولكني تقريبا لم أنم ..
كل ما مر في يومنا السابق ظل يتفاعل في مخيلتي ، إلى قرب وقت صلاة الجمعة ، ولقد كنت أنا المكلف بخطبة الجمعة لهذا الأسبوع ، وهي كما ترى نقلات سريعة .. إنها الطبيعة البشرية معقدة التركيب !!

وعقب صلاة العصر ، كان واجبا علي أن أزور منزل زوجتي لأقدم هدية الزواج .. لم أكن أعول كثيرا على لقائها .. لقد كانت الجرعة الشاعرية المكثفة التي حصلت عليها مساء أمس مشبعة تماما ، ولم أكن أتخيل أن يسمح لي أخوتها بالانفراد بها في اليوم التالي مباشرة ..
لكن القدر كان رحيما بقلوبنا التي لم تعد تحتمل الظمأ بعدما ذاقت حلاوة وعذوبة الري .. لقد استقبلتني منال ، وكان استقبالها حافلا تشرق على وجهها ابتسامة رائعة ، ولم نجلس إلا قليلا ، حتى فوجئنا بحضور عدد من الزائرات ، جئن للتهنئة بالزواج للأم وابنتها ..
جذبتني منال للصعود إلى سطح المنزل .. حيث كانت الشقة من الداخل غير مهيأة للاستقبال بعد مناسبة الأمس ..
كانت تصعد بي الدرج وهي في غاية السعادة .. كانت كأنها تطير ، وكأن قدميها لا يلمسان الدرج ..
أهم ما كنت أشعر به وقتها أن منال قد أخذت المبادرة .. كانت هي التي تبادر إلى التعبير عن المشاعر الفياضة ، كنت أشعر أنها تحتفل بي ، أنها تكافئني على صبري خلال فترة الخطبة ..
لقد برزت شخصيتها تماما ، هذه الشخصية اللذيذة الشاعرية الرقيقة ، المنطلقة أيضا حين يسمح لها الانطلاق في حدود الضوابط !

وفي أحد أركان السطح سمعت منها ما لم يخطر لي على بال ..
لقد قالت لي وهي مطرقة إلى الأرض ، وإن كانت ابتسامتها لا تخفى على عيني :

- أنا آسفة بسبب الذي حدث لي أمس .. أخشى أن أكون أفسدت فرحتك أو إحساسك .. ولكني سأعوضك اليوم ..
رفعت رأسها ونظرت إلي نظرة خاطفة واتسعت ضحكتها ، ثم انطلقت من أمامي بسرعة كأنها فراشة في قمة المرح ، وهبطت السلم : وهي تقول :
عندما ينصرف الضيوف سأصعد لأستدعيك ..

وبقيت أنا مكاني مصعوقا .. ما هذه الفتاة ؟؟؟.. إن عظمتها تفوق كل تصور ممكن .. إنها من النوع الذي يراجع نفسه إذن !
من النوع الذي لا يجد غضاضة في أن يعترف بخطأ ، ويعمل على تصحيحه .. إنها قضت ليلتها مشغولة البال ، بما كنت أنا أعاني منه !!

وانصرف الضيوف سريعا ، وصعدت تستدعيني إلى الغرفة التي على الطريق .. وكانت هذه الأمسية هي حقا احتفالنا الحقيقي بعقد زواجنا .. وكان عندي موعد ظننت أنني سأحضره ، لكنها كان لها رأي آخر ، ولم أحضر موعدي !!

منذ ذلك اليوم أو منذ لحظة كتابة العقد ، وأصبح الذي يربط بيني وبين منال أكبر من الحب ، لقد ربطت بيننا صداقة وطيدة ، فلم نعد نُرى إلا معا ..
ولم أعد اتركها تتحرك خطوة واحدة خارج بيتها ، إلا وأنا معها ، وكنت أنا الرجل الذي يجب أن تتعدد مشاغلي وتتضارب مواعيدي ، ولكني كنت أعمل جاهدا للتوفيق بينها ، لأصطحبها إلى أي مكان تذهب إليه ..

كانت هي قد التحقت في ذلك الوقت بالعمل في مدرسة خاصة ذات سمعة مميزة جدا ، وكانت تقضي فترة تدريب أو نادي صيفي تقريبا ، حيث كنا في الإجازة الصيفية بالنسبة للتلاميذ ، وكنت أنا أعمل في شركة للنقل كانت تقوم بنقل تلاميذ هذه المدرسة نفسها من بيوتهم للمدرسة والعكس ، وكنت بالإضافة إلى ذلك مشتركا بتجارة مع صديق لي حدثتك عنه سابقا ، وكان يسكن في قرية تبعد عن مدينتنا مسيرة ثلث ساعة بالسيارة الأجرة ..
وكان أول شيء اتفقنا عليه أنا ومنال أن أعدل مواعيد ذهابي للإشراف على تلك التجارة إلى الصباح الباكر .. وكنت أنزل من بيتي بعد صلاة الفجر بساعة تقريبا ، وسط دهشة الأهل من هذه المواعيد المبكرة جدا التي لم أكن معتادا عليها في حياتي كلها ..

11 - 5 - تابع ذكريات العقد


كنت أمضي أولا إلى بيت منال ، فأنتظرها أسفله ، وأذهب معها إلى المدرسة حيث كانت مواعيدها مبكرة .. ثم أذهب بعد ذلك مباشرة إلى قرية صديقي ، وأحيانا كنت أقطع هذه المسافة سيرا على الأقدام ، حتى يحين موعد بدء العمل ، وإلا فأين سأقضى هذا الوقت بين الموعدين ؟
وحدث ذات صباح ، أن كان أبي قد ذهب مبكرا جدا إلى السوق لشراء خبز .. وقد كان طريقه هو نفس الطريق الذي أصطحب منه منال إلى مدرستها ، وتقابلنا والتقت عيوننا عن بعد ، وأطرقت إلى الأرض ، وقد خنقني الحياء ، وقتلني الحرج .. بينما هو يبتسم ابتسامة واسعة لكنها حيية ، فلقد كانت أكثر صفة أكبرها في والدي حياءه الجم ..
ولم يزد الرجل بعد عودتي إلى المنزل في موعد الغداء .. إلا أن قال :
كيف حال العمل في مشروعك التجاري الذي يستوجب هذا التبكير كل يوم ؟..
وابتسمت وأطرقت إلى الأرض ، وأشفق الأب الحبيب الرقيق الحاني على قلبي ، فلم يزد عن ذلك كلمة واحدة ..
بينما اتسعت ضحكة أمي ولم تعقب ..

ولم يكن يحدث بيننا في هذه اللقاءات – لقاءات الطريق – أكثر مما يحدث بين صديقين ..
ومن هنا توطدت صداقتنا ، وصرنا أصدقاء ، كما أننا حبيبان وعاشقان ، ثم كانت بيننا علاقة كتلك التي تربط بين الأخ وشقيقته ..
وكانت هذه من أعجب العلاقات ، فكيف يشعر العاشق بنحو هذه العاطفة ، عاطفة الأخوة تجاه محبوبته !!
لكن هذا ما حدث .. كان بيننا من الثقة والحرص والنصح والخوف على المستقبل والتوجيه ، ما يكون عادة بين الشقيق وشقيقته ..
وكانت منال أحيانا تضيف إلى هذه العلاقات أنواعا أخرى من العلاقات العجيبة حقا ، فقد كانت تطلب مني أن أشعرها بحنان الأب التي تفتقد حنانه أحيانا .. وأحيانا أخرى تطلب مني أن أعوضها عن عاطفة الأم !
وأظنني كنت أستجيب لها .. حين أمنحها نوعا من الحب الأبوي ، فآخذ رأسها في صدري وأمس شعرها بحنان ، لا أثر فيه لرغبة ، وأطبع على مفرق شعرها قبلة حانية ..
مع مرور الوقت أصبح كل منا لا يستطيع أن يقضي شأنا من شؤونه إلا بمشاورة الآخر ومشاركته ..
لقد توطدت الصداقة بيني وبين منال حتى صارت صداقة كاملة ، من هذا النوع الذي يصبح فيه الصديقان شريكين في كل شيء ، ومتعاونين على الحلوة والمرة ، وعلى كل ظرف وحال ..
كنت وقتها قد التحقت بوظيفة جيدة في عمل إداري بنقابة مهنية .. وكان المفترض أن نبدأ معا البحث في كيفية إعداد شقة الزوجية ، تمهيدا للزفاف .. وكما كنا قد تعودنا على وجودنا معا دائما ، إلا أن هذا التواجد وهذا الإشباع النفسي الدائم لم يكن يترك لنا فراغا للتفكير فيما بعد هذه المرحلة ..
مرحلة العقد وتوهج العاطفة كانت مشبعة تماما .. صحيح أنها لم تكن تخلو من منغصات ، لاسيما من مثل تدخلات الأهل ، لكنها رغم ذلك كانت أياما حلوة المذاق .. كانت سعادة حقيقية خالية من المسؤوليات ، ولم نكن ممن يهربون من المسؤوليات ، لكننا كنا نرجئ التفكير فيها إلى أجل قريب ..

اقترب يوم ميلاد منال ، مؤذنا بمرور عام على ميلاد حبنا معا .. وكنت مرتبطا بعمل يقتضي مني السفر وقضاء عدة أيام بعيدا عن مدينتنا ، فاتصلت بها تليفونيا ، وقدمت موعد زيارتي لها لليوم السابق لتاريخ ميلادها معتذرا بالسفر في اليوم التالي ، ولم يكن هناك مانع من جهتها من أن أحضر إليها في أي يوم أشاء ، على أن تتحمل هي في سبيل هذه الحرية التي تمنحني إياها ، بعض المنغصات والمتاعب من أسرتها ، خاصة ما يتعلق بمراعاة شعور شقيقتها التي لم تخطب بعد ..
وذهبت إليها في هذا اليوم مبكرا ، لأقضي معها أطول فترة ممكنة من الوقت قبل سفري .. واستقبلني شقيقها هاني .. ثم والدتها ، وتأخرت منال في الظهور بعض الشيء .. وليتها تأخرت دقائق أخرى ، كان هاني يستعد للنزول لموعد عنده ، وأقبلت منال تتألق فتنة ، كانت كما لم أرها من قبل ، في ثوب حريري جديد مصنوع بطريقة فاتنة جدا ، كان الثوب مصنوع من قماش أهدته لها أمي ، وكان وجهها يتألق جمالا وبشرا .. وكان مظهرها شهيا فاتنا .. ونظر إليها هاني نظرة غيظ ثم استأذن وأغلق الباب خلفه في هدوء ..


11 - 6 - تابع ذكريات العقد


كانت منال تبدو لي كما لم أرها من قبل رغم مرور شهرين على عقد الزواج ، كانت فتنتها طاغية ، وهي تشعر بتأثير ذلك علي ، مما جعلني أضاعف من حرصي وحذري ، لأستطيع أن أتمالك نفسي ..
بالطبع أطريتها على هذا الجمال الفاتن ، ونوهت عن إعجابي الكبير بطراز الثوب الجديد .. وكانت ابتسامتها الواسعة أجمل ما يزين وجهها الراضي ..
بعد لحظات فتح باب الغرفة فجأة وبعنف ، ودخلت أمها علينا دون استئذان ، ونظرتُ إلى أمها في دهشة ، كان وجهها ينبئ بثورة غضب ، ونظرت الأم إلى ابنتها بقسوة شديدة ، ثم صاحت فيها بانفعال شديد أن تذهب فتغير هذه الثوب ..
ونظرت إلى حبيبتي ، فإذا بالألم يرتسم على ملامحها ، باديا من تقلصات وجهها ، وشعرت بما يعتمل في نفسها .. لقد كان فعل الأم بمثابة ( كرسي في الكلوب ) أطفأت على أثره كل فوانيس الفرح في نفسها ، وأظلمت الدنيا على صفحات قلبها ، وشعرت بالإهانة ، والظلم ، وأشياء أخر ..
وكان بوسع الأم ، لو أن ما بدا في سلوك ابنتها أو تصرفها ، أو حتى ملابسها كان شيئا خارجا عن حدود العرف ، كان في استطاعتها أن تتصرف أفضل من هذا بكثير .. فكان بوسعها أن تطرق الباب للاستئذان ، ثم تستدعيها ، ثم تلفت نظرها إلى ما لا يعجبها في ذلك كله .. دون أن تجرح مشاعرها أمامي بهذه الطريقة الفظة المهينة ..
ودون أن تقتل فيها كل هذه الأحاسيس ..
ومرت لحظة مشحونة مؤلمة كانت كفيلة بالانفجار من كلا الطرفين ، وحاولت أن أنقذ الموقف ، فهمست في أذن حبيبتي ، بصوت رقيق ، ولكنه مسموع للأم بوضوح :

- استجيبي لطلب ماما يا منال ، واذهبي فغيري هذا الثوب ..

ونظرت إلي منال والدموع متحجرة في عينيها ، وأجبتها بلغة العيون أن تذهب ، ثم ليكن لنا حديث فيما بعد ..

وخرجت منال مدة من الوقت ، وكانت الأم قد انصرفت خلفها .. دون أي اعتذار منها أو تعقيب مني ..
وعادت منال بثوب مختلف ، وعينين حمراوين ..
وبذلت ما في وسعي هذه الأمسية كي أسري عنها ، فلم يكن في نفسي شيء من النقمة أو الحسرة على ما كان ممكن أن أتمتع به من مباهج ، لأن مباهجنا كانت كلها تنبع من الحب ، ومادام القلب الذي يسع الحب موجودا ، فلا ضير من أي شيء آخر ..
كان المهم عندي هو قلب منال .. وسعيت أن أخفف عنها ، وقد شعرت هي بذلك ، وشكرت لي ..
وكان الذي يثير دهشتها أنها مرت على أمها بثوبها ومظهرها هذا قبل أن تدخل إلي .. وأن ذلك كان بمثابة ( بروفة ) واستئذان صامت ، وفي نفس الوقت لم يكن في الثوب ذاته رغم جمالها وفتنتها فيه ، ما يعيب ، فلا هو عارِ ، ولا هو يصف جسدها ، كل ما في الأمر أن نعومة قماشه وألوانه ، كانت تتناغم مع طبيعتها !!!
ولقد كانت آلاف الفتيات يرتدين مثله ، بل أقصر منه ، وأكثر كشفا عن مفاتنهن ، ويتجولن به في شوارع المدينة ويذهبن به إلى الكليات والأعمال ، تقع عليهن عيون كل من ( هب ودب ) ، دون أن ينكر عليهن سوى المتزمتين من أمثالي !!
وكنت أنا أدرك السبب الذي غير موقف أمها خلال أقل من عشر دقائق ، فلم تكن الأم نائمة ولا مغمضة العين حينما مرت بها ابنتها وحدثتها ، ولكنها كانت تعلم أن منظر ابنتها في المجمل في حدود المتعارف أن تقابل به زوجة زوجها في فترة العقد .. لكن الشيء الذي جد هو أن الذي استأذن منا لم يهبط الدرج مباشرة إلى موعده ، ولكنه عرج على أمه أولا ..
كنت أحاول أن أداعب منال بعد عودتها إلي ، وكان مما ذكرته لها حتى أخفف حدة وجدها على أمها :
- حسنا فعلت ماما ، فإنني لم أدرِ كيف كنت سأصبر أمام فتنتك الطاغية التي ظهرت بها ، والحمد لله أن بدلت هذا الثوب الذي كان سيمثل لي إغراء لا قدرة لي على دفعه ..

- ابتسمت أخيرا .. وسألتني : وماذا كان بإمكانك أن تفعل ؟

وذكرت لها كاذبا ، لأخيفها من تكرار مثل هذه التجربة : أنني ربما تهورت .. وفقدت صوابي ..
ولم أكن أخوفها من تكرار التجربة ، إلا حفاظا على كرامتها ونفسيتها ، من تكرار هذه التصرفات الرعناء تجاهها ..


11 - 7 - تابع ذكريات العقد


وأدركت بعد هذا الموقف حقائق عن تلك الأسرة ، لم تكن منال قد روتها لي بعد .. وعرفت أن الفتاة تعاني ، وعذرتها ..
عذرتها كل العذر في كل ما كانت تبديه نحوي طيلة فترة الخطبة من صمت وتحفظ وتوجس ، لم تكن منال خائفة مني ، ولكنها كانت خائفة منهم ..
مثل تلك المواقف فقط ، هي التي كانت تجعلني أعجل في التفكير بإتمام الزفاف ، كنت أشعر وقتها ، أن علي واجب استنقاذ هذه الروح الطيبة من تلك البيئة الخشنة ..
كانت وردة جميلة ندية ، فواحة الشذا عطرة العبير ، جذابة المنظر ، رقيقة رقة قطرات الندى التي تتساقط على وريقاتها الوردية الناعمة ، تخلب اللب ، وحولها أشواك طويلة حادة !!
وكنت أحمد لهذه الأشواك التي حولها حدتها وقوتها ، لأنها حفظت لي الوردة البهية ، دون أن يقترب منها متطفل ..
لكن الأشواك الحادة قد تجاوزت دورها في حماية الوردة إلى إيذائها وجرحها .. وأصبح واجبا علي إنقاذ الوردة من الإيذاء ..
ولم أكن أشعر بلهفة على إتمام الزفاف إلا لهذا السبب وحده .. لقد كنت أعيش أنا ومنال أحلى أيام عمرنا في فترة العقد ، ولم يخطر ببالنا أبدا ، أن نتجاوز حدود العرف الاجتماعي ، وكنت وأنا الزوج العاشق ، أحرص ما أكون على صون كرامة منال من أي ابتذال ، وسمعتها من أي لسان ، وكانت هي تدرك ذلك ، أدركته من مواقف كثيرة كان يمكن للمرء فيها التمادي ، ثم التعلل بعد ذلك بأن ما حدث كان خطأ غير مقصود وخارج عن الإرادة والسيطرة ، لكننا لم نكن نفعل ..

كما أنها رغم إدراكها التام لهذه الصفة عني ، كانت تضاعف الحرص والاحتراز ، فقد رفضت عدة مرات أن تصحبني لزيارة شقتنا للاتفاق على بعض التغييرات بها ، وكنت أدعوها دائما لهذه الزيارة نهارا وأنا صائم ..
فترفض ، وكنت أقسم لها بالله أنني صائم ، وأنني لن أمسها ، فكانت تجيب ضاحكة :
- الصائم المتطوع أمير نفسه ..

كانت تخاف علينا ، من لحظة طيش ربما لا نستطيع دفعها..
ولقد تمتعنا بكل متعة مباحة جائزة في زمن العقد ، لكننا لم نخطئ أو نتجاوز ..
لقد كانت هي من النوع الذي لا يسمح بالتجاوز ..
وأنا من النوع الذي لا يحب حرق المفاجآت ، ولا يتلهف على قطف الثمرة قبل أوانها ، ولو بدت شهية ناضجة .. فلو أنا فعلت هذا فماذا أبقي لليلة العمر ؟؟؟
لابد أن يكون كل شيء بأوان ، لأن الذي يأتي في أوانه يكون جميلا ناضجا ، يشعرك بالأمن ، وتشعر معه بلذات مختلفة ، منها لذة العبادة والشكر لواهب النعمة .. أما الذي يقتطفها قبل أوانها فإنه يشعر مع لذة المتعة ، حسرة المعصية ..
وشتان بين لذة ومتعة تورث أمن وطاعة وشكر ، وبين لذة تخالطها حسرة ويعقبها ندم ..
ولكني لأعجب كل العجب ، من الأهل الذين يعارضون الملك فترة طويلة ، بكل ما يمكنهم معارضته من قوة ، ثم فجأة ينقلبون إلى ملكيين أكثر من الملك نفسه ..

إن هؤلاء الأهل أنفسهم هم الذين اتهموا منال بالأمس القريب : بالتزمت ، والتشدد ، وحاولوا أن يخلعوا عنها خمارها ، فيكفيها طرحة صغيرة تعلن بها عن تدينها ، فواجهتهم بارتداء النقاب ، ليكون أشد صونا لها ، فثارت ثائرتهم حتى كادوا يطردونها من البيت ..
وهؤلاء الأهل أنفسهم هم الذين ينتقدون على مجتمع المتدينين من أمثالنا تلك القيود التي يفرضونها على أنفسهم ، فما المانع من أن تصافح الفتاة ابن عمها وابن عمتها ، وابن خالها وابن خالتها ، وأن تضع كفها في كفه ، وأن تخرج إليهم إذا كانوا في زيارة في زيها المنزلي ؟..
وأن يجلس الخاطب بجوار خطيبته ليلة الاحتفال بالخطبة ، وأن يلبسها الشبكة بيديه ، وأن تظهر أمامه في هذه الليلة السعيدة بلا حجاب ، وأن يراها الأهل والأصدقاء جميعا ، وتلتقط لهم الصور التذكارية ، وما الغضاضة في أن يخرج معها طالما أنهما في فترة الخطبة !!
ثم فجأة عندما يأنس الأهل من أبنائهم رشدا ، وترفعا ، والتزاما بضوابط هي أشد قيدا من ضوابط وأعراف المجتمع ، إذا بهم ينقلبون إلى النقيض ، فيحرمون ما أحل الله باسم التقاليد ، ولست أدري أي تقاليد تلك التي كانت تحكم مدينتنا في هذا الزمن القريب ؟
لم يكن من التقاليد ، ولم يكن من العرف في شيء هذا التعنت الذي كانت تواجه به منال بين أسرتها ..
اللهم إذا تصوروا الغلو في الدين من جانبهم تدينا ، بعدما كان الاعتدال من جانب ابنتهم تزمتا وتطرفا !!
وفي هذه الأثناء والظروف التي كنت أبحث فيها عن مخرج ، يختصر علينا الطريق إلى إتمام الزواج .. إذ أرسل الله لي عن طريق قريبي الكريم المقيم بمكة المكرمة ..عقد عمل لي بالسعودية ..
وكنت في نفس اليوم تقريبا قد حصلت على عقد تثبيت بعملي بالنقابة المهنية التي أعمل بها ..
كان الأمر محسوما لصالح مكة المكرمة .. مهوى القلوب والأفئدة ، ومحط الأنظار ، وقبلة المسلمين ..
لم تكن الأجواء العامة التي جعلتني أبحث عن العمل بالخارج ، قد اختلفت كليا ، وإنما كانت قد خفت حدتها ، وكانت الموازنة بين كل من الأمرين ، تحسم الموضوع في نفسي ..
كان اليوم هو مساء السابع من نوفمبر ، وهو مساء وتاريخ لا يمكن أن يضيع من ذاكرتي ، فلقد تحققت لي فيه عدة أمنيات دفعة واحدة ..


11 - 8 - تابع ذكريات العقد

في اليوم التالي ، كنت مع منال أبشرها بالأخبار الجديدة ، قلت لها والبشر يطفر من وجهي :
- ما رأيك يا حاجة منال : هل تريدين أن تحجي العام القادم ؟

ونظرت إلي منال لا تفهم ماذا أقصد !
وأعدت عليها السؤال ، فقالت :
- يا ليتني أحج ، ولكن كيف ؟

- لأننا سنقيم قريبا جدا إن شاء الله في مكة المكرمة ..

واتسعت دهشتها ، وظلت صامتة بعض لحظات حتى استجمعت أفكارها ، وقالت :
أتقول صدقا ؟

- نعم يا روح قلبي .. أقول صدقا ..

قالت وهي تنغم الكلمات كأنها تغني :
إذن فقد أرسل لك ( عمو محمد ) العقد ؟!

وقلت مؤكدا ومكررا كلماتها وانا أضحك من فرحتها الطفولية :

- إذن فقد أرسل لي ( عمو محمد ) العقد ..

داهمها وجوم مفاجئ وهي تسأل :
- والعمل بالنقابة ؟

- لنا مطلق الحرية نختار هذا أو ذاك ..

قالت بعد تفكير عميق :
- ولكن هذا معناه أننا سنفترق مدة من الزمن ؟

وأجبتها بثقة :
- فترة قصيرة جدا لن تطول ، ريثما أجهز شقة الزوجية بمكة المكرمة ..

ولمعت عيناها بالدموع ، وهي تقول :
- إذن سنفترق ؟

قلت لها مطمئنا :
- بالعكس يا حبيبتي ، فإن ميزة هذا العقد أنه سيعجل بزفافنا .. سنفترق فترة وجيزة جدا ، ثم نظل معا إلى الأبد ..
وعادت تقول بصوت مشحون بالأسى :
- ولكن لابد من الفراق

- لن نشعر بالفراق سأكتب لك كل يوم رسالة ، وأنت ؟!!

- أنا لا أفهم سوى أنني لا أطيق الافتراق عنك ..

كان حزنها حقيقيا ، وكانت عاطفتها جياشة صادقة ، ولم أملك إلا أن أطوقها بذراعي وأنا أهتف لها :
- ولا أنا أطيق يا حبيبتي أن أبتعد عنك لحظة واحدة .. لكنها أقدار الله .. والحقيقة يا منال أنه إما السفر الذي يعني التعجيل بالزفاف ، وإما بقاء أمرنا هكذا معلقا إلى أجل غير مسمى ..

وأطرقت منال إلى الأرض ولم تجب ..

واتفقنا أن يكون زواجنا بعد شهر بالتمام والكمال .. لقد كان يوم الثامن من ديسمبر هو يوم خميس ، وهو يوم مناسب تماما للعرس ، كما أن منال قالت :

- بعد هذا التاريخ سيكون صعب الزفاف ، لأسباب خاصة بي ..

كان اليوم الذي حددناه معا بعد شهر واحد ، ولم أكن قد دققت مسمارا واحدا في ترميم شقتنا ، ولم نكن قد تحدثنا مع الأهل في أي أمر من أمور الزواج منذ العقد حتى يومنا هذا ، لكننا حسمنا أمرنا وصممنا على موقفنا ..
قامت الدنيا ولم تقعد علينا .. وكان الأهل في كلا الطرفين يرفضون مبدأ التسرع ..
وكان الوقت ضيقا .. ضيقا جدا ، ولم نكن نبالي بأي شيء مما حولنا .. كنا اتفقنا سويا ، أنه لا سفر ولا غربة ، ولا فراق بغير زواج .. الزواج أولا في مقابل ما سنلاقيه بعد ذلك من أهوال البعاد والضنى .. ولكل شيء ثمن ..
وقفت منال هذه المرة وقفة جريئة حازمة ، لا كتلك الوقفة القوية التي وقفتها قبيل عقد الزواج ، وإنما كانت وقفتها هذه المرة مسألة حياة أو موت ..
ولا أخفي عليك يا صديقي : أنهم جميعا قد ظنوا بنا الظنون ، ولم يكن شيئا مما يدور في أذهانهم قد حدث ، ولكن إصرارنا العجيب جعل الشك يتسرب إلى صدورهم ..
إنني مازلت أذكر جيدا النظرة التي حدجتني بها جدتي ، يوم ذهبت أخبرها بموعد زفافنا .. لقد نظرت إلي نظرة ملؤها الشك والدهشة ..
وحزنت لأنني ربما أكون قد عرضت منال لمثل هذه الظنون القاسية .. لكنها كانت معركتنا معا ..

11 - 9 - تابع ذكريات العقد


وكان اختيارنا ليوم الثامن من ديسمبر مصيريا تماما بالنسبة لنا ، فهو يحين بعد شهر من تاريخ اتفاقنا ، وهو بالنسبة لنا كان يوم الاحتفال بكل الثوار الأحرار في العالم ، أو أنا ومنال كنا قد خلعنا عليه هذه الصفة ، لقد كان يوم ميلاد الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 م ، ولم يكن هذا سببا نعلنه لأحد من الناس ، حتى لا يسخروا منا ، فمن من العقلاء يربط تاريخ زواجه أو موعد عرسه ، بميلاد انتفاضة الحجارة ، أو ميلاد المقاومة .. شتان الفارق بين مناسبة العرس ، وميدان المقاومة !!
ولكن هذه كانت الحقيقة ، كنا نرى أنفسنا امتدادا للثوار الأحرار في فلسطين ، فنحن نتحدى الواقع والعرف والمجتمع ، وحق لنا أن نحتفل بيوم الثورة والثوار !!
لقد كنت أنا ومنال نقول : لا
في وجه كل عرف خاطئ أو تقليد يكبل حبنا المشروع بالقيود .. فقد كنا ثوارا بالفطرة ..
وأنا إذ أركز لك على هذا التاريخ يا صديقي ، فذلك لأنك يجب أن تتذكره طويلا .. يجب أن تتذكر هذا التاريخ إلى نهاية ذكرياتنا هذه التي بين يديك ، فهو تاريخ اخترناه معا ليكون يوم زفافنا المبارك .. الثامن من ديسمبر عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين ميلادية ..
لكننا اضطررنا أمام الضغوط الهائلة من قبل الأهل ، أن نؤجل موعد زفافنا أسبوعا واحدا ، وأن نتخلى كذلك عن أي مساعدات كانت ستقدم لنا في تجهيز شقة الزوجية من الأهل ، فلم يعد أهل منال ملزمين بتجهيز ابنتهم بجهاز العروس ، ولم يعد أهلي ملزمين باتفاقهم معي بمنحي تلك المنحة المالية التي وهبتني أمي الحبيبة إياها لإتمام مشروع زواجي ، إلى جوار مشروع صغير للعمل بجانب الوظيفة ..لقد ألغى مبدأ السفر للخارج كل هذا .. وتنازلنا عن كل شيء في مقابل أن نصبح معا بأسرع ما يمكن ..

وقررنا بالاتفاق مع الأهل .. أن تكون فترة زواجنا التي لن تزيد عن شهرين قبل السفر .. كأنها في شقة مفروشة ، سيتم إعداد الشقة كما اتفق بما يفيض عن حاجة الأسرتين ، لنقضي فيها شهرين ، ثم أسافر فأدعو زوجتي للحاق بي ، ثم عندما يأذن الله لنا بالعودة ، فنحن أحرار فيما نفعل بأنفسنا ، نختار الشقة التي نشاء ، ونجهزها بالطريقة التي نريد ..
ولم أكن أنا أو منال يعنينا شيء من هذه الحوارات .. كل ما يعنينا أننا بعد شهر سنصبح معا تحت سقف واحد ..

لكن الذي أهمنا حقا ، هو كيف سنعلن رفضنا لبعض العادات الاجتماعية البالية القديمة والسخيفة على السواء ، التي يصر عليها أغلب الناس باعتبارها طقوسا مقدسة ، وما هي بمقدسة ! ولم يكن أهلي من هؤلاء الناس الذين يهتمون بمثل هذه التقاليد البالية ، وأظن ، وإن كان هذا مجرد ظن لا أملك دليلا عليه ، أن أمي الحبيبة ، لم تكن قد أعدت نفسها كحماة بعد .. وهي بعد ذلك لم تكن في حاجة لإعداد نفسها لهذا الدور قط لأن كل الذي طرء عليها بعد زواجي أنها أصبحت أما لأربعة بدلا من ثلاثة .. وأظنها كانت لا تعرف بمثل هذه التقاليد ، ولم تكن تلقي لها بالا ، ولذا كان إعلان الرفض من جهتي سهلا ميسورا ، أما منال فقد كان عليها أن تجاهد وتواجه حتى تقول كلمتها لمحيطها الاجتماعي ، وقد قلناها معا بعد الزفاف ..

لقد ظللنا نسابق الزمن طيلة هذه المدة لتجهيز ما يمكن أن يكون عشا .. عشا حقيقيا لزوج عصافير من الكناريا ..
لقد كان المجهود الذي قام به والدي واخوتي مضنيا مرهقا إلى أقصى حد ، لمعاونتنا في سباق الزمن ..
كان طلاء الشقة من الجير الذي يتساقط على رؤوسنا كبرد الثلج ، وأثاث الشقة من بقايا أسرتينا ، تكفلت أمي بالأجهزة الكهربائية ، وتكفلت أمها بأدوات المطبخ ، أما غرفة نومنا فكانت تتكون من سرير كنت أنام عليه مع اخوتي ونحن أطفال .. وخزانة ملابس معدنية ( سفري ) ، ومرآة ومقعدين ، وطاولة صغيرة ..
ولا تعجب يا صديقي ، فإن العروس كانت منال !!!

ومن غيرها في عالمنا ، كانت تستطيع أن تقضي شهر عسلها في هذه الغرفة المغرقة في بساطتها ، المتواضعة حتى النخاع ، التي ربما رفض ( تيشي جيفارا ) لو كان حيا الزواج فيها ؟

الحلقات القادمة : 12 - أيام في جنة الأرض
ان شاء الله

Princess Amira
10-05-2010, 01:13 AM
راااااااااااااااااااائعة،، منتظرة البقية على أحر من الجمر

semeramis
10-05-2010, 11:48 PM
12 - 1 - أيام في جنة الأرض

12 - أيام في جنة الأرض


با رايح أرض الأفراح هات لي معاك هدية
هات لي عريس زين وملاح وعروسة متربية
قلنا يا عريس احكيلنا ازاي اخترتها
لمالها ولا لجمالها ولا لأصلها ؟
ده اختار عروسته بمهارة أدب وعفة وطهارة
حتعيش وياه على شرع الله ، وحتبقى للعهد وفية

يا رايح أرض الأفراح هات لي معاك هدية
هات لي عريس زين وملاح وعروسة متربية
قلنا يا عريس احكيلنا عالفرش والأثاث
قال الإسلام فرشتنا والتقوى الأساس
حيبنوا بالإسلام بيتهم ويسعدوا بيه في حياتهم
والكون يزداد فرح وأعياد والعيشة تبقى هنية


لعلي قلت لك أن اختيار يوم الثامن من ديسمبر كان أمرا مصيريا بالنسبة للعروسين ، فلقد كان يوم الثوار في العالم ، وكنا نحسب أنفسنا في عداد الثوار ، لكن الأهل أصروا على تأجيل موعد الزفاف أسبوعا ليكون يوم الخامس عشر من ديسمبر ، وكانوا محقين تماما ، فما كان لأي موعد قبل هذا التاريخ ممكنا لإتمام إجراءات الإصلاحات والترميمات العاجلة للشقة ..
ولقد حزنا كثيرا على فوات موعد أردناه معا .. لكنني عوضتها ، لقد أعطيت لصديقي ( الدكتور محمد ) الذي كان يقود سيارة العرس ليزفنا فيها .. شريطا مسجلا طلبت منه تشغيله ، فانبعث منه صوت المنشد :


بعد الغياب أعود أفدي تربها والشوق نبضي
أشتاق فيها قِبلة وأرتل الأنفال في ساحات مسرانا
وأحظى بالشهادة ثم أمضي
وأجرُ بعض الروح فوق جبالها ويظل بعضي
حجرا بسور القدس يحميها إذا هجم التتار
يرمي به الجند الصغار
فإذا سقطت فحسب قلبي أنني سأضم قلبي نحو أرضي
بارودتي والروح والأشواق حرا
يا قدس جئت بها إليك اليوم مهرا
ودمي خضابك يا عروس سقيا لتربك والنفوس
نهر الدموع سينتهي فالعزم فينا سار جسرا
لملمت حبي والرصاص وقلت هاكِ
ومشيت نحو الشمس وحدي كي أراك
نبتت بذور الثأر فيك مع السنابل
كحجارة في كف الصغيرة جلجلت بصدى القنابل
الله أكبر لن نخاف يعلو لواؤك والهتاف
فوق المكبر أسمع الدنيا آذنك يا جحافل


لقد كانت هذه هي الكلمات التي تزفنا في السيارة ، ونحن في الطريق إلى جنة الأرض !
وكان هذا الشريط تعويضا بسيطا مني لها ، عن تخلينا عن عيد الثوار ليصبح هو نفسه يوم زفافنا !
ولقد كان هذا الشريط وتلك الكلمات من أحب الشرائط والكلمات إليها !!!
ولكن ثوريتنا هذه الحالمة يا صاحبي ، لا تنفي أنه كانت هناك زفة ، وأنه أحيتها إحدى الفرق المحترمة ، فسهرت الحارة على أنغام الأناشيد الإسلامية كما لم يحدث فيها من قبل ، ثم آن للفرقة أن تنصرف ، وللأضواء أن تخفت ، وللحضور أن يستريحوا ، وللعيون المتلصصة أن تهدأ وتنام ، وللعروسين أن يركبا في سيارة الزفاف ..

ووصلنا أخيرا إلى شقتنا .. لم تكن شقة ، ولم تكن مسكناً ، كانت أقرب إلى الكوخ منها إلى أي شيء آخر ، ولكنها كانت جنة الله تعالى في أرضه ..
وسمح لنا رضوان الجنة بالدخول ..
وأغلق الباب خلفنا ، دوننا ودون الأقارب المقربين .. ليختلي كل حبيب بحبيبه ..
في هذه اللحظة يتوقف الزمن كما يعجز اللسان عن التعبير ، ويكف القلم عن الكتابة أو الوصف .. دقات القلوب تعزف ألحان الفرح ، لكنها دقات هادئة مستكينة ، عليها برد من برد الجنة ، والأنفاس التي في الصدور تنشد أهازيج البهجة .. إن هذه اللحظات في ذاتها وقبل أي شيء آخر هي معنى من معاني السعادة لا نظير له على وجه الأرض ..
فماذا على الزوج أن يفعل ليؤنس عروسه في تلك اللحظات ؟
اصطحبت منال معي لنشاهد حجرات الشقة ، ولم يكن فيها الكثير لنشاهده ، كما أننا كنا قد رتبنا أغلبها بأنفسنا معا بالأمس حتى قرب أذان الفجر تقريبا.. وليست لنا حاجة إلى إعادة الترتيب الآن .. ولكن ليست هناك جنة بلا شكر لصاحب الجنة ..
وتوضأنا ثم هرعنا إلى صلاة تجمع بين الشكر والرجاء ، بين الحمد والطلب والدعاء أن يديم علينا جنته ، وأن يجعلها في الأرض والسماء .. وأن يمدها لنا في الآخرة بعدما أذاقنا حلاوتها في الدنيا ..
وكانت صلاة ، وكان دعاء وقنوت ..
وأطلنا ..

12 - 2 - تابع أيام في جنة الأرض


وكان لابد من كوب اللبن رمز النقاء والفطرة ، وإن كانت منال لا تشرب اللبن دون أن يخالطه عصير أو مسحوق الكاكاو .. لكنها شربته ليلتها من يدي ..
ثم ..
ثم تذكرت منال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من يمن المرأة تيسير خطبتها ، وتيسير صداقها ، وتيسير رحمها .. أي لزوجها ..
وأخيرا بعد طول شوق وانتظار ولهفة ، صدّقت الأجساد لقاء الأرواح ، لكننا لم نكن لننسى تعانق الأرواح ، وتصافح القلوب ..
وكان علي أن أدرك قبل هذه اللحظات أن حيائي الذي جاوز الحد فاقترب من حياء الفتيات أو فاق حياءهن ، وأن خجلي الذي منعني من السؤال أو الاستفسار أو التعلم ، وأن خضوعي لتصوراتي الشخصية وصوري الذهنية وحدها ، كانت تمثل لي نقطة ضعف .. نقطة ضعف شديدة واضحة ، ولقد حاولت قبل عدة شهور ، ربما منذ أول يوم ارتبطت فيه بمنال ، أن أعوض نقصي المعرفي هذا بكثرة القراءة ، فاقتنيت كثيرا من الكتب ، وقرأتها جميعا ، بل حفظت بعض صفحاتها الطوال عن ظهر قلب ، لكن هيهات أن تغني القراءة من هذا الجهل المطبق شيئا !

لم تزد كثرة القراءة ونهمها الأمور إلا تعقيدا ، فهي أولا أعطتني ثقة واهمة ، ويقينا علميا صدقه العقل ، وكذبه الواقع ! وهي كذلك أعطتني جرعة مخيفة جدا من الوجل والرهبة ، وضرورة الحذر والحيطة وتحسس مشاعر عروسي بدقة ورقة متناهيتين ..
فتضافرت القراءة مع الحياء مع ما جبلنا عليه من الحب والرقة بمعانيها الروحية لا الجسدية ، تضافروا جميعا ضدنا ..
وكانت نتيجة كل ذلك ، أننا لم نكن نعرف ..
كنا جاهليْن تماما .. وعجزت الفطرة أو الغريزة أن تهدينا أو ترشدنا ، أو أننا لم نعول عليهما خوفا من الخطأ ، فلم نفعل شيئا ، خطأ كان أو صوابا ..
ماذا يمكن أن يكون موقف العروس أو شعورها ، وهي تفقد أجمل لحظات حياتها ، وتشعر بأن قدرها أن يتأجل الفرح ، ويظن الناس أنه قائم ؟

لابد أن يضيق صدرها ، ولابد أن تسعى لإيجاد حل ، ولو باللجوء إلى طلب المساعدة من أمها أو صديقة لها .. أو تتبرم ، أو حتى تحاول مناقشة الأمر مع زوجها نفسه للوصول لحل ..
وأي واحد من هذه الإجراءات ، كانت كفيلة بجرحه جرحا غائرا ربما لا يندمل بسهولة ويسر ..
ولذا لم تفعل .. كان حرصها على أسرارنا نوعا من الفريضة التي تتقرب بها لله تعالى ، وتشتري بها الجنة ..
فلم تفعل سوى الصبر والاحتساب ، والتشجيع والمؤازرة ، وبث الثقة والطمأنينة في نفسه ، ومنحه الفرصة بعد الفرصة ..
الأجمل من كل ذلك أنها لم تكن تشعر حقيقة بأنها ينقصها شيء ، كانت سعيدة ، ويكفيها أنها كانت تسند الصدر إلى الصدر ، وتسمع القلبين دقات بعضهما البعض !!
وكنت أتحسس سعادتها ، فأتيقن من كل حركاتها وسكناتها أنها سعيدة لا يعكر صفوها شيء ، ولا تشعر بفقدان شيء !!
وتأجل موعد الزفاف الفعلي أسبوعا آخر .. لكنني أعدت خلال هذا الأسبوع اكتشاف المعدن الحقيقي لمنال ..
فصرت من يومها أقول لها :

- أنت لي بمثابة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها لمحمد صلى الله عليه وسلم ، مع الفارق العظيم ، فنحن نحيا على الثرى وهما فوق الثريا .. لقد واسيتني بنفسك وروحك وقلبك ، فلنعم الزوجة أنت ، ولنعم الصديقة الكتومة المخلصة ..

وهي تجيبيني بتواضع حقيقي ، تواضع من لا تدرك ماذا قدمت ، ولا ما كان يسعها غير ذلك فتقول :
- أنا لم أفعل غير ما يجب أن تفعله كل زوجة أيا كانت ..

وكانت فيما بعد ترفض تذكيري لها بجميلها على ، وعظيم صنيعها لي ، وتقول مغاضبة :

- أنا لم أفعل شيئا على الإطلاق ، ولا تذكرني بهذا الأمر ، لأنني أدرك أنك كنت دائما تستطيع ، لكنك أنت الذي كنت رقيقا معي ، شفيقا بي ، أكثر مما ينبغي ، ولو على حساب نفسك ، فلو أن أحدنا يجب أن يشكر الآخر على صنيعه ذاك ، فأنا التي يجب أن أشكرك إلى آخر العمر !!!

والحقيقة التي لا مراء فيها أن الأمر كان قاسيا جدا علي ..
قاسيا إلى أبعد حدود القسوة وأعنفها ، قد كنت واثقا تماما في قدرتي ، فكيف لشاب نشأ في طاعة الله ، أن تتبدد طاقته أو تتعطل ؟ ، ورغم ذلك ، فإن ضغط المجتمع في هذا الجانب على وجه الخصوص هو ما لم أتخيل يوما أن أجابهه ..


12 - 3 - تابع أيام في جنة الأرض


نهضت من نومي في اليوم التالي وأنا أشعر بالانكسار والانقباض الشديد .. وكان علي أن أذهب لصلاة الجمعة ، وكنت قد أعددت بيني وبين نفسي لأصدقائي وأترابي مفاجأة ، بأن أصلي الجمعة معهم في المسجد الذي كنت أتناوب الخطابة فيه مع زملائي .. فيحتفلون بي دونما يتحملون مشقة الزيارة في ليالي الشتاء الباردة الممطرة .. لكنني وقد استيقظت على هذه الحال من الكآبة والانكسار ، فضلت أن أهرب من الجميع ، فصليت بمسجد لا يعرفني فيه أحد ، ولكنني وبمحض المصادفة قابلت عقب الصلاة صديقا أعرفه ، وسألني ، وما أشد وقع السؤال علي ، عندما باغتني به ، ولم تكن هناك إجابة ..
وقد بدأ الأهل والأقارب يتوافدون على منزلنا للتهنئة ( بالصباحية ) منذ الخامسة مساء .. وظلت الزيارات متواصلة إلى قرب منتصف الليل ، وكنت أجلس بينهم خجلا ، كنت أشعر وكأنني أتلق التهنئة على نجاح لم يتم ، وأن شهادة النجاح مزورة ليست حقيقية .. كنت كالراسب الذي زور شهادة النجاح ، وأقام له أهله احتفالا ، وهو الوحيد بين الحضور الذي يعلم حقيقة موقفه ..
أما منال فقد كانت كالفراشة السعيدة جذابة الألوان ، تطير بها سعادتها هنا وهناك ، والابتسامة العريضة المشرقة لا تغادر وجهها ، كانت سعيدة بكل ما في الكلمة من معنى ..
كانت ترتدي في هذه الأمسية الجميلة ، ثوبا فاتنا رائعا ، لم أرَ عليها في حياتي أجمل منه ، وكان هذا الثوب الذي يسمى ( ثوب الصباحية ) ملكا لصديقة لها ، استعارته منها ، كما استعارت بالأمس ثوب الزفاف ! أما أنا فكنت قد استعرت أيضا حلة الزفاف ..

وحاولت أمي الحبيبة أن تطمئن من منال ، وهي تراها كالنحلة الحلوة من زهرة إلى زهرة ، وقد شجعها ذاك البشر الذي يطفر من وجه العروس ، فسألتها :
- ما الأخبار يا عروسة ؟

- وأطرقت منال إلى الأرض وتمتمت في خفر : الحمد لله .. الحمد لله ..

لقد شاهدت وسمعت هذا الموقف بنفسي على باب غرفتنا ، وكنت ذاهبا لأحضر منها شيئا ، وأدركت أن منال كان سيغلبها الحياء أكثر من ذلك ، وربما لم تستطع أن ترد لو كانت الظروف طبيعية ، لكنها أرادت أن توحي لأمي بما لم يحدث حفاظاًعلي مشاعري !!
وكانت أيام جنة الأرض ، فرصة لأتعرف على منال في المرحلة الثالثة من مراحل حياتنا معا ، لقد كانت تقسم أدوارها ببراعة منقطعة النظير ، فلم تتجاوز في مرحلة الخطبة ، ما يمكن أن يسمح به الشرع ، ولو أن قلبها كان ينزف ..
وفي مرحلة العقد كانت إنسانا جديدا مختلفا كل الاختلاف بعاطفتها الجياشة ورقتها ، وخفة ظلها وحيويتها ..
أما في المرحلة الثالثة ، فكما أذن لنا رضوان جنة الأرض بدخولها ، فقد أذن لي أن أعاشر حورية من حورياتها ..
نغم عذب يملأ علي حياتي طوال اليوم ، فهذا موقف يذكرنا بنشيد ، وتلك أغنية حفظتها في صغرها ، وهذه جملة موزونة تصلح في ذاتها أن أسمعها من فمها منغمة كأنها أغنية .. وجمال يتبدى كل يوم ، ورقة مشاعر في كل لمسة أو كلمة أو لفتة ، وعفة نفس أعلى ما تكون العفة ، لا تهفو نفسها إلى طعام معين ، ولا إلى شراب مخصوص ، ما هو موجود في البيت هو نعم الزاد ، وما هو خارجه فليس بها إليه رغبة ، ولا يخطر على قلبها مجرد الخاطر ..
لا أستطيع أن أصفها بالملائكة ، وإن كانت بطبيعتها روحا ملائكية ، ولكن هذا الوصف يغضب الشرعيين ، فلتكن إذن فراشة ، لكنها فراشة نورانية شفافة ، حركاتها ، رقصاتها ، نغماتها .. خفتها ..
كانت تصنع البهجة في العش الصغير المتواضع ، فتجعل جدرانه تتجاوب معها بهجة ورقة وألحانا ..
كنا نرى في كل ما حولنا جمالا لا ينبع من ذاته ، وإنما ينبع من ذاتها هي ..
كم ضحكنا في سعادة حقيقية ، وطلاء جير غرفة نومنا يتساقط فوق رؤوسنا كحبات المطر ..
وكم سهرنا نتضاحك بعد كل زيارة يزورنا إياها الأصدقاء وهم في غاية العجب من العش الذي نحيا فيه !!

وأصبحت منال هي ( منة شو ) ، وأصبح هذا هو لقبها المفضل لدي .. لقد كانت فرقة مواهب فنية متكاملة .. فنانة شاملة بكل ما يعنيه هذا المصطلح من معنى .. فصارت بالنسبة لي ( منة شو ) .. وصرت أنا بالنسبة لها ( ماد منة )
لقد صرنا واحدا حتى في الاسم ، والتدليل ..
هل تصدقني يا صاحي إذا قلت لك : أنني كنت أشعر إني تغيرت ، أنا نفسي لم أعد عماد الذي عرفته طوال السنوات الماضية من عمري ، لقد أصبحت أرق قلبا وأرقى شعورا ، وأحن فؤادا ، وأقرب إلى الله حمدا وشكرا ، وألين طابعا ، وأعذب صوتا ، وأجمل حديثا ..
كنت أسمع صوت نفسي وأنا أحدثها في سهرات الليل المترعة بالجمال والسعادة ، فأخال الذي يتكلم شخصا آخر غيري ..


12 - 4 - تابع أيام في جنة الأرض


ومر أسبوعان ، وكانت هذه المدة هي فترة إجازتي ، ولم يكونا أسبوعي عسل ، ولا يمكن وصفهما بهذه الصفة البسيطة غير المعبرة تماما عن جمالهما .. والحقيقة أنني لم أشعر خلال هذين الأسبوعين ، أنني مقيم على الأرض ، لم تكن الحياة هي الحياة التي حولنا والتي تعودنا عليها ، ولا الدنيا هي الدنيا التي عرفناها .. كنا نحلق .. كنا نحلم .. كنا نطير فوق السحاب ..
وكأن الله تعالى قد فتح لنا نافذة على الجنة ، غير أن الجنة فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ..
لكني كنت أدرك كم ضحت منال من أجل الله ، وأن الله تعالى عوضنا معا بشيء من إحساسات الجنة ..
وكنت قد حلمت بما يعرف في دنيا الناس بشهر العسل .. حلمت به طويلا وتفكرت فيه أطول ، وبدأت أخطط لما يمكن أن يكون فيه منذ .. منذ كنت في الصف الثاني الإعدادي .. أي عندما كنت في الثالثة عشر من عمري ، ولقد مرت ثلاث عشر سنة كاملة على هذا الحلم ، وهو يتجسد أمام ناظري كل ليلة ، ولكنني عندما عشته حقيقة واقعة ، أدركت أن أحلامي لم تكُ شيئا أمام الروعة المذهلة التي لم أجد لها وصفا ولو في عالم الأحلام والأمنيات الخيالية !!
وانقضى الأسبوعان ، مرا مرور السحاب ، وكان لزاما علي أن أعود إلى الأرض ، وكان يتعين أن أقضي قرابة الست ساعات في العمل اليومي ، لكنني لم أعد إلى الأرض كليا .. بل كنت اهبط إلى الأرض أعمل وأتعامل ، وأشتري ، وأخاطب هذا ، وأكلم ذاك ، ثم أعود فأجد رضوان جنة الأرض وحورها قد استقبلتني عند باباها فترتفع بي مرة أخرى إلى الجنة ..
أعود إليها أشد شوقا ولهفة ..
وكنا قد تعاهدنا ، وما أكثر ما ستجد لنا من عهود كهذه ..
تعاهدنا على أن نستيقظ من نومنا كل صباح على قبلة ، وأن يكون وداعنا عند الخروج من المنزل ، ولو إلى خروج عابر لا يستغرق سوى دقائق معدودات على دعاء الوداع ، وقبلة ، فأقول لها :
- استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه .. استودعت الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك
- وترد : حفظك الله لي في الدنيا والآخرة ..
ويأتي دور القبلة ثم أنصرف ..
وأن يكون أول شيء نفعله بعد دخول المنزل وإلقاء السلام ، أن تستقبلني عند الباب بقبلة .. وتعودنا أن نبدأ طعامنا بقبلة ونحن نردد ذكر الطعام ..
لم يكن هذا من محض مراهقة ، ولا تصابي ، وإنما هو استمرار وديمومة للحب استلهاما لنصيحة النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله : هل لك في العذارى ولعابها ؟ ..
ولعل كل عروسين يستهلان حياتهما بمثل ذلك ، لكن سرعان ما تشغلهما مشاغل الحياة ، أما أنا ومنال فقد كان هذا بروتوكول ثابت دائم لا يتغير إلا في وجود ضيوف في المنزل فقط .. بروتوكول استطعنا بموجبه أن نمد شهر العسل إثنى عشر عاما كاملة ، دون أن نتلهى عنه أو نمل منه ..
قالت لي منال ذات ليلة حيث يحلو السمر في ليل الشتاء الطويل .. لكنه ليل دافئ بمشاعر حانية تقي من برد الشتاء ، وقيظ الصيف .. قالت لي :
- عماد هل تدري ؟ أنت جنتي وناري كما قال حبيبنا محمد - صلى الله عليه وسلم- ، وإني قد عاهدت الله ألا أنام ليلة وأنت غضبان علي ، أو حزين مني ..

- اتسعت ابتسامتي لها ، وأنا أجيب :
خيركم ، خيركم لأهله ، وأنا قد عاهدت الله أن أكون خير الناس بعد حبيبنا - صلى الله عليه وسلم- لأهله ، وأعاهدك بأنني لن أنام ليلة واحدة حزيناً منك .. فإن كان بيننا ما يعكر الصفو صفيناه حالا ، حتى يبيت كل منا راض عن حبيبه موف بعهد الله عليه ..

وخلال ليالي شتائنا الطويلة ، والتي لم يكن عندنا فيها أي وسيلة من وسائل الإعلام والترفيه ، كنا نقضي الجزء الأول من الليل نقرأ .. كنت أقرأ لها ، وتقرأ لي ، ثم استعذبت صوتها ، ونسيت القراءة ، وأدمنت الاستماع ، فكانت تقرأ لي ، ونحن نلتحف بالغطاء وقد كان هو الشيء الوحيد في شقتنا الذي يمت إلى عالم العرسان بصلة ، فقد كانتا بطانيتين حديثتين جميلتين ..
وأمامنا اللب والفول السوداني الساخن ، وأحيانا قصب السكر ، وكنت أوقفها بين الفقرة والفقرة أثناء القراءة ، لتأخذ نصيبها بفيها من في ..
ثم نقضي الشطر الآخر من الليل نتحدث .. لقد روت لي كل شيء يتعلق بحياتها ومشاعرها وأحوالها ، وأمنياتها وأحلامها ، وحتى صديقاتها ، ما لم يكن سرا أو غيبة .. ماذا تحب من الألوان والأصوات والمعاني والأسماء ، والطعام والشراب ، وماذا تكره ، وذكريات الطفولة ، والدراسة ، والأسرة .. أين تنام ، ومتى ؟ ، وكيف كانت تناجي النجوم قبيل الفجر ، ومتى لاحظت نجمتنا الغمازة التي ظلت مرسالنا أيام البعاد والغربة .. حتى الخطاب الذين تقدموا لها قبلي ، وماذا قالوا لها ، وبماذا شعرت نحوهم ، ولماذا رفضتهم .. وكرهت أنا من عرفته منهم ، لأنه تجرأ وتقدم لحبيبتي قبل أن أقطفها !!

12 - 5 - تابع أيام في جنة الأرض


حدثتني عن أبيها وأمها وأخويها وأختها ..
فعرفت منال كأنها شقيقتي التي ولدت كتوأم لي أو أكثر ..
وكان شقيقها الصعيدي ( هاني ) قد ألقى الله في روعه رقة ورأفة ، فأهدانا زوجا من عصافير الكناري .. وضعناه في غرفة نومنا ليكون أحلى ما فيها ، وكان زوج الكناريا يغار منا ، وكنا نغار منه ، وأظن أننا علمناهما الحب والهوى وزقزقات الغرام .. وكنا نُسهر ليلهما طويلا حيث الضوء المنبعث .. حتى نرى منهما إشارة ذات معنى فنطفئ الأضواء ، وتضيء أنوار القلوب ..
وبعد قرابة شهر من دخولنا جنة الله في أرضه ، من الله تعالى علينا وتوج حبنا الأبدي بثمرة أخذت تتحرك رويدا ، رويدا في أحشاء منال .. وأغرورقت عيوننا بالدموع ، ما لنا لا نملك للرحمن حمدا يكافئ مزيد نعمه وآلائه ؟
وكنا قد سميناها أشرف اسم ذكر في كتاب الله ، فسميناها مريم ، من قبل أن نعرف بدبيبها في الأحشاء ، ودعونا الله كثيرا أن تكون قرة أعيننا ( مريم ) ..
وأتذكر أنني كنت أتمشى مع حبيبتي في الطريق ، وكان بالقرب منا أولاد يلعبون الكرة ، فكنت أدور حولها فتارة أكون أمامها ، وتارة خلفها ، وثالثة عن يمينها ، ورابعة عن شمالها .. وهي تنظر إلي ضاحكة وتسألني :
- ما بك يا أبا بكر ؟

- أجيب مخلصا : أخاف أن تأتي كرة طائشة فتصيبك في ظهرك أو بطنك أو جنبيك ، فأدور ، وأنا أتذكر فعل أبي بكر مع حبيبه النبي صلى الله عليه وسلم ..

ما أحلى الحياة في ظلال السيرة ، فحينما يجتمع الحب الطاهر مع حب سيد الأنام .. تطير بنا أرجلنا وتسمو بنا أرواحنا ، ولا نكاد نلمس أرضنا بأقدامنا .. ولقد كان!!!

لم يعد ينغص سعادة منال إلا اقتراب موعد الفراق .. ونظرت مرة إليها فلم أجد وجهها هو وجه ( منة شو ) الذي أعرفه ، وسألتها جزعا :
- ما بك يا حبيبتي ؟

- لا شيء

- أقسمت بالله عليك أن تجيبي .. أتشعرين بالتعب من الحمل ؟

- لا والله ..

- منة حياتي .. لقد أقسمت ..

- والله لا شيء سوى أنني تذكرت موعد سفرك ..

ولم تملك العيون دمعها .. لأننا نحب ..
وأسرعت أحتضنها بقوة ، وأنا أجاهد البكاء :
- عديني يا حبيبتي ، ألا تتذكري هذا الأمر ، وألا تجعليه يفسد علينا لحظات سعادتنا ، صحيح أنه محكوم علينا الفراق زمنا ما ، ولا ندري أيطول هذا الزمن أم يقصر ، فلا تجعلي الفراق ينتصر علينا مرتين .. مرة حين يقع لا محالة ، ومرة الآن ونحن في أحضان بعضنا البعض .. دعينا نقهره الآن .. ثم ليقض الله أمرا كان مفعولا ..
وأومأت منال برأسها وأنا ألح عليها بنظراتي لتعاهدني على ذلك .. أومأت برأسها .. لكن دموعها لم تجف ..

حاولنا بعد ذلك أن نطيل أمد السعادة إلى أقصى مدى ممكن ، وأن نقهر الحزن والوجوم واستشراف الفراق .. وكنت مازلت أتردد على القاهرة في هذا الشتاء ، مازلت مرتبطا بالعمل بالنقابة ، وكنت أصطحب معي منال دائما ، حتى استقر الحمل في أحشائها ، فأصبحت أتنقل بمفردي خاصة في السفر خوفا عليها .. وعلى جنينها ..
وذهبت إلى النقابة ، وكنت أعد لتقديم استقالتي في ذلك اليوم إلى الأمين العام للنقابة ، وذلك استعدادا للسفر القريب ، ولكني لم أجد الأمين العام ، وفي طريق العودة سمعت من مذياع سيارة الأجرة وكان السائق قد أداره على إذاعة لندن ، بنبأ اعتقال الأمين العام للنقابة وعدد جاوز المائة من الشخصيات السياسية البارزة ، امتدت الاعتقالات هذه المرة إلى شخصيات لم تكن معرضة للاعتقال من قبل ، وأدركت وقتها أن ما كنت قد تنبأت به بدأ يتحقق ، وأن ضربة غير اعتيادية ستوجه حتما إلى التيار الإسلامي في الأيام القليلة المقبلة ، وكنت قد بالغت كثيرا في توقعي بشأن هذه الضربة ، لكنها بالفعل لم تكن مسبوقة منذ ما لا يقل عن ثلاثين عاما ، فلقد تم تحويل المعتقلين إلى المحاكم العسكرية ، وكانوا رموز العمل الوطني والنقابي والمهني !!!


12 - 6 - تابع أيام في جنة الأرض


وأصبح السفر بالنسبة لي اختيار لا رجعة فيه ، فأنا منذ جربت تجربتي الأولى مع أبي زعبل ، وأنا أكره القيد ، ولا أحب في حياتي مثل الحرية ..
وبتنا نقترب يوما بعد يوم من موعد السفر ، وبدأت أبواب جنة الأرض توصد قليلا أمام ناظرينا ، وكنت أحاول أن أسرق الابتسامات والسعادة من منال ، كنت أستحثها حثا على أن تعيش لحظتها ، وكنت شخصيا مقتنعاً بذلك ، كنت أريد أن أعب من السعادة عبا ، فما أدري متى نصبح والسعادة على موعد آخر ، ولكن منال كانت قد استسلمت للتفكير المضني ، وإن كانت تجاهد لتوفي بعهدها معي ، وتبتسم في وجهي .. كانت شفتاها تبتسم وقلبها يبكي ..
وكنت آخذها لزيارة أسرتنا ، وكان أبي يقابلنا واجما ، متوازن الانفعالات ، وكأنه يقيس الأمر من كافة جوانبه ، فيرى الصواب في جانب السفر ، فيطمئن إليه ، لكنه لا يفرح به ، لأنه مع الاطمئنان على ابنه فإنه سيفتقده لا محالة ..
وأما أمي فلم تكن أقل حزنا من منال .. كان حزنها قاسيا ، ولم تكن تملك رد دموع عينيها فتنساب على خديها الحبيبين ، وحينما أحاول التخفيف عنها تقول :

- لقد تحملت الغربة وتركتكم وأنتم فلذة كبدي ، حتى أجنبكم هذا المصير ، ولكن ها أنا ذا تفرض علي الغربة المقيتة مرتين .. مرة عشتها بنفسي ، ومرة سيعيشها ابني ..

وكنا بلجوئنا لتلك الزيارات كالمستجيرين من الرمضاء بالنار ، فليس أقسى على النفس يا صديقي أن تقع بين حب امرأتين عاشقتين تتأهبان لفراقك ! ولم يكن يسعنا بعد الانصراف سوى التجول في الطرقات ، وأدعو حبيبتي إلى كوب من عصير الخروب المثلج الذي كانت تعشقه ، ثم نعود إلى جنة الأرض ..
وعبثا كنا نحاول أن نعيد البسمة الأولى بطلاقتها ورونقها ، لكن ظلال الفراق كانت تسيطر على كل شيء ، وتلقي بظلالها القاتمة على كل ركن ..
أما ليلة السفر فقد كانت ليلة خانقة تماما ، حاولنا أن نتناسى ، أن نعب زادا من السعادة يكفينا فترة من الزمن ..
ولأول مرة في حياتنا معا .. كنا نكذب ونتجمل .. كنت أبش في وجهها وتبش في وجهي ، وقلوبنا كانت تنزف .. ونمسك دمع العيون بشق الأنفس ..
وضحكنا ضحكاً كالبكاء ، ولو أردنا أن نكون صادقين تماما فلم يكن هناك بد من أن نمزق عقد العمل ، وتأشيرة السفر وتذكرته .. لكنا لم نفعل ، وما كان في وسعنا أن نفعل .. لقد كان الفراق المحتوم هو ثمن ما حصلنا عليه من سعادة عارمة ..
وكان لابد من دفع الثمن .. وخيمت الكآبة على المكان ، وكانت منال تلملم حاجيات أمها من الشقة ، وخنقتني العبرة ، نظرت إلى الشقة ، وشعرت بغصة في القلب تعقب انفضاض السامر ..
شعرت بأننا ننقض ما بنيناه سويا في جنة الأرض ، وكأن جنتنا ما هي إلا( شادر ) .. صوان لفرح أو لسوق كبيرة ، وأنها لم تكن ملكنا بل كانت مستأجرة ، وقد جاء متعهدي الأفراح ، وموردي الفراشة لاسترداد فراشتهم ، فبدا الأمر ، وكأننا نحل الحبال التي تمسك جوانب ( الصوان ) من قوائم خشبية ، فيتكوم الصوان بعضه فوق بعض .. ليحمله عمال الفراشة إلى سيارتهم ، وينتهي كل شيء ..
أما أمي فلم تكن تتخيل أن تدخل شقتي فلا تجد فيها عماد ومنال ، كأنها لم تغن بالأمس .. فتركت كل ما جاءتنا به على حاله .. وهي على العموم كانت قد وهبتنا إياه ..
ولم أحتمل هذا المنظر ، وكان علي أن أهرب منه ، فهربت إلى أحضانها ، كان لابد لنا من مخرج ، ولم يكن سوى تنفيس المشاعر الملتهبة في نفوسنا ، وربط دقات قلبينا ليظلا موصولين ببعضهما البعض ..
لم يكن ثمة نوم .. وإنما أرق وترقب حتى الصباح ..
في الصباح كانت تعد لي حقيبتي ، وطلبت إليها طلبا أن يصحبني صوتها الرخيم الفخم في سفري ، وأحضرت لها المسجل لتسجل لي بعض الأناشيد ..
كانت تنشد وتضحك أو تحاول أن تتصنع الضحك ، لكن الأناشيد كانت مبكية ..
روحي فداؤك طال البعد يا وطني
كفى بعادا لنفسي المعذبة
ومصر في القلب وقلبي في هوي وطني
أفديك أفديك هذا كل أمنيتي
روحي فداؤك طال البعد يا منة
كفى بعادا لنفسي المعذبة
عمدة في القلب وقلبي في هوى عمدة
أفديك أفديك بالروح والمهج

هدي يا سحابة على زهر الياسمين
مهما طال غيابي للوطن رجعين
وجف ( وقف ) هون اذكرنا واذكر مراجيحنا
احنا أولاد الطفولة عم نبكي جوارحنا
يا أحبابي انتو أصحابي
كيف أنساكم أنسى أحبابي
ما بأنسى الذكريات ولا بأنسى الأمنيات
ولا بانسى صهل الخيل ولا بانسى الأمسيات
هدي يا سحابة على زهر الياسمين
مهما طال غيابي لمنة رجعين
هدي يا سحابة على زهر الياسمين
مهما طال غيابي لعمدة رجعين
وجف هون اذكرنا واذكر أمسياتنا
احنا زوج الكناري ما بننسى ذكرياتنا
مابننسى ليالي الحب ما بننسي أمنياتنا


وأخيرا حان موعد الوداع ..
وحينما تحركت خطى الوداع في الطريق لم تملك العيون دمعه .. لأنه أحبها .. لأنه أحبها .. لأنه أحبها .. لأنه إذا ابتدئ المسير لن يعود ..


الحلقات القادمة: 13 – زمن الغربة والعذاب
ان شاء الله

Princess Amira
11-05-2010, 06:56 AM
ان شاء الله،، في الانتظار أختي شيماء

semeramis
11-05-2010, 10:01 PM
13 – 1 - زمن الغربة والعذاب


غريب .. غريب .. أخفي هواي ويبدو بعض تحناني
وإن دفنت هوى قلبي ، وإن دفنت هوى قلبي بكتمانِ
أكتمُ الوجدَ في الأعماق أدفنه تجملا بين أصحاب وإخوانِ
أغالبُ الشوقَ بالصبر الجميل وهل بين الجوانحِ إلا قلبَ إنسانِ
يدميه فرقةُ أحبابٍ يحركه بكى الحبيبِ ودمع الوالد الحاني
جاءت طيوفٌ من الذكرى مؤرقةً تترى تهيج أشجانًا بأشجانِ
أساهر الليل أطيافا وأخيلةً وذكرياتٍ بأشكالٍ وألوانِ
وأسألُ النجمَ والأنسامَ عن خبرٍ عن الأحبةِ يروي لحظ ظمآنِ
إني لأذكرهم والدمع يغلبني وكيف أنسى محبا ليس ينساني
أعللُ النفسً بالآمالِ أخدعُها لأصرف النفسَ عن بؤسٍ وحرمانِ
أستغفرُ اللهَ من سخطٍ ومن جزعٍ ومن قنوطٍ ومن شكوى لإنسانِ
عزاؤنا أننا في الله غربتُنا من أجل دعوةِ إسلامٍ وقرآنِ
ستشرقُ الشمسُ مهما طال مغربَها ويُهزمُ البغيُ مصحوبا بخذلانِ
ويفضحُ الصبحُ إن الصبحَ موعدُهم ما يُمسكُ الليل من زيفٍ وبهتانِ
*****

غريبُ الدارِ والأهلِ أسيرُ الأرض من حولي
سمائي أضحت السلوى وصُبحي في الأسى مثلي
*****
في ليلٍ دامسٍ هجموا على بيتي على حقلي
وبالعصباتِ قد غطوا على عيني في غلِ
وطفلي يرقبُ الأهوالَ مكتئبا وسال الدمعُ كالطوفانِ بالمقل
وقادوني وقلبي غص بالجمل
غريب الدار غريب الدار غريب الدار والأهل
*****
وقالوا أنت مطرودٌ فأحزنني فراق أحبتي والأرض والأهل
نفوني في شريط العزل في ليلٍ فحار القلب بين التيه والأملِ
وما ذنبي سوى بغضي لمعتقلي
*****
تركتُ الدارَ في حزنٍ آااه آااه آااه تركت الآه في أهلي
وقالوا خير أحكامٍ هي الإبعاد في الحلِ
وطفلي يرقب الأهوال مكتئبا وسال الدمع كالطوفان في المقلِ
غريب الدار ، غريب الدار ، غريب الدار والأهل

وبدأت يا صاحبي غربتنا منذ هذه اللحظة ، بدأت باردة قارصة في بردها كأيام شهر يناير التي كنا نحياها ..
وكنت وأنا في الحافلة أنظر من النافذة إلى كل شبر من أرض وطني كأني لم أره من قبل ، وأشعر أنني ربما لن أراه بعد ذلك .. مجرد شعور مبهم وكأنها هجرة بلا رجعة ..
وكنت قد ودعت خلفي قلوبا وأرواحا أفتديها بمهجتي ، والآن أنظر إلى كل حبة رمل من رمال طريقنا الصحراوي ، وأنا أسال نفسي ، هل حقا أنا من النوع الذي يفتدي ترب بلاده بدمه ؟
وأصبحت في غربتي أسيرا لشريط منال الذي سجلته لي قبيل السفر ، وهو لا يفارقني ، ومعه شريط لأبي راتب به نشيد غريب الدار ، والذي يبدأ بالموال الذي صدرت به الفصل ، والحقيقة يا صاحبي إن الحروف والكلمات تعجز عن الوصف أو التعبير ، وإني كم أتمنى لو أن الورق يستطيع أن يحمل الألحان والأنغام وصوت أبي راتب وهو يدمي قلب كل غريب وهو ينشد هذه الأبيات ..
فإذا كنت يا صاحبي ممن لا يطيقون المشاعر الحزينة والعواطف الملتهبة والجو المكتئب ، فلتحمد الله تعالى أنك لم تسمع هذا النشيد ملحنا بصوت أبي راتب ، ولتحمده كذلك أنني أنا فقط الذي كنت أسمعه دامعا داميا من حبيبتي منة ، ترسله لي أثناء شهور فراقنا الحزين ..
وكان لا يفارقني أيضا شريط فلسطيني به نشيد يقول :

الثوب الجديد لكن القلب دايب
فرحة العيد لما نشوف الحبايب
قرب يا طير هات لي منهم هدية
ضمة شومار وشوية مرامية
أو خبز شعير أو حتى شربة ميه
إن دق الباب وقالوا هذه رسالة
من الأحباب وتلقى دموعي سيالة

وأختم البكاء قبل نومي كل ليلة بسماع ببيتين من نشيد يقول :
لا .. لا تقولوا وداعا بل قولوا إلى اللقاء
إن لم يكن فوق الثرى فبجنة رب السماء

وإن كانت الكلمات يا صاحبي لا تستطيع أن تعبر عن ليل السهاد الطويل ، إلا أنه بين يدي الآن خطابين من خطاباتنا ..

13 – 2 - تابع زمن الغربة والعذاب

أرسل كل واحد منا خطابا منهما لحبيبه في مناسبتين مختلفتين ، ولسوف أتركك مع الخطابين ، كما هما دون تنقيح ، لعل فيهما ما يدلك على بعض ما عانينا في غربتنا القاسية :
وهذا هو خطابي إليها :
بسم الله الرحمن الرحيم
حبيبتي الغالية جدا منة show
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
تحية عطرة من أحب بقاع الأرض إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، ملؤها الحب والأشواق .. حب أكبر من حبك .. وأشواق تعتصرني فتذيب كياني كله ..
مشتاق لك يا روحي ، وأريدك يا منة .. محتاج إليك .. محتاج إلى صدرك أريد أن أبثك حبي وأشكو إليك ألمي من فراقك ..
أمس كان ثاني أيام العيد ( وعساكم من عواده ) .. ( من العايدين ) يا عسل ..
شعرت بشوق وحنين وظللت في غرفتي ، وحيدا حوالي أربع ساعات ما بين باكيا أو داعيا أو مكتئبا ..
محتاج إليك يا منال .. أريد روحك تذيب روحي فيها ..
بعد العصر ذهبنا إلى جده للتنزه – هذا بالنسبة لهم كانوا يتنزهون – أما أنا فلا نزهة ولا حياة أساسا بدونك يا روح القلب ..
وجلسنا على البحر قبل الغروب
هل تتذكرين إسكندرية يا منة على شاطئ البحر قبل الغروب ؟
وهناك كنت أرقب الشمس تغيب في الماء كما رقبناها معا ، دعوت وصورتك لا تفارق خيالي : اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك والتقت على طاعتك وتوحدت على نصرة شريعتك .. فوثق اللهم رابطتها وأدم ودها ، واهدها سبلها ، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك وجميل التوكل عليك وأحيها بمعرفتك وأمتها على الشهادة في سبيلك .. إنك نعم المولى ونعم النصير ..

ثم حمَلت الشمس التي أوشكت على المغيب أمانة من روحي ووجداني حتى تبلغها إليك قبل مغيبها من عندك ..
أسال المولى عز وجل أن تكون الشمس الآفلة قد أبلغت رسالة روحي إلى شمسي الباقية ..
وبعد الغروب كان الهلال عذبا كما كنا نراه من شرفة بيتنا .. الشرفة التي على الطريق .. تسمع الأشواق تعصر الأسى وتنتظر .. ولقد أرسل قلبي مع الهلال رسالة دقتين يخفقان :
منة .. منة
وراقبت نجمتنا الغمازة ، ورأيت فيها عينيك يا حياتي ، لأنك بالتأكيد لمحت فيها عيني ..
وفي طريق العودة أدار سائق السيارة المسجل على أغنية لوردة :
واللي ما حبش عمره ما عاش
حتى النعمة ما بيدوقهاش
واللي يحب يا روحي عليه
يحب الدنيا من حواليه
حبك صالحني على الدنيا .. الدنيا ..
وأهاجت الأغنية رغما عني مشاعر وذكريات وآهات ولوعات .. آآآه .. مشتاق .. مشتاج .. مشتاج
قلبي تولع يا نولة .. آه تولع

أنا روحي تسلم عليك ، وقلبي وعقلي ونفسي ، ووجداني وأحاسيسي وكل شيء في يا منة يسلم عليك ..
فراقك صعب جدا يا أحلى زوجة في الدنيا .. يا أغلى شيء في حياتي .. يا جنتي
هذا الخطاب مرسل مع جماعة من المعتمرين ، لعله يصلك أسرع من خطابات البريد ، ومرسل معه لعبة ظريفة .. يا بنت يا منة .. طبعا ألست أنت ابنتي ؟!.. وهذه اللعبة حتى لما يرزقنا الله بمريم لا تنظري لها فيما سأحضره لها من ألعاب .. وتعرفين أنني دللتك من قبلها .. طبعا .. ألست أنت البكرية !
في ختام هذا الخطاب أقول لك :
أحبك .. أحبك .. أحبك حتى آخر العمر ..
سبحانك اللهم وبحمدك .. أشهد ألا إله إلا أنت .. أستغفرك وأتوب إليك
حبيبك الولهان المولع
ماد
ملحوظة : خلال ساعات وحدتي بغرفتي أمس .. قرأت كثيرا في ديوان لفحات ونفحات .. وقرأت الإهداء .. وجددت ذكريات وآمال وأحلام ونسيم وأشياء كثيرة جدا ، فجزاك الله عني كل خير .. يا أم الخير .

13 – 3 - تابع زمن الغربة والعذاب


أما هذا فهو خطابها إلي :

بسم الله الرحمن الرحيم
" ربنا اغفر لنا ذنوبنا ، وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار " اللهم آمين
زوجي وروح قلبي وكل شيء لي في دنيتي ، وإن شاء الله جنتي : ماد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حبيبي أكتب هذا الخطاب على أمل أن يصلك يوم ميلادك إن لم يكن قبل ذلك .. كل سنة وأنت طيب يا روح قلبي .. كان أملي أن نحتفل بهذا اليوم الجميل كما احتفلنا بيوم ميلادي ، وأكثر .. لأننا سنحتفل بمولد القلب الكبير والحضن الدافئ والصدر الواسع وكل شيء لمنة في هذه الدنيا ..
طبعا هو يعتبر احتفالي أنا ، وعيدي أنا .. فهو أجمل يوم في الدنيا .. مثل صاحبه .. فليس هناك في هذه الدنيا من هو أجمل من ماد حبيبي ..
ماد :
هل تتذكر هذا اليوم .. عندما كنا نريد نحن الاثنين أن يكون عقد زواجنا فيه لولا الظروف ..
كان إلى أي مدى سيكون هذا جميلا جدا .. ولكن خيرا والحمد لله رب العالمين ..
أكتب إليك هذا الخطاب وأنا بالكاد مستيقظة من النوم .. كان نومي مرهق هذه الليلة ، ولا أدري السبب ، لكن أجمل ما فيه أنني عندما وضعت رأسي على الوسادة رأيت يوم زفافنا .. كان أجمل يوم في الوجود .. ربنا يكرمنا ونكرره مرة أخرى يا ماد ..
روح قلبي ونور عيني ماد .. قطتي الجميلة .. ودبدوبتي أم نظارة .. وحشتني من اليوم الصباح حتى الآن .. أحبك .. أحبك .. أحبك ..
يا ترى يا حبيبي كيف سنحتفل بهذا اليوم ؟
جاءتني فكرة الآن حالا ، ما رأيك أن نصلي معا سويا في وقت واحد ركعتين قيام لله وندعو الله في هذه الصلاة أن يعجل جمع شملنا على خير ، ويكرمنا في الدنيا والآخرة ويفرج كربنا وكروب المسلمين ..
ما رأيك ؟
أعرف أنك ستقول :
أأمر يا جميل أمرك ماشي ..
كف عن هذه الكلمة ..
أنت الذي تأمر يا حبيبي وأنا علي التنفيذ .. أوامرك يا باشا .. يا بياع البغاشة ..
روحي وحياتي ومهجتي : لا أدري ماذا أفعل .. أمنيتي أن أكون معك في هذا اليوم .. أقول لك : كل سنة وأنت طيب ، وبدل من أن نصلي معا ركعتين في جوف الليل ، نجعلها عمرة مثلما احتفلت أنت بهذا اليوم من قبل ..
أتمنى أن تتشابك أيدينا مثلما تشابكت قلوبنا .. لا بل ذابت في بعضها .. لكن فصبر جميل والله المستعان ..
حبيبي لا أجد ما أقوله .. أحبك .. أحبك .. أحبك
وحشني والله واحشني ومين يقولك مين
ده اليوم في بعدك سنة ويا عيني عالصابرين
واحشني
في عيون الناس السهرانة ألمح صورتك
وفي همس الوردة النشوانة أسمع سيرتك
أتشوق لك .. أتزوق لك
وفي قمر الليل أسمع مواويل
بتقولي ما فيش إلا أنت جميل
أتذكر يا ماد لما غنيت لك هذه الأغنية ، وأنت تقول لي : كفى .. كفى .. ستفتنيني .. أنت صوتك مثل صوتها ..
ماشي يا سيدي بلاش ده ..
روحي فداؤك طال البعد يا زوجي
كفى غرابا لنفس المعذبة
مالي اصطبار فراق القلب ألهبني
أفديك .. أفديك هذا بعض أمنيتي
مادي في القلب
آآآه
وقلبي في هوى مادي ..
هل تذكر عندما غنيت لك هذه الأغنية ؟
طبعا تذكر .. وحشتني جدا جدا ، وأكيد أن الله برحمته سيعوضنا خيرا بمقدار صبرنا .. أنا مستبشرة خيرا ..
هل تذكر عندما صبرنا على عقد الزواج ، وعوضنا الله من أول ليلة بل من أول لحظة بعد ( الإفراج ) فيكون هذا الحب وتكون هذه المشاعر الدافقة تغدق علينا إلى هذا الحد يا روحي .. وهذا كله لصبرنا على ما كتبه الله لنا ، وهذا مثال واحد من أمثلة كثيرة عشناها سويا .. فالحمد لله رب العالمين
حبيبي معذرة لسوء خطي ، لأني أكتب في الظلام بعيدا عن أهلي ، حتى أستطيع أن أعيش لحظات القرب بعيدا عن التدخلات الخارجية التي ليس لها داع..
ليتك يا حبيبي تكتب لي ماذا فعلت في هذا اليوم حتى أعيشه معك ، ويكفي أنني أعيشه بعدك بأسبوع ..
ماد .. ماده .. عماد .. هل تعرف أن اسمك جميل جدا .. وهل تعلم أنني لم أكن أتصور أنني سأتزوج من رجل اسمه يدلل نفسه !!
يا دلع .. يا دلع .
يا رب هديتي الصغنونة تعجبك .. إن شاء الله تعجبك ..
ستقول لي أيضا قطة ؟؟
آه طبعا أمال إيه :
ما أنا قطقوطة نونو دح أنا كتكوتة حلوة وصح
ولا إيه يا روحي ؟
أنت تعلم أنك متزوج طفلة .. دائما هم يقولون ذلك ، وأنا أقول لهم هو يعرف ذلك جيدا ..
ألا تعرف هذا يا بابا يا حبيبي ؟
أحبك .. أموت فيك .. أذوب فيك .. أنا انتهيت وذبت .. أتركك الآن يا روحي .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حبيبتك
منة show

كانت هذه يا صديقي عينة . إنها عينة عشوائية من خطاباتنا الملتهبة بالحب ، الذاخرة بالأشواق ، المحترقة بنار البعاد .. ولقد كان كلا الخطابين في الشهور الأولى لبعادنا ، فكيف بما تلا ذلك من شهور طويلة مضنية ..
لاشك أنها كانت ألم على ألم ، لكنك بالتأكيد يا صاحبي في غنى عن هذا العناء ، فما تكبدت عناء قراءة سطوري إليك ، لتجفف دمعك من جراء هذه العواطف المشحونة ، وما أردت أن أكتب إليك فأصيبك بالحزن .. ولكن كي تدرك معي ما أدركت :
إن مع العسر يسرا .. إن مع العسر يسرا ..
ولن يغلب عسر يسرين ..


الحلقات القادمة : 14 - اللقاء الساحر
ان شاء الله

semeramis
11-05-2010, 10:03 PM
ان شاء الله،، في الانتظار أختي شيماء
منوره ياقمر

Princess Amira
12-05-2010, 12:36 AM
الله يكرمك يا شيماء ده من ذوقك بس

semeramis
12-05-2010, 09:59 PM
14 - 1 - اللقاء الساحر ..


كنت قد ودعت قلوبا في مصر عندما سافرت ، والوداع الأخير كان لمنال حبيبة القلب ، وتوأم الروح ..
وكنت اليوم ذاهبا برفقة ( عمو محمد ) مشكورا إلى ميناء جدة الإسلامي ، لاستقبال ثلاثة قلوب ملؤها الحب والشوق واللهفة إلى اللقاء ..
أبي الذي قرر مرافقة منال في قرار بطولي رائع .. ومنال التي أضناني فراقها ، وعلى كتفها ( مريومة ) طفلتنا الصغيرة ..
وبعد طول انتظار احترقت فيه الأعصاب ..
غنت الأطيار ، وتمايلت الأغصان .. وأضاءت أنوار القلب ، وشعرت أننا نفتح كتاب الحياة على فصل : هادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ..
فبلاد الأفراح كما هي في جنان الله ، فهي أيضا قائمة على الأرض حينما يكون اللقاء على الله ..

كانت لحظات خالدة فريدة قلما تتاح لزوجين فرصة مثلها للاحتفال بلقائهما معا.. بدأنا لقاءنا بأداء عمرة .. وكانت منال تغادر وطنها لأول مرة في حياتها ، وقد كان أطول سفر لها من قبل هو ذهابها إلى مدينة القاهرة ، فإذا بها تنتقل من قارة إلى قارة ، فتعبر البحر الأحمر إلى قارة أخرى تحيا عليها أيامها القادمة !!
وفي سيارة ( عمو محمد ) الذي جعله الله تعالى سببا لسعادتنا مرات ، فهو الذي أرسل لي عقد العمل ليعجل بزفافنا ، وهو الذي يزفنا الآن إلى جنة الأرض للمرة الثانية في حياتنا ، وقد جلس أبي بجواره في المقعد الأمامي ، وجلست منال بجواري وعلى كتفها مريم ..
كانت منال تختلس النظر إلي ، بينما أنا كنت أدقق النظر في الطفلة التي على يديها ، كانت صغيرة .. صغيرة جدا .. أما منال فلم أكن أنظر إليها ، فقد كنت أحترم إحرامها بالعمرة ، وكنت مشفقا عليها وعلى نفسي من تبادل نظراتنا ، لقد كنت أدرك أن أشواقنا لن تصمد إذا بدأنا نستجيب لها ، وقد عادت بنا الذكرى إلى ليلة عقد زواجنا ، حينما كنا نلجم جموح مشاعرنا وندخرها كلها إلى أن نغادر السيارة إلى الغرفة التي على الطريق .. ولا أظن أننا تبادلنا إلا القليل جدا من الكلمات طوال الطريق من جدة إلى مكة !!
وأخيرا رأت منال شقتنا بمكة ، ولقد كانت شقة مختلفة كل الاختلاف عن شقتنا الأولى بشبرا ..
كانت بسيطة لكنها كانت مؤثثة .. كان بها لأول مرة في حياتنا الزوجية غرفة نوم .. وأدوات مطبخ ، وغرفة استقبال !!
وتركت منال تتعرف على الشقة وعلى كتفها مريم .. وذهبت أنا وأبي للإحرام من التنعيم ( مسجد السيدة عائشة رضي الله عنها ) ، ثم كانت أول مرة تقع فيها عينا منال على الكعبة المشرفة على الطبيعة ، ولقد كان قلبها يخفق
وكنت أنا أول مرة أحمل طفلتي .. كنت أحمل مريم على كتفي .. كانت ( سفروتة ) لكنها غدت ريحانة القلب ..
وأتممنا عمرتنا ، وعببنا من ماء زمزم .. ثم ..

ثم عدنا إلى شقتنا ، وجلسنا نؤانس أبي الحبيب في الغرفة التي أعددتها له .. ثم نظر أبي إلينا نظرة ملؤها الحب والحنان .. ثم استأذننا قائلا :

- هيا يا أولاد أريد أن أنام .. لقد أرهقني السفر ..

وهكذا كان أبي مثل النسمة ، يكون حاضرا بيننا ، ولكن لا يكاد يشعرنا بوجوده ..

وانصرفنا إلى غرفتنا ، وأذن رضوان لنا بدخول جنة الأرض من جديد .. ولم تكن مجرد جنة .. بل كانت فردوسا .. وشاء الله تعالى أن يعوضنا عن ليلة زفافنا الأولى ، بليلة أخرى لا تقل روعة ولا جمالا ولا شوقا ولهفة .. وكانت أيضا مثل ليلة زفافنا الأولى ليلة جمعة ..
أزعجنا بكاء مريم كثيرا في بداية الليل حتى آن لها أن تنام ، وأدركنا كيف يعوض الله تعالى القلوب المحرومة المكلومة بالفراق .. كيف يضاعف لها السعادة ، ويعيد لها الذكريات مرات عدة !!

مر الأسبوع الأول ، وكنا فيه عروسين كأنه أسبوع الزفاف .. عروسين ترافقهما طفلة رضيعة !!
كان عمر مريم وقتها شهرين ..
ولم يكن بالطبع في استطاعتي أن أحصل على إجازة طويلة من عملي لإقامة شهر عسل جديد ، لكن الأوقات التي كنا نقضيها في المنزل كفيلة باستعادة ذاكرة السعادة ..
ولقد اكتملت سعادتنا لأننا في نهاية هذا الأسبوع كنت قد أعددت لرحلة كانت مفاجأة لهم .. كانت الرحلة إلى المدينة المنورة ..
كنا نحيا في حلم جميل ، ولابد أن السعادة التي كانت ترفرف على منال ، كانت تنعكس على مريم ، وهي تناغيها فتقول لها : هذا بابا .. بـ بـ بـ ا .. لابد أنها كانت تؤثر على لبن رضاعتها فتحيله شهدا ، وأظن أن الرضيعة كانت تشعر بقدر مختلف من الحنان والدفء والسكينة ..
وكان أبي سعيدا جدا فقد كان من عشاق المدينة ، وكان عشقه لمكة المكرمة أشد وأكبر .. وكان بالطبع قد زار المدينة مرات من قبل بعدد مرات العمرة والحج التي يسر الله له أداءها ، ولكن رحلته معنا كانت أطول مدة قضاها في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم .. فكان سعيدا إلى أبعد حد ..
أما أنا و( منة ) فقد كنا نهيم فوق السحاب .. لقد آن الأوان أن نفتح بعض صفحات السيرة النبوية العطرة في موقع حدوثها .. كنا كأننا نتلمس مواقع أقدام الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام .. وتذكرت نشيدا كنت طلبته من الفرقة التي زفتنا ليلة زفافنا ، وألححت في طلبه وتكراره :
قلبي بك مملوء غرام
يا حبيبي
أنت والصحب الكرام
يا حبيبي
قلبي بك مملوء غرام
يا حبيبي
أنت والصحب الكرام
يا حبيبي
مناي ، مناي أسلم عليهم
وأقبل يديهم
يا حبيبي
وكنا نسمر أحيانا في غرفتنا في الفندق البسيط الذي نزلنا به ، أو بغرفة أبي فأحكي لهم موقف من المواقف العاطفية الرقيقة في السيرة ، ثم .. تسيل الدموع .. دموع الحب والشوق واللهفة على اللقاء .. ونهتف :
بأبي أنت وأمي يا رسول الله ..

وعدنا من المدينة إلى مكة ، ولم تكن غربة .. ولن تكون .. وقد جمع الله شمل الأحبة بعدما ظنوا ألا تلاقيا ..


14 - 2 - تابع اللقاء الساحر ..


وبدأت حياتنا العملية ، وكنا مازلنا نحلق فوق السحاب ، ولم يعد ينغص سعادتنا إلا أمرٌ واحدٌ ، لكنه كان على جانب كبير من الأهمية ..
لقد كانت إقامة منال معي إقامة غير نظامية ، لم تكن تأشيرة دخولي المملكة تسمح باستقدامي زوجتي ، وإنما هي قدمت إلي بتأشيرة عمرة وأبي مرافق لها ، وكان علينا أن نبحث عن طريقة لعودة أبي إلى مصر دون مرافقة منال .. لقد كان رفيقها باعتباره محرما لها في المجيء إلى العمرة ، وكان هذا عملا فدائيا منه ، ولقد كان الرجل مرتبطا بعمله الحكومي ، وأجازته على وشك الانتهاء ، وهو في آخر سني هذا العمل الحكومي الطويل ، ولا يجمل أن يلوث سجله الوظيفي الناصع بالانقطاع عن عمله في آخر خدمته قبل الخروج على المعاش ..
بالإضافة إلى انتهاء مدة تأشيرة إقامته في المملكة ، وهو معرض إلى أحد أمرين ، إما أن يحبس نفسه بالمنزل لا يخرج منه ، وإما أن يمارس حياته ويخرج إلى الشارع ويمضي إلى الحرم ، وهو بذلك يعرض نفسه إلى حملات التفتيش وإذا ألقت الشرطة القبض عليه وهو على هذه الحال ، فإنه سيعامل معاملة سيئة باعتباره مخالف للقوانين والأنظمة ، وهو الرجل المحترم الذي لم توجه له طيلة حياته كلمة خارجة عن اللياقة والأدب !!

لكن الله الذي ربط بين القلوب ، ومهد لقاء الأجساد بلقاء الأرواح ، الذي ظل يتشكل سنوات طويلة على غير إرادة منا ولا تدبير ولا توقع .. كان رحيما بنا أعظم ما تكون الرحمة ..

ولقد وفقنا الله أخيرا إلى مخرج ، وركب أبي الباخرة لترحل به من ميناء جدة الإسلامي عابرة البحر الأحمر إلى مصر ، وكان يوم وصول أبي إلى أرض الوطن بسلامة الله ، هو يوم زفاف جديد لنا ، وبدأ من جديد شهر العسل ، ولم يكن ذلك من ثقل ضيافته علينا ، بل سبق وذكرت لك أنه كان كالنسمة الرقيقة وهو بطبيعته الحيية ، ورقته التي جعلت منه شفيعا للمحبين ، كان يشعرنا دائما أننا بمفردنا ، بل كان يأخذ عنا ( مريومة ) فترات طويلة ليخلو الحبيب بحبيبه ..
لكننا قبل هذه اللحظة كنا نخشى من عاقبة المغامرة .. كنا نخشى أن نستيقظ من هذا الحلم على كابوس ضرورة عودة منال مع أبي .. لكن الله برحمته سلم ، فبدأ شهر العسل ، بل بدأ عمر كامل ممتد من العسل المصفى ..

لكن أبي لم يغادرنا ، إلا بعدما أحب منال ، أحبها حبا كبيرا خالصا ، وقد تعلق بها ، فقد شعر بأن الله تعالى قد عوضه بها عن عدم إنجاب البنات .. لقد كانت هذه من أهم خصائص منال : كانت تستطيع تطويع القلوب لحبها ، مهما بدت تلك القلوب غير مستعدة لذلك ، ومهما قللت هي بتواضع من قدرتها على ذلك ..
ولم يكن قلب أبي مستعصيا أبدا على الحب ، كانت تأسره النظرة الرقيقة المكبرة العارفة بقدره ومكانته ، والكلمة الجميلة المهذبة ، وقد كانت منال قديرة في هذين الجانبين ، كانت تجلس معه طوال ساعات دوامي المسائي في الشرفة تستنطقه الذكريات ، وكان أبي كتوما يحب الصمت ، لكنها كانت كثيرة الإلحاح على المعرفة منه ، وكانت تبدي حرصا فائقا على أمرين .. على ذكريات شبابه وعلى قبول النصيحة فتطلبها بشدة وإلحاح ..
ولعل واحدا من أهم الأسباب التي جعلت أبي يسلم قلبه تماما لزوجة ابنه ، هي السعادة التي كانت تطل من عيني ابنه ، فيشعر أن هذه المرأة الشابة تعرف كيف تسعده ..
ولقد مضى أبي وهو يدعو لها بكل خير ، وهو يوصيني بها أشد الوصايا ، ويخوفني من الاحتداد عليها أو الإساءة إليها أو إهانتها ..

ربما كانت حياتنا بعد ذلك مثل أي زوجين أو مثل أي أسرة صغيرة ، لكنها كانت تتميز بالحب الحقيقي ، كانت تتميز بإرادة التعبير عن الحب الحقيقي ..
ربما شعر بعض الأزواج نحو زوجاتهم بالحب والعاطفة ، لكنهم يعتبرون كثرة التعبير عن ذلك جهدا ضائعا أو عبثا لا طائل من ورائه ..
لكنني ومنال كنا قد استشرفنا من حديث رقيق من أحاديث حبيبنا الرسول صلى الله عليه وسلم :
إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره ..

استشرفنا منه أن الإلحاح على التعبير عن الحب ، يزيده في القلب ولا ينقصه ، ويجعلنا دائما نبدأ قصة حبنا من جديد مع كل يوم جديد ..

وكان حبنا بالفعل يزداد ، وكان الاختلاف الآخر بين حياتنا وبين الأسر الصغيرة الأخرى ، أننا كنا حريصين وفيين للعهد الذي قطعناه على أنفسنا ، لقد كانت تحدث في حياتنا مشكلات من تلك التي تحدث في كل البيوت ..
لكننا تعاهدنا ألا يبيت أحدنا وفي قلبه ذرة غضب أو حزن من الآخر ، فكنا نصفي ما بنفسينا دائما وباستمرار .. وكنا لا ننام إلا هانئين قريري الأعين ، حتى أنني كنت أتفقد مكانها وهي تتفقد مكاني أثناء النوم ، فلم أكن أهنأ بنوم إذا شعرت أن ( منة ) قلقة ، أو استيقظت لشأن ، حتى أطمئن عليها بين أحضاني ، وهي كذلك ..
ثم لم يكن بيننا أسرار ، فكل منا كتاب مفتوح أمام نصفه الآخر !!

كانت الصداقة الوثيقة التي تربط بيننا ، مع تقارب العمر ، وتوحد التفكير ، كلها عوامل جعلتنا ننطق الكلمة المشتركة معا ، ونتنبه للفكرة المشتركة معا .. ونقوم بالفعل المشترك معا . ولو كان كل منا في مكان منفصل ..
لقد كنت كثيرا ما أتوقف مع منال أمام تعبير الله تعالى في القرآن عن الزوجة ( بالصاحبة ) ، مثل قوله تعالى ( وصاحبته وبنيه ) .. وكنا نؤمن أن الزوج للزوجة كالصاحب للصاحبة ، فكلاهما كالصديق للصديق ، وكنا نعجب من هؤلاء الأزواج الذين يحملون بعض الأسرار والمشاعر والأفكار ، فيضنون بها على نسائهم بينما يخصون بها أصدقاءهم ، وكذلك الزوجات مع صديقاتهن !!
رغم أن الصداقة الطبيعية والصحبة الدائمة إنما هي بين الرجل وزوجته !

ولم تكن منذ البداية الأعباء المادية تشغل بالنا كثيرا ، كنا نؤمن أن الرزق مقدور وأنه قادم لا محالة ، فلا مجال للتفكير فيه أكثر مما يستحق ..
كانت هذه يا صديقي أهم ملامح حياتنا العامة ، وهي كما ترى حياة عادية تربط بين أي زوجين بينهما تفاهم وحب .. ولكن منال كان لها مشروعات صغيرة .. دائما كانت لها مشروعات .. وربما كنت أنا كذلك ..

وكانت أمامنا عقبات واجهتنا في طريق الحياة ، عقبات من الخارج ، كانت كفيلة بالقضاء على قيمة الحب نفسها ، وتحطيم معاني السعادة .. لكن منال كانت حجر الزاوية في بناء جعلته صلبا لا يتزعزع مهما عصفت به ريح المحن العاتية ..



14 - 3 - تابع اللقاء الساحر ..

أدركت منال من مستوى دخلنا ، أنها يجب أن تجتهد ، فلقد تكبدت بعض الديون في بداية حياتي بسبب أعباء السفر والتدريب للعمل ، وفترة قضيتها بلا عمل ، وهكذا ..

ولقد كان دخلي يكفي تلك الأسرة الصغيرة السعيدة ، أن تأكل وتشرب وتلبس من أشهى وأجود الأنواع ، وربما بإمكانها أن تنفق على النزهة البريئة الجيدة دون ترف أو إسراف ، لكن دخلنا في ذات الوقت لم يكن يحتمل الادخار أو سداد الديون أو حتى الإقبال على شراء الأجهزة باهظة الثمن أو التي تعتبر من الأثاث المعمر للبيت ..
وكانت منال تعرف حقيقة دخلي ( بالهللة ) وهي تقابل ( المليم ) بالعملة المصرية .. ذلك أننا تعاهدنا على الصدق والصداقة ، فلم أكن لأخفي عنها ما يأتي ، ولا ما أنفق .. ولذا قررت منذ البداية أن تكون امرأة منتجة لا عاملة .. قالت لي :

- عمدتي حبيبي .. إني قابلت بعض زوجات أصدقائك ، بعضهن يعملن سواء في المدارس الأهلية ، أو في غيرها ، وبعضهن يبحثن عن عمل .. ما رأيك ؟

- أنت تعرفين مبدأي جيدا في هذا الأمر ..

- قالت بدلال وهي تداعب شعري برقة : مبدأك في أيهما يا روحي .. في فكرة العمل ؟ أم فكرة الخروج من البيت ؟

- قلت مندهشا : في كليهما .. فما الفرق ؟

- لا يا حياتي هناك فرق كبير .. أنا أتفق معك أن بيتي وأولادي أولى بي ، وأنت طبعا قبل كل شيء يا حبيب قلبي .. وهذا لا يسمح لي بالخروج للعمل خارج البيت ..

- هذا كلام جميل ..

- لكن يا روحي أنا أعرف أن الظروف صعبة ، وأننا يجب أن نواجه مسؤولياتنا .. ولا مانع أبدا من أن تكون الزوجة .. زوجة منتجة وهي في بيتها ..

- وأنا أريدك يا روح قلبي زوجة منتجة ، فتربيتك الجيدة لمريم وعنايتك بنظافتها وصحتها العامة وحسن تغذيتها ، وعدم لجوئنا للأغذية المكملة باهظة التكلفة من الخارج ، وقلة ذهابها للطبيب .. وتوفير احتياجاتنا في البيت دون اللجوء للأغذية الجاهزة .. كل هذا إنتاج يا حياتي ..

- قالت وهي تداعب شفتي بأصابعها الرقيقة : هذا يمكن أن تسميه تدبيرا ، أو إنتاجا سلبيا .. لكنه لا يمنع يا حياتي من أن تكون الزوجة التي تحب زوجها ، وتحرص عليه ، وتعيش معه على الحلوة والمرة .. وتشاركه في كل شيء ، لا يمنعها أيضا أن تكون مصدر دخل .. وكل امرأة يمكنها أن تفعل ذلك في بيتها ، دون أن يكون لذلك أي تأثير سيء على زوجها وبيتها وأطفالها ..
- مثل ماذا يا ( أفلطونتي ) الصغيرة ؟

- أقول لك يا حبي .. عندما ذكرت لك أن بعض صديقاتي يعملن ، فأنا لم أكن أفكر أن أعمل مثلهن ، ولا أن أخرج من البيت .. بيت حبيبي ، لا أحب أن أفارقة لحظة واحدة ، إلا إذا كنا معا في نزهة أو زيارة .. ما أقصده حبي ، أن هؤلاء الصديقات محتارات في وضع أطفالهن ، ففكرت أن أتيح لهن مثل دار حضانة ( صغنونة ) .. أي بما تسمح به مساحة الشقة .. طفلين أو ثلاثة أو أربعة على أكثر تقدير ، يؤانسون ( مريومة ) ، وأعتني بهم جميعا .. وهذا له بعد اجتماعي ممتاز لصالح ( مريومتنا ) .. وكل ذلك سيتم بالطبع وحبيب قلبي وروحي في عمله ، فإذا عاد من العمل وجد حبيبته وعشيقته في انتظاره في أحسن صورة يحب أن يراها فيها .. هيه ما رأيك يا قمر ؟

- لكني أخشى عليك من أمرين يا روح قلبي .. الأول هو إرهاقك ، فأنا لا أحب أن أرهقك .. وأنا بطبيعتي كثير الطلبات ..

- طلباتك أوامر يا قمر .. أمرك ماشي .. هات الأمر الثاني الذي تخشاه علي ..

- لا أحب أن تنظر إليك هذه الصديقات نظرة أنك مربية أطفال ، أو مثل ذلك ، على اعتبار أنك أقل منهن .. وأنت في الحقيقة ربما تفوقهن تعليما وثقافة وأشياء أخر .. أنا لا أحب أن ينظر أحد لحبيبة قلبي نظرة دونية ..
- يا روحي أدامك الله لي .. دعهم ينظرون كما يشاءون ، ولكن ما يهمني هو نظرتك أنت لي .. وهل مربية الأطفال مهنة دونية ؟.. على العكس من ذلك إنها أعظم مهنة في الوجود .. ولا تنسى حبي .. أنني من خلال هذه التجربة .. سأزرع في عقول هؤلاء الرضع الصغار .. النبتة الصغيرة البريئة .. بعض السلوكيات والكلمات التي أحب أن نراها ونسمعها من كل طفل ..

وما لبث أن شرح الله صدري لفكرة منال ، فوافقتها .. واستبشرت .. وقدرت لمنال حرصها على مشاركتي والتخفيف عني من الأعباء المادية للحياة ، ولقد كنت أنظر لهذا الدور على أنه زائد وإضافي تماما .. كان فضلا منها أن تفكر في الأمر بهذه الطريقة ، وكنت أؤمن أن تأمين كامل تلك المتطلبات من واجبي أنا وحدي ، فكما لا يتهاون الرجل في أن يعود من عمله فيجد طعامه وراحته معدة جاهزة ؛ إلا في حالات الضرورة القصوى مثل المرض أو الظروف القهرية الطارئة ، فإن الزوجة من حقها كذلك أن تجد زوجها مسؤولا مسؤولية تامة عن حمايتها وأمنها ونفقة الأسرة .. كما أنني كنت مشفقا عليها ، كنت أرفض تماما فكرة أن تنظر إليها إحداهن على أنها أقل منهن ، أو إنها مجرد ( دادة لتربية الأطفال )
أو أنها تقوم بهذه المهمة لأن مؤهلاتها لا تمنحها فرصة الحصول على عمل مثلهن ، أو لوضع أوراقها النظامية باعتبار أن تأشيرة دخولها المملكة هي تأشيرة عمرة ، وليست تأشيرة إقامة نظامية ، وبالتالي فهي بإقامتها معي مخالفة لقانون الإقامة النظامية بالبلاد ..

14 - 4 - تابع اللقاء الساحر ..

والحقيقة أن إقامة منال معي كانت مغامرة .. كانت عملية فدائية قامت بها بكل تضحية من أجل البقاء معي ، وما كان أحد يلومها لو أنها رفضت الإقامة بجواري إلا بأوراق رسمية سليمة .. أما من ناحية المؤهلات الدراسية والعملية ، فلقد كانت أعلاهن جميعا من حيث المؤهلات ، فهي الوحيدة من بينهن الحاصلة على دبلومة تربوية بعد البكالوريوس ، كما أنها كانت من القلائل اللاتي مارسن مهنة التدريس في مصر قبل الزواج ..
وبالفعل بمجرد اتفاقنا على فكرة الحضانة المنزلية للأطفال ، رزقها الله تعالى ( بآية ) و( أسامة ) و( أحمد ) ثم ( أشرقت ) ، وكانوا جميعا في سن قريبة من سن ( مريومة ) ..
وكان عدد الأطفال ربما يزيد طفلا أو يقل طفلا .. وفق ظروف عمل الأمهات ، واستمر المشروع عدة شهور .. ثم بدأت الأوضاع تختلف باختلاف أعمال أمهاتهن ، والتنقلات الدائمة التي تحدث في سكن الأسر المغتربة ..

ولم تكن منال مع زيادة أعبائها تقصر أو تهمل في واجباتها الأساسية المقدسة ، لم تكن تسمح لنفسها بذلك أبدا .. فقد كانت تؤمن بان التدبير في شؤون المنزل هو جزء من مهمتها كزوجة منتجة !!
وكانت منال كلما وصل إلى كفها مبلغ من المال كأجر لعملها ، تصبح في غاية الحياء ، وهي تتردد كيف تضع هذا المبلغ في يدي دون أن تخدش مشاعري ، فكانت مثلا تسألني قائلة :

- حبي كنت أريد أن أسأل .. متى ستستلمون الراتب إن شاء الله ؟

- والله لا أعرف يا ( منولة ) ظروف المؤسسة هذه الأيام متعثرة ، وربما تأخر صرف الرواتب هذا الشهر ..

- أردت أن أبشرك يا حياتي .. لقد رزقنا الله رزقا حسنا ..

ثم تخرج المبلغ مبتسمة وتضعه بين يدي وهي تقول :
- هذا الرزق أتت به أم الطفل فلان هذا الصباح ..

- مرة أخرى حبيبتي ؟ .. ألم نتفق يا روح قلبي على أن هذه المبالغ ستدخرينها لنسدد بها بعض الديون ..

- تتسع ابتسامتها وهي تقول : لا يوجد فرق يا حبي .. دع معك هذا المبلغ البسيط الآن للإنفاق منه ، وعندما تستلم الراتب ، نقتطع ما يساويه .. المهم إن جيب حبيبي وحياتي وروحي لا يكون خاليا أبدا .. ربما قابلتك أي ظروف ، أو طلب منك أحدهم شيئا .. لا أحبك أن توضع في موقف حرج أبدا يا حياتي ..

- وأمد كفي فآخذ المبلغ ، وهي تقبل رأسي وتقول : جزاك الله خيرا يا حبي ، لأنك لم تخذل طلبي ..

ولم يكن هذا هو المشروع الوحيد الذي فكرت واجتهدت فيه ( منة ) للمعاونة في الأعباء المادية ، بل إنها ما لبثت بعدما تبدلت ظروف أمهات الأطفال وقلة عدد من يحضر منهم لحضانتها ، كانت قد فكرت في الاستفادة من التجربة ، لقد حولت فكرة الحضانة كمكان أمين لرعاية الرضع والحرص عليهم أثناء غياب أمهاتهن في العمل ، إلى فكرة رياض الأطفال .. كانت مريم تكبر قليلا في السن .. تخطت سنتها الأولى وبدأت تخطو أولى خطواتها ، وتنطق بعض الكلمات اللذيذة المتلعثمة ، وكانت ( منة ) حريصة كل الحرص على تنمية ثروة مريم اللغوية ومدها دائما بالكلمات الجميلة ، والأناشيد الصغيرة الممتعة سهلة الحفظ ، ثم طورت فكرتها ، وعرضت على صديقاتها من أمهات الأطفال الأكبر سنا ما بين ثلاثة إلى خمس سنوات ، أن تقوم بعمل ( رياض أطفال ) بالنسبة لهم ، بحيث يحضرون إلى المنزل ويدرسون بعض الأمور المهمة مستعينة في ذلك بمناهج رياض الأطفال ، بحيث يجيد الطفل حفظ بعض سور من القرآن الكريم ، وبعض الأحاديث النبوية الشريفة ، وأذكار الأحوال .. والأناشيد الممتعة ، وغير ذلك من الآداب والسلوكيات ، والتعرف على الصور وأشكال الحروف .. إلى غير ذلك من مناهج رياض الأطفال ..
ولقد كانت منال تملك الموهبة ، والصبر ، وحب الأطفال ، والرغبة ، وكانت رغبتها تتعدى بكثير حد المساهمة المالية في أعباء المعيشة ، إلى فكرة غرس القيم التربوية السليمة في أبناء المحيطين بها ..
ولقد زكى منال للقيام بهذه المهمة بين صديقاتها ، ما كن يلاحظنه على ( مريم ) وهي في سنها الصغير جدا هذا من حسن أدب ، وحسن تعلم أيضا .. وكانت الكلمات البسيطة التي تتعلمها ( مريومة ) ، نختارها لها بعناية .. فلم تكن تطلب طلبا دون أن تسبقه بلفظ ( لو سمحت ) .. أو ( من فضلك ) .. ولم تكن تنطق كلمة : أنت ، أو أنتِ ، وإنما ( حضرتك ، وحضرِتك ) .. وتردف ذلك بالدعاء الجميل :
جزاك الله خيرا ..

كانت الكلمات تخرج من فمها بتلك اللثغة الطفولية المحببة إلى النفوس .. لكنها كانت كلمات راقية وموحية .. ولم تكن وليدة البيئة ، على العكس تماما كانت مختلفة مع ما يتردد ليل نهار في البيئة القريبة .. لقد كانت مفردات مختارة بعناية فائقة ..

كانت ( منولتي ) تملك هذا الحس ، وكانت تختار لكل مصطلح تريد أن تعلمه لمريم ، إن تعددت له الأسماء ، تختار أرقها وألطفها ، مهما كان أصعب في النطق ، والحفظ بالنسبة لسن الطفولة المبكرة ..
وكنت معها على نفس المستوى من الحرص والانتباه بهذا الخصوص ، فكنا نتعاون سويا على ذلك . وكنا نختار الألفاظ المحببة الرقيقة التي نظن أنها أقرب ما تكون للغتنا العربية الجميلة ..
إن أولادنا حتى سن المدرسة لم يكونوا يعرفون اسم ( الكلب ) كنا نطلق عليه ( بوبي ) .. حتى لا تعلق بآذانهم ألفاظ السباب !!

ولقد كانت ( مريومة ) في هذا السن هي عبارة عن العينة أو النموذج الذي يقدمه الصانع لعملائه ، كإغراء لهم لطلب صنع هذا النموذج مع أبنائهم ..

والحقيقة يا صديقي أنني رأيت أسرا تقوم ببعض هذه الأنشطة في الغربة ، لكنها كانت تنظر إلى هذه المشروعات باعتبارها مصدر دخل في المقام الأول وقبل كل شيء ، وبالتالي ربما قاموا بهذه الأنشطة دون أن يوفروا لها الاهتمام الكافي لتحقيق النجاح ، وإحداث التغيير التربوي المطلوب ..
لكن منال كانت تهتم .. كانت كأنها مقبلة على اختبار ، وكانت تحب أن تتقن عملها .. كما كانت لا تنسى البعد الرسالي فيما تقوم به من عمل ، وهي ترفع شعار :
أجر وأجرة ..
ثم هي تضع في يدي ما تتقاضاه من أجرة قليلة لا تتناسب مع ما تبذله من جهد كبير ، تضعها بين يدي لتستكمل أجرها من الله خالصا من كل حظ للنفس ..

14 - 5 - تابع اللقاء الساحر ..

وقد حدث ذات مرة موقفا طريفا و كنا في زيارة بعض الأصدقاء ، وبعد فترة من الزمن سألت الزوجة منال :
- بماذا تنادين زوجك ويناديك زوجك في البيت ؟

- ودهشت منال للسؤال : ولعلها لم تجد إجابة

- فسألتها الزوجة في شيء من استنكار خفيف : هل تنادي زوجك بكلمة حبيبي دائما حتى أمام ابنتك ؟

- أجابتها منال بتلقائية .. تقريبا .. فنحن لا نتذكر أسماءنا إلا في وجود ضيوف مقيمين عندنا ، أما فيما عدا ذلك فنحن فعلا نتنادى بـ حبيبي ، وحبيبتي ..

- آه .. لذلك فإن مريم ابنتك .. تنادي كل من حولها من الأطفال بكلمة حبيبي .. وهذا ما لفت نظري فسألتك ، ولكن تكرار هذا الأمر أمام الأولاد أظن أنه غير مستساغ ؟؟

- على العكس يا سيدتي .. أولا النبي صلى الله عليه وسلم .. علمنا إذا أحب أحدٌ أحدا .. أن يخبره ، وليس عيبا أن نعود أبناءنا على جو الحب وأن نحيطهم به .. وأن نزرع داخلهم منذ الصغر أن الحب والتعبير عنه ليس عيبا ولا جريمة ..



أما أنا فقد كنت في الفترة التي حضرت منال فيها إلى مكة ، مشغولا بإعداد بحث ، لم يكن بحثا عاديا ، ولكنه كان مشروع كتاب .. كنت قد أنفقت فيه كثيرا من الوقت والجهد والبحث والعمل المضني الجاد ..

كنت منذ طفولتي مولعا بالأعمال الكبيرة الرنانة ، فتمنيت منذ سن مبكرة أن أعمل في الصحافة وأن ألمع فيها وأن أصبح مثل هؤلاء الذين يحرص أبي على قراءة أعمدتهم اليومية بالصحف والمجلات .. وتمنيت كذلك أن أكون كاتبا مرموقا ، وحلمت بأن أكون خطيبا ثوريا مفوها وزعيما دينيا أو سياسيا أو اجتماعيا يشار إليه بالبنان ، وفي مرحلة شبابي المبكر جاهدت هذه الأحلام اعتقادا مني أنها مبادئ ( جنون عظمة ) ..
ربما أخرني هذا الورع الكاذب بعض الشيء ، بالإضافة إلى عدم امتلاكي لمواهب خاصة في التنظيم والإدارة ، وضعفي في ناحية العلاقات الاجتماعية .. كل هذه العوامل بعدت بي عن تبوأ الطريق الصحيح لأحلامي ..
وإن كنت قد غادرت مصر وأنا خطيب لا يمكنني أن أقول مرموقا ، وإنما مؤثرا ومُجيدا في اللحظات التي أبدي فيها نوعا من الجدية والاهتمام ..
وكان من طبيعتي أنني أكتب لأحد .. لشخص ما ، حيث لم تكن هناك فرصة لعرض إنتاجي المتواضع وتجاربي الأولى على جماهير حقيقية ، فكنت أخص بعض الأصدقاء المقربين ببعض هذا النتاج ، وكان أكثرهم تحملا لي بطبيعة الحال هو صديقي الحميم ( أحمد عبد الجواد ) ..

ولقد آنست في منال منذ فترة الخطبة نوعا من الصداقة والنضج أتاح لي أن أقدم لها عملا .. كانت فكرة قصة ، رواية مستوحاة من السيرة النبوية الشريفة ، وكنت قد كتبت مسودتها في كشكول كامل ، وقدمتها لها لقراءتها وإعطائي رأيا فيها ، وقرأتها منال غير أنها لم تستشعر فيها هذا التميز والألق المنتظر ..
لعلها كانت تجد في حديثي عن السيرة باللسان ما هو أكثر إثارة وتشويقا من إخضاع الأمر لمحاولة الكتابة ، فلم ألق منها التشجيع المنتظر .. ونسيت الأمر برمته ..

ولكن موضوع البحث الذي كنت بصدده كان قد ألح علي بفعل واقع معين في بداية إقامتي بمكة ..
وكان المتوفر معي وقت قدومها إلي مسودة فقط ، وكان من الطبيعي أن أعرضه عليها .. لكنها في هذه المرة وجدت ضالتها المنشودة ، فقد رأت فيما أنتجت من أفكار وصفحات ، ما يستحق الإطراء والتشجيع والمساندة ، فكنا نسهر معا الساعات الطوال ، نبحث ونراجع ، ونستخرج مما عندنا من المراجع البسيطة ما يخدم فكرتي .. بل كنت أترك لها المرجع كاملا ، وأترك لها فكرة الموضوع أو العنصر الذي أبحث عنه ، وأعود من العمل لأجدها قد قرأت الموضوع ، ووضعت الخطوط تحت السطور التي تخدم فكرتي ، وأمدتني بالملخصات ..

وتحولت منال منذ هذا العمل إلى سكرتيرة ومساعدة خاصة ، بكل ما في الكلمة من معنى ، فلم تكن تساعد زوجها تلك المساعدة العادية ، لكنها كانت تملك الثقافة الكاملة والمنهجية اللازمة ، والدقة المتناهية ، والتنظيم الدقيق ، لتنجز هذا العمل على أكمل وجه .. علاوة على ما كانت تغمرني به من مكافآت مبهجة كلما أنجزت انجازا محسوبا في هذا الكتاب ..
وكنت كلما حاولت أن أتطاول فأطلب موعدا مع أحد الأستاذة الأفاضل لأقدم له عملي المتواضع طالبا المشورة والنصيحة والتصويب والمراجعة ، وأجد الصد في هذا الاتجاه ، وكل ينظر إلي على أني مدعي ثقافة .. أو متوهم علم .. باعتباري على كل حال من ( الرويبضة ) ، أي من العوام الذين يتكلمون في جليل الشؤون ..
فقد كنت أعود إليها منكسرا أو غاضبا أو مستنفرا ، وكنت أجد فيها الصدر الدافئ الحنون ، وكان أهم ما تقدمه لي إعلانها الدائم بإيمانها المطلق بي .. فقد كانت تلح على أني أملك ما أقدمه ولذا فإن علي الصبر والمثابرة ومواصلة المسيرة بلا يأس حتى تحقيق الحلم ..
ولقد صرت منذ هذا الوقت حلمها وأملها ، ورهانها .. كانت تراهن على نجاحي وتنتظره بين لحظة وأخرى وتبشر به ..

14 - 6 - تابع اللقاء الساحر ..

لقد اكتشفت منال أن بداخلي نفسية فنان .. تلك النفسية المزاجية الحساسة .. نفسية مرهفة جدا ، وهي لذلك شديدة الحساسية ، عميقة التأثر بالمتغيرات ولو كانت بسيطة لا يشعر بها أحد من المحيطين بي ، نفسية كثيرة التقلب والانفعال .. وهي النفسية التي وصفها لي طبيب نفسي معالج وصديق في نفس الوقت قائلا :

- نفسيتك يا عم عماد نفسية مزاجية .. ممكن التعبير عنها بالنفسية ( المودية ) .. فهي شديدة التقلب والانفعال ..
- وهل هذه مشكلة كبيرة يا دكتور ؟

- المشكلة الحقيقية في هذه الحال ، أن التقلبات فيها تكون شديدة ومتباينة أو متفاوتة .. هي تكون أشبه بالذبذبات الكهربائية غير المنتظمة أو مثل التيار المتردد .. أحيانا تكون الانفعالات في حدها الأقصى ، وأحيانا تكون الانفعالات في خط مستقيم ثابت ، وأحيانا تكون الانفعالات أقل من المعتاد أو الطبيعي .. وأحيانا أخرى تصل بك شدة الحساسية والتأثر إلى درجة من درجات الاكتئاب ..

- هل تريد أن تقول يا دكتور إنني لا أملك اتزاناً انفعالياً ؟

- حسنا .. حسنا ، لقد وضعت يدك على أقرب نقطة من الحالة .. أنت تملك اتزانا عقليا و فكريا بشكل جيد .. تريد أن تقيس كافة الأمور بمقياس واحد .. لكن هذا المقياس خاص بك ، فليس كل المحيطين بك من الناس لديهم نفس هذا المقياس المرهف ، ولذا فربما نطق أحدهم كلمة ، يراها التسعة والتسعين شخصا من كل مائة ، أنها كلمة عادية ومقبولة تماما لديهم .. أما أنت فتراها كلمة مؤذية ، أو جارحة ، فتهيج عندك انفعالات معينة ، أو تولد ردود فعل غير متوقعة ولا مفهومة لدى هؤلاء التسعة وتسعين شخصا الآخرين .. ما أقصده باتزان مقياس التفكير هنا .. أن هذه الكلمة التي أثارتك تأتي في إطار منظومة معينة من الأقوال والأفعال والأفكار المرفوضة لديك .. أي أنك تقيس الأمور بمقياس ثابت .. ولكنه مقياس مختلف عن الآخرين ، وهذا سر انفعالاتك الزائدة ..

- سألته بلهفة : وهل هذه الحالة تعتبر حالة مرضية يا دكتور ؟

- يا عزيزي هي أقرب ما تكون للمرض الاجتماعي ، أقرب منها للمرض النفسي ، وإن كانت تؤدي إليه ..

- لغز ؟

- لا .. ليس لغزا .. هي من الناحية الطبية ، لا يمكن اعتبارها مرض نفسي ، لكنها مرض اجتماعي يتوقف على مدى تقبل المجتمع المحيط بك لتلك الانفعالات الزائدة والحساسية المفرطة .. فإن تقبلها المجتمع بدرجة قبول معينة باعتبارك فنان مرهف الحس ، وليس باعتبارك مريض نفسي متقلب المزاج غريب الأطوار والأحوال ، في هذه الحال يحدث تواؤم اجتماعي بينك وبين المجتمع ، ويحدث انسجام نفسي ، فتتغلب على آثار المشكلة .. دون أن تتغلب على أصلها وهي الحساسية المفرطة ذاتها ..

- وإن لم يتقبلها المجتمع ؟

- هنا عين المشكلة .. وهو غالبا ما يحدث أن لا يتقبل المجتمع هذه التقلبات الانفعالية والمزاجية ، ويشعر الشخص ( المودي ) أنه مرفوض اجتماعيا ، بالإضافة إلى حسه المرهف بطبيعته ، فيصاب الشخص بالانطواء فالانزواء وقد تتطور الحالة إلى اكتئاب نفسي ، أي تتحول من مرض اجتماعي إلى مرض نفسي ..
- ولكن الواقع يا دكتور أنني شديد لجم هذه الانفعالات الزائدة ، فانا أتعرض لكثير من الضغوط والمواقف المثيرة والمرهقة جدا لأعصابي ، لكنني أملك قدرة جيدة على التحكم في كبت هذه الانفعالات ..

- ليس بالكامل يا عماد .. لا يمكن أن تكبتها بالكامل .. لا يستطيع أي شخص في العالم أن يفعل ذلك ، فإنك إما أن تختزنها ، فتظل تضع بعضها فوق بعض ، حتى تأتي لحظة الانفجار فجائية تماما ، على غير رغبة منك ولا ترتيب مسبق .. ومذهلة تماما للطرف الآخر الضاغط على أعصابك ، لأنه اعتاد منك على الاحتمال ، ثم يدهش حينما تثور ثورة عارمة على تصرف أو كلمة تافهة لا تذكر بجوار ما مضى ..

- أنا أسميها يا دكتور القشة التي قسمت ظهر البعير ..

- هذا تشبيه جيد .. القشة التي قسمت ظهر البعير .. وأنت فعلا كالجمل في تحملك أو كبت انفعالاتك ، ولكن هذا الجمل تقسم ظهره قشة لا وزن لها .. وهناك حقيقة أخرى إضافية يا عماد ، أنك لا تستطيع أيضا كبت مشاعرك هذه على الدوام ، ولكنك ترحلها ، فأنت مثلا تستجيب لضغوط المجتمع الخارجي وتكبت ولا ترد ، لكنك بمجرد عودتك إلى بيتك وأسرتك ، ومحيطك الشخصي ، فإنك تكون مستثارا للدرجة التي تجعلك تثور لأقل الأسباب احتمالا للثورة ، فتنفس بذلك عن الكبت الذي تعاني منه خارجيا ، ويحدث نوع من التعويض النفسي ..

- وهل يوجد علاج يا دكتور ؟

- في الحقيقة يوجد علاج كيماوي لمثل هذه الحالات ، ولكننا لا نلجأ له كثيرا مع من كان مثلك في تفهمك للحالة .. لأن هذا العلاج جيد من ناحية تنظيم الانفعالات ، أو تنظيم هرمونات الانفعالات .. لكنه من النوع الذي إذا اعتمدت عليه فلا يمكنك التخلص منه ويبقى دائما معك ..

- إدمان ؟؟..

- ليس على وجه الدقة ، ولكن قد يكون هذا هو التعريف الشائع للاعتماد على هذه العقاقير الكيماوية ..

- والحلول البديلة غير الكيماوية يا دكتور ؟

- عليك محاولة تنظيم انفعالاتك بقدر المستطاع .. عبر عن نفسك .. لا تكبت مشاعرك ، ولكن حاول أن تعبر عنها أولا بأول .. بشكل تلقائي ولكن بألطف العبارات الممكنة .. أما الحل الجذري والأهم ، هو تقبل المحيطين بك في المحيط الاجتماعي الضيق .. الأسرة ، وشلة الأصدقاء .. لهذه ( المودية ) في تصرفاتك وردود أفعالك ..

- كيف يا دكتور ؟؟؟
- إن مدى تقبلك لنفسك ، يتوقف على مدى تقبل القريبين منك لتلك الانفعالات وتقديرها ، وتقدير دوافعك .. ففي حالتك مثلا .. زوجتك هي التي تقرر متى تلجأ لاستخدام العقاقير الكيماوية ، وليس الطبيب ، ولا أنت ..
- زوجتي !!!

- نعم .. هذا يتوقف على كونها من أي نوع من أنواع الزوجات هي؟؟ .. وإلى أي مدى تستطيع أن تتعايش مع هذا التقلب المزاجي ، وفي النهاية إذا تحملت ذلك بتفهم ووعي وإدراك ، دون أن يشكل ذلك عبئا إضافيا على نفسيتها ، وإلا انقلب المرض النفسي إليها

- عملية توازن بين الزوجين

- بالضبط يا عماد .. عملية توازن بين صحتك النفسية وبين صحتها النفسية كذلك ، فإن حدث هذا التوازن .. فإنها بذلك تحمل عنك عبء اللجوء إلى العقاقير الكيماوية ، أما إن شكل هذا ضغطا على أعصابها ، فإن أحدكما إن عاجلا أم آجلا سيلجأ حتما إلى المهدئات ، وهو المصطلح الشائع لهذا النوع من الأدوية ..

- جزاك الله خيرا يا دكتور ، ودعواتك لي بالثبات الانفعالي ، والله المستعان ..

وأخيرا ابتسم لي صديقي الطبيب ، وأنا أمد يدي له بالمصافحة في نهاية تلك الاستشارة النفسية قبل انصرافي ..

لقد أوردت تلك الاستشارة بالكامل بقدر ما تسعفني الذاكرة ، وبقدر ما فهمت من رأي الطبيب ومصطلحاته الطبية التي استخدمها .. أوردتها لأقول :

إن منال أدركت هذه الحقيقة النفسية التي تتعامل معها ، رغم أنني لم أطلعها على تلك الاستشارة النفسية وعلى رأي الطبيب ، والحقيقة أنني لم أكن أخفي سرا على منال ، ولكن هذه الاستشارة النفسية كانت مؤخرا جدا من حيث الزمن ، بحيث كانت منال قد حسمت موقفها تماما في صف التعايش مع حساسيتي المفرطة ، وتقلب انفعالاتي ، باعتبار أنها تعيش مع فنان ، أو إنسان موهوب ، مؤمنة هي بموهبته إلى أقصى مدى ممكن ، وبالتالي هيأت نفسها لتقبل منه هذه الحساسية التي ترافق الموهبة عادة ..
لقد تحملت منال هذه الضغوط النفسية دون أن تلجأ إلى استشارة طبيب ، أو تثير مشكلة اجتماعية بيني وبينها ، أو تلجأ إلى صديق أو قريب تشكو إليه من تلك الانفعالات .. فلم يحدث ولو مرة واحدة طيلة عشرة دامت اثني عشر عاما ، أن اشتكت من موقف ما إلا إليَ أنا نفسي باعتباري الصديق والأب والشقيق ..

14 - 7 - تابع اللقاء الساحر ..

وكانت قد عاهدتني وعاهدتها أن مشاكلنا وخلافاتنا الزوجية .. هي أسرارنا الخاصة .. وقد تعاملنا مع هذه المشكلات على أنها مقدسة قدسية العلاقات الزوجية الخاصة ، وكان لذلك حادثة أو موقف في غاية الطرافة والرقة ..
فقد سمعنا من أحد الدعاة وهو يروي عن قصة خلاف حدث بين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، وبين زوجته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ، قد مر ليلا على ( علي ) ( وفاطمة ) يتفقدهما ، فلم يجد ( علي ) في البيت في وقت لم يكن يخرج فيه ، وشعر بوجود خلاف فسأل ابنته فاطمة ما الذي أغضب ( علي ) ؟
فأجابت فاطمة : والله ما كنت أفشي سر زوجي ( علي ) ، ولو إلى أبي رسول الله ..
فمضى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، وقد أدرك أن ( عليا ) به ، وهناك وجده نائما على التراب ، فكناه بأبي تراب ، وقال له : قم أبا تراب ..
ثم سأله عما أغضبه ، فأجابه ( علي ) : والله ما كنت أفشي سر زوجتي ( فاطمة ) ولو كان إلى صهري رسول الله ..

هكذا روى الداعية الشيخ ( يسري هاني ) ، هذه الحادثة في محاضرته ، ولم أطلع عليها في موضع آخر مقروءا لأنقلها بدقة الاستشهاد وتوثيق الرواية ..
لكن الداعية كان قد رواها بأكبر قدر من الرقة ، وألقى الضوء حول حالة الحب الخاصة جدا التي جمعت بين زوجين هما ( علي ) و( فاطمة ) ..

وقد سمعنا هذه الرواية في مطلع زواجنا ، سمعناها في إحدى ليالي سمرنا بشرفتنا في أول شقة لنا بمكة المكرمة في شارع الستين ، وتأثرت بها كثيرا ، وتأثرت بها منال حتى سالت دموعها على خديها رقة وتأثرا ..
وتعانقنا ثم تعاهدنا على أن نحيي خلق ( فاطمة ) مع ( علي ) ، و( علي ) مع ( فاطمة ) حتى آخر العمر ..

فإذا أضفت إلى هذا العهد الأبدي الخالد بيني وبين منال .. أن الزوجة الوفية ، كانت تعيش غريبة إلا معي ، بعيدة كل البعد عن أبويها وأخوتها وأصدقاء طفولتها وشبابها ، ومحيطها الاجتماعي الذي نشأت فيه بالكامل ، فإلى من كانت يمكن أن تلجأ أو تشتكي ؟
لم يكن لها إلا الله تعالى ، ثم العبد الفقير الذي هو الداء والدواء .. الجرح والبلسم ..
لقد عانت منال أشد المعاناة معي ..
وبقدر ما أزعم أنني كنت رقيقا معها ، محبا لها إلى أقصى درجات الحب التي عرفته دنيانا ، بقدر ما أعترف بأنني كنت شديد القسوة والعنف في انفعالاتي الحادة المتقلبة والمكبوتة ، التي كنت أستوردها من خارج محيط الأسرة ، لألقي بها رغما عني مفرغا إياها ، في أقرب الناس إلى قلبي ، في روحي منال ..

والأعجب من ذلك يا صاحبي ، أنني كنت كثيرا ما أراجع نفسي ، فأقرر حازما .. كبت تلك الانفعالات والمشاعر الخارجية ، متسائلا :
ما ذنب حبيبتي الرقيقة أن تتحمل معي هذه الضغوط ؟
وأردت أن أحمل ضغوطي وحدي ، الأمر الذي كان يصيبني بحالة من الانزواء .. ولكن حبيبتي ، كانت تلح علي بكل ما تملك من وسيلة أن أفضي لها بما في نفسي ..
- منذ متى وأنت تخفي عني شيئا ؟

- لا شيء يا حبيبتي .. مجرد ضغوط العمل ..

- حتى لو كانت ضغوط عمل .. يجب أن أعرف كل شيء .. يجب أن أشاركك في كل شيء ... يجب أن أحمل عنك ومعك كل شيء ..

- إنها مشكلات في العمل .. وما ذنبك أنت بأن تعرفين أشياء هي من خصوصيات العمل ؟

- يا سلام يا أستاذ .. ولماذا تعمل أنت ؟ أليس من أجل توفير متطلباتي ؟ .. إذن فنحن شريكان في المشكلات والضغوط نتقاسمها معا .. كما نتقاسم اللقمة التي نضعها في فمنا سويا ..

فأهرع إلى حضنها وأقبل رأسها وتبتسم شفتاي وعيناي تدمع من رقتها ..
ولكنها تقول في إصرار :
- لا .. لن أكلمك .. ولن أقبلك .. حتى تبوح لي بكل ما يضايقك ..

- منال ..

- عماد ..
قل لي .. بالله عليك .. يجب أن تقول لي كل شيء .. لو أنك تحبني حقيقة .. صرح لي بمتاعبك ، ولا تدع رأسي تدور في دوامة من الاحتمالات والظنون السيئة ..

- حاضر يا روحي ، سوف أفعل .. لكن ممكن تأجيل ذلك إلى ما بعد طعام العشاء ..

- لا يا عمدتي .. الآن .. الآن يا عمدة ..

تقول ذلك مستصحبة كل الإيحاءات التي كنا نراها قديما في فيلم ( الزوجة الثانية ) .. وتجلجل ضحكتها ، فأضحك رغما عني .. أضحك من كل قلبي .. وأذعن ..

وتسمع شكوتي بمنتهى التأثر ، وهي تدلك شعري بحنان الأم ، حتى أنتهي فتقول :

- يااااه يا عماد .. كل هذا حدث معك .. أنت يا حبيبي جبل! .. كيف تحملت كل هذا ؟
اعذرهم يا حبيبي .. إنهم لا يعرفون أنهم يتعاملون مع فنان موهوب ، وأنك يوما ما ستصبح أستاذهم جميعا .. اصبر يا حبيبي .. اصبر ولسوف ترى ما تقر به عيناك ..
ثم تنكب فوق رأسي تقبله برقة ..
وأذوب .. أذوب تماما ..
وغالبا ما ننسى تناول العشاء .. ولولا أننا أصبحنا في سنواتنا الأخيرة أسرة ذات مسؤوليات ، حيث علينا واجبات نحو أطفالنا .. لكنا بتنا أكثر ليالينا بلا عشاء ، لا من فقر ، وإنما من رغبة في عشاء آخر هو أفخر ما يجود به الدهر ..

كل ذلك رغم أن منال ذاتها كانت حساسة .. مفرطة الحساسية ، ولم لا ألم تكُ فنانة هي الأخرى ؟
لقد كانت منال فنانة بكل ما في الكلمة من معنى ، ويكفي لتعلم أي نوع من الفنانات هي .. أنني استكثرت موهبتها هذه ، وتحسرت على أن تدفن دون أن تؤدي رسالة عظيمة كبيرة بين الناس .. وليس بين عدد محدود من المحيطات بها من صديقات وأخوات !
فأرسلت إلى أحد مواقع الإنترنت الإسلامية ، وهو موقع عالمي مشهور بوسطيته واعتداله ، وموثوقيته في الفقه والفتوى .. أرسلت أستفتي في جواز غناء المرأة أو إنشادها الأناشيد الدينية والوطنية ، وهي بكامل زيها الإسلامي .. وكنت أعرف أن أحد موجهي هذا الموقع من العلماء الأجلاء ممن يبيحون غناء المرأة بضوابط ، وكنت آمل أن تعرض مسألتي عليه دون سواه ، لأحصل منه على الفتوى المطلوبة .. فتوى مخصصة واضحة ، وليست فتوى عامة على المشاع ..
ولكن الموقع عرض الفتوى على فضيلة الشيخ عطية صقر – رحمه الله – ولقد أفتاني الرجل جزاه الله خيرا بالأحوط عدم جواز ذلك ..
وأحبطت المحاولة في مهدها !
لقد كانت منال فنانة ، لديها حس عالٍ جدا في تذوق الكلمة ، ولقد كان جمال صوتها ، وتنوع طبقاته ، وقدرتها على تلوين الأداء وشحن الكلمة بالمعاني ، وأذنها الموسيقية ، وحفظها للألحان من أول مرة .. كانت كل هذه الميزات تؤهلها لأن تكون من أعظم المطربات ، لو أنها اختارت لنفسها طريقا آخر غير الذي اختارته ..
لقد كانت كثيرا ما تغني لي :
اخترت طريق الله أنا اخترت طريق الله
اخترت طريق هداه وتقاه اخترت طريق الله
اخترت وأعرف ما اخترت اخترت وما يوم احترت
اخترت طريق الله
ولقد كنت أنا كثيرا ما أستوعب فرط حساسيتها ، لكن استيعابي لها لم يكن ليتجاوز واحدا على عشرة من مقدار استيعابها لي وصبرها علي .. ورقتها معي .. وتجلدها في مواجهة التقلبات المزاجية لي ..
لقد كانت طاقتها على الاحتمال عشرة أضعاف طاقتي ، كما أنها لم تكن في فرط حساسيتها تظهر انفعالاتها ، كانت تكبتها ، وكنت ألمح الانفعال وعدم الرضا في نظرة عينيها ، وصفحة وجهها ، دون أن تنطق .. لم تكن تعبر .. لم تكن تعبر أبدا عن انفعالاتها المكبوتة .. كانت تصمت ..

14 -8 - تابع اللقاء الساحر ..

حدث بيننا ذات ليلة خلاف ، وكنت ثائرا حادا عنيفا ، لأن الأمر كان يتعلق بتربية الأبناء ، وكان بالنسبة لي خطا أحمر ، ولم يكن ثمة خطأ ، وإنما اختلاف ، أو ربما شيء من تهاون في المتابعة ..
وتطور الأمر حيث كان غضبي حادا .. حادا بصورة لم تستطع معها أن تتمالك نفسها من إعلان غضبها ، أو بالأحرى رفضها لحدتي غير المبررة ..
كانت هذه من المرات القليلة التي واجهتني فيها بصلابة وقوة ، ولم يكن معنى ذلك أن منال ضعيفة ، أو أنها أقل من أن تواجه ، أبدا ..
لقد كانت منال شخصية قوية جدا ، وكانت تكمن قوة شخصيتها في قدرتها على الامتصاص ، والاحتواء ، كما كانت تملك القدرة على الرد والمواجهة في الوقت والمكان المناسبين ..
بمعنى أنها إذا رأت خطأ منهجيا أو أساسيا لا يمكن تمريره ، كانت تقف وترفض لكن بهدوء وصلابة معا .. دون أن تزيد من استفزاز الطرف الآخر ..

المهم في الأمر أنه قد تطور أكثر مما ينبغي ، وغضبت أكثر من الحد المعتاد ، ولقد كان غضبي من نفسي أكثر من غضبي من منال ، لقد كنت ناقما على نفسي لزيادة حدتي عما يجب ، وكنت غاضبا من نفسي ، لأني لم أستطع احتواء الأمر ببراعة ، حيث لم أفلح سوى في زيادة صلابة منال في مواجهتي ، فنزلت من البيت وذهبت إلى مكتب العمل .. وجلست حوالي ساعة ونصف ، وكان قلبي خلال هذا الزمن يغلي ..
ولقد جاءتني خلال تلك المدة مكالمتان من منال تدعونني فيهما للعودة إلى البيت ، ولكنني كنت مشغولا بكتابة قصة قصيرة ، وقد أثارت هذه القصة وكانت بعنوان : ( حدود الخطأ ) .. أثارت جدلا واسعا في الوسط الأدبي الذي أتعامل معه ، وأصرت نساء وفتيات هذا الوسط أو الصالون الأدبي .. أن كاتب هذه القصة امرأة ، وليس رجلا .. وأنها لا يمكن إلا أن تكون قصة واقعية تماما لا دخل للخيال فيها ..
وعدت بعد نشر هذه القصة على الصالون الأدبي ، عدت إلى المنزل ، وأنا ما أزال أتصنع الغضب أو عدم الرضا ، ولقد ظلت منال تحايلني ، وأنا أتمنع .. حتى أصبح الضغط على أعصابها كبيرا ، وكأنها كانت تخشى أن أنام وأنا غير راض عنها ، فتوترت وانفعلت ، وهي تسألني ماذا تريد مني أن أفعل لتسامحني ؟
ولم أملك نفسي أمام ثورتها على نفسها سوى أن أحتضنها ، وانقلب الموقف تماما .. وصرت أنا الذي أسترضيها ..
ولم يكن أي واحد منا يستطيع مجرد التفكير في إيلام حبيبه .. وتمكنت بعد برهة من السيطرة على مشاعرها ، وتصافينا ، ثم تعانقنا عناقا حارا طويلا .. وكانت هذه هي إحدى الليالي التي لم نتناول فيها طعام العشاء ، لم نكن في حاجة إلى طعام فقد شغلنا عن ذلك ..
وكان هذا الموقف مثالا لأكبر مشكلة حدثت بيننا في حياتنا كلها ..
وفي مساء اليوم التالي ، أحضرت لمنال قصة ( حدود الخطأ ) على جهاز الكمبيوتر ، وطلبت منها أن تراجعها وتعطيني رأيها .. في البداية عاتبتني بشدة على أني نشرت عملا دون أن تراجعه ، ولم تكن قد عرفت طبيعة العمل بعد ..
ثم قرأت القصة ، وسألتني وهي في حالة انبهار :
- متى كتبت هذه القصة ؟
وأجبتها :
- بالأمس عندما ذهبت للمكتب مساء ..
وهنا انهمرت دموعها بغزارة ، ونهضت إلي وظلت تقبلني ، وهي تعتذر برقة بالغة وتقول :
- أنت تكتب عني ذلك ، وأنت في ثورة غضبك ؟؟.. إني أحبك ، أحبك ، أحبك ، ولكني لا أستحق رقتك ومشاعرك هذه .. إن هذه المشاعر أغلى عندي من نفسي ..
إني يا عماد أحتقر نفسي كثيرا ، عندما أقارن مشاعرك هذه الرقيقة الحانية المحبة ، بما أفعله أنا معك ..

- لماذا يا حبيبتي ؟ لم كل هذا ؟ وأنت لا تفعلين معي سوى كل خير !

- ولكني أعذبك يا حبيبي بصمتي ، وعدم قدرتي على التعبير عن حبي ومشاعري تجاهك ..

- قلت مشاكسا : طبعا يا حبيبتي ، أنت لن تستطيعي فعل هذا ، وذلك لأن حبي لك أكبر من حبك لي ..

- كانت هذه الجملة تغضبها بشدة ، فصاحت كالمعتاد : لا .. لا تقل ذلك ، فحبي لك أكبر من حبك لي .. سأظل أقول ذلك طول العمر ، أنا أحبك أكثر من حبك لي .. هل تفهم .. أنا أحبك أكثر من نفسي .. لكن مشكلتي أنني لا أجيد التعبير .. فهل تسامحني يا حبيبي ؟
أرجوك ألا تغضب مني .. أنا أخشى أن يقل رضاك عني ولو لليلة واحدة ، لا تنسَ أن رضاك هو جنتي .. أرجوك يا حبيبي لا تحرمني الجنة بحمقي وسوء تصرفي ..
كل ذلك لأن قصة ( حدود الخطأ ) كانت تتحدث عن رقتها ، وعن مشاعرها ، وعن حيرتها أمام تقلبات انفعالاتي ..
ولم أكن أملك أمام هذه الرقة المتجسدة في صورة امرأة .. إلا أن آخذ كفيها بين كفي ، ثم أباغتها ، وأرفع كفيها إلى شفتي ، وأقبل أصابعها ، إصبعا ، إصبعا ..
وهي ترفض معاندة ، وتحاول جذب كفيها من كفي ، وتقول :

- أنا الذي يجب أن أقبل كفك .. فأنت زوجي وحبيبي ، وصديقي وكل شيء لي في هذه الدنيا ..


الحلقات القادمة : 15 – حياة في مركز الكون
ان شاء الله

semeramis
12-05-2010, 10:02 PM
الله يكرمك يا شيماء ده من ذوقك بس
ميرسي يامرمر على الدعوه القمر ولكي مثلها

semeramis
14-05-2010, 01:16 AM
15 – 1 - حياة في مركز الكون

رحماك يا رب العباد رجائي
ورضاك قصدي فاستجب لدعائي
وحماك أبغي يا إلهي راجيا
منك الرضا فجد بولائي
ناديت باسمك يا إلهي ضارعا
إن لم تجرني فمن يجير بكائي
أنت الكريم فلا تدعني تائها
فلقد عييت من البعاد النائي
مالي سوى أعتاب جودك موئلٌ
فلئن رددت فمن سواك دوائي
ولقد رجوتك يا إلهي ضارعا
متذللا فلا ترد رجائي

منذ تعرفت بعماد ، وقد أدركت مدى شغفه بمكة المكرمة .. ولا أظن إلا أنني كنت مولعة بها أيضا ، فمكة المكرمة هي البلد الحرام الذي يحتضن المسجد الحرام فضلا عن كونها مهبط الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم ، وبداية رسالة النور إلى العالم .. غير أن حبي لمكة لم يكن من نوع حب عماد ..
فلقد كان حبي لمكة ، حبا عاما غائما لا يمكن أن أتصور لها صورة في مخيلتي ، أو أن آمل مجرد الأمل أن أحيا بها .. كل ما كنت أصبو إليه أن يوفقني الله قبل موتي بزيارة لها في رحلة حج أو عمرة ، فأرتشف من أنوارها ، وأتعلق بأستار الكعبة ، وأتذوق من زمزمها .. وأهيم فوق الكائنات تيها وحبا لله ورسوله وصحابته الكرام ..
لكن حب عماد لمكة والذي بدا يتجلى لي في مواقف كثيرة ، وأحاديث مختلفة على مدار فترة خطبتنا ، وبعد عقد الزواج ، فقد كان حبا من نوع آخر ..
لقد أكرم الله تعالى عماد بزيارة مكة المكرمة في مطلع شبابه ، وبالتحديد قبل تقدمه لخطبتي بعامين .. وأقام فيها عند ( عمو محمد ) ، ورزقه الله العمرة ثم الحج ، ورزقه أيضا بالعمل فيها فترة قصيرة من الوقت ، وكان في هذه الأثناء مازال طالبا ، فملكت عليه مكة شغاف قلبه ، وكان جل تفكيره في العودة إليها ، بل لقد كان عجيبا في حبه لمكة ، والأماكن المقدسة ، فلقد كان يحرص على أن يعير إحرامه لأي شخص يعرفه ذاهبا إلى مكة لأداء عمرة ، فيعرض عليه أن يعيره إحرامه بدلا من أن يشتري المعتمر إحراما جديدا ، وكان هدفه من ذلك كما أخبرني فيما بعد ، أن يجعل شيئا يمتلكه يزور تلك الأماكن المقدسة مرة أخرى نيابة عنه ..

ومن حب عماد المتزايد لمكة ، وشوقه للإقامة فيها ، وحديثه الدائم معي عنها ، بدأ حبي لمكة يأخذ شكلا آخر .. لكنه بقى لي على كل حال كالحلم بعيد المنال ..
حتى عندما جاءني في تلك الليلة يحمل صورة عقد العمل بمكة .. لم أكن أعلم هل يمد الله في عمري حتى ألحق به هناك ، أم أن تشريفي بالإقامة في بلد الله الحرام يمكن أن يكون أملا مستحيلا ؟
ولقد ودعني عماد مسافرا إلى مكة ، فأصبحت مكة بالنسبة لي هي كل الأمل ، والمنى ، فلقد جمعت بالإضافة إلى مركزها الإيماني في قلبي ، حبيب القلب وبهجة الروح ، وفرحة العمر ..
ولم يعد شيء في الوجود أحب إلى نفسي ، من أن أشرف بزيارة مكة ..
وبقيت أعد تلك الشهور العشرة التي تركني فيها عماد أعدها باليوم ، وأحسبها بالساعة ، وأحصيها بالثانية ، حتى ألحق به فيها ..

ولقد تطورت حياتنا في مكة على مراحل كثيرة ، تنقلنا فيها للسكن في عدة مساكن مختلفة ، في أحياء عدة ، حتى كنا قد ضربنا رقما قياسيا في فترة من فترات إقامتنا في التنقل بين المساكن والأحياء ، خاصة في السنوات الخمس الأولى لحياتنا بها .. ولقد كانت كل مرحلة من تلك المراحل تكشف لنا عن وجه جديد من وجوه البلد الحرام ..

ولابد أن انطباعات الوهلة الأولى هي التي تسيطر على مشاعر الشخص فترة ما من الزمن ، أما أنا فقد كنت على العكس من ذلك .. أشعر أن انطباعات الوهلة الأولى عندي غير واضحة ، يلفها شيء من الغموض والإبهام ، وكثير من العمومية ..
كنت أشعر بحالة من التيه تستغرقني فترة من الزمن حتى يمكنني استيعاب ما حولي ..

ولقد كانت الوهلة الأولى لي في مكة تعني لي متغيرات كثيرة جدا في كل شيء تقريبا ، فمنذ هبطت ميناء جدة ، وأنا أشعر بالاختلاف في الجو والبيئة والبشر والأماكن وكل شيء ..

أنا نفسي كنت قد صرت امرأة جديدة مختلفة ، وكان عماد قد أرسل لي من ضمن هداياه إلي ، عباءة نسائية على الطراز السعودي .. عباءة سوداء مع النقاب .. وقد ارتديت عباءتي السعودية ونقابي ، لأول مرة بداية من تلك الرحلة قبيل تحركي من البيت إلى ميناء السويس لركوب الباخرة ..
حتى عماد الذي كان في استقبالنا في جدة ، لم يكن هو عماد الذي ودعته منذ عدة شهور ..
كان في استقبالنا بالثوب السعودي (جلباب أبيض ) ولم أكن قد رأيته في مثل هذا الثوب في مصر من قبل ، لقد بدا لي أكثر طولا مما كان عليه من قبل ، وقد أطلق لحيته ، فتغيرت ملامح وجهه ، وحاولت تدقيق النظر إليه ، خاصة في سيارة ( عمو محمد ) في طريقنا إلى مكة ، ولقد أدركت أنه قد نحف .. نحف كثيرا عما كان ..
ولقد سألته عن ذلك فيما بعد فعرفت أن وزنه قد نقص ثلاثة عشر كيلو بسبب الفراق والضنى ..
كنت في السيارة أتطلع إليه بعينين قلقتين ، متسائلة في نفسي ، ماذا فعلت به الغربة ؟
هل جفت مشاعره ، أو نحفت كما هزل جسده ؟
خاصة وقد لاحظت أنه لم يرحب بي كثيرا ، وقد كان يتعمد عدم النظر نحوي ..
وكنت أنظر من خلال زجاج السيارة ، فأرى أننا نسير في طريق بدت لي أنها بلا نهاية تقريبا .. كانت الطريق نفسها مختلفة تماما عن الطرق في مصر ، كانت واسعة فسيحة ممتدة ، ولم نكن نرى على الجانبين سوى الرمال الصفراء ، أو بعض جبال ، والحقيقة أنني لم أر جبلا من قبل رأي العين ، وإنما في كتب الجغرافيا ، أو في التلفزيون .. لكن ها هي الجبال والصحراء ممتدة حولنا من كل جانب ..
وطالت بنا الطريق .. حتى أنني تنفست الصعداء حين بدا أخيرا أننا وصلنا إلى مكة .. عندما نبهني عماد ، إلى البوابة العظيمة لمدينة مكة ، وهي مدخل ضخم محمول عليه منظر يصور المصحف الشريف ..
واستمرت بنا الرحلة عدة دقائق أخرى ، بدت هي الأخرى بلا نهاية ، وأنا أتلفت حولي فلا أجد سوى واد غير ذي زرع ، لا أثر فيه لحياة .. وكأن الزمن يعود إلى الماضي حيث نبي الله إبراهيم ..
لم يكن أثر لحياة ، سوى تلك السيارات الفارهة التي تمرق بجوارنا في سرعات فائقة ..
وأخيرا رأيت العمران
.
15 – 2 - تابع حياة في مركز الكون

وأخيرا رأيت العمران ، كان أول ما طالعني في مكة هو ميدان زمزم ، حيث سماه عماد لي ، وكان ميدانا واسعا ، تتوسطه حديقة غناء في وسطها نافورة رائعة تنطلق مياهها من آنية ضخمة تشبه ( زلع المياه ) ..
ثم لم نمض بعيدا عن هذا الميدان الكبير ، حتى انعطفت بنا السيارة إلى منعطف جانبي ثم توقفت أسفل أحد المنازل متوسطة الحجم والارتفاع .. كان هذا هو بيتنا الأول ، وكان يقع خلف بنك الرياض في حي الستين ، أو طريق أم القرى ، وهو المدخل الذي يربط مكة بطريق جدة السريع ..
وكانت شقتنا في الطابق الرابع ، وكان هذا الطابق هو الأخير قبل السطوح .. وكانت الشقة نفسها تتكون من ثلاث غرف تكون فيما بينها جناحين منفصلين ، في كل جناح حمام خاص به .. ولقد كنا في أواخر شهر نوفمبر ، وكنا قد تركنا الجو في مصر يميل إلى البرودة ، حيث بدأ البرد يزداد شيئا فشيئا ، فإذا بنا نعود إلى أجواء فصل الصيف من جديد ..
أول ما ميزته من جو مكة في هذا الشهر ، هو أنه أقرب إلى صيف مصر عندما يكون مائلا أكثر إلى الحرارة ، عرفت من عماد فيما بعد أن درجة الحرارة تراوح بين الاثنتين والثلاثين والخمس والثلاثين درجة مئوية ، في هذا الوقت إجمالا من العام !!
وكان مسكننا يبعد عن الحرم حوالي أربعة كيلو متر على خط مستقيم مباشر في طريق تنقسم إلى ثلاث مشاهد مختلفة ، المشهد الأول منه هو شارع تجاري تنتشر به محلات كثيرة متلاصقة متعددة المجالات تشكل فيما بينها سوقا عاما ، فمحال للملابس ، وأخرى للنظارات الطبية والشمسية ، وثالثة للساعات ، وأخرى للأواني والتحف ، تتخللها عدة مطاعم ، ومحلات تقديم الوجبات الجاهزة ، وقد لفت نظري لأول وهلة ظاهرتان تجاريتان بارزتان بوضوح ، انتشار المطاعم ، والمغاسل بصورة كبيرة جدا ، والمغسلة هي محل لغسل وكي الملابس ..

يمتد هذا الشارع التجاري حتى كوبري المنصور ، وهو كوبري علوي يمتد أسفل منه متعامدا عليه شارع المنصور ، وهو واحد من أطول شوارع مكة ، ويعد واحدا من أبرز أسواقها التجارية ، ثم يبدأ القسم الثالث من الطريق إلى الحرم ، بعد كوبري المنصور من فندق حياة ريجينسي ، وكان واضحا أنه فندق متميز يقدم خدمة فندقية ذات خمسة نجوم .. وهذه المنطقة هي ما تعرف بالحفاير ، ويمتد على يمينها حتى مواجهة الحرم جبل كبير يسمى جبل عمر .. وعلى يسار الحرم من نفس هذا الاتجاه .. يبدأ طريق يعرف ( بمطلع جبل الكعبة )
أما بجوار الحرم نفسه من جهة ( الغزة ) ، والغزة هو حي يؤدي إلى الحرم يقع خلف المسعى بين الصفا والمروة ، فيقع جبل أبي قبيس ، الذي يقال أنه أقدم أو أول جبال الأرض ..

كانت الجبال الكثيرة والشعاب بينها هي الصورة الأكثر وضوحا أمام عيني في بداية حياتي بمكة ..

أما الحرم نفسه ، فهو ما أعجز عن وصفه أو حتى تخيله من خلال زيارة أو عدة زيارات .. لقد بدا لي المسجد الحرام أكبر وأعظم من أن تستوعبه عدة زيارات متلاحقة ، كما بدا لي أعظم من أن أحيط به ، أو أحدد معالمه ..
فهو كيان ضخم يساوي في مساحته مدينة من المدن الصغيرة ..
إن أول شي لفت نظري إلى الحرم ، هو هذا التنبيه شديد اللهجة الذي كرره عماد في جدية بالغة ، وهو حفظ رقم الباب الذي سندخل منه لأداء العمرة ، والإصرار على أنه في حالة حدوث أي انفصال بيننا أثناء أداء العمرة ، أن نلتقي عند الباب الذي يحمل هذا الرقم والاسم ، وكان الباب الذي أمامنا هو باب الملك فهد ..
ولم أكن قد استوعبت أننا يمكن أن نضل طريقنا داخل مسجد مهما كانت مساحته !
وكان الباب يحمل رقم بضع وتسعين ، ولم أكن أتخيل أن هناك بناء يمكن أن يستوعب هذا العدد الضخم من الأبواب والمداخل .. سوى أن يكون قد أحاطت به أسوار مدينة ، من تلك المدن التاريخية التي نقرأ عنها في كتب التاريخ مثل أسوار القسطنطينية !!
يعمق هذا الشعور الساحة الرخامية التي تمتد مسافة كبيرة أمام مداخل الحرم ، لقد كانت أرضية هذه الساحة العظيمة من الرخام الأبيض ناصع البياض ، وهو المنظر الذي لم أكن أراه في مصر إلا في ملاعب ( هوكي الإنزلاق ) أو ملاعب ( الباتيناج ) .. فلم تلامس قدمي هذا الرخام الفاخر شديد البياض من قبل ، ثم تطالعنا واجهات الحرم نفسه وهي مكسوة كلها برخام الجرانيت رمادي اللون ذو تموجات من درجات مختلفة من اللون نفسه تتدرج بين الغامق والفاتح .. ومن أي جهة أقف أمام الحرم تختفي عن النظر بقية الأركان والجهات ، ولا تبقي أمام عيني غير الجهة التي أقف قبالتها ..

وظللنا نمشي بين صفوف من الأعمدة الرخامية العالية التي توجد بها فتحات لتكييف الهواء .. حتى وصلنا أخيرا إلى صحن الحرم ..
ولقد طلب منا عماد أن نستريح قليلا تحت اللوحة المنيرة الكبيرة التي تصف المدخل الذي دخلنا منه ، ونظرت إلى أعلى لأرى لوحة ذهبية اللون عليها عبارة :
باب الملك فهد ..
ثم أشار عماد إلى مختلف اللوحات التي تدل كل منها على ركن من أركان صحن الحرم ..
فكانت على يميننا لوحة لبنية اللون مكتوب عليها :
باب الملك عبد العزيز ..
ثم على يمينها لوحة أخرى بيضاء مكتوب عليها : الصفا ..
ثم إلى يمينها لوحة رابعة زرقاء مكتوب عليها باب الفتح .. ولم نكن نرى من مكاننا لوحة باب العمرة .. لقد كانت الكعبة المشرفة تحجبها عنا ..
قال عماد :
هذه اللوحات توضح المداخل الخمسة الرئيسية للحرم المكي من مختلف الجهات ، وفوق كل مدخل من هذه المداخل العملاقة توجد مئذنتان ، فيما عدا باب العمرة توجد فوقه مئذنة واحدة ، فيكون عدد مآذن الحرم تسعة مآذن ..

كما أنه يفصل بين المدخل والآخر داخل صحن الحرم مسافة معتبرة لكنها ليست شاسعة ، أما من الخارج فإنه يكون بين المدخل والآخر مسافة كبيرة ، وأحيانا أحياء منفصلة لا يؤدي بعضها إلى بعض وبين المدخلين الرئيسين توجد عشرات الأبواب المؤدية للحرم .. ولذلك فإن حفظ رقم باب الدخول أمر مهم جدا ..
وإلا فإن الخروج من باب مغاير لما دخلت منه فإن ذلك قد يعني أنك تجد نفسك في حي مختلف تماما ، ومغاير تماما في الاتجاه للحي الذي قدمت منه أو تريده ، فحي أجياد ، لا يؤدي بسهولة إلى حي الغزة ، إلا عن طريق وسيلة مواصلات تقطع مسافة كبيرة وتمر عبر أنفاق نحتت داخل الجبال .. وكذلك الحال بين أحياء مثل الشامية ، أو حارة الباب ، أو المسفلة .. وكل هذه هي أحياء محيطة بالحرم الشريف ..

15 – 3 - تابع حياة في مركز الكون


نظرت حولي أملأ عيني من المنظر .. كان صحن الحرم .. ساحة كبيرة مكشوفة تتوسطها الكعبة قائمة في مهابة وجلال يقشعر لرؤيتها البدن ، ويقف شعر الرأس .. وتبدو في خلفيتها الأعمدة والقباب التي تعيدنا إلى ذاكرة التاريخ ، فلقد كان البناء الداخلي للحرم على الطراز العثماني القديم ، وفوقه مئات القباب الصغيرة التي تعطي لصحن الحرم شكله المميز ، وتضيء الصحن أضواء كاشفة باهرة ، تحيل ليله إلى نهار .. وحركة الطواف لا تهدأ وكنا قد اقتربنا من منتصف الليل تقريبا ..

اتفق معنا عماد على أن من يضل طريقه أثناء الطواف ، يأتي إلى هذا الموقع .. يبحث عن اللوحة الذهبية المكتوب عليها :
باب الملك فهد ، ثم ينتظر أسفل منها على الدرج الرخامي الطويل ..
ونظرت إليه مرة أخرى مستفهمة ..
فأضاف في تأكيد :

- نحن طبعا سنطوف معا ، ولكن مع هذا الزحام ربما تختلف الأمور ، فيكون الاتفاق على مكان اللقاء أمر ضروري ..

ثم اصطحبنا إلى بداية الطواف ..
كان أبي سعيد يعرف طريقه تماما فبدأ طوافه لاهجا بالثناء والدعاء ، أما أنا فكنت أتبع عماد متعثرة في ذيل عباءتي الطويلة ، كان الجو من حولي غريبا جدا .. وكان هو يحمل مريم ناعسة على كتفه ، وقد ارتدى إحرامه الأبيض الجميل .. وبدأ يردد الأدعية المأثورة وأنا أرددها خلفه .. وهو يشير إلى معالم الكعبة بين الحين والآخر ، ذاكرا لي نبذة سريعة عنها ، فهذا هو الحجر الأسود وهو بداية الطواف ،

ثم باب الملتزم وهو باب من الذهب الخالص يرتفع حده الأسفل عن الأرض بطول عماد تقريبا ، وهو الباب أو المدخل الوحيد للكعبة ، ولا يفتح طوال العام إلا في مناسبات محددة معدودة ولمسؤولين محدودين ، ثم حجر إسماعيل ، وهو عبارة عن حاجز مرتفع من الرخام بمحاذاة كتف عماد على شكل حدوة فرس ، ثم الركن اليماني ..

وهكذا انتهينا من أداء الطواف سبعة أشواط ، ولم نفترق كما توقع عماد ولله الحمد ، ثم ذهبنا خلف مقام إبراهيم فصلينا ركعتين ، ثم جلسنا نستريح قليلا في آخر صف خلف المقام ، ومقام إبراهيم عبارة عن ناقوس من الزجاج المتين الذي يمكن أن تطالع مثله في بعض متاحف الآثار التاريخية ، ويحوي الناقوس حجرا مطبوعا عليه بالحفر في الحجر ، آثار قدمي إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أثناء قيامهما بوضع قواعد الكعبة .. ويقف بجوار هذا الكيان الزجاجي حارس أو أكثر لذود الناس عن التدافع على المقام ، أو التمسح به أو تقبيله ، باعتبار كل هذه الأفعال من البدع الممنوعة ..
ولقد دهشت لرؤيتي مقام إبراهيم .. إن في ديننا إذن نوعاً من احترام الآثار وتقدير التاريخ ، وهو الأمر الذي جعل مقام إبراهيم قائما عبر التاريخ الطويل ، ثم إن الله تعالى يأمرنا أن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى !!

وبعد لحظات أحضر لنا عماد أكواباً من ماء زمزم المثلج .. من آلاف الآنية المنتشرة بصحن الحرم لحفظ الماء المثلج في صفوف منتظمة متعامدة على السجاد الأحمر الذي يفرش أرضية الحرم ، ومشكلا معها معالم أماكن الصلاة ، تاركا بينها وبين الصفوف الأخرى الممتدة ، مساحات واسعة بيضاء من الرخام ، كممرات بين صفوف المصلين والجالسين ..
هكذا ارتشفت من ماء زمزم لأول مرة في حياتي ..
وأخيرا استطاعت دمعة أن تفلت من مماسك الدموع الحجرية في عيني ، وأخيرا شعرت أن تلك الدمعة الصغيرة قد تغلبت على قسوة القلب ، وأن انهمار الدموع الذي سيعقبها سيغسله تماما ..
لقد سمعت كثيرا عن اللحظة الأولى لرؤية الكعبة ، وما ينتاب المؤمنون في تلك اللحظات من الخشوع والبكاء ، ومختلف المشاعر الراقية العظيمة ، بينما لم أشعر أنا بذلك ، فلقد كنت في حالة من انعدام الوزن ، وعدم القدرة على تمييز الأحداث والمواقف المختلفة حولي ، واستأت من نفسي كثيرا ، وأنا أطوف فأردد الدعاء خلف زوجي ولا أبكي ..
صحيح أن رعشة سرت بكياني كله فهزت بدني ، لكنني لم أبكِ
وأخيرا بعدما تذوقت زمزم .. بدأ قلبي يستجيب ، وبدأت أدخل في جو من الخشوع الجميل ..
ثم نهض عماد بعد لحظات طالبا منا أن نتبعه للسعي بين الصفا والمروة ..
كانت الصفا والمروة عبارة عن أثرين لجبلين ، إذا وقفت أمام أحدهما تشعر كأنك تقف أمام جزء من جزع شجرة عظيمة ، قطعت وترك جزء من جزعها الأسفل ليدل على مكانها ، وقد تم صقل هذا الجزء المتروك من الجبلين وطلائهما بمادة عازلة لامعة ، أغلب الظن حتى لا تنفصل عنهما أتربة تنتشر في المسعى الذي أصبح جزءا من المسجد .. وبين الجبلين مسافة لا تقل عن نصف كيلو متر تغطي أرضيتها الرخام الفاخر ، وكان علينا أن نقطع سبعة أشواط بين الجبلين .. .. تبدأ من الصفا وتنتهي عند المروة ..
وهكذا انتهت واجبات عمرتنا وجلسنا نستريح قليلا بجوار باب المروة ، ثم ترك عماد مريم معي ، وأصطحب بابا إلى الخارج ، للذهاب إلى ( الحلاق ) للتحلل من الإحرام ،
وعادا إليّ بعد دقائق ..
وطالعني منظر آخر من مناظر الاختلاف ، والعجب التي ما فتئت تمر بي منذ ثلاث أو أربع ليالٍ ..
لقد عادا إلي وكل منهما قد حلق رأسه تماما ، وكنت أول مرة أشاهد بابا أو عماد حليقي الرأس ، لقد تغيرت ملامحهما تماما ، حتى كدت لا أعرفهما ..
وأخيرا عدنا إلى مسكنا بالستين .. وقد قام عماد بقص جزء قليل من شعري للتحلل من الإحرام ، وأدركت أخيرا سر التحفظ الشديد في تعامله معي في تلك الساعات منذ استقبلنا في الميناء .. إنه كان يحترم إحرامي ..


وها أنا أنظر إليه أخيرا ، بل أضع كفي على وجهه أتحسس معالمه ، وأمس بلطف على رأسه التي بلا شعرة واحدة .. بدا لي عماد مختلفا ، وبدا كحيل العينين بطريقة ملفتة ، وكأن سواد شعره المجعد يخفي هذه الصفة الحلوة فيه !

لقد آن للقلوب المحترقة أخيرا أن تطفئ لظى نيرانها ، وأن تستريح من عناء غربة طويلة قاتلة ..


15 – 4 - تابع حياة في مركز الكون


لقد آن للقلوب المحترقة أخيرا أن تطفئ لظى نيرانها ، وأن تستريح من عناء غربة طويلة قاتلة ..
وكان عماد حريصا رغم مشقة السفر أن أطلع على الشقة ومحتوياتها ..
لقد أثثها تأثيثا جيدا ..
وعجبت كيف استطاع أن يقوم بكل هذا الجهد بمفرده .. كانت لنا غرفة نوم ملحق بها حمام ، وكان قد أعد لنا بها غرفة نوم جيدة ، لكنني وجدت خزانة الملابس ( الدولاب ) منكسا ، أشار إليه عماد وهو يقول معتذرا في حياء :
- أردت أن يكون كل شيء جاهزا لاستقبالكم يا حبيبتي .. لكن الوقت داهمني ، ولم أستطع أن أنجز هذا العمل ..
قلت له بحب :
- لا عليك يا حبيبي .. سنرتب كل شيء معا إن شاء الله ..
أم أنك أصبحت لا تعتمد علي في شيء ؟

ونظرت إليه .. كنت قلقة من الإجابة ..
لكنني لمحت الدموع تتألق في عينيه ، وعرفت كم عانى حبيبي قبل هذه اللحظة ..

وأخذت فكرة سريعة عن المطبخ ، وما فيه من أدوات أغلبها جديدة وجيدة ، وكان به ثلاجة ضخمة ، وفتح عماد أمامي مجمدها (الفريزر ) ، فإذا به مملوء عن آخره بخيرات الله ..
وسألته :
- هل كنت تعد لاستقبال قبيلة بأسرها ؟
قال في هيام :
- وددت لو أنني أستطيع أن أشترى الدنيا كلها فأجعلها بين يديك ..
وقلت له في وله :
- أنا لا أريد الدنيا كلها .. أنت دنياي يا عماد .. بل أنت أغلى عندي من دنياي .. فالدنيا لا تساوي جناح بعوضة .. أما أنت يا روحي .. فأنت جنتي ..

وكنت قد نسيت أن أذكر أنني أول ما دخلت المطبخ ، وهذا قبيل نزولنا لأداء العمرة ، اهتزت أمامي خزانة مطبخ متحركة على إطارات صغيرة ، وكانت محملة عن آخرها بأطقم من الكؤوس والأكواب الزجاجية المختلفة ، فانزلقت تحت ضغط حملها ، وسقطت إلى الأرض ، وقد تحطم أغلب ما عليها ..
وهرع عماد خلفي إلى المطبخ ، وأخذ ينظر إلى الحطام في ألم ..
بينما كتمت أنا ابتسامة خفيفة ، لقد كانت هذه الخزانة مما يستخدم في تخزين البصل والثوم والبطاطس ، ولم تكن تصلح لاستخدام أطقم الكؤوس والأكواب ..
وعرفت أن عماد قد استفرغ طاقته في إعداد الشقة ، ولكن عليّ منذ الغد أن أعيد ترتيبها من جديد ترتيبا يليق بامرأة ..

بدأت بعد ذلك أستوعب المحيط الجديد حولي .. ولقد كان علي أن أدرك عدة حقائق في غاية الأهمية ..


كان دوام عماد ( أي عمله ) على فترتين تكون الأولى من الساعة التاسعة صباحا حتى الواحدة ظهرا ، وكثيرا ما كانت تمتد إلى الواحدة ونصف .. والفترة الثانية تبدأ من الساعة الخامسة بعد صلاة العصر مباشرة ، وتستمر حتى التاسعة وأحيانا تمتد إلى التاسعة والنصف أو العاشرة مساء ..
وكان علي أن أتأقلم على هذا الغياب الطويل لعماد بعيدا عني ..

وبدأت أدرك أن وسيلة التنقل الرئيسية في مكة هي المواصلات من سيارات خاصة ، أو سيارات أجرة أو الحافلات ( الباص ) ، كما يطلقون عليه ، وأن حركة المشاة تكاد تكون معدومة تماما ، فالناس لا يمشون على أقدامهم إلا داخل الأسواق الضيقة ، وفي الممرات المؤدية إلى الحرم ، أما فيما عدا ذلك فليس هناك حركة مشاة على الإطلاق تقريبا ..
والمسافات عموما في مكة شاسعة بين الأحياء ، أو بين أماكن السكن وبين الحرم ، حيث يستحيل تقريبا أن أذهب إليه سيرا على الأقدام ..
وأن السمت العام للمرأة هي أن تخرج إلى الطرقات مرتدية العباءة السوداء والنقاب الأسود لا يبين منها شيء ..
وأن عليّ منذ الآن أن أتعامل مع جنسيات شتى مختلفة ، سواء في السكن ، أو في الحرم ، أو في غيرهما من الأماكن ..
وعرفت معنى الأخوة الإسلامية الجامعة ، وعالمية الدين .. كانت جارتي الملاصقة لشقتي سودانية ، وفي طابق آخر ، كانت لنا جارة اندونيسية ، وفي الحرم كنت أقابل الهنود وأهل بنجلاديش ، وباكستان ، والشام وتركيا وغيرها من بلدان العالم ..
ولقد كان وجود أبي سعيد معي في هذه الفترة نعمة عظيمة من السماء ، لقد صرت محبوسة تماما بين جدران شقتي ، وأنا المعتادة على الخروج إلى دروس المسجد عدة مرات أسبوعيا غير الزيارات المتبادلة بيني وبين أخواتي وصديقاتي ، تلك الزيارات التي لم تكن لتنقطع ، والأنشطة المختلفة التي كنا نحاول القيام بها ..
فإذا بي في مكة .. أنتظر زوجي الحبيب الذي يغيبه عني ( الدوام ) قرابة عشر ساعات يوميا ، يحتاج فيما بينها للطعام والراحة .. ولم تكن تبدأ حياتنا معا أنا وعماد إلا بعد العاشرة مساء يوميا ..
كان الوقت ولاشك طويلا وربما قاسيا ، لكن وجود أبي معي ، لم يشعرني أبدا أنني في غربة أو وحدة أو ضيق ..
كان يحلو لي أن أجلس معه في شرفة غرفته التي أعدها له عماد فنتحدث طويلا بعدما أحضر له كوبا من الشاي .. وكان وقت ما بعد الغروب يحمل إلينا بعض النسمات الرقيقة ..
وكان عماد في الفترة الأولى من إقامتنا ، قبل أن ينتهي تاريخ صلاحية تأشيرتنا .. كان يسمح لي أن أرافق أبي إلى الحرم ، ونتفق على اللقاء بعد الساعة العاشرة أسفل لوحة ( باب الملك فهد ) بصحن الحرم ..
فكنت أتحرك مع أبي وعلى كتفي ( مريومة ) قبيل صلاة المغرب ، لنستقل الحافلة إلى الحرم ، فنقضي به أوقاتا رائعة ، وننهض أحيانا للطواف حول الكعبة ، ونشرب من زمزم ، ونقرأ القرآن .. ونستمتع بوقتنا تماما ..

حتى إذا انقضت مدة صلاحية التأشيرة ، فرض علينا نوع من حظر التجول .. فكنا نقضي معظم أمسياتنا في البيت ..
وكانت فرصة لأن أجلس مع أبي أستنطقه الذكريات ..
.
.
15 – 5 - تابع حياة في مركز الكون


لقد كان والد عماد على عكس ولده ، كتوما ، لا يحب الحديث كثيرا ، وكان من العسير عليه أن يتحدث عن نفسه ، لكني كنت أدرك أن له ماضياً رائعاً ، كان فيه من المناضلين ، فكنت أستحثه ليحدثني عن ذكرياته مع الدعوة ورجالها ، ومواقفها .. ويحدثني عن عمله .. وعن والدة عماد ، وعن عماد نفسه ..
وكان أبي ( سعيد ) شغوفا ( بمريومة ) أشد الشغف ، يجلسها على فخذه في رقة وحنان بالغ ، وكنت أرى فيه مثالا للعطف والرقة المتناهية ..
ولاحظ أبي ، أن عماد لن يستطيع أن يوفي بوعده معي ، فيقيم خزانة الملابس المنكسة في غرفة النوم ، وذلك نظرا لمواعيد دوامه الصعبة ، ولأنه كما أخبرني يعلم أن ابنه لا يجيد الأعمال اليدوية حتى ولو كانت بسيطة ، إنه يحب القراءة وكرة القدم ، وتلك الهوايات التي تدل على الرفاهية والارستقراطية ..

وكان أبي سعيد على العكس تماما ، صانعا ماهرا ، يجيد العديد من الحرف التي ينجز بها الأعمال ، ففوجئت به يوما وقد عاد من صلاة المغرب ، وهو يحمل معه عدة عمل ( قادوما ، ومفك براغي ، وكمية من المسامير المتنوعة ، وغير ذلك من لوازم العدة المنزلية )
وسألته في عجب :
من أين حصلت على هذه العدة يا بابا ..
فقال باسما :
- من محل ( باحاذق ) ..
واتسعت ابتسامته ..
وعرفت بعد ذلك أن محل ( باحاذق ) هذا يقع بالقرب من كوبري المنصور ، وهو محل للأدوات ولوازم البناء ، وقد كان ولع أبي بمثل هذه الأعمال كفيلا ، بأن يعرف كيف ومن أين يحصل عليها ..
ثم شرع أبي في العمل ، وبدأ يحاول أن يقيم ( الخزانة ) بمفرده ، لكنني ألححت عليه أن أساعده .. وتعجب أبي وقد رأى أنني ( صبي نجار ) جيدة جدا ..
فقال لي مداعبا :
- أنت تصلحين ولدا أكثر من ابني عماد
وحاولت الدفاع عن عماد أمامه ، وقد كنت أدرك مزاحه بالطبع ، فقلت :
- الله يعين عماد على عمله ..
- ضحك بابا وهو يقول : وحتى لو كان فارغا ، فهو لا يعرف كيف يمسك القادوم على ما أعرف عنه ..

وبدا لي ونحن منهمكين في العمل أن أسأل أبي :
- لماذا لم تعلمه من هذه المواهب التي تملكها يا بابا ؟
أجاب أبي دون أن يرفع عينيه عن المسمار الذي كان يدقه بلطف حتى لا يشرم الخشب الرقيق :
- لم يكن لديه استعداد .. كان دائما يجري من أمامي ، إذا وجدني شرعت في عمل يدوي أيا كان .. إنه لم يتعلم مني شيئا سوى السياسة ، وحب الدعوة ..

وصمتُ ولم أعقب ، والحقيقة أن الحياة الكاملة مع أبي سعيد ، جعلتني أعرف أن عماد قد ورث عن أبيه كثيرا من الخصال ، فلقد ورث منه رقته وعاطفته ، وحياءه الجم ، وأدبه المطلق ، وحسن خلقه ، وتعلقه بالدعوة تعلقا إلى أبعد الحدود ، ونوعاً من التحدي والكبرياء ..
أما باقي صفات عماد من إصرار على تحقيق هدف معين ، ونوع من عدم نسيان الإساءة بسهولة ، وأشياء أخرى كثيرة ، فقد ورثها عن ماما ( طوفة ) ..
( وطوفة ) هو اسم التدليل الذي اخترته لماما أم عماد ، واسمها ( عواطف ) وهي سيدة مجتمع من الطراز الذي كان يصعب عليها معه أن تجد من دللها في حياتها من قبل ..
بل إنني أشعر أنها احتاجت فترة من الزمن حتى تستسيغ تدليلي لها وتحببي إليها بهذا الاسم ..

ولم نترك العمل ليلتها أنا وبابا ، حتى انتهينا من نصب ( الدولاب ) فانتصب واقفا في حجرة النوم ، وقد اكتملت معالمها ، وأصبحت حجرة نوم حقيقية تليق بعروسين ..
لقد كان الوقت يجري أثناء العمل ، وكنت أدعو الله أن يتأخر عماد قليلا هذا المساء حتى نفاجئه بهذا الانجاز ..

وعاد عماد متأخرا قليلا هذه الليلة بالفعل ، وكان أبي قد ذهب ليأخذ حماما منعشا بعد المجهود الذي بذله ، ووقف عماد في منتصف الغرفة مذهولا ، وأخبرته بما قام به بابا من عمل ..

وهمس عماد في أذني بعدما سألني عن مكانه ، فقلت له بالحمام ..
قال عماد هامسا :
- إني أود أن أقبل رأسه .. لا أعرف كيف كان يمكنني أن أمضي في حياتي ، لو لم يكن لي مثل هذا الأب العظيم ..
وقلت له في رجاء :
- إذن اذهب وقبل رأسه ، طالما أنك تريد ذلك .. ما الذي يمنعك يا عماد ..
أطرق إلى الأرض وهو يقول :
- حياؤه ، وحيائي أيضا .. أنا أستحي من أبي ..

وكنت أدرك مدى هذا الحياء والتشابه فيه بين الأب وابنه .. ولكن أهم ميزة كنت أحبها في عماد ، أنه كان يحرص دائما على تقبيل كف أبيه ، وكذا أمه عندما تزورنا كل فترة ..
فهذه صفة كادت أن تنقرض ، أو ربما انقرضت تماما في زماننا وجيلنا .. لكن عماد كان حريصا على إحيائها .. إنني فعلا لا أتذكر أنني رأيت أحد أخوتي يقبل كف أبي أو أمي .. لكن عماد كان حريصا على ذلك ..
وقد قال لي أكثر من مرة : أنه لم يكن يفعل ذلك من قبل ، رغم حرصه عليه ورغبته فيه ، ولكن الخجل ، ورفض الوالدين كان يمنعه ، لكنه بعد الزواج أخذ عهدا على نفسه أن يستقبلهما دائما بتقبيل كفهما ..

لقد كانت إقامة أبي سعيد معي طوال فترة زادت عن ثلاثة أشهر في بداية حياتي الجديدة في مكة ، نعمة أرادها المولى عز وجل ، فخففت عني كثيرا ، كما أن إقامتي مع أبي أزالت أي حواجز ممكن أن تكون موجودة بين الأصهار ..


15 – 6 - تابع حياة في مركز الكون


لقد عرفت أشياء كثيرة عن أسرة زوجي وطباعهم ، ولقد كان أبي يحبني حبا صادقا ، ويسدي إلي كثيرا من النصائح الغالية ، وكنت أستزيده .. فكان يوصيني بالصبر على عماد .. كان عادة ما يقول لي :
أنا أعرف أن عماد عصبي حاد المزاج .. لكن قلبه أصفى من اللبن الحليب .. فتحملي حدته حتى تنعمي بحبه وعاطفته وصفاء قلبه ..
وكنت أعرف أنه يوصي عماد دائما بي خيرا ..
كنت أحيانا أدخل عليهما الغرفة ، وبابها غير مقفل ، وأنا أحمل صينية الشاي ، أو العشاء ، فألمح الدموع في عيني عماد ، واحمرار وجهه لدرجة ملفتة ..
وكنت أحيانا أتجاهل ما لاحظت ، ولكني دائما بعد كل ملاحظة لي لهذا الأمر ، كنت أجد عماد يصبح معي أكثر رقة على رقته ، وأنه يكاد ينفطر أمامي عذوبة وحنانا ، فسألته ذات مرة متخابثة :
- لماذا لمحت الدموع في عينيك عندما دخلت الحجرة وأنت جالس بين يدي بابا ؟
ولمعت عيناه أمامي بالدموع مرة أخرى وهو يقول :
- لقد كان أبي يوصيني بك خيرا ، ويحذرني من القسوة عليك ، أو الحدة في معاملتي لك ، وهو يذكرني بأنني أخذت بنت الناس ، وسافرت بها ، حيث لا أهل يمكن أن تلجأ إليهم ، أو صديقة يمكن أن تشتكي إليها ، فإياك أن تظلمها أو تهينها ، أو تشعرها بالغربة والانكسار ..

ولم نملك إلا أن بكينا معا أنا وعماد .. لقد أردت أن أقوم من فوري وأقبل رأس أبي وكفيه .. لكني كنت أشفق عليه من حيائه الشديد .. وكنت أحرص في كثير من المواقف على تقبيل وجنتيه فيحمر وجهه بشدة وكأنني لست ابنته ، و( كنته ) زوجة ابنه ..
ثم أخذت رأس عماد في صدري ، وأنا أقول له :
- لا عليك حبيبي .. فأنت أهلي .. يكفي يا حبيبي أن لك أبا مثل بابا سعيد ..


لقد كنت أراقب مع بابا سعيد تغيرات المناخ وتقلباته أو اختلافه عن مصر ، فدائما كان عماد في العمل .. لقد كنا فيما يمكن أن نسميه في مصر فصل الشتاء ، أما مكة فلم تكن تعرف أيامها الشتاء ..
كنا نرتدي ملابسنا الصيفية بصفة دائمة .. كل الذي يطرأ علينا أننا نكتفي بتشغيل مراوح السقف على درجة منخفضة ، ولا نلجأ لتشغيل مكيفات الهواء .. وربما أطفأنا مراوح السقف ليلا أثناء النوم .. هكذا يمكننا أن نقول : أن الجو أمسى باردا ..
أما في أوقات الظهيرة ، فكانت دائما مثل جو الظهيرة في مصر في شهر يوليو ..
وحدث أثناء هذه الفترة ورغم هذه الحرارة المرتفعة ، أن أمطرت السماء مطرا غزيرا ، كانت سيولا منهمرة ، وكانت لطبيعة مكة التي تحيط بها الجبال من كل جانب ، وكذا تتخللها كثيرا ، أن يتحول مثل هذا المطر الغزير إلى شلالات تنهمر من قمم الجبال ..
كانت المناظر حولي ساحرة جدا تأسر القلب ..
ويعقب المطر بساعة واحدة على الأكثر ، أن تهبط إلى الشارع فلا تجد بللا ، كأنه لم يكن هناك مطر !!
لقد كنا نراقب المطر أنا وبابا ضاحكين مرحين في سعادة ..
حتى إذا أقبل عماد مساء رويت له ما قد كان .. ولقد ظل عماد يضحك طويلا ، فسألته مستفهمة عن سر ضحكه المتواصل ..
قال عماد :
إن أبي كان يشرح لي دروس الجغرافيا في الصف السادس الابتدائي ، وعندما كان يشرح مناخ السودان ، قال أنه حار ممطر صيفا ، ثم علق قائلا .. يهطل المطر في الجو الحار ، فيكون مثل الحمام البارد يلطف حرارة الجو .. هذا التشبيه أتذكره ، كلما هطل المطر في مكة في فصل الصيف ..

في هذه الفترة كان يحضر ( عمو محمد ) لزيارتنا والجلوس مع بابا سعيد ، ولقد اصطحبنا معه أكثر من مرة في سيارته لزيارة أسرته وتناول الغداء معهم ، وكان يفعل ذلك عادة في بعض أيام الجمعة ، وهو بالطبع يوم العطلة الأسبوعية .. وكان ( عمو محمد ) يسكن في منطقة الروضة في أول حي العزيزية ، وكان مسكنه يبعد عن الحرم مسافة سبعة كيلو متر ، وبالطبع فإن الحرم يعتبر مركز مدينة مكة ، ولذا فكل المسافات والمواقع يتم نسبتها إليه ، وقياسها منه ..

ولازلت أذكر بشكل كامل أول ليلة لرمضان أطلت علينا بمكة ، فمكة في شهر رمضان لها شان آخر .. يصبح فيه الحرم هو محور الكون والوجود والحياة ، والناس تهرع إلى الحرم من كل صوب وحدب ، كما أننا كنا ننطلق في أعقاب الفطور مباشرة لإدراك صلاة العشاء والتراويح في الحرم ، والحرص على ختام القرآن فيه ..
وذات مرة دعانا عماد للإفطار في الحرم ، وسألته :
- ماذا أجهز لطعام الإفطار ، ليكون سهلا في حمله ؟
قال :
- لا تجهزي شيئا ، فإننا سنفطر هناك ..
سألته مستفهمة :
- هل سنأكل في مطعم ؟
قال :
- فقط تعالي وستعرفين ..

وصلنا جميعا الحرم قبل المغرب بحوالي نصف ساعة ، وإذا بساحات الحرم كلها قد امتلأت بصفوف من البشر بحيث يتعذر المشي فيها ، وأمام الصفوف ، فرشت مفارش الطعام ، ورصت عليها أطباق صغيرة من مختلف أنواع التمور وأشهاها ، كما وضعت أكواب لبن الزبادي ، وأنواع شتى من العصائر والمشروبات ، بالإضافة إلى القهوة العربية ب ( الهيل ) ، وأكواب الشاي ..

إن الذين يقومون على توزيع هذا الفطور ، يجذبون الناس جذبا ، للإفطار على موائدهم ، في روح غريبة جدا من الحب والكرم العربي الأصيل ، الذي يشعر الإنسان أنه لا يمكن أن يبيت بمكة جائع .. خاصة في رمضان ..

وبعد أن تناولنا فطورنا وأدينا صلاة المغرب ، أراد عماد أن يقدم لنا المزيد ، رغم أننا قلنا له لقد امتلأنا تماما بالطعام ، لكنه قال :

- لقد تناولنا تموراً وفاكهة ، ولكن لابد لنا من وجبة دسمة ، حتى تصمد معنا لما بعد صلاة القيام ..

فذهب إلى أحد المطاعم القريبة ، وكان مطعما مشهورا يقدم المأكولات الشعبية المصرية وكان اسمه ( مطعم حمزة ) ، فأحضر فولا مدمسا ، وأحضر معه ( تميسا ) ، و( التميس ) هذا قصة أخرى من قصص مكة المكرمة .. تعرفه بعض الشعوب فيما عدا المصريين ، فيوجد منه ( التميس ) الأفغاني ، وهو أكثر الأنواع انتشارا في مكة ، كما يوجد ( التميس ) اليمني ..
و( التميس ) نوع من أنواع الخبز ، يتم صنعه بطريقة معينة ، وله أفران خاصة به ، ويمكن أكله ساخنا دون أي أصناف أخرى معه ، أو بجوار الشاي ، مثل ( الكعك والكيك ) في مصر غير أنه ليس من أنواع الحلوى ، فهو خبز بالملح وليس بالسكر ، ويمكن أن يؤكل به الفول أو أي طعام آخر ..
هكذا كان رمضان هذا العام ، الذي هو أول رمضان أستقبله بمكة ، عظيما .. لقد شعرت معنى أنني أحيا في مركز الكون حقيقة لا مجازا ، لقد تحول بيتنا نفسه إلى قبلة الأهل والمحبين من كل صوب وحدب ..


لقد كان أبي يقيم معنا بالطبع ، وقد اتفق في هذا العام أن زارتنا أمي لأداء أول عمرة في حياتها ، وقدم شقيقي عصام وكان مقيما للعمل بالرياض ، فجاء لزيارتنا ومقابلة أمي وأداء عمرة رمضان ، ثم حضرت ماما ( طوفة ) وبرفقتها ( عمتو فاطمة ) عمة عماد لأداء عمرة رمضان ، وكانت لعماد ابنة عمة متزوجة ومقيمة في مكة ، فجاءت للإقامة عندنا ليلة أو ليلتين مع خالتها ..
ثم حضرت خالة لعماد مقيمة مع والدها – جد عماد لأمه - في جيزان في المنطقة الجنوبية بالمملكة على الحدود مع اليمن ، حيث تعمل مدرسة ..
وحضرت خالة أخرى لعماد مقيمة في جدة مع زوجها وابنيها ، وحضر خال عماد من مصر لأداء العمرة ..
لقد تحول بيتنا إلى قبلة للمحبين .. وتحولت الغربة المفترضة إلى دار الأحباب ..
ولقد أحببت مكة .. أحببتها من كل قلبي أكثر من أي وقت مضى .. لقد شعرت أننا في مكة نجمع ولا نفرق .. وما أعظمها من صفة ..
وكنت أشعر بأنني أحيا في عائلة كبيرة .. عائلة تحنو على بعضها البعض .. وكأن بيتنا تحول ولو لعدة أيام إلى دوار كبير للعمدة في قرية من قرى ريف مصر ..
ولئن تكرر زوارنا كثيرا بفضل من الله تعالى علينا في مكة ، إلا أنه لم يحدث أن اجتمع هذا الجمع الغفير في بيتنا مرة أخرى ..


15 – 7 - تابع حياة في مركز الكون

ولقد أحببت أغلب من جاء إلينا ، فاللقاء على القبلة الموحدة ، والهدف الواحد ، يربط القلوب ربطا ، لا يمكن أن يفعله أي أمر آخر ..
وشعرت بعيب واحد في كل ما كان يدور حولي ..
إن غالبية الزوار والقادمين ينصرفون مودعين مكة قبيل عيد الفطر مباشرة ، وعندها يغص الحلق بمرارة طعم انفضاض السامر ..
فجأة ينتهي كل شيء ، وتعود الحياة لطبيعتها ورتابتها وهدوئها ، فتسكن من بعد حركة دائبة ، وينتهي الزحام ، وتفرغ الطرقات ، ويأتي العيد حيث تشعر من الجموع الهائلة للمصلين صلاته بالمسجد الحرام بأنه المشهد الأخير للجمع المبارك ، ثم ينفض كل شيء عقب الصلاة مباشرة ..
لا أهل
لا زائرين
لا زحام في طرقات مكة
حتى الحرم نفسه يمسي فارغا إلا من بضعة آلاف لا يكادون يبينون في أرجائه المترامية ، بعدما كان يعج بالأمس فقط ببضعة ملايين ..
وتنشر الكآبة النفسية ظلالها على النفوس ، كآبة مردها انفضاض الجمع ، لا شيء سواه ..

لقد تعودت في مكة على معنى من معاني الحياة الدنيا .. الوصول إلى الذروة ، ثم الركود مرة أخرى إلى ما قبل موسم الحج بشهر .. ثم يتكرر نفس المشهد بصورة أكبر في موسم الحج ..
وهكذا الحياة ..
{ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } يونس24

وهكذا تصبح دارنا كأن لم ( تغن ) بالأمس دارا للأحباب والأقارب والمعارف من كل حدب وصوب !!

لقد غادرنا أبي سعيد بعد ثلاثة أشهر أو أكثر قليلا .. وانفض بيت العائلة ، وأقفل دوار العمدة بابه المشرع على مصراعيه .. ولم تعد سوى أسرتنا الصغيرة حيث عماد و( مريومة ) ، ودوام يلتهم عشر ساعات يوميا من وقت عماد .. ثم لقاء يطفئ لهيب الأشواق ..

لقد كانت سلوانا في هذه الفترات التي تنتابها الرتابة ، أننا لا نشرب إلا من ماء زمزم ، وأننا نقضي غالبا ليلة الجمعة ، وعصره في الحرم ، أو نتمشى في الأسواق حوله ، أو يأخذني عماد لزيارة سوبر ماركت ..

ولقد عبرت عن الذهاب إلى ( السوبر ماركت ) بالزيارة .. لأنها حقيقة تبدو كذلك ، فالتسوق في هذه البلاد متعة في حد ذاته ، والأسواق التجارية و( المولات ) بما تشغله من مساحات شاسعة ، وتوفره من وسائل راحة ورفاهية لم أعتدها من قبل ، من مكيفات هواء مركزية ، وعطر فواح يعبق في الجو ، وكميات هائلة متنوعة من البضائع في كافة المجالات ، وما تخصصه من عروض خاصة تنزل فيها بأسعار بعض المعروضات إلى نصف سعرها ، فهذه سلعة تباع بنسبة خصم حقيقية تعادل خمسين بالمائة ، وهذه سلعة مكتوب عليها :
عرض خاص
اشتري حبة واحصل على الأخرى مجانا ..

أي أن السلعة تباع الاثنتين منها بسعر واحدة !
وهكذا ..

فكنا أحيانا نعد عملية التسوق هي النزهة الأسبوعية لنا .. خاصة في السنة الأولى التي لم نكن قد امتلكنا فيها سيارة خاصة ..

وكان أهم ما لفت نظري في عمران مكة المكرمة ، هي تلك الأنفاق الرهيبة التي تشق بطون الجبال شقا .. إن تلك الطرق التي تم شقها في معظم جبال مكة تقريبا ، باتساعها وضخامتها وإنارتها القوية ، ومسافاتها الطويلة .. تشعرني ، أنه لا يمكن أن تكون أنفاق ( مترو الأنفاق ) في أوربا أو غيرها ، أروع وأعظم من تلك الأنفاق التي نمضي من خلالها في أم القرى ، التي باتت تضاهي في عمرانها أعظم مدن العالم ..

أما ليالينا أنا وعماد ، فكنا نقضيها في الحديث الذي لا ينقطع ، والقراءة ، والاستماع أحيانا إلى المحاضرات في الكاسيت ، وفي إعداد بحث كان يعده عماد حول فريضة الحج والتغيير أو الإصلاح .. أو شيء من هذا القبيل ..

ولقد كنت أدرك بالطبع أننا سنحج هذا العام .. أما كيف سنؤدي هذه الفريضة العظيمة ؟
فلم يمكنني تخيل ذلك ..
إن أعجب ما تعودته في حياتي مع عماد .. أنني أتحرك معه من خلال الواقع ، بمعنى أنه كان يدفعني لواقع ما .. كنت أتساءل قبلها :
هل يمكني القيام بهذا العمل ؟
وأرى أن الإجابة هي النفي القاطع ، فإن الأمر يحتاج إلى إعداد معين ، واحتياجات خاصة ، وكذا ، وكذا ..
فإذا بعماد يدفعني إلى الدائرة ، ونبدأ في الدوران ، وينقضي العمل ، دون أن نشعر أننا كنا نعاني ، أو أننا تكبدنا أعباء فوق الطاقة ..
كنت كلما تفكرت كيف سأقوم بأداء فريضة الحج ، تلك الفريضة العظيمة التي يأتي إليها الناس من كل فج عميق ، حتى تعد من حيث المشقة والزمن والتكلفة المادية ، من أعظم عبادات الإسلام ..
أسأل نفسي سؤالا حائرا :
هل فعلا سأستطيع أن أقوم بهذه الفريضة ؟
وما مقدار ما سيكلفني هذا من مشقة ؟

فإذا أقبل الحج ، لم أجد عليّ فعل الكثير ، فقط إعداد إحرام عماد ، وقد كنت أعددته من قبل ، وحقيبة يد بها احتياجات مريم.. وهذا كل شيء ..

- غدا يوم عرفة يا عماد .. ماذا علي أن أفعل ؟

- لا شيء يا حياتي

- ولكن ..

- لا تقلقي يا روحي .. لقد درسنا معا المناسك أكثر من مرة ، وليس هناك أكثر مما فعلناه ، أعدي نفسك فقط لأداء الفريضة في خشوع وتقوى لله .. ليس إلا

ثم يأتي يوم عرفة .. ولا شيء سوى أن أساعد عماد في ارتداء إحرامه ، ثم ننوي الإحرام بالحج المفرد من البيت باعتبارنا من سكان مكة ، ثم ننطلق فنأخذ وسيلة مواصلات إلى عرفات ..
ونحن نردد مع الكون من حولنا النشيد الخالد :

لبيك اللهم لبيك
لبيك لا شريك لك لبيك
إن الحمد والنعمة لك والملك ..
لا شريك لك

وأخيرا وصلنا إلى عرفة
.

15 – 8 - تابع حياة في مركز الكون


وأخيرا وصلنا إلى عرفة ذالك الوادي الفسيح الممتد .. الذي يبعد عن الحرم حوالي خمسة وعشرين كيلو متر .. وقد زرعت به الأشجار الكثيرة حتى لكأننا في منتزه .. وانتشرت به رشاشات مرتفعة تنثر رذاذا خفيفا من المياه الباردة كأنه هتان المطر أو بداياته ، فترطب الجو على الحجيج .. أما خيام الحجيج نفسها فهي داخل مخيمات مسورة بأسوار من معدن خفيف .. كأنها معسكرات الجيش ، وأما نحن فلم يكن لنا مكان في هذه المخيمات ، وإنما كنا نفترش ظل شجيرة .. أو ظل يحدثه اقتراب سيارتين كبيرتين من سيارات نقل الحجيج ، فنفترش الأرض بينهما ..

لقد رغب عماد أن يكون تحركنا من بيتنا بعد انكسار حدة الشمس ، حتى تتحمل الطفلة الرضيعة حرارة الجو ، وكنا في شهر ابريل تقريبا ، ووجدنا مكانا بسهولة للجلوس به في مساحات عرفات الشاسعة ، فالصورة من قلبها ليست على الهيئة التي تنقلها لنا الأقمار الصناعية كأن الناس متلاحمون التحاما ..
إنك عندما تكون في قلب الحدث ، كجزء منه ، فإن الوضع يتغير بالنسبة لك تماما عن كونك تتابعه من خارجه بصورته الكلية ، فأنت داخل الحدث لا تدرك إلا كل جزئية على حدة ..

ظللنا في عرفات ندعوا الله ، ونذكره كثيرا ، وكل ما يمكن أن يخطر على بالنا متوفر .. مياه باردة للشرب ، عصائر ومثلجات ، طعام خاصة الفاكهة ، والأطعمة الجافة .. حمامات .. كل شيء ميسر ومتاح .. لا قلق ، ولا تعب ..
وبعد غروب الشمس ، بدأت رحلتنا العكسية تجاه مكة ، وقد قرر عماد أن تكون رحلتنا سيرا على الأقدام ، وقد قال لي موضحا :
- إن الصعوبة الوحيدة التي يمكن أن تواجه الحجاج ، هي الزحام الرهيب في وسائل المواصلات .. أما السير على الأقدام فمتعة ..

وانطلقت معه وسط الآلاف المؤلفة التي تفضل الحج سيرا على الأقدام .. ومشينا حوالي سبعة كيلو مترات ، حتى رأينا علامات بداية مزدلفة ، فجلسنا نستريح ، بعد أن صلينا المغرب والعشاء جمعا .. وبحثنا عما يمكن أن يشرب أو يؤكل حولنا .. ومضينا ليلتنا إلى ما بعد منتصف الليل .. ثم قال لي عماد :
- إن علينا أن ننصرف الآن ، فإن معنا رخصة وهي الطفلة الرضيعة ، وذلك قبل اشتداد الزحام ..

وكان عماد هو الأمير المطاع ، ولم أكن أملك حتى من التصور للحدث ، ما يمكنني من مناقشته .. كنت ألبي أوامره بكل دقة ..
واستكملنا مسيرتنا حوالي ستة كيلو مترات أخرى إلى منى ، وهناك رمينا جمرة العقبة الكبرى ..

ثم خرجنا من منى ، كل ذلك سيرا على الأقدام ، وعماد يحمل مريم على كتفه ، وكلما أشفقت عليه وحاولت أن أحملها عنه يرفض بشدة .. كان يتمنى لو أنه يستطيع أن يحملني أيضا ..
وأخيرا خارج منى ، في حي العزيزة ، وجدنا سيارة يمكنها أن تنقلنا إلى الحرم ..
وقبل أذان الفجر كنا نؤدي طواف الإفاضة ثم سعي الحج ..
لقد حق لنا بعد ذلك أن نتحلل من إحرامنا تحللا أكبر
لقد أدينا كل الأركان ، ولم يتبق لنا إلا الواجبات ..
المبيت بمنى ورمي الجمرات في أيام التشريق ، وهي أيام عيد الأضحى عندنا في مصر ..

وخرجنا من حجنا بشرا آخرين ..
أنا شخصيا خرجت من حجي الأول هذا ، رغم أن المشقة الفعلية التي واجهتني فيه كانت يسيرة ، لا تكاد تذكر .. إلا أنني شعرت أنني ذرة في كيان عملاق اسمه الأمة الإسلامية ..
ذرة من مليار ونصف ذرة تشكل معالم هذا الكيان الهائل العظيم ، وأدركت حجمي ، أدركت أنني لا شيء ..

بماذا أتعبد الله تعالى ؟

بالبكاء والخشوع ؟

لقد رأيت من هم أبكى وأخشع مني بمراحل ..

أبالتعب والجهد ؟

هيهات أن يذكر جهدي أمام أصحاب الجهود ؟

أبالمال والصدقة ؟

لقد رأيت في الحج من ينثر محتويات المبردات الضخمة ، التي تتكلف محتوياتها مئات الآلاف من الريالات من العصائر وزجاجات الماء المثلج ، ينثرها تحت أقدام الحجيج طلبا لرضي الله ..

وأدركت أنني أقل مخلوقات الله وأضعفها ، وأنني مجرد أَمَة ليس لها حيلة ، إن لم يتغمدها الله برحمته ضاعت وعملها القليل الباهت ، هباءً منثورا ..
لقد غسل الحج كبريائي وغروري ، وغسل حتى مشاعر الرضا التي كنت أشعرها حين أؤدي عبادة من العبادات أظن نفسي قد تقربت بها لله ..
فهل يمكني بعد هذا الشعور أن أتساءل :
هل فعلا يمكنني أن أكون قد أديت الحج ؟
أم أنني لم أزد على أن أكون شغلت الطرقات وزحمتها بشخص ، لا قبول له عند الله ؟
إن هذا السؤال سيبقى معلقا ، لأنه لا إجابة عليه في الحياة الدنيا ..
.
.
الحلقات القادمه : 16- رحلة عمر
ان شاء الله

semeramis
14-05-2010, 09:57 PM
16 - 1 - رحلة عمر

16- رحلة عمر

بعد مرور عام على مجيء منال إلي بمكة ، وأكثر من عام من العمل المتواصل ، كان من حقي أن أحصل على أول إجازة ، ولكني فكرت أن أستبدل هذه الإجازة ببدل مادي عنها ، فقد كنا في أمس الحاجة إليه ، ونتيجة الكفاح المشترك ، والعمل الجاد الذي قمنا به أنا و( منولتي ) خلال عام كامل ، فكرنا في هذه الفترة أن نشتري أول سيارة في حياتنا ، وكانت سيارة مستعملة من ماركة ( مازدا ) اليابانية موديل عام 1982 ، وكنا وقتها في عام 1996 أي أنها باللغة المصرية في ذلك الوقت كانت تعتبر سيارة جيدة ، ولكنها عندنا في المملكة كانت تعتبر سيارة ربع عمر .. وكان سعر شرائها يعادل راتبي لمدة شهرين ، وهو كما ترى مبلغا ممكن تدبيره ..
وكانت لنا ذكريات سعيدة وجميلة مع هذه السيارة الأولى التي كنا نسميها أنا ومنة ( البركة ) ..

كنت قد تعلمت قيادة السيارات في مصر قبل السفر وذلك بإحدى مدارس تعليم القيادة ، ولم أكن قد مارست القيادة أكثر من عدة ساعات متفرقة على مدار أسبوع أو أكثر هي مدة الدورة التعليمية للقيادة ، ولم يتسنَ لي أن أمارس القيادة بعد ذلك ، فنحن في مصر لم نكن نجد السيارات في انتظارنا على قارعة الطريق !

ولم أكن قد استخرجت رخصة قيادة .. وإذا أضفنا إلى ذلك أنني لم أمارس قيادة السيارات بتاتا منذ حوالي عامين أي منذ انتهاء دورة التعليم .. فإنك بالتأكيد تكون قد علمت الآن قدراتي الآنية في قيادة السيارات !!
ولم تكن زوجتي الحبيبة تقيم معي بشكل نظامي كما تعلم ، فإننا كنا لا نستطيع أن نتعرض بأي صورة من الصور إلى الشرطة ، ولو كان الحق معنا ، وإلا ..

ولكنني في هذه الظروف قررت شراء السيارة لأنها ضرورة حيوية في تلك البلاد الواسعة التي تحتاج في التنقلات إلى وسائل مواصلات عالية التكاليف في كل الأحوال ..
وكنت أشتهي شراء سيارة تحت أي ظرف ..

احضر البائع السيارة أمام منزلي ، وسلمني المفتاح ، لأعرضها على المختصين لحسم أمر سعرها النهائي ، معتقدا مما أفهمته إياه أنني سائق ماهر ، وأنه لا مشكلة عندي ..

في المساء دعوت حبيبتي منال وعلى كتفها ( مريومة ) ابنة السنة وبضعة أشهر لنزهة بالسيارة !
كانت منة تعرف أنني لم أمارس القيادة منذ سنوات ، لكنها لم تكن تعلم أنني بهذا المستوى من المهارة ..
وظنت أنني متوسط المستوى في القيادة فشجعتني حتى تزيل الرهبة من قلبي ، وركبنا في السيارة - يا أستاذي الفاضل - وأدرت محركها ، وانطلقنا بها تتهادى بنا ، ولم أجرؤ بالطبع الخروج بها إلى الشوارع العامة المزدحمة بالسيارات المسرعة ، وإنما أخذت أتجول بها في الأزقة في الجهة الخلفية لحي الهنداوية وهي عبارة عن شعاب بين الجبال والمرتفعات ، وهي الطبيعة الجغرافية لمدينة مكة المكرمة ..

ولا أخفيك سرا يا صديقي أنني كنت وأنا أمضى بسيارتنا ( البركة ) كنت متمثلا دور الممثل محمود عبد العزيز في فيلم ( الكيت كات ) ، عندما كان يتقمص دور رجل ضرير ، واستعار دراجة بخارية ليتجول بها في الشارع وقد قلبه رأسا على عقب .. كذلك فعلت .. وكذلك كنت أتخبط أنا ومنال ومريم وهما على المقعد المجاور ، ونحن نتضاحك والخوف يظللنا ، حتى استطعنا أخيرا أن نعود بالسيارة إلى مكانها أمام المنزل بأقل خسائر ممكنة ..

سهرنا طوال ليلتنا نضحك .. ونتمازح ، وتداعبني منال ضاحكة قائلة :
- عمدتي .. أيها السائق الهمام ..

- يبدو يا حياتي أنني سأصرف النظر عن فكرة شراء السيارة .. يبدو أن الحكاية صعبة جدا في طرقات مكة ..
- بالعكس يا حبي .. أنت ستصبح سائقا جيدا فعلا .. ثم إذا لم تتدرب في زوجتك ( منولتك ) حبيبتك ، فمع من تتدرب ؟ .. ولا تنسَ أنني على قلبك لطالوت .. وقدمي على قدمك .. هل تريد أن تذهب فتتدرب بمفردك ، وإذا حدث مكروه لا سمح الله ، أظل أنا بحسرتي إلى آخر العمر .. لا يا روحي .. قدمي على قدمك ، حتى لو تذهب إلى آخر الدنيا ..

- وأرد ضاحكا : الله يبعد الشرور عنك يا حبيبتي ويحفظك لي ..

- يحفظني لك نعم ، ويحفظك لي يا رب .. قل آمين .. لكن الموت معك يا حياتي ليس شرا .. هل نسيت عهدنا ؟.. ثم إنني فعلا مت معك .. ألست أنا أموت في حبك .. وأذوب في هواك يا حبيبي ؟..

لكن هذا السهر الضاحك المازح ، لم يمنعنا من الخروج بالسيارة في الأمسية التالية للتنزه .. لكنني كنت أكثر حذرا ، وأعظم ثباتا .. وشعرت منال أننا نتقدم .. متعللا ببيت شعر كان دائما يردده صديقي ( أيمن برغش ) .. وكان مغامرا مقداما .. إلى حد التهور :

يفوز بالملذات كل مغامر ويموت بالحسرة كل من كان يحذر

ولم تكن المغامرة في طبيعتي ، بل كان يغلب عليها التأني والحيطة ، ولم أكن أجرؤ على مثل هذه المغامرات إلا في معية ( منة ) حبيبتي .. لقد كان وجودها معي يعطيني طاقة هائلة عجيبة .. أقهر بها خوفي وترددي ..

إن من أعظم ما يربطني بمنال أنني أستمد قوتي وقدرتي منها .. كنت أحاول أن أنجح من أجلها .. وكانت هي قادرة على التشجيع ، وعلى الصبر في انتظار تحقيق الآمال ..

16 - 2 - رحلة عمر

في هذه الفترة جاء شقيقي الذي يصغرني من مصر للعمل بمكة المكرمة ، وكان مهندسا ، وكان لابد له من الإقامة في بيتنا ، فهو جديد على مكة ، وليس له أحد هنا سوى أخيه ، و ( عمو محمد ) الذي لا تسمح ظروفه الحالية لاستقباله في منزله ، ولم نزد على البيت لاستقبال أخي ، سوى أننا أضفنا بابا خشبيا في الطرقة الفاصلة بين الصالة وبين غرفة الضيوف ..
وكانت غرفة الضيوف ذاتها غرفة منفصلة بحمام خاص ، وكانت بها الشرفة الوحيدة التي تطل على الشارع ، وكانت الغرفة تفتح كذلك على الباب الرئيسي للشقة ، فأقمنا هذا الباب الخشبي ليفصل بين هذه الغرفة وبين بقية الشقة ، ولقد كان النجار الذي جاء ليصنع لنا الباب باكستانيا اسمه أرشد ، وقد كان رجلا كهلا خبر الحياة ، ونظر إلي مبتسما وهو يسأل :

- وما فائدة هذا الباب يا أستاذ ؟

- لأن أخي سيقيم معي هنا يا عم أرشد ، وبهذا الباب يصبح له سكنه الخاص ، ولنا سكننا الخاص ..

- هز أرشد رأسه في تشكك ، ثم قال : إن لم تكن ثقتك في أخيك وفي زوجتك متوفرة ، فماذا يصنع باب من الخشب .. إن أي منهما يستطيع أن يفتح الباب ويمضي ..

- وابتسمت وأنا أقول له .. الثقة بيننا موجودة وهي أعظم ما تكون ، وأنا أعلم أن الباب لا يحول دون شيء .. لكن حاجتنا للباب هي حاجتنا لتطبيق السنة ، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول :
" الحمو الموت " ..
ثم شرعت أشرح له معنى الحديث النبوي الشريف .

ولقد اقبل أخي الفاضل فأقام لدينا قرابة عام ونصف .. كنا خلالها بفضل الله تعالى من أمثلة الأسر المتحابة المتعاونة ، ولم يحدث أن اشتكى يوما أو شعر بتقصير ، ولعل ذلك نابعا من طبيعة أخي الذي ورث كثيرا من صفات أبيه .. فطلباته الشخصية هي في أضيق حدود دائما ..
وكما لم تضجر منال من خدمة قدمتها أو تقدمها ، بل كانت ترى ذلك واجبا بديهيا عليها القيام به دون أن تشعر مجرد شعور بأنها تقدم شيئاً !!

وكنا حين نختلي بأنفسنا أنا ومنال ، نحمد الله كثيرا أن جعل بيتنا بمثابة بيت عائلة يجتمع فيه الأهل والأحباب والخلان .. وكنا قد عاهدنا الله تعالى أن نجعل دائما بيتنا قبلة للزائرين ، فما أجمل أن يكون بيتك في خدمة بعض أهلك وأحبابك ، فما بالك أن تكون هذه الخدمة ذاتها لضيوف الرحمن ؟

كانت السعادة العارمة تظللنا معا ، ولم نكن نقيم للتكاليف المادية لمثل هذه الاستضافات أي وزن ، لقد كنا ندرك أن الله سيخلف علينا ، والحقيقة أن البركة كانت تتنزل ، وأن الأهل خاصة المقربين منا ، كانوا يدركون طبيعة ظروفنا المادية ، فكانوا يمطروننا بالهدايا الثمينة التي تخدم احتياجات البيت ..

ولقد جاء أبي في العام التالي ليحج معنا .. ولقد ظللنا لعدة أعوام تالية نستقبل حجاج بيت الله من الأقارب ، سواء من داخل أو خارج المملكة .. وكانت تزداد سعادتنا كل عام ..
وكانت منال تستقبل كل هؤلاء باعتبارها ربة المنزل ، وكان عليها أن تحسن استقبال وضيافة الجميع ، عدا أنها نفسها تكون مشغولة بأداء فريضة الحج ، وهي في تلك الفترة الزمنية كانت إما أن تكون حاملا في جنين ، أو مرضعا لرضيع ، ولكنها بفضل الله كانت تستطيع التوفيق - ولو بنسبة ما بين هذا وذاك - ، وكان الضيوف عادة ما ينصرفون من بيتنا راضين شاكرين ..

وكنا نرى نحن في رضاهم وشكرهم بشارة برضا الله تعالى ، حتى أننا كنا نعتبر العام الذي لا يحضر إلينا ضيوف للحج أو العمرة ، كأنه عام لم نتقرب إلى الله فيه بعمل أو طاعة ..

ولقد مرت علينا بعد ذلك ظروف أمنية في غاية القسوة والصعوبة ، والخطورة أيضا ..
لقد أفهمتك يا صاحبي ، أن إقامة حبيبتي معي لم تكن قانونية ، فلقد دخلت مكة بتأشيرة عمرة ، ولقد انتهت صلاحية هذه التأشيرة التي مدتها أسبوعين ، ونحن الآن على أعتاب السنة الثالثة من عمر إقامتنا معا !

ولقد قررت السلطات السعودية أن تقوم بتطهير المملكة من المقيمين غير النظاميين ، وكثفت الدوريات الأمنية وأكمنة التفتيش وحواجزه في الطرقات ، وكثفت حملات التفتيش على المنازل بحثا عن غير النظاميين ، كما جندت عدداً من النساء لتفتيش المقيمات والتحقق من سلامة أوراقهن .. بالإضافة إلى الأوامر التي صدرت لملاك المنازل ، بتحري الدقة والحصول على صور الأوراق النظامية قبل تسكين المقيمين ..
وبدأت الدائرة تضيق .. وكثير من المعارف وزملاء العمل الذين أحضروا زوجاتهم بتأشيرات عمرة اضطروا إلى تسفيرهن ، خوفا من المداهمات ، والإهانة ، وتعددت البيانات في الصحف ووسائل الإعلام تحذر من أي مخالفة ..

وكنت وزوجتي مؤمنين تماما بحقنا المشروع في الحياة معا ، فنحن تنطبق علينا كافة الشروط اللازمة لجعل أوراق زوجتي أوراقا قانونية .. من حيث المؤهل الدراسي ، ونوع الوظيفة ، وموافقة الكفيل صاحب العمل الذي أعمل فيه .. ثم حاجتنا الفطرية الطبيعية للعيش معا ..
غير أن ظروفا روتينية خاصة بأوراقي كانت تحول دون إتمام هذا الحق ..
ولقد سعينا في كل اتجاه بحثا عن مخرج ، ولكن الأبواب كلها المشروعة منها والنصف مشروعة كانت توصد في وجهينا ..

وظلت الدوائر تضييق حتى كادت تخنقنا ، وأجمل الأقرباء والأصدقاء المخلصين لنا النصيحة بضرورة سفر منال ومريم .. نصحونا مخلصين لوجه الله وحبا فينا وخوفا علينا ، وقلوبهم تتمزق وهم يرون مدى ارتباطنا الوثيق ..
كان العقل والمنطق مع عودة منال إلى مصر .. لكن تمزيق قلوبنا بخناجر مسمومة كان أهون علينا من ذلك .. لقد أصبح كل منا بالنسبة للآخر مثل الماء للسمك ، كلانا لا يستطيع أن يجد هواء يتنفسه دون الآخر .. كنا نتنفس برئة واحدة مشتركة ، وقلب واحد في جسدينا ينبض بالحياة ، فكيف يتمزق الجسد الواحد شطائر بينها آلاف الأميال .؟
ولجأت إلى العلماء والمشايخ الكبار ألتمس عندهم عونا ، فأكدوا على شرعية موقفي ، لكنهم لم يجدوا حلا ولا مخرجا سوى الدعاء ..
ولكم تعلقنا يا صاحبي بأستار الكعبة المشرفة في جوف الليل ، وذرفنا دموعا حارة ساخنة سخية .. ودعونا ، ليس دعاء المضطرين ، ولكن دعاء المقبل على عدو يتوعده بتمزيق جسده ليفرقه فرقين بالمناشير ..
وكم هتفت نفوسنا ونحن في أحضان أستار الكعبة .. وباب الملتزم :

ببابك لن أغادره ولن أسعى إلى غيرك
سأنسج بالرضا ثوبي وأشرف أنني عندك

أراك بكل مثمرة يسبح صنعها باسمك
ويروي القلبَ في ليلك دعاءٌ صُلبه ذكرك
أجرت الدين في أمس وضاء الكون من وجهك

ببابك لن أغادره ولن أسعى إلى غيرك
سأنسج بالرضا ثوبي وأشرف أنني عندك

إلهي منحةً تجلو ظلامَ الليلِ من ليلك
وجد بسحائب الغفران يعطر مزنها فيضك
وبدل سوءنا حسنا فقد تبنا وذا وعدك

ببابك لن أغادره ولن أسعى إلى غيرك
سأنسج بالرضا ثوبي وأشرف أنني عندك

جراحات لنا تبكي يبدد دمعها فجرك
وليل حالك الإظلام يسهتدي لنا نجمك
يزمل خوفنا المطرود في غربة سني أمنك

ببابك لن أغادره ولن أسعى إلى غيرك
سأنسج بالرضا ثوبي وأشرف أنني عندك

ونهتف في جبين الصبح حين يقال من ربك
إلهي خالق الأكوان لا أسعى إلى غيرك
إلهي فالق الإصباح أشرف أنني عبدك


16 - 3 - رحلة عمر

ووصل الأمر أنني عرضت على صاحب العمل أن يستقدم زوجتي ذات الشهادة فوق الجامعية ، مليكة قلبي ، وأميرة روحي .. التي كنت أضن بأن تمسها الألسن بسوء ، عرضت عليه أن يستقدمها بمسمى مهنة خادمة – بالطبع دون أن تمارس أي عمل – لمجرد توفيق الأوضاع ولم الشمل دون خوف أو اضطراب ..
ولكنه استحى فرفض ..
وضاقت بنا الدنيا بما رحبت .. وكانت ( منولتي ) قد دب في أحشائها نطفة جديدة .. فكيف المخرج ؟

نظرت إلي في قلق واضطراب وسألتني :

- ما رأيك يا حبي ؟

لم أكن أقل منها اضطرابا وقلقا فقلت حائرا :
- لا أعرف يا روحي .. العقل والمنطق يجزمان بضرورة رجوعك إلى مصر .. لكن قلبي ينتفض انتفاضة الحمامة المذبوحة كلما فكرت بهذه الطريقة !

- بل قلبي أنا يا حبيبي هو الذي يذبح كل يوم ..

- كل الذي أعرفه يا منال أنني لا أستطيع أن استغنى عنك ، لا أستطيع أن أعيش بدونك .. بدون هاتين العينين اللتين تنظران إلي .. فهما عيناي التي أرى بهما يا منال .. فهل يستغني أحد عن بصره الذي يبصر به ؟؟؟

وكانت منال في مثل هذه الظروف تستلهم بيت شعر كثيرا ما سمعته من أبي أثناء محنته معنا في انتظار العودة إلى مصر بمفرده ، فكانت تردده وتجد فيه الأمن والسلوى :
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج
ثم تضيف في إيمان :
- حسبي أن بابا سعيد كان دائما موقن بفرج الله .. وأنا موقنة بفرجه ..

ولم نكن نتوقف عن صلاتي الحاجة والاستخارة أن يخيرنا الله في أمرنا بين السفر والبقاء ..
ونحن على هذه الحال ، رأت حبيبتي رؤية كانت فرجا ومخرجا .. ولم أكن بطبيعة الحال أهلا لتفسير الأحلام ، وتعبير الرؤى ..
ولكن الله عز وجل ألقى في نفسي تفسيرها .. فكانت كفلق الصبح ..
لقد رأت حبيبتي أننا نصلي في المسجد الحرام صلاة الفجر ، وبينما نحن في صلاة الجماعة إذ أخطأ الإمام أو نسي ، فصلى ركعة واحدة ثم جلس للتشهد ومن ثم التسليم من الصلاة ..

وسلم الناس خلفه إلا القليل النادر من المصلين ، وكانت منال من بين القليل النادر ، وقد قاموا لإتمام صلاتهم ..
وحدث لغط وفوضى .. وحار الناس ماذا يفعلون ..
بينما مر أحد العلماء بالقليل الذين يستكملون صلاتهم فأشار لهم بوجه باسم مستبشر : أن أتموا صلاتكم ، فإن ما فعلتموه هو الصحيح بفضل الله .. ثم مضى ..

واستيقظت منال ، وكان الله تعالى قد ألقى عليها الرؤيا ، دون أن تعرف لها تأويلا محدداً ، غير أنها كانت قد نامت ليلتها على وضوء وصلاة استخارة بخصوص السفر ..
وكنت قد ألقى الله تعالى علي تأويل الرؤيا .. بحالنا ، وحال الناس من حولنا ، لقد أمر الإمام بانصراف الناس ، فانصرفوا إلا القليل النادر ، وكنا من هؤلاء القليل النادر .. ثم راجع الإمام أو بعض معاونيه القرار ، فقرروا أن الماكثين هم على حق .. فطلبوا منا أن نتم مكثنا في أمان ، فنحن على الحق ..

ومن عجائب الأمور أنها اتصلت بأحد كبار العلماء هاتفيا وأطلعته على الظروف المحيطة ، وروت له رؤيتها آملة أن تجد منه تشجيعا أو تعضيدا لتأويلي .. فأولها الشيخ على غير هذا المعنى ، وقال لها :
- هي بعيدة على العموم عن أي إشارة بالمكوث أو السفر ..

وأطلعتني على تأويله ، وكان الرجل عالما أثق بعلمه ، لكنني كنت أكثر ثقة في فرج الله ومخرجه ، فقلت لها أن تأويلي هو التأويل إن شاء الله ..

واستبشرت للرؤيا على تخوف يتضاءل أمام يقين يكبر ، وليس في الأخبار المحيطة بؤرة أمل أو بصيص ضوء ..
وفجأة وبعد بضعة أيام لم تتجاوز الأسبوع .. استيقظت صباحا على رنين الهاتف .. كان صديقا لي .. كان البشير ، ولم أنسَ بشراه وإن لم أستطع حتى يومنا هذا أن أجزه بها ، فجزاه الله عنا كل خير ..
بشرني الصديق وصوته يقطر رقة وحبا وفرحا :

- أقرأت صحف الصباح ؟..
وكنت قد استيقظت على رنين هاتفه ..فأجبته بالنفي
فبشرني ونعم البشير والبشرى : بأن المملكة أصدرت مرسوما بتوفيق أوضاع جميع المخالفين نظير بعض الأوراق الرسمية العادية التي تثبت الشخصية ، ومبلغ من المال كغرامة البقاء بلا تأشيرة نظامية ..

ووضعت سماعة الهاتف وأنا أدعو لصديقي بكل دعاء أحفظه .. وأنا إلى يومنا هذا أدعو له بظهر الغيب ، ولقد تقطعت بنا السبل فآخر عهدي بأخباره أن يقيم في سريلانكا !!

وطرت بمنال وطارت بي .. لقد كان الله تعالى يجمع شملنا للمرة الرابعة ..
مرة حينما زففنا إلى جنة الدنيا بكوخ حبنا الأول ، والثانية عندما جاءني أبي بزوجتي في عمليته الفدائية الشهيرة ، والثالثة عندما نجحنا في عودة أبي دون أن يصطحب معه منال ، والرابعة حينما عرف اجتماعنا المبارك النور قانونا بعدما عرفه شرعا ..
وإني الآن أتساءل سؤالا طالما هربت منه أثناء المحنة والابتلاء :
كم مرة رجفت ( منولتي ) من الرعب والجزع ، وهي تسمع دقة على باب الشقة أثناء ساعات عملي التي تتجاوز التسع ساعات يوميا ؟
وكم مرة داهمها الخوف مما تسمع من نصائح وتحذيرات ؟
لكنها كانت امرأة تدعو ربها وتوقن بالإجابة ..

ولقد سهرنا بعدها ليلتنا بالحرم أمام الكعبة نتلوا معا قوله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم
لإيلاف قريش
إيلافهم
رحلة الشتاء والصيف
فليعبدوا رب هذا البيت
الذي أطعمهم من جوع
وآمنهم من خوف
صدق الله العظيم ..
فسبحان الذي أطعمنا من جوع وآمنا من خوف ..

الحلقات القادمه : 17 – في رحاب الأمن
ان شاء الله

Princess Amira
15-05-2010, 12:02 AM
متابعة معاكي يا شيماء،، اختيارك رائع

semeramis
16-05-2010, 01:46 AM
مرمر كالعادة تضئ الصفحة بحضورك الرائع
دمتي بكل الود

Princess Amira
16-05-2010, 05:26 AM
:blushing::blushing::blushing::blushing:

semeramis
17-05-2010, 02:04 AM
17 – 1 - في رحاب الأمن

هبي يا ريح الإيمان وكوني إعصار
إعصارا
هبي في أرجاء الكون وذري الأنوارَ
فعل الأسرى في الأرض يغدوا أحرارا
تنعم بالأمن من رب الكون يارب

قلبي المشبوب الظمآن ينتظر المطرَ
المطرَ
كم جاب فمل البلدان يستجدي الفكر
ورأى وسوسة الشيطان تستهوي البشر
فنأى في كبر عن دنيا الشر يا رب

يا ريح الإيمان وكنز العزة والفخر
والفخر
نسماتك تغمر ساحات فؤادي بالبشر
تسمو بي تسمو تقذف بي في دنيا الخير
فأنادي القدر أن يهدي البشر يارب


لقد آن الأوان لهذه الأسرة الصغيرة البسيطة أن تهنأ وأن تمضى في الحياة بلا منغصات ، وأن تحتفل ..
ولقد واكب ذلك تقدما ملحوظا لي في عملي ، وكيف لا أتقدم ، ولا أنجح ، وكل من حولي من زملاء العمل ، يرون أثر الاستقرار النفسي والسعادة العاطفية ، تتجلى في قسمات وجهي ونظرات عيني ؟..
ولأن سكرتيرتي القديرة كانت تعاوني فيما أغفل عنه ، أو أتعب دونه .. فقد كنت أتقدم ، وأصبحت بفضل من الله تعالى ، موضع ثقة صاحب العمل ، ولقد أتاح لنا هذا الأمر أن ننتقل من شقتنا الأولى بمكة في حي شعبي أو حارة بسيطة .. إلى مسكن أرقى وأفضل ..
لقد كنا نتقدم خطوات واسعة على الطريق ..
وأصبحت أيامنا التالية احتفالات دائمة بنعمة الأمن التي أنعم الله بها علينا ..
كنا نشعر شعور السجين الذي تم سجنه عن طريق الخطأ ، وبينما هو في ظلمة سجنه يتجرع مرارة الشعور بالظلم ويفكر في كل وسيلة ممكنة وغير ممكنة للهروب من سجنه ، فإذا بهم يقررون فجأة الإفراج عنه ..
كنا نتنسم نسائم الحرية ، نفتح صدورنا ونستنشق هواءها العليل ، ونرفرف بأجنحة خيالنا في نسيمها ..
لقد أصبحنا نأخذ سيارتنا ( البركة ) وننطلق بها كل مساء إلى مكان مختلف ..
فنقضي بعض الأمسيات الهانئة السعيدة على كورنيش البحر الأحمر بجدة .. عروس البحر الأحمر .. فنتذكر ليالي الإسكندرية عروس البحر الأبيض ..
وننزل في حي الحمراء على الكورنيش فكان يذكرنا بمحطة الرمل بالإسكندرية ، فنتناول سندوتشات ( الشاورما ) ، وأدعو حبيبتي ومريومة على ( الآيس كريم ) الشهي .. ونمضى بعض الوقت .. وقرة عيننا مريم تقفز وتجري هنا وهناك .. ثم لا ننسى ( الفيشار )
فأتعمد أن أشتريه في نهاية سهرتنا قبل أن ننهض ، حتى يظل معنا في السيارة ، ونعيد ذكريات رحلة عودتنا من إسكندرية ليلة عقد الزواج ..
وفي طريق العودة تظل منال تناجيني حتى لا أغفو أو أنام ، وكانت تعلم أن الأضواء تؤذيني في عيني أثناء القيادة الليلية ، وكانت تضع ( الفيشار ) في كفها .. وأنا أضع كفي في كفها بين لحظة وأخرى فأتناول حباته من راحة كفها ..
ونتضاحك ..
ويهتف كل منا في وقت واحد ، فأقول أنا :
- أتذكرين ؟..
في نفس اللحظة التي تقول فيها :
- أتذكر ؟..
ثم تضيف :
- كفى شقاوة ..
وأجيب دعابتها قائلا بمكر :
- أزيلي بقعة الآيس كريم التي على الخمار ..
وتجلجل ضحكاتنا .. وهي تغمغم :
- لا تخجلني أكثر من ذلك ..
وما كان لنا أن ننسى ..
لكننا لم نكن في حاجة إلى تذكر تلك الذكريات الجميلة ، لقد كنا نصنع كل ليلة ، بل كل لحظة من لحظات حياتنا ذكريات جديدة .. ولم تكن ذكرياتنا الأولى هي الأحلى دائما .. لم تكن لها من فضل على ما تلاها من ذكريات سوى فضل البدايات .. أما كل الذكريات القديمة والجديدة فقد كانت على وتيرة واحدة من الروعة والجمال والسعادة ..
وأقدم بنا حبنا للمغامرة .. فأخذنا سيارتنا ( البركة ) وانطلقنا بها إلى المدينة .. تلك المدينة المباركة التي نحبها من أعماقنا ، ونتمنى أن تحبنا كما نحبها ..
والمسافة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة حوالي خمسمائة كيلو متر .. لكنني مع منال ، كنت أتجاسر وأتشجع وأنجز !!
وكان صوتها العذب ينساب رقراقا صافيا كأنه خرير جدول ماء ، أو كأننا على ظهر قارب يتهادى بنا على صفحة ماء النيل ، ولسنا في سيارة تمضى بنا مسرعة تنهب الأرض ، وحولنا الصحراء الممتدة والجبال الشامخة من كل جانب .. كان صوتها العذب ينساب رقراقا مرددا :

على المدينة على المدينة
رب بلغنا زيارة نبينا
رب بلغنا زيارة محمد
فهو الشفيع للمسلمين

وفي المدينة كنا نفترق أحيانا أنا ومنال ، فإن نظام المسجد النبوي الشريف يختلف عن المسجد الحرام فتوجد أبواب مخصصة لدخول وخروج النساء منفصلة عن أبواب الرجال ، وأوقات زيارة الروضة الشريفة محددة بأوقات معلومة بالنسبة للنساء في منطقة لا يشاركهن فيها الرجال ..
وكنا نتواعد على موعد بعدما ترتوي منال من زيارة الروضة .. ثم نخرج من الحرم النبوي فنعرج على البقيع ، وهي مقابر المدينة وتقع مقابل المسجد النبوي ، فنلقي السلام على أهل الديار ، وفيهم كبار الصحابة وأمهات المؤمنين وبنات النبي رضي الله عنهم أجمعين ..
وفي المدينة مضينا بسيارتنا ( البركة ) فزرنا جبل أحد ، وهو جبل أحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذهبنا إلى مسجد قباء أول مساجد الإسلام ..
إن نسمات المدينة تستقبلك حين تغدو على بعد عدة أميال منها ، وتسمع في حركة الهواء صوتا هامسا يشدو :

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع

وكنت لا أملك نفسي من أن تتجاوب مع نسمات المدينة الحانية المغردة دائما أبدا ، فأردد لمنال بجواري بصوتي الأجش الخشن :

آنست نور الله جل جلاله ومشيت حيث مشى النبي وآله
مكنت من حظي فليس بشاغلي إدباره عني ولا إقبالــــه
من يختتم سفر الحياة برجعة لله طاب ختامه ومآلـه
يا رب جاء إليك يسألك الهدى عبد له عصيانه وضلاله
ذكر الوعيد فزعزعت آماله خوف الوعيد وزلزلت أوصاله
حتى إذا البيت المحرم ظنه فرت بلابله وأصلح حالـه

وكانت منال تقهقه ضاحكة ، وهي تقول :
- أتدري يا عماد أن صوتك رقيق جدا ..

- حرام عليك يا ( منتي ) .. المجاملة قد تجوز في كل شيء ، إلا مع هذا الصوت الأجش الأخشنِ ..
وكنت ألحن ( الأجش الأخشن ) على بعض ألحان المنشد ( أبي مازن )

- بالعكس يا روحي ، فأنت عندما تقلد أبا مازن في بعض الأناشيد الرقيقة .. خاصة الأناشيد الفردية التي ليس فيها ترديد فإنك تجيد تقليده ..

- فأمازحها ضاحكا وأنا أقرصها في كتفها وهي على المقعد المجاور في السيارة :
من جاور القوم ، أيها المنشدة الجميلة ..

- اللهم يجبر خاطرك كما تجبر خاطر زوجتك حبيبتك الضعيفة المسكينة ..

17 – 2 - تابع في رحاب الأمن

وعدنا يا صديقي إلى الأرض .. وكانت النطفة الصغيرة التي تحركت في أحشاء منال ، قد استوت خلقا كاملا ، ينمو فيكور بطنها الحبيبة ، وكنت أتحسس هذا التكور وأرقبه في شوق ولهفة ، ودعاء ورجاء .. كنت أشفق على منال ، وأشجعها .. فلم يكن هذا هو الحمل الأول لها ، لكنه كان بالنسبة لي هو الحمل الأول الذي أرقب تطور الجنين فيه يوما بيوم ..
وكانت منال دائما تثبت لي أن قوتها فائقة ، أما قدرتها على الاحتمال فلا مثيل لها ، فلقد كانت تمارس نشاطها دائما بكامل طاقتها ، والجنين ينمو بأحشائها ، وكنت أشفق عليها ، لكنها كانت من النوع الذي لا يشكو ، ولا يستسلم لتعب أو وهن ..
وكنا نتردد على الطبيبة بانتظام للاطمئنان على صحة الأم والجنين ..
وكنت أرقب لهفة منال وشغفها بالطفل القادم .. لقد كانت أما .. وكان حنينها للأطفال الرضع لا وصف له ..
وذات مرة ونحن نتجاذب أطراف الحديث نحيي به أمسياتنا الجميلة .. قالت منال :

- حبي .. إن الدكتورة تتوقع حسب ما رأت ( بالسونار ) أن الجنين ولد هذه المرة ..
- أنت تعلمين أن كل رزق الله لنا خير

- وأعرف كذلك أنك تحب البنات يا أبا البنات ..

- لقد دعوت الله أن أرزق بالبنات أولا حتى نأخذ أجر حسن تربيتهن ورعايتهن ..

- وإذا رزقنا الله بولد ؟

- له الحمد على كل حال .. الأهم من كل ذلك هو سلامتك أنت يا حبيبة قلبي ، إن نهوضك لنا بألف سلامة من الحمل والولادة هو أهم عندي من كل أطفال الأرض ..

- أصحيح هذا شعورك يا عماد ؟

- وهل هذا أمر يحتاج إلى تأكيد أو سؤال يا روحي ؟

- لا .. ولكنني أعلم أن الأطفال دائما أغلى عند الأب وأحب من الزوجة ..

- ربما يا منة كان هذا صحيحا ، لكن لا تنسي أنكِ أنتِ نفسكِ ابنتي .. فأنتِ ابنتي البكرية .. أليس كذلك ؟؟؟

- طبعا يا بابا يا حبيبي .. يا لذيذ يا رايق ..

ثم باغتتني منال بعد هذا الحديث الحاني بسؤال :
- لو رزقنا الله تعالى بولد ماذا نسميه ؟

- ياه يا منال .. ألم نحسم أمر أسماء أبنائنا منذ أيام الخطبة ؟ أم أنك نسيت ؟ أم تريدين أن تتملصي ؟

- لا أبدا يا حبيبي ، ولكن هناك خاطر يلح علي ، وأريد أن أعرضه عليك ، راجية ألا تعتبر هذا تملصا من اتفاق أو وعد سابق ..

- خاطرك على عيني يا جميل ..

- فكرت ، لو أن الله تعالى رزقنا بولد أن نسميه ( سعيدا ) على اسم باب سعيد .. تعلم يا عماد ؟
إن اسم بابا اسم جميل جدا .. كما أنني أحبه .. أحب أباك جدا ، وأريد أن أعبر له عن هذا الحب .. وأريد كذلك أن تعبر أنت عن حبك لأبيك بهذه الطريقة .. فما رأيك أنت ؟
الواقع أنه قبل هذه اللحظة لم أفكر في هذا الأمر أبدا ، ولم يكن ليخطر لي على بال ، وكنت قد اخترت اسم أول طفل ولد لي على اسم أحد الصحابة الكرام كنت أكن له حبا خاصا .. لكن منال فاجأتني كل المفاجأة بهذا الطلب الجميل الرقيق الذي يعبر عن كل عاطفة وحب وبر .. يا لها من زوجة .. كيف تفكر في مثل هذه الأمور بهذه الطريقة !!..
لم يكن أمامي فرصة أن أفكر أو أتردد بعد هذه الفكرة العبقرية.. لقد كنت أحب أبي حبا جما ، وكنت أقدره ، وكنت أشعر برجوع كل فضل علي في الحياة إليه بعد الله تعالى ، هذا الرجل الذي كان سببا إلى المضي في طريق الله ، وسببا في الجمع بين المحبين ، وسببا في إقناع أمي بفكرة زواجي ، فضلا عن أن يكون مثل أي أب سببا في وجود ابنه ، لقد كان أبي وأمي طاقة حب وعاطفة لا تنفذ أو تفنى .. وكنت لا أرى وسيلة مناسبة للتعبير عن مشاعري تجاهه ..
ولكن منال حبيبتي أوجدت لي الوسيلة أخيرا .. أوجدتها بكل صدق وإخلاص .. ودمعت عيناي وأنا أجيبها بالموافقة ..
الأهم من ذلك أنني كنت أسمعها تدعو الله في سرها وجهرها وليلها ونهارها :

اللهم اجعله ذكرا ، وأن يكون سعيدا ، وأن يكون هو بر عماد بأبيه !!
وتعلقت بهذه الأمنية لما أجده من حرص منال عليها ، تعلقت بها كل تعلق ، وبت أشتاق إلى خروج هذا المولود إلى الدنيا ، وتمنيت من كل أعماقي أن يكون ولدا .. على عكس كل أحلامي السابقة لسنوات طوال جدا .. لكنني كنت الآن أعد الأيام باليوم ، حتى يأتي سعيد ، وأن أبشر به أبي هاتفيا .. وأعلمه أننا اخترنا اسمه نفسه حبا له وبرا به ..
وكنت أشعر في قرارة نفسي شعورا قويا مسيطرا أن أبي لن يعيش حتى أبشره هذه البشرى ..
ولكنني كنت دائما أتساءل .. ذلك السؤال الذي عنون به الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس إحدى قصصه : إلى أين تأخذني هذه الطفلة ؟
كنت أتساءل : إلى أين تأخذني هذه الزوجة ؟
كنت أشعر أن منال تجذبني إلى عالم خيالي .. عالم مثالي .. عالم لا يقوم إلا على الحب والرقة والعاطفة .. عالم لا يحيا على الأرض وإنما يحلق في السماء ..
فقد كانت تسمو بي تسمو تقذف بي في دنيا الخير .. فأنادي القدر أن يهدي البشر ..
لم تكن منال ريحا بل كانت رياح الإيمان والحب والتقوى ..

17 – 3 - تابع في رحاب الأمن

ولقد أراد الله أن تخطئ توقعات الطبيبة ، وأن يعجز جهاز أشعتها التلفزيونية ، وأن يرزقنا ( بفاطمة الزهراء ) .. قرة عيننا الثانية ..
وبشرتني منال من مستشفى الولادة في اللحظة التي أفاقت فيها بعد الوضع مباشرة .. بشرتني بالهاتف ، ولم يكن مسموحا لنا بمرافقتها بالمستشفى إلا في الزمن المحدد للزيارة ..
وكنا نحمد الله حمدا كثيرا لا مزيد عليه .. أن وهبنا بالابنة الثانية ، لكنها كانت تعتذر لي قائلة في رقة :
- قدر الله كله خير .. لكنني كنت أتمنى أن يحقق الله على يدي برك بأبيك ..

وبكينا في موضع الفرح والسرور ..
لكننا هاتفنا أبي وأبلغناه أننا نتمنى أن نسمي أول مولود ذكر ( سعيدا ) على اسمه .. لأننا نحبه ..
وهتف أبي على السماعة من الطرف الآخر عبر ألفي ميل أو يزيد :

- بل يرزقكم الله بمحمد إن شاء الله .. فقد كان الرجل يعشق محمدا ( صلى الله عليه وسلم )

ولئن كذبت الأقدار تنبؤات الطبيبة ، فإنها لم تكذب مشاعري الخاصة تجاه والدي ، أنه لن يعيش حتى يرى حفيده الأول الذي يحمل نفس اسمه ..
وكنا بحكم إقامتنا الدائمة بمكة المكرمة التي تهوى إليها أفئدة من الناس .. كانت تأتينا وفود من الضيوف .. وكان منهم من يأتي للإقامة عندنا طوال فترة العمرة أو الحج ، وكان هؤلاء بطبيعة الحال هم الأقارب المقربين ، وكانوا في الأغلب الأعم من أهلي أنا .. هذا غير كثير من الأصدقاء والأقرباء الذين كانوا يزورون مكة وقد حجزت لهم بعثاتهم أماكن إقامتهم في الفنادق والشقق الفندقية بالقرب من الحرم .. فهؤلاء كنا ندعوهم دعوات على الغداء أو العشاء ..
ولقد كانت منال تتحمل كل هذه المتطلبات صابرة راضية ، بل كانت روحها تتألق وهي تساهم في تقديم خدمة بسيطة لضيوف الرحمن ..
وكانت تتفانى في خدمة أهلي المقربين الذين ينزلون علينا في بيتنا ضيوفا دائمين طوال زيارتهم .. وكانت تكرمهم بما تستطيع .. وتحثني على بذل كل ما في وسعي لتقديم أفضل ما يمكن أن نجود به لبرهم وإكرامهم والإحسان إليهم ..
فإذا أقبلوا أو اقتربت مواعيد زيارتهم ، كان شوقها يسابق شوقي إليهم ..
ورغم حفاوتها البالغة هذه ، وتفانيها الرائع في خدمة الجميع دون ضجر ، بل بكل سعادة وانشراح ..
فإني مع ذلك كنت أصبح شديد التوتر عندما تحدث هذه الزيارات ، لم يكن ذلك من بخل أو ضيق ، فلقد كنت أسعد بتلك الزيارات وأدعو الله أن يزيدها ويكثرها ، وأن يقارب بين أسفارهم إلينا ..
إنما كانت تعل علي عقدتي القديمة المزمنة ..
كنت أريد أن أقدم منال أمامهم بصورة الملائكة .. ولقد كانت منال تستحق هذا وأكثر ، غير أننا بشر ، وليست هناك ملائكة تمشي على الأرض .. لقد كان توتري وشدة حساسيتي وفرط عصبيتي ، كلها عوامل تُحَمّل منال فوق طاقتها ، بل تحملها فوق ما يحتمل البشر ..
ولكنني كنت أؤكد لها أن هذا بسبب حبي الجامح لها ، وبسبب عقدتي القديمة التي لا تريد أن تنفك عني ..
وكانت منال تذهلني بحسن تصرفها .. ولم تخذلني ، ولم تفشل يوما في امتحان ..
وكانت أمي التي تأتي لزيارتنا من حين لآخر ، تستشعر دون أن ننطق بكلمة أو نهمس بحرف ، بجو التوتر ، وكانت أمي تعرفني جيدا ، بل كانت تشعر بعقدتي القديمة وترثي لحالي ، كانت تحاول أن تستنطق منال وأن تخفف عنها حدتي معها ، لكن منال لم تكن لتشتكي أو تمتعض ، أو تستغل الفرصة فتذكر شيئا من هذه الحدة لوالدتي .. بل على العكس تماما .. كانت كلما حدثتها أمي في مثل هذه الموضوعات تجيبها قائلة :

- اطمئني يا ماما .. إن عماد هو أطيب قلب ممكن أن تقابله زوجة ، وإنه نعم الزوج ونعم العون ونعم الرفيق ..
وكانت أمي تعرف حدة انفعالاتي ، فكانت تحدثني عندما تنفرد بي فتوصيني بمنال خير وصية ، وتقسم لي أنها جوهرة .. امرأة لا يمكن تكرارها في هذا العصر ، ثم تقسم لي أنها تحبها كابنتها ..

وكنت أسعد سعادة طاغية لا حدود لها ، وأنا أرى هذه العلاقة المذهلة التي لا مثيل لها بين الزوجة وحماتها ..
ومع ذلك كنت أطلب من منال المزيد ، دون أن أحدث نفسي أن هذا هو المستحيل بعينه ..
وكنت حين تزورنا أمي فتقضي في زيارتنا أياما لا تتجاوز الأسبوع .. كنت أضع نفسي تحت أمرها في التنقلات والأسواق والانتقال من البيت إلى الحرم ، وهو الأمر الطبيعي الذي يجب أن يبذله كل ابن لأمه ، فقد كنت أهمس إلى منال ليلا :
- اعذريني يا روح قلبي ، فإن روحي تهفو إليك ، لكنني أوظف كل طاقتي لأبر أمي .. فأرجو ألا يضايقك هذا ..
- عيب عليك يا عماد أن تقول هذا الكلام .. إنها ماما .. التي جنتك تحت قدميها .. لو أنك أمضيت عمرك أسفل قدميها ما لمتك .. ويا رب يا عماد يعينك على إظهار حبك وبرك بها ..

- أكرمك الله يا أعظم زوجة في الدنيا ..

- وأية عظمة في ذلك يا عماد ؟.. إنها أم ، وإنها لا تظفر بك إلا أسبوع كل عام أو عامين ، وفي هذا الأسبوع تكون مشتتة تماما بين التمتع بالحرم ، وبين حفيداتها ، وبيني وبينك .. يا ليت زياراتها تطول وتدوم ..

- وطبعت قبلة على جبهتها المشرقة ، وأنا أقول لها : ربنا يديمك لي يا أجمل حبيبة وعشيقة في الدنيا كلها ..

في اليوم التالي عندما عدت من توصيل أمي إلى الحرم ، وتركتها تعتكف حتى المساء بناء على رغبتها الملحة .. استقبلتني منال باسمة ، وقالت :
- إيه يا حبي .. أسمعت ماذا قالت لي ماما ؟!

- نظرت إليها متسائلا في شغف دون أن أنطق

- اشتكت يا سيدي منك ..

- قلت متعجبا : مني أنا ! .. وماذا فعلت لها ؟
- قالت بتخابث : لم تفعل لها هي ، ولكنها جاءت تسألني ماذا يفعل معك الولد عماد ؟ .. إني أعرف أنه شديد الحدة معك ، وأنا أخاف عليك من حدته ..

- غاص قلبي في صدري ولم أجب .. إذن لقد اتفقت النساء عليك يا عماد .. ويح أيامك القادمة ..

- أضافت منال بخبث : ماذا تظن أنني قلت لها ؟؟

- قلت في ترقب : ماذا ؟؟

- سألتني عاتبة : ألا تدري ؟

- قلت محاولا الخروج من استدراكها لي : أريد أسمع منك ..

- استمر مكرها بي وهي تقول : خمن .. ألا تستطيع التخمين ؟

- قلت بنفاذ صبر : أستطيع يا منال ، ولكني أريد أن أسمع منك أولا ..

- قالت متصنعة الغضب : وكأنك لا تعرف ( منة ) حبيبتك ، ولا تثق بها ..

- استدركت قائلا : لا والله يا روحي ، ولكن فقط أريدك أن تذكري لي إجابتك أولا ..

- قالت بدلال : بل قل أنت تخمينك أولا ..

- قلت ماكرا : أعدك يا حبيبتي ، إذا ذكرت لي إجابتك ، سأذكر لك تخميني بصدق ..

- هذا وعد يا عمدة ؟؟ .. إياك أن تكذب .. ولكن لماذا أنت خائف هكذا ؟؟ .. إنك مازلت تخاف من ماما .. واتسعت ضحكتها

- وكان قلبي يهبط بين ضلوعي فقلت لها في وضوح : نعم أنا أخاف من ماما .. أليست أمي وأمك ؟

- قالت بدلال شديد : واعلم يا سيدي أنها ستجذب أذنك قريبا ..

- استر يا ستار .. ألن تذكري لي إجابتك لها ؟

- اسمع يا سيدي ، لقد قلت لها : إن عماد يملك حنانا مثل حنان الأب لأبنائه ، وإنه لم يكن يصلح لي زوجا غير عماد .. إنه كل شيء في حياتي يا ماما ..

- سري عني وقلت لها : أنت روح قلبي يا ( منة )

- قالت بدلالها : لكن هذا لن يعفيك من أن ماما ستجذب أذنك ..

- قلت بانكسار من يعترف بارتكاب إثم : أدرك ذلك يا ( نولة ) ، وأعرف جيدا كم أكون متوترا معك عندما يزورنا الأهل ، وأعرف أنني أحملك فوق طاقة البشر .. ولكن اعذريني يا حياتي ، فإن ذلك كله بسبب عقدتي الدفينة ..

- أشارت بكفها بحنان وهي تهمس : صه يا ماد .. لا أحب أن أراك حزينا هكذا ..

انكببت أنا على كفها أقبلها ، وهي تتمنع بقوة قائلة :
- بل أنا يا روحي الذي يجب أن أقبل كفك ورأسك .. أتدري يا عماد ؟
إن ماما نفسها التي هي والدتك ، لا تعرف كم أنت حاني ورقيق !! لا تعرف أنك أنت طفلي الكبير .. دبدوبي أبو ..
لكنها بترت عبارتها وسكتت فجأة ، ثم أشاحت بوجهها عني وهي تقول :
- لكن لا .. لن أكلمك حتى تذكر لي تخمينك .. تذكره لي بصدق .. أتفهم ؟ بصدق ..

- قلت ضاحكا : توقعت أنك قلت لها : إن عماد هو أرق قلب وأعذب ..

- وأكملت منال معي في نفس اللحظة : أعذب لسان ..

- ثم أردفت تصيح : قلت لك ..

- قاطعتها محتجا : من الذي سرق الكلمة من على لسان الآخر هذه المرة ؟..

- لكنها كانت تكمل : يا لذيذ يا رايق .. تدري يا ماده .. هذه هي أول جملة طرأت على خاطري حين سألتني ماما عن معاملتك لي ، لكنني أعتبر هذه الجملة من أسرارنا الخاصة .. فأنا لا أستطيع أن أبوح بها لأحد .. إنما هي ملكنا أنا وأنت فقط ..

- دفنت وجهي في صدرها وأنا أسألها في وجل : ( نولتي ) أريد أن أسألك سؤالا وتقسمين بالله أن تصدقيني الإجابة ..

- قالت وفي صوتها نبرة الجد : بدون قسم يا حبي .. إني صادقة معك في كل حرف .. اسأل وسأصدقك الإجابة ..

- هل يا ( نولة ) مازلت تشعرين أن عماد هو أرق قلب وأعذب لسان ؟؟

- مدت كفها وجذبت أذني وهي تقول : آه منك يا روحي .. أعرف أن لسانك لاذع في وقت الغضب .. لكنه يا حبي ، عذب ، صافي مثل عسل النحل .. أما قلبك فلماذا تسال عنه .. إنني أخذته منذ زمن .. إنه ملكي أنا .. ثم وضعت كفها على كفي وجذبته إلى صدرها وهي تقول : إن الذي ينبض بين ضلوعي هنا هو قلبك أنت يا عماد ..

- وجذبتها إلى صدري .. وارتفع صوتها محتجة : ستتأخر على موعدك مع ماما ..

- وهمست في أذنها : ....

- لكنها قالت بصخب : لا يا ( باشا ) أنا أعرف أنك تريد أن تفر منها حتى لا تجذب أذنك .. اذهب الآن حالا وعد بماما .. واستمع إلى كلامها جيدا ، وخصوصا إذا أوصتك بابنتك ( منة ) ..

17 – 4 - تابع في رحاب الأمن

وسط هذه الأجواء المفعمة بالحب ، المترعة بكؤوس السعادة والهناء والحمد .. كانت بعض النفوس في العمل قد أخرج أضغانها ثقة الكفيل بي ، واعتماده المتزايد علي .. فبدأت أقاويل تتردد في الغرف المظلمة ..
ولم أكن ألقِ لما قد يتسرب إلي منها بالا ، فقد كنت غرا شديد الثقة بنفسي وبمكانتي عند الرجل ..
لكن الخناق قد ضاق تماما ، واستغلوا خطأ غير مقصود ، فضخموه وقلبوا له الأمور ، فصدر قرار الاستغناء عني في العمل ، بمنتهى الرقة والهدوء ..
وعدت إلى منال حانقا غاضبا وقد فقدت عملي ، وفقدنا معا مورد رزقنا ورزق بنتينا ..
ولكنها طوقتني بذراعيها بحنان بالغ وهي تقول برقة :

- هون عليك يا مادة .. الله تعالى لن يضيعنا ..

- قلت والدموع تتلألأ في عيني : ولكن يا حبيبتي .. لقد بقينا هنا ثلاثة أعوام ، ولقد أصبحنا على مشارف قضاء أغلب ديوننا ، وكنت أريد أن نأخذ إجازة وننزل إلى مصر ، لترين أهلك ..
فأنا زارني أبي وأمي وأخي أكثر من مرة ولله الحمد ، أما أنت فلم يزورك سوى شقيقك عصام الذي يعمل بالرياض .. كنت أريد أن أصحبك إلى مصر .. نقضي أياما رائعة في كوخنا الحبيب ، تحت زخات طلاء الجير المتساقط ..
ونذهب إلى الإسكندرية ، ونتمشى على الكورنيش ، ونزور محطة الرمل ، وأشتري لك ( آيس كريم ) ..
ثم .. أضفنا في نفس واحد

- : و ( فيشار )

ثم أردفت ضاحكة بمرح : لو سمحت يا عمدتي ، كف عن الكلام معي في نفس واحد

- نظرت إليها محاولا الابتسام ، ثم أردفت متخابثا :
- ولكن انتبهي جيدا للخمار حتى لا تبقعيه بـ( الآيس كريم )

- وكانت هي تقول في نفس اللحظة : لا تذكرني ببقعة ( الآيس كريم )

وتقاطعت أصواتنا ، ونظرنا إلى بعضنا البعض ، وتطايرت ضحكاتنا وهي تقول :
- ألم أقل لك كف عن الكلام معي في نفس اللحظة .. ثم جذبت أذني بلطف ..
ثم جرت من أمامي .. ولم أكن لأتركها دون ملاحقة ..
ثم استطعت أن أخرجها من جو المرح إلى أجواء الجد .. لكنها ظلت على يقينها بقرب فرج الله ..
ومن الله علينا ، فقيض لنا زوجة عمي محمد ، فأخذت تبحث لي عن عمل ، ومن جراء دعايتها .. توفرت لي فرصة إعطاء درس خصوصي لولدين هما ابنا أحد الأثرياء .. وكان دخلي من هذه الدروس أكبر من راتبي في الشركة التي كنت أعمل بها .. غير أن الدروس لم تكن مستديمة طول العام ..
وكان للأخوين الذي أعمل مدرسا لهما .. شقيقة صغيرة ، تحتاج إلى درس خصوصي لتقويتها ، وقد رشحت أسرتهم زوجتي للقيام بهذا الدور ، وكانت فيلا الأسرة تقع في حي ( العوالي ) وهو ضاحية من ضواحي مكة يسكنها الأثرياء وعلية القوم ، وكانت المسافة بين منزلنا وفيلا الأولاد أكثر من خمس وعشرين كيلومتر ، وحلا لنا أن نقطعها سويا أنا ( ومنولتي ) بصحبة ( مريومة وفطوطة ) ، فكانت رحلة نزهتنا اليومية الممتعة .. وأخيرا عملنا معا في عمل واحد أنا وروح قلبي .. التي لم تكن تدخر جهدا لمساعدتي ..

وقبيل رمضان من هذا العام ، جاءتنا مكالمة رائعة من أسرتي .. ولقد أخبرونا أنهم قادمون .. قادمون جميعا لأداء عمرة رمضان ، وأردنا أن نعرف معنى كلمة جميعا التي كرروها على الهاتف ، فأسعدونا بقولهم :
- نحن جميعا ، أبوك ، وأمك ، وأخواك ..

وشعرت بشعور نبي الله يوسف عليه السلام وهو يناجي أباه قائلا :
" وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ، وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو ، من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ، إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم " سورة يوسف 100
ولم يكن قد نزغ الشطان بيني وبين أخوتي ، ولكن الله تعالى قد أراد أن يجمعنا جميعا في مستقر رحمته على ثرى مكة المكرمة الطاهر ..
كنت أنا ومنال طائرين من الفرح ، هائمين من السعادة .. وكانت منال أكثر مني شوقا لاجتماع الأسرة .. كانت تشعر أن تجمعنا هو لحظة السعادة الخالدة ..
وأصبحت سيارتنا ( البركة ) تضيق علينا وعلى ضيوفنا القادمين إلينا ، وأردنا رغم كل الصعوبات المالية أن نجعل احتفالنا بجمع الله شمل العائلة أسطوريا ، فاستشرت ( منولتي ) أن أبيع سيارتنا الحبيبة ، وأن نشتري بدلا منها سيارة أوسع وأكبر ، لنستقبل بها الأسرة ..
ولقد كانت هذه هي السيارة نفسها التي أقلتنا في رحلتنا إلى المدينة ، وبينما نحن في طريق العودة ، وكنت أقودها بسرعة لنلحق بصلاة القيام ودعاء ختم القرآن بالمسجد الحرام حسب رغبة والدي الذي أصر على أداء صلاة القيام وختم القرآن في الحرم المكي ، فجأة انفجر إطارها وفقدت السيطرة على عجلة القيادة ، فدارت السيارة بنا عدة دورات حول نفسها في عرض الطريق ثم انقلبت عدة مرات .. حتى عادت إلى وضعها الطبيعي ، بعدما انقلبت أربع مرات على الأقل وقد تهشمت تماما ..
وكنا في السيارة ثمانية أفراد ..
أبي وأمي وأخويِّ وزوجتي وابنتي ِّ، فضلا عن سائق السيارة .. الذي هو أنا ..

ولقد نظرنا إلى بعضنا البعض غير مصدقين ، ولم يصدق أحد رأى حالة السيارة بعد الحادثة أن فردا منها بقى على قيد الحياة !!
لكن الله تعالى كان قد اختار أبي الحبيب إلى جواره من بيننا جميعا .. اختاره وحده دوننا قبل أن يرى سعيدا الصغير ، الذي كنا نتلهف على سرعة مجيئه إلى الدنيا ليكون دليل بري أنا ومنال بأبي سعيد رحمه الله رحمة واسعة ..
كنا بعد الغروب بدقائق ، وكنا لتونا قد انتهينا من أداء صلاة المغرب ، وتناول الإفطار ، في إحدى الاستراحات الكثيرة على الطريق ، ثم عدنا إلى السيارة ، وكان آخر عهد أبي بالدنيا أنه كان يأكل تفاحة من تفاح الدنيا ، وكان التفاح معنا في السيارة كثيرا ، لكن أمي أصرت أن تأخذ نصف التفاحة الباقية من أبي ، كأنها تعلن بذلك عن استلامها شارة استمرار المسير ..
وكان أبي قد أصر على أن أدير له شريطا أخذه إهداء على طريق العودة كان بعنوان : رمضان والرحيل المر ..
وكنت حاولت ألا أدير هذا الشريط في مسجل السيارة ، لقد كان عنوانه مقبضا لي ، فلقد كنا في اليوم قبل الأخير من رمضان ، وكنت أشعر شعورا مبهما لا سبب له أن الرحيل المر ، سيكون من نصيب أبي فلن يحضر معنا رمضان قادماً .. لكنه أصر على إدارة هذا الشريط تحديدا .. وما هي سوى لحظات حتى وقعت الحادثة ..
.
.
.
17 – 5 - تابع في رحاب الأمن

وكنا في عرض الطريق ، ولم يكن أبي قد وافته المنية ، وإنما قد دخل في غيبوبة والجرح ينزف ، وتوقف حولنا عدد من السيارات المسرعة إلى مكة ، وبدأ الجميع يقدمون ما أمكنهم من مساعدات ، وتم استدعاء الإسعاف وشرطة أمن الطرق ..

وتم نقلنا جميعا من عرض الطريق إلى أقرب مستشفى بواسطة سيارات الإسعاف ، وفي مستشفى ( رابغ ) .. لفظ أبي الحبيب ، حبيب قلبي وتاج رأسي أنفاسه الأخيرة .. أحتسبه عند الله شهيدا ..

ولقد أبلغ الطبيب أمي بوفاته ، فتقدمت بمفردها ودخلت عليه غرفة الإنعاش وبقيت معه ما شاء الله لها أن تبقى .. ثم خرجت من الغرفة لتخبرنا ..

وانكببت على رأس أمي وكفيها ورجليها وأنا أبكي معتذرا لها ، فلم أكن لأعفي نفسي من مسؤوليتي عن الحادث .. لكنها ربطت على رأسي وهي تقول في وضوح وقوة :

- لم يكن لك ذنب يا عماد .. لم يكن لك ذنب أبدا .. إنها أقدار الله يا ولدي ..

وكانت كالجبل الأشم ، ولم تنسَ أنها كانت الوحيدة من بيننا التي أحرمت بالعمرة من ( أبيار علي ) ميقات أهل المدينة ومن جاء للعمرة من جهتها .. واحترمت إحرامها وعمرتها فلم يغلبها الجزع ، ولم تولول وقد احتسبت عند ربها تعالى رفيق عمرها بعد عشرة وصحبة زادت عن واحد وثلاثين عاما..

وتقدمت منال إلي وأنهضتني بذراعيها ثم شبكت أصابع كفها بين أصابع كفي ، ومشت بي وهي تقول :

- هيا نلقي نظرة على أبي الحبيب ..

ومضينا معا صامتين في حبور كأمير وأميرة في مراسم عزاء ملكية ..
لم يكن ذلك من تمثيل ، وإنما من جلد أنزله الله على قلبينا ..

ودخلنا على والدنا المسجى على فراش المستشفى ، ونظرنا إلى وجهه .. وعجزت عن فعل أو قول أي شيء ..
لكن الأميرة التي كانت بجواري تقدمت من الفراش ، وانحنت على جبين أبي فطبعت قبلة ملؤها الحب والعرفان والتقدير .. تغلب عليها مشاعر تحركها قدسية الموت ، ورهبة الميت .. ثم همست في أذنه بصوت سمعته بوضوح رغم انخفاضه وجلاله .. داعية المولى :

- اللهم إني استودعتك هذا الجسد الطاهر وأنت لا تضيع ودائعك ، فحرمه على النار ..

ووجدت نفسي أقلدها ، فتبعتها أنحني على جبين أبي وأقبله قبلة طويلة .. ثم أدعو الله وأنا أسمع وجيب قلبي :
اللهم إني استودعتك هذا الجسد وأنت لا تضيع ودائعك ، فحرمه على النار ..

وخرجنا ، وهي تهمس لي في حبور وجلال :

- أبشر بشهادة أبيك يا عماد .. ألم ترَ النور على وجهه الجميل ؟

واستبشرت ..
وطلبنا من أمي حين عدنا إليها ، أن تدعو الدعاء المأثور :

إنا لله وإنا إليه راجعون .. اللهم أجرنا في مصيبتنا .. واخلف علينا بخير منها ..

ورددت أمي الحبيبة الدعاء .. حتى وصلت إلى : واخلفني بخير منها .. فتلعثمت ، ورفض لسانها أن ينطق ..

وألححت عليها باستكمال الدعاء ..

فسألتني عاتبة :

- وهل يوجد في الدنيا من هو خير من أبيك ليخلف علي به ؟

- وأجبت إجابة ألقاها القدر على لساني : لعل الله تعالى يرزقنا بسعيد الصغير ليكون خير خلف لخير سلف ..

ولم يمضِ على هذا الحديث الدامع الحزين في مستشفى رابغ ، سوى تسعة أشهر إلا عدة أيام ، وكان سعيد الصغير يطلق صرخته الأولى بين أحضان منال !!!

ولا تسألني يا صديقي بعدها لماذا شبهت دخولي أنا ومنال على جسد أبي رحمه الله ، بمشهد أمير وأميرة ؟

فأنا لا أدري لهذا التشبيه الذي وقر في نفسي منذ لحظتها سببا ، فلم يكن في الوقائع المادية شيء يذكر بذلك .. ومع ذلك شعرت أننا نتحرك في جنازة ملكية ولا تسألني لماذا ؟
ولقد تكبدنا إثر هذه الحادثة الفاجعة ، وما تلاها خسائر مادية زادت أعباء ديوننا ، فلقد تحطمت السيارة التي كنت اشتريتها منذ أسبوع واحد .. غير مبالغ أخرى ضاعت هنا وهناك .. فلم يكن بد من البدء من جديد ..
وكان لابد من بقاء أمي وأخي اللذين حضرا لأداء العمرة وقضاء العيد ثم الانصراف بعده مباشرة لارتباطهما بأعمالهما في مصر ..
ولم نكن نعلم كيف يمكن أن يعودا إلى مصر دون أن يكون أبي في صحبتهما ، وقد من الله عليه بإقامة كاملة بمكة المكرمة حتى يوم القيامة ؟!
فقبر في مقابر ( المعلاة ) التي تبعد كيلو متراً واحداً عن الحرم المكي الذي كان يعشقه في حياته ، وشاء الله تعالى أن يجاوره بعد مماته ، وهي تلك المقابر التي دفنت فيها السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها ، إن سكان القارة الهندية من المسلمين يطلقون على مقابر المعلاة ، اسم : جنة المعلاة .. ويتمنى الواحد منهم أن يدفن فيها احتسابا لرحمة الله .. ولقد سمعت أبي أثناء زياراته لنا أكثر من مرة يردد دعاء هؤلاء الهنود !! لقد كان يعشق مكة ، ولقد صدق الله في عشقه ، فصدقه الله تعالى في تحقيق أمنيته ..
وقد استبقينا أمي وشقيقي الأصغر في ضيافتنا ، حتى أتما فريضة الحج .. أما أخي الأوسط ، فعاد إلى مصر بعد عيد الفطر مباشرة ، لارتباطه الشديد بأعماله ومصالح الأسرة ..
وانقضى موسم الحج الأعظم ، وانفض السامر ، وتفرق الجمع ، وأذن مؤذن يا أهل مصر مصركم ، ويا أهل اليمن يمنكم .. وفرغت علينا شقتنا بعد تجمع وامتلاء ..

و سألت منال بعدما ودعنا أمي وأخي في أعقاب موسم الحج ، سألتها برفق :

- حبيبتي : ألم تشتاقي إلى أهلك ؟

- أجابت والدموع تلمع في عينيها : عماد حبيبي أنت أهلي ..

- وأبوك وأمك واخوتك يا منال ؟

- لا تشغل بالك بهذا الأمر ..

- ألححت عليها قائلا في عزم : ( منولتي ) لقد تعاهدنا على الصدق دائما ، وإني أسالك أن تصدقيني عن مشاعرك في هذا الأمر ؟

- أجابتني والدموع تنساب على خديها : إني مشتاقة إليهم .. مشتاقة إلى أن أبرهم وأن أسمع دعواتهم لي .. ولكن لا يمكنني أن أتخلى عنك لحظة واحدة .. لا يمكنني أن أزور مصر بدونك ، مهما كانت الظروف .. ولا يمكنني أن أطلب منك أن نزورها ونحن في هذا الوضع المالي الصعب .. أنا معك يا روح قلبي ، معك في كل خطوة حتى آخر العمر ..
ثم تمالكت نفسها وابتسمت وهي تضيف :
- على قلبك لطالوت ..

وما لبثت أن اتسعت ابتسامتها وهي تهتف :
- قلت لك مرارا كف عن الكلام معي في نفس اللحظة ..
وكنت قد نطقت عبارة ( على قلبك لطالوت) معها في نفس الصوت ..

ولقد كنت أنا أحاول تعويضها عن فنائها هذا في حبي ، بأن أحسن ما استطعت إلى شقيقها عصام ، وكان عصام رغم كل ما مر بنا في أيام الخطبة ومقدماتها ، كان صديقي وحبيبي .. كنت أحبه .. ولذا كان من الطبيعي أن أكرم وفادته حينما يتكلف عناء السفر ومشقة المسافة ليأتي إلينا من الرياض قاطعا مسافة قدرها ألف كيلو متر تستغرق أكثر من نصف يوم سفر ..
بل إن أعظم ما سعدنا به ، هو أننا أنا و( منولة ) قد استضفنا حفل زواجه بشقتنا الجميلة بمكة المكرمة ، واستقبلنا عروسه بمطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة ، وزففناهما بسيارتنا ( البركة ) ..
ولقد كان عصام بعدما جرب نار الحب واكتوى بلوعة الفراق ، كثيرا ما يعتذر لنا أنا ومنال ، كل على حده على ما كان يمارسه معنا أيام الخطبة والعقد !!

ولقد كان كلانا يضحك من أعماق قلبه على هذا الاعتذار المضني لصاحبه .. وكنا نعلق على ذلك في غرفتنا الخاصة قائلين في نفس واحد :

- من أردت أن تربيه وتهذبه وتعلمه الأدب في معاملة شقيقته وزوجها ، فلتدعُ عليه أن يبتلى بالحب ، فهو أحسن تهذيب وإصلاح ..

- وكعادتها قالت ، أو قل رددت اللازمة التي كانت لا تفارق فمها غالبا : قلت لك كف عن الكلام معي في نفس اللحظة ..

17 – 6 - تابع في رحاب الأمن


و قد عوض الله تعالى بعض صبر منال خيرا ، فاجتمع بمنزلنا بمكة في رمضان التالي مباشرة أبوها وأمها ، ولقد أقاما عندنا من شهر رمضان حتى انتهاء موسم الحج .. وزارهما شقيقها عصام وزوجته وابنه عبد الله الطفل الرضيع ، فاجتمع شمل عائلتها إلا شقيقتها وأخوها هاني ، وكان هذا هو أول الغيث ..
وكانت هذه الزيارة التي أرضعت فيها أم عبد الله زوجة عصام ابننا سعيدا ليكون ابنا لها من الرضاعة ..

لكن الأمر قد طال بعد مغادرة والدها ووالدتها .. لقد طال الفراق حتى تجاوز سبع سنين أخرى .. ولكنها صبرت في غير تململ أو ضجر ، وطال صبرها ..
وخلال هذه المدة ، كانت ظروف عملي تتأرجح فتارة تستقر ، وتارة تتأزم ، ومنال صابرة محتسبة ، بل مشاركة بكل ما يمكنها أن تشارك به من مجهود وطاقة ، وكانت أمي رضي الله عنها كلما زارتني تشتري هدية ذهبية تهادي بها منال ..

ولماذا تتعجب ، أليست ابنتها ؟

ولقد كانت منال إذا ضاقت بي السبل ، أحضرت قطعة الذهب هدية أمي لها ، وهي لم تلبسها بالطبع لما بينها وبين الذهب من عدم استلطاف يبدو أنه كان متبادلا بينهما ..
تأتيني بالقطعة الذهبية قائلة في رقة :

- عمدتي .. هذه هي هدية ماما لنا ، وهي ملك لك ، فهي تهديها لك ولأسرتك ، نذهب فنبيعها ، ونتصرف بثمنها ..

- منال ..

- نعم يا حبيبي .. لا أريدك أن تغضب هكذا .. تصرف الآن ، ولسوف يفرجها مفرج الكروب ، عندها لن أتركك حتى تشتري لي أفضل منها ..

- وعندما تزورنا ماما ، وتسأل عنها ؟

- نقول لها أي شيء .. عموما ماما تأتينا بهذه الهدايا الذهبية وهي تعرف أنني لا ألبس الذهب ، فهي تأتينا بها من أجل أن نتصرف بثمنها في الأزمات فلا تقلق ..

ولم تكن تكتفي منال بذلك ، فلقد احترفت الدروس الخصوصية في الأعوام الثلاثة الأخيرة .. صحيح أنها لم تكن تعطي أكثر من طالبتين أو ثلاثاً طوال العام ، لكنها كانت تدر لنا دخلا شهريا معينا على أحوالنا ..
ولا أستطيع أن أتذكر أن منال كانت لها طلبات خاصة ، في ملبس أو مأكل أو مشرب ، أو في احتياجات المنزل ، بل كانت دائما تستكثر ما جئتها به ولو كان قليلا ..

ولقد ذكرت لك سابقا أنني قد أثثت أول شقة لنا بمكة تأثيثا معقولا بالنسبة للمقيمين بالغربة ، وكانت لدينا غرفة نوم كاملة ، ثم امتلكنا واحدة أفخر منها عندما انتقلنا إلى السكن الجديد في حي النزهة الراقي ، وكذا غرفة استقبال فاخرة ، ومكتبة ، وبعض أثاث جيد..
ثم تعددت انتقالاتنا من مسكن لآخر بعد ذلك بسبب اختلاف ظروف العمل والقرب من مدارس الأبناء ، وما إلى ذلك ..
وشعرنا بان نقل مثل هذا الأثاث الكبير يمثل عبئا علينا في كل مرة ، فتخلصنا من معظمه ..
تخلصنا من غرفة النوم ، ومن ( الأنتريه ) ، ومن المكتبة ، ولم نبقِ إلا على أدوات المطبخ والأجهزة الكهربائية والكتب بطبيعة الحال ..
وأذكر أن منال ظلت معي تسع سنوات لم تذق فيها طعم النوم على سرير .. وإنما كنا ننام على فرش أرضية !! مراتب من الإسفنج الخفيف نضعها على الأرض مباشرة ..
وإذا كان هذا هو حال بيتنا من الداخل ، فلقد كنت أنا مولعاً بالسيارات ، مولعاً بها إلى حد الهوس ..
كنت لا أطيق أن أبقى شهرا واحدا بدون سيارة ، فلقد كانت وسيلة الانطلاق والترفيه والعمل والتسوق وكل شيء .. كنت أختنق حين تبلى سيارتي ، أو تتعطل ..
وكانت السيارات عندي تبلى ، كما تبلى الأحذية ..
فلقد ألقيت على قارعة الطريق ثلاث سيارات في غضون خمس سنوات ، ألقيتها حتى دون أن أبيع شيئاً منها لسوق الخردة !!
وسيارة رابعة أصلحتها من كافة أعطابها ، وأنفقت عليها ما يعادل ثمنها ، وجاء بائعها فاستردها مني دون أن يدفع لي ريالا واحدا ..
وكانت منال تدرك ولعي هذا بالسيارات ، ولم تكن تعاتبني عليه ..
ولقد كنت مولعا يا صديقي بعدة أشياء أنفق عليها بغير حساب :
السيارات .. والطعام الجيد ، فأنا بطبعي أحب الجيد من الطعام ، والعطور ، وملابس المنزل بالنسبة ( لمنولتي ) ، واقتناء الكتب وبرامج الكمبيوتر .. ثم لم أكن فيما بعد ذلك ، ألقي بالا لشيء من متطلبات الحياة سواء كانت هذه الأشياء من أثاث المنزل ، أو لزوم السفر والإجازات ، أو غيرها من الأمور ..
وكانت منال تدرك هذه الصفة جيدا ، وكانت تحاول جاهدة أن تعيد ترتيب أولوياتي الإنفاقية ، لكن دون جدوى ..
وأذكر أننا في بداية كل شهر كنت أعدها أن أجعل مصروف البيت في يدها ، وأن آخذ منها مصروفا حتى لا أسرف ، ولا أشتت المال ، ولكن سرعان ما كنت أحتال عليها فآخذ منها ما قد أعطيتها إياه ..
فهذه سيارة تريد إصلاح ، وهذه قطعة كمبيوتر بسعر مناسب .. وهذه .. وهذا ..
ثم لا يتبقى شيء !!
ولم تكن منال تضجر وإنما كانت تضحك ، قائلة :

- كل شهر وأنت طيب يا حبيبي ..

وكنت منذ مولد طفلنا ( سعيد ) قد غيرت مجال عملي ليصبح في مجال الحاسب الآلي .. لم أعد أعمل عليه أو استخدمه في عملي كمدخل بيانات ومستخدم برامج ،
وإنما دخلت مجال العمل في سوق الحاسب .. تجارة وصيانة وتعليم .. ولقد أتاحت لي هذه النقلة على كثرة تقلباتها ومقالبها المالية ، حيث كنت فاشلا في التجارة إلا على منال ، حيث كنت أقايضها على خبر أو مفاجأة ، وأصر على قبض الثمن مقدما ، ولم يكن الثمن نقودا أبدا ، ولذا فقد كنت لا أنجح إلا في هذا فقط ..
لقد أتاح لي العمل في مجال الحاسب فرصة استثمار الوقت في مجال الكتابة والبحث والاتصال بالصحف والمجلات والمواقع عن طريق الإنترنت ..
ولقد كانت منال طوال الفترة التي سبقت ذلك تشجعني للاستمرار في البحث والكتابة ، وتحثني على ذلك ، وكنت أنجز بعض الأعمال ، لكنني لم أكن أجد طرق التسويق أو العرض لما أنجزت ، ومع بداية عملي في مجال الإنترنت والاتصالات .. وجدت السبيل أخيرا ..
والعجيب حقا أن منال طوال هذه الفترة التي أسميها بفترة الإنتاج الخامل ، كانت مؤمنة بي ، وكانت تأخذ بعض أعمالي المتواضعة فتعرضها على صويحباتها ، علها تجد من بينهن من يهتم ، فتعرضه على زوجها ، عسى أن يصادف ذلك زوجا يعمل في مجال قريب من النشر أو التوزيع أو الإعلام ، ولم تكن إحداهن على ما يبدو تهتم ، ولم تكن منال في المقابل تيأس أو تكل ..
وأخيرا بعد طول انتظار وصبر وإنتاج من جانبي ، وتشجيع ومؤازرة وعون وسكرتارية وتنظيم من جانبها ..
شممنا أخيرا روائح الورق المطبوع في مطابع الصحف ، ونشرت لي أول مقالة منشورة بمجلة خليجية محترمة جدا ، ولم يكن المنشور مجرد مقالا ، بل كانت دراسة كاملة مستوفاة ولقد نشرت على أكثر من حلقة ..
ولقد اقتنيت المجلة التي نشرت لي باكورة أعمالي المنشورة ، وتوجهت بها بأسرع ما يمكن إلى منال ، وأنا ألوح لها بالمجلة ..


17 – 8 - تابع في رحاب الأمن


ولقد كانت منال تبقى على هذه الحال من تقديم الخدمات ، علما بأن كلاً منا في غير هذه الحال من الوهج الكتابي ، لم نكن نستخدم المنبهات أبدا ، فلسنا من هواة الشاي أو القهوة ..
كانت تبقى هكذا .. حتى أنظر إليها ضاحكا ، ولم أكن أضحك وأنا في هذه الحال ، حتى أضع ما يضغط على عقلي ونفسي من أفكار فوق صفحات برنامج ( الوورد ) بالكمبيوتر ، بعد ذلك كان يمكنني أن أبتسم ..
فكنت أبتسم لها وهي تروح وتجيء وأهتف في نفس اللحظة التي تهتف هي فيها :

- لم يتبقَ سوى علبة ومنفضة السجائر والولاعة ..

وكانت ضحكتنا تجلجل ..
وهي تنهرني قائلة :
........ ...... ..... ........
لا لن أذكر عبارتها هذه المرة .. بل قلها أنت ، فأظنك يا صديقي قد حفظتها عن ظهر قلب ، من كثرة تكراري لها ..
وكنا بالطبع حين نتحدث عن السجائر ، ونحن اللذان نرى التدخين ضارا جدا بالمظهر العام للإنسان ، فإنما كنا نلمح إلى ما حفظناه عن ظهر قلب من أفلام السينما التي دائما ما تصور الكاتب والأديب ، وهو جالس إلى مكتبه في فترات الكتابة ، يدخن بشراهة ، ويمزق الأوراق التي يكتبها ، وكلما كان عدد الأوراق الممزقة أكثر ، كلما كان الكاتب ألمع وأنجح !!!
ولقد كانت منال أحيانا تمازحني ، فتقول لي :

- أريد أن أتخيلك مثل أدباء الأفلام

وكنت أملك ( روب ديشمبر ) لم أكن أرتديه أبدا .. وإن كانت منال هي التي اختارته لي ، فارتديته من أجلها مرات قليلة ، ثم لم نعد نهتم به .. فكنت أقوم إلى خزانة الملابس ، فأخرجه من مخبئه ، وأرتديه ثم أجلس إلى الكمبيوتر .. وهنا كانت هي تقول ضاحكة :

- أنت الآن تستحق فنجان ( كابتشينو ) ..
وكنت في الفترات التي تلح علي فكرة من الأفكار أكون عجيبا جدا ، خاصة إذا لم أكن أجد الطريقة أو الأسلوب الأمثل للتعبير عنها ، فلقد كنت أصبح متوترا حادا ، قلقا .. وكنت أرفض أن أسمع همسا أو تنفسا من حولي ، فإن أرادت منال أن تغلق خلفي باب الغرفة منعا لضوضاء الأولاد .. أنهرها قائلا :

- لا أحب الأبواب المقفلة .. إنني أختنق .. أشعر أنني في سجن ، وأنا لا أحب السجون ..

- أريد أن أجنبك جلبتهم يا حبي ..

- لا بل دعيهم حولنا .. لكن على ألا ينطقون حتى أنتهي ..

- هذا أمر صعب على الأولاد يا عمدة

- فأقول بصبر نافذ وقد رسمت مائة وأحد عشر على جبيني : افعلي ما قلته لك يا منة ، فليس الوقت وقت جدال ، أرجوك ..

ثم أظل على هذه الحال حتى ألقي ما أثقل كاهلي من أفكار .. وهنا أتوجه إليهم باسما .. ويتنفسون جميعا الصعداء ، فلقد سري عن أبيهم ولله الحمد ..

ولم نكن دائما نكتب أو نبحث أو ننتج ونحن على هذه الحال من المرح أو حتى الانفعال الذهني فقط ، لم نكن من هذا النوع الذي يكتب لتسلية الناس ، أو يكتب عن ترف فكري وثقافي ..
وإنما عانينا ليالٍ طويلة وتكبدنا في سبيل ما نخرج للناس من أعمال هموما .. لم تكن هموما شخصية ، ولم تكن حتى هموم وطن ، وإنما كانت هموم أمة ..

وإنني لأتذكر حتى الآن الجو النفسي الذي أخرجت فيه مقالاتي : ( صانع القنابل البشرية ) وقصة ( مريم صرخة الأزهار ) ، ( الشهادة اصطفاء أم ابتلاء ) ، ( القدس بين صلاح الدين وصلاح شحاده ) ..
وغيرها من المقالات والقصص النارية الحارقة .. لقد كنا نعيش انتفاضة الأقصى بكل كياننا .. حتى أننا كنا نعلق صور العدوان على أهل فلسطين ، وصور استشهاد محمد الدرة في غرف المنزل ، ولقد عاشت الأسرة كلها الأحداث كأننا كنا هناك ..
وأذكر أن الجمعية الخيرية التي كنا نعمل من خلالها ، أقامت يوما خيريا نسائيا أو طبقا خيريا لجمع بعض التبرعات لفلسطين ، وإننا يومها لم يكن معنا مال ، وقد قرر كل منا أن يقدم أغلى ما يملك ولو كان رخيصا في قيمته المادية ، فقررت منال أن تقدم ( خاتم الخطبة ) هذا الذي سجل عليه اسمي ويوم ميلادها وهو نفس يوم خطبتنا ..
وقدمت أنا خاتم خطبتي الفضي الذي حمل اسمها ، وحمل تاريخ حبنا ، ولم يكن يساوي شيئا في دنيا المال .. لكننا كنا نتقدم لفلسطين بنبض قلوبنا .. حتى أنني إلى يومي هذا لا ألبس خاتم خطبة ، ولا هي ، ولم تكن منال تقيم وزنا للذهب ، إلا لهذا الخاتم الذهبي الذي جرى العرف أن يعتبر رمز الارتباط والحب ..
لقد كانت تعشقه ، كانت تعتبره قطعة من كفها ، فكانت كثيرا ما تحركه حتى تبقي اسم عماد إلى أعلى إصبعها ، وكانت كلما توضأت ، حرصت على تعديل وضعه على هذا النحو ..
فإذا سألتها :

- لماذا هذا العناء ؟

- ضحكت قائلة : إن اسم عماد يجب أن يظل دائما في الأعلى ، كما أنني لا أجعله أبدا أسفل إصبعي أضغط عليه .. ثم تضيف وعلى وجهها ملامح الشك والريبة :

- هل تشعر يا عمدتي أنني أضغط عليك ؟

- وأنظر إليها في حب ، وأقول إنما ضغطتك ضغطة النسمة الرقيقة الحانية التي تهفو على الأرواح وقت الهاجرة ..

- يا سلام يا عمدة إنني ما حييت لا أستطيع أن أجاري عذوبة لسانك ورقة مشاعرك ..
هكذا كان خاتم الخطبة يمثل بالنسبة لمنال ، لكنها في يوم الطبق الخيري ذاك ، تفقدت ولم يكن هناك مال ، فقررت أن تقدم بعض نبض قلبها لقبلة عشقها وهيامها ..

17 – 9 - تابع في رحاب الأمن


وفي مثل هذه الأجواء يا صاحبي كنا نخرج إنتاجنا للنور ، فلم نكن نكتب بمداد من حبر ، وإنما نكتب بمداد من دموع تسيل ، ودماء تحترق !!
ولم تمض فترة على مآسي ما يحدث في فلسطين ، إلا وقد بدأ العدوان الأمريكي على العراق ، وكنا نعيش وقتها أجواء الحرب مثل ملايين الأسر العربية في أنحاء العالم ، نشعر أن هذه الغارات إنما تقذف قنابلها ، وحمم براكينها ونيرانها فوق رؤوسنا جميعا ..

لقد عشنا أياما وليال كأننا في الخنادق تحت الأرض ، ولم نكن نترك شاشات الفضائيات من أمثال العربية والجزيرة وأبو ظبي وغيرها ..
ولم نكن ننام ، أو نغفل ، وكنا نحترق ، وفي أثناء هذا الاحتراق ، نشرت لي مجلة واحدة ، وكانت للمفارقة مجلة كويتية محترمة نشرت لي سلسلة من أربعة مقالات كانت تتناول المعالم التربوية في مواجهة الحرب العسكرية ، يجمعها معنى واحد كبير هو إعادة إعمار الأمة معنويا ، لقد كنا نكتبها بدمائنا ونزف قلوبنا ..
ذات مساء قبل هذه الحرب بسنوات عدت إلى البيت جزلا ، يستخفني الطرب ، وقد اصطحبت معي زجاجتين من المثلجات ، وقد كنت في الأحوال العادية ربما اصطحبت معي زجاجة واحدة من الحجم العائلي .. أما أن أشتري زجاجتين معا من نوعين مختلفين من الحجم العائلي !! فلابد أن يكون لذلك مناسبة ..
ووجدت منال كالمعتاد في استقبالي على باب الشقة ، وتبادلنا القبلات .. غير أن قبلتي لها كانت تحمل سعادة وفرحة فوق المعتاد ..
سألتني منال دهشة وهي تنظر إلى ما بيدي :
- ماذا هناك يا حبيب القلب ؟

- قلت لها في تخابث : ألم تتابعي قناة الجزيرة الليلة ؟

- قالت : لا لم يكن هناك متسع من الوقت .. كان عندي غسيل .. بالإضافة إلى دروس الأولاد ..

- قلت في جزل : لقد دمر الله جزءاً من أمريكا .. أكبر مبانيها التجارية في نيويورك ..
- قالت دهشة : كيف هذا !!

- والله حتى الآن ليست عندي معلومات واضحة .. سمعت أن طائرة قد اصطدمت بالمبني فأحالته إلى تراب ..
- سهمت منال برهة ، ثم قالت عاتبة : وهل نحن ممن يفرح في مصائب الناس يا حبيبي ؟

- أفقت لأول مرة ، وشعرت بشيء من الخجل .. ونسيت زجاجات المثلجات ، وجذبتها من كفها ودخلنا إلى غرفتنا نتابع الفضائيات ..

وبدأنا نستوعب الأمر ..
- سألتني منال : كيف عرفت بهذه الأخبار ؟

- أجبت في نكد : جاءني أحد جيران العمل في المحل ، وأخبرني ، وكان مستبشرا لذلك استبشارا كبيرا .. وشعرت أن من واجبي أن أفرح .. لم يكن فرحي لقتل الضحايا أيا كانوا .. ولكن كانت فرحتي ، لأن الأمريكان بجبروتهم لا يستطيعون دفع مثل هذه الكارثة عنهم .. فهم إذن بشر مثلنا .. فيهم ضعف وفيهم عجز ..

- قاطعتني منال في صلابة : ولأنهم بشر مثلنا يجب أن نتعاطف معهم في مصيبتهم .. أليس الآلاف من الضحايا أنفس بشرية ؟.. إن غالبيتهم أنفس بريئة لا تحمل في حرب الإدارة الأمريكية علينا وزرا ، ولا ضغينة ..

بدأت أتأمل في كلام حبيبتي .. وأراجع نفسي .. فيم الفرح إذن ؟ ولم تكن للإدارة الظالمة المساندة للصهيونية النصيب الأكبر فيما حدث من خسائر وضحايا ؟!!
وفيم السعادة ، والذي حدث لم يكن في معركة نظيفة ، ومواجهة مشروعة بيننا وبينهم ؟
لقد ردتني منال إلى جادة الصواب .. لقد بدأت معالم السعادة تنقشع من نفسي ، وبدأت تتبدل بمعالم خوف وحزن وترقب ..

من الوهلة الأولى بدأت أصابع الاتهام تشير إلى المسلمين .. وكأنها كانت قد أعدت سلفا لتنطلق فور وقوع الأحداث !!!

وكنا نرفض الاقتناع بأن مثل هذه الأعمال من التخريب والغيلة ، هي من فعل مسلم ، درس الإسلام على حقيقته ..
ثم رأينا مع من رأى الخطر المحدق على إخواننا المسلمين المقيمين في الولايات المتحدة خصوصا ، وفي الغرب عموما ، ولم تتركني منال أنم ليلتي ، قبل أن أكتب بيانا واضحا صريحا يدين مثل هذه الاعتداءات ، ويتنصل من أي مسؤولية عنها في الفهم الصحيح للإسلام .. بحيث كنت في الصباح التالي مباشرة جاهزا لنشره على الإنترنت ، ولقد نشرته ، وأظنه محفوظا على الشبكة باسمي إلى الآن ، غير أنني بصفتي الفردية الضعيفة ، لم تكن لي حيثية بحيث ينظر إلى بياني أو يؤخذ مأخذ الجد .. فحاولت أن أستصدره باسم منتدى الإنترنت الذي كنت أنشر من خلاله ، وكان هذا المنتدى يضم آلاف الأعضاء ، ويتصدر باسم بارز معبر .. لكن المتحمسين من أعضاء المنتدى أفشلوا مشروع البيان ، واتهموني وقتها بالضعف والخور ، والجبن والاستجداء .. وكانت معركة كلامية ..
أما أنا فكنت أؤمن أنها معركة فكرية ، وليست كلامية .. معركة بين الغلو والوسطية ، بين الفهم المستقيم ، والفهم السطحي لمبادئ الدين !!


17 – 10 - تابع في رحاب الأمن


قد انقلبت في هذه الحادثة في مشاعري وأفكاري من النقيض إلى النقيض ، ولقد كان الفضل لتذكرة ذكرتني بها منال !!
ولم يكن الأمر بهذه السهولة ، لقد كنا نعيش في معقل المدرسة السلفية ، والسلفية الجهادية جزء منها ..
ولا ندعي أننا كنا على احتكاك مباشر مع هؤلاء .. إن أغلب احتكاكنا كان مع المصريين المقيمين بالمملكة من زملاء عمل أو جيران ..
ربما كانت منال أكثر مني احتكاكا ، وأوسع صلة ببنات الجنسيات المختلفة بحكم طبيعة المرأة الاجتماعية ، والعلاقات بالجارات ، وعلاقاتها بزميلاتها في دور التحفيظ .. فكانت لها زميلات وصديقات يمنيات ، وأندونسيات ، وسودانيات ، وسعوديات ..
وكانت لكل جنسية إرثها الثقافي البيئي ..

لكن المشكلة التي واجهتني ، هي أنني وجدت أن كثيرا من المصريين المقيمين قد تأثروا بالبيئة المحيطة ..
كان ميزان الوعي الشعبي ، أو فلنقل المزاج الشعبي الإسلامي ، يميل إلى تبني ممارسة العنف ضد أمريكا ، باعتبارها السند الرئيسي لإسرائيل وجرائمها الوحشية في المنطقة ..
كان هناك نوع من خلط الأوراق والمفاهيم ، بين أشكال الجهاد والكفاح المرير على أرض فلسطين مع عدو واضح صريح ، ومحتل غاصب .. وبين أشكال العنف التي تضرب بغير روية هنا وهناك ..
وكنت أنا ومنال بفكرنا وآرائنا ، كالصوت النشاز في اللحن الإسلامي العام ..
لكننا كنا ندرك أننا على الفهم الصحيح ، وإن تعددت الاجتهادات .. فلقد رفضنا مدرسة الغلو منذ البداية .. رفضناها أنا ومنال رفضا مؤسسا على ضوابط الدين ، وليس على أهواء الساسة ..
فلقد كنا نحفظ قوله تعالى : ( قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق )المائدة 77.. وقول النبي صلى الله عليه وسلم : إياكم والغلو في الدين .. إنما أهلك من قبلكم بالغلو في الدين ..
لقد حملنا أنا ومنال لواء الدعوة إلى الاعتدال ، والنظرة الموضوعية إلى الأحداث ، وما تلاها ، بين كل من نعرف في بيئتنا المحيطة ، ولقد بدت أفكارنا مثل تلك التي تكررها وسائل الإعلام التابعة للأنظمة الحاكمة .. ولقد كنا نعترف بذلك بصراحة ووضوح .. قائلين :

- ربما اختلفت المنطلقات والأهداف ، لكن الحقيقة واحدة لا تتبدل ، وهي أن قيم الإسلام بريئة من اعتناق الغلو ، وممارسة العنف ..

إن أصعب شيء على النفس ، هو هذا التعاطف الذي كنا نلحظه في نفوس ومشاعر المجتمع المعتدل من حولنا ، مع هذا التهور العنيف الضارب هنا وهناك .. كانت نفوس المسلمين مشتتة تماما بين فجيعتها في فلسطين والعراق ، وأفغانستان ، وما تتلقاه من أخبار فاجعة ومظالم تحيق بالمسلمين كل يوم ، والكيل بكل مكيال ممكن لإقصاء الإسلام ، ومحاربة التدين ، وبين مواجهة أهل الظلم ولو بكل وسيلة مشروعة أو غير مشروعة .. وكانت نفسي أنا ومنال تكاد تذهب على مشاعر هؤلاء حسرات .. كنا نرى الحق واضحا جليا ، فلسنا رد فعل للآخرين ، ولا نحن نتحرك بمنطقهم ، وإنما نحن أصحاب دعوة ، وتظل دعوتنا بكل صفائها ونقائها في وجه الظلم كما في وجه الصد على السواء ، لا نتبدل مع المواقف رغم شدتها .. هكذا تعلمنا وتربينا .. لقد وعينا مئات القصص ، لرجال عذبوا حتى نالوا الشهادة تحت وطأة التعذيب ، أو علقوا على أعواد المشانق ، وتجلت عظمتهم .. لقد كانت عظمتهم الحقيقية ، لا في أنهم لم ينطقوا كلمة الكفر ، فمعاذ الله لهؤلاء أن ينطقوها ، وإنما عظمتهم الحقيقية أنهم لم ينطقوا كلمة التكفير .. حتى أخرجوا من بين طلقات الرصاص الحي ، وتحت سياط التعذيب ، وظلمات الزنازين الانفرادية ، وأعواد المشانق التي طالت قادتهم .. بحثهم الرائع الشهير ( دعاة لا قضاة ) !
وكنت أنا ومنال قد وهبنا حياتنا لنكون ( دعاة لا قضاة ) ، ونحن نعيش في ظلال الأمن والراحة لا تحت سياط الجلاد ...
هل أدركت يا صديقي مدى المفارقة ؟
بين الذين يكفرون الناس بالكبائر أو المعاصي والذنوب ، وهم جلوس أما شاشات الكمبيوتر وشبكة الانترنت ، تهب عليهم نسائم لطيفة من أجهزة تكييف الهواء ، وأمامهم كؤوس الماء المبرد ومختلف العصائر المثلجة ، وبين هؤلاء الذين كبلوا بالحديد تلفح وجوههم حرارة الصحراء ، وتلهب ظهورهم سياط التعذيب ، ويسقط من يسقط منهم مدرجا في دمائه ، ثم يهتفون بعد ذلك كله : لا للتكفير ..
أما هؤلاء فطوبى لهم ، وجمعني ومنال معهم في مستقر رحمته ، فهم حزبنا الذي نعتقد أنه حزب محمد وصحبه ..

وربما ثبت بعد نظرنا بعد فترة وجيزة ..
حيث ضربت موجة العنف الهوجاء المملكة .. ولا أستطيع أن أعبر لك يا صاحبي عن مدى حزننا على هذه الحال ، ونحن نتابع أخبار التفجيرات في حي العليا ، ومجمع المحيا في الرياض !!
وكانت هذه من الأحداث التي أدمت قلوبنا طويلا ..
وكان من الطبيعي أن يفضي الغلو الفكري إلى العنف الحركي .. ولقد كنت أنا ومنال من القلائل الذين يرفضون الأرضية المتعاطفة مع تيار العنف باعتبارهم إسلاميين ..
ولقد سهرنا ليال طويلة نبحث ونؤصل .. وأتذكر أننا خرجنا وقتها بعدة مقالات وأبحاث .. منها مقال بعنوان ( الحلقة الجهنمية ) ، وبحث بعنوان : من وسائل مواجهة العنف المؤدلج والجريمة الفكرية .. وقصة قصيرة بعنوان : عروس النيل التي كانت تتناول فكرة التضحية في غير مكانها وزمانها ، ومسرحية من فصل واحد بعنوان ( الوقف ) .. وقصة ثالثة بعنوان ( الورطة ) .. وشرعنا في إعادة صياغة كتاب ( دعاة لا قضاة ) بلغة معاصرة وأسلوب أيسر لذهنية الشباب ..
لقد كان لظروف هذه الفترة ، وما تابعناه خلالها من تجاوزات وممارسات .. أثر عميق على تحويل مسار إنتاجي الفكري في معظمه .. فأصبحت أتناول كافة الموضوعات من وجهة مواجهة الفكر المنحرف في أوساط المتحمسين للدين .. ولقد شاركتني منال في هذا التحول الكبير ..
لقد آمنت معي أن تحصين البيت المسلم من الغلو ، لا يقل أهمية عن مواجهة أعدائنا المتربصين ..
بل بدأنا ندرك أن جزءاً من أزمتنا مع الآخر ، تنتج أساسا من عرضنا المجتزئ لحقائق الدين .. فيما عرف بالخطاب الديني ..
وأننا بإعادة طرح هذا الخطاب الديني بما يتناسب مع جوهر الدين وحقائقه الخالدة ، دون اجتزاء .. مع التركيز على القيم الإنسانية المشتركة التي ترغب الآخر في الإسلام الحقيقي .. فإننا بذلك بالتأكيد نكتسب أصدقاء جدداً ، ونخسر أعداء طالما تربصوا بنا عن جهل وعدم فهم !!
وعندما أركز على إبراز هذا المنهج ، فلا أدعي أننا انفردنا به دون غيرنا ، أو كنا رواده قبل الآخرين .. إنما نحن امتداد لمدرسة قائمة من العلماء والمفكرين والدعاة ..
وعندما أذكر أننا أنتجنا معا .. فإني أقصد أن منال كانت شريكا كاملا لي في الفكر وفي البحث ، وفي السهر وفي العمل .. بينما كنت أنا أنفرد بالصياغة ، وهي تنفرد بالمراجعة والتدقيق ..

لقد كانت منال كثيرا ما تقول لي ضاحكة بعد مراجعة أعمالي في هذا الصدد :

- أتدري يا عماد .. أنا أعلم مدى حرصك على نيل الشهادة في سبيل الله ..

- فأصدق على قولها : إنني أدعو بتحقيق هذه الأمنية في كل صلاة يا حبيبتي ..

- تطير بها ضحكتها وهي تقول : أخشى أن تنالها يا حبيبي ، ولكن ليس على أيدي الأعداء .. بل علي أيدي دعاة العنف الذين تواجه أفكارهم بأعمالك ليل نهار ..

- فأقول باسما : ما حيلتي إن كانت اختياراتنا قد وضعتنا بين مطرقة الغلاة ، وسندان العدو !!

- فتضحك منال وهي تضيف : يبدو على أية حال أنها قادمة .. قادمة ..

- أتساءل بلهفة : ما هي يا حبيبتي ؟

- شهادتك يا حبيبي ..

ثم تتسع ضحكتها ، ويعم استبشارها .. كأنها تبشرني بمكافأة ضخمة تنتظرني في التو واللحظة !!
وكانت منال تناقشني فيما أطرح من أفكار في المقالات والأبحاث نقاشا قويا ، وتجادلني جدالا مريرا .. وكنت أضطر كثيرا أن أعيد صياغة ما كتبت استجابة لوجهة نظرها ، وأحيانا كنت أصر على رأيي ، إذا كنت واثقا تماما من سلامة ما طرحت من أفكار وجودة الأسلوب ..
أما في مجال القصة القصيرة فكانت توحي لي بكثير جدا من موضوعاتها ، بما ترويه لي من مواقف اجتماعية متعددة ومختلفة ، حتى عرفت في الوسط الأدبي المتابع لإنتاجي ، بالواقعية من جهة ، وباختلاف وتنوع الموضوعات والأفكار المطروحة من جهة أخرى ، وكأن تلك الأفكار المتباينة المختلفة قد أنتجها عدة كتاب مختلفين وليس كاتب واحد !
وكان ذلك بفضل ما تمدني به ( منولتي ) من موضوعات اجتماعية متباينة وشيقة ..

17 – 11 - تابع في رحاب الأمن

وركزت منال في هدف حفظ القرآن ، وانتظمت في ذلك ، وأشرفت خلال ثلاث سنوات على تحقيق أمنية حياتها ، فلقد حفظته كاملا إلا ثلاثة أجزاء ، كانت تستعد لختمه بهم ..
كما أثمرت جهودها في حفظ ( مريومة ) نصف القرآن في سن العاشرة ، وحفظت ( فطوطة ) ثمانية أجزاء ..
أما أنا فكنت أمضي في طريق الكتابة ، أنجح حينا ، وأتعثر أحيانا ..
وقد آمنا أن الأهداف البعيدة ممكنة التحقيق .. وأن أحلام يومنا ، أوشكت أن تصبح حقائق غدنا ..
على أن منال لم تكن دائما مطواعة لي منقادة إلى كل ما أفكر فيه ، بلا تفكير أو روية أو تدبر .. لا يجب أن يتبادر إلى ذهنك هذا التصور أبدا .. إن منال لم تكن تتبع عماد ، ولا تدور في فلكه ، وإنما كانت تتبع ما تعتقد أنه الحق ، وتدور في فلك ما آمنت أنه الحق ، ولقد كانت تمتلك من الصلابة والعناد والثبات على مواقف آمنت أنها الحق ، ما يجبرني على التراجع عن مواقفي في أحيان كثيرة ..
ولم يكن حبها العظيم لي ، ولا حرصها المطلق على إرضائي يمنعها من الاختلاف الحاد معي ، حين يبدو لها أنني أخطأت أو تجاوزت ..
وما زلت أذكر موقفنا في مركز التسوق الكبير ، وهو مركز تسوق الضيافة أحد أكبر أسواق مكة المكرمة التجارية ..
كنت أنا وهي نتسوق بمفردنا في تلك الأمسية ، ولم نكن قد اصطحبنا الأولاد معنا ، وكان ذلك من المرات القلائل التي نتركهم في المنزل أثناء تسوقنا ، فقد كانوا يعدون عملية التسوق ، نزهة لهم ..
وحدث ونحن نتفقد البضائع في ردهات المركز ، لاختيار حاجياتنا ، أن وقعت عيناي على عرض خاص لنوع من الجبن ( الفيتا ) ، وهو نوع جيد من الجبن ، كان الأولاد يقبلون عليه بنهم ، وكان العرض أن نشتري ( علبة ) ونحصل على الأخرى مجانا ، وكان عرضا مغريا في سعره وقيمته .
وكنت أنا على وجه التقريب مدرك سبب هذا العرض في ذلك التوقيت ، لقد كان المنتج على أغلب الظن دانمركيا ، وكنا في أوج المقاطعة مع المنتجات الدانمركية ، والعجيب أن حملة المقاطعة مع المنتجات الدانمركية ، على خلفية نشر بعض صحفهم رسوما مسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم ، ثم رفضهم حكومة ومؤسسات الاعتذار عن هذه الأعمال السفيهة السوداء ، العجيب أن تلك الحملة تبناها رجال المال والاقتصاد وكذا السياسة والإعلام في العالم الإسلامي !! على عكس حملة مقاطعة البضائع الأمريكية والبريطانية على إثر حربهم الشعواء على أفغانستان ثم العراق !! وكأن الرموز الإسلامية على قداستها وعظمتها ، أعظم عند المسلمين من دماء إخوانهم التي تراق أنهارا !!
مع أنني أفهم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن حرمة دم المسلم وأنها أعظم من حرمة الكعبة ، غير ذلك ولكل منهما قداسته وقيمته !
كانت حملة مقاطعة الدانمرك ، قد بلغت ذروتها عندنا في المملكة ، وأعلن جميع التجار رفضهم لاستيراد أي مواد منتجة في الدانمرك ..
وكانت حملة محمودة ووقفة قوية فيها عزة وغيرة إسلامية عالية ، وفيها توافق وتوحد في الصف الإسلامي الشعبي والرسمي لأول مرة منذ زمن طويل ..
ولكنني يا صديقي .. والمشكلة دائما تبدأ من كلمة ( لكنني ) هذه .. كنت صاحب موقف ما .. وكان موقفي حتى لا أطيل عليك بتفاصيله .. يرى أن الحل هذه المرة ليس في المقاطعة ، ولكن في الرد عليهم بتوضيح صورة النبي صلى الله عليه وسلم ، من جهة ، ومحاولة استصدار قانونا دوليا من الأمم المتحدة يجرم ازدراء الأديان والإساءة إليها ..
المهم في الموضوع أنني لم أكن متحمسا لحملة المقاطعة بمفردها ، ولم أكن مطمئنا لما تم اتخاذه من إجراءات ، ولا تلمني ، فإن هذا راجع لطبيعتي التي تتعمق في أغوار الحدث أكثر مما ينبغي ..
أما منال ، فكان يستحيل عليها أن تشق الصف المسلم ، قالت لي مرارا :

- قد تكون حملة المقاطعة غير كافية وحدها .. وقد يكون الأمر يتطلب الكثير من الجهود والأعمال .. ولكن المقاطعة خطوة على الطريق ، ويكفي أنها حازت على إجماع الأمة ..

كنا نتحاور ، ولم يكن هذا الموضوع من الموضوعات التي اتفقنا فيها معا على رأي ، فاحتفظ كل منا برأيه .. ولذا عندما رأيت عرض ( الجبن الدانمركي ) قررت أن أشتريه ، بل أن أشتري منه كمية كمخزون بالبيت ..
ورأتني منال وأنا أضع علب الجبن في عربة التسوق ، ولم أكن سأخادعها ، فما تعودنا في أي أمر على غير المكاشفة ، فأخرجت الجبن وقرأت دولة الإنتاج ، ثم أخرجت الكمية التي وضعتها في العربة ، وأعادتها إلى الرف في مكانها ، وقالت بحزم :

- لن نشتري هذا النوع .. إنه دانمركيا ..

قلت لها :
- ولكن يا حبيبتي إن سعره جيد ، والأولاد يحبونه ..

- قالت في إصرار : فليكن .. حتى لو كان يوزع مجانا فلن نأخذه ..

- افهميني فقط ..

- لا أريد أن أفهم ، وليس هذا زمان ولا مكان الحوار .. لكن ما أعرفه أننا لن نشتري هذا من أموالنا

- قلت حانقا : ولكنني أريد أن أشتريه ..

- قالت في صرامة : إذن اشتره ، ولكن اعلم أنك ستأكله بمفردك ، فلن نشاركك في تناوله .. نحن مقاطعون المنتجات الدانمركية

- قلت في استماتة : الأولاد يحبون هذا النوع وسيأكلون معي

- قالت في عناد : لن يأكلوا منه ، سأخبرهم أنه دانمركي ، وأنك خالفت المقاطعة ، وهم لن يتناولوه أبدا .. فهم أولادي وأنا أعرفهم جيدا ..

وأسقط في يدي أمام هذا الإصرار الرهيب ، ولكن العرض كان مغريا جدا ، فأخذت أبحث عن اسم شركة الإنتاج ، متمسكا بالأمل الأخير .. وأخيرا قرأت اسم شركة ( آرلا ) على الغلاف ..
وشركة ( آرلا ) هي الشركة الدانمركية الوحيدة في حينها التي اعتذرت للمسلمين على الإساءة ، ورفضت أسلوب الحكومة في إدارة الأزمة ، وحافظت على علاقاتها التجارية مع المسلمين ، حتى وصفها رئيس الوزراء الدانمركي بالضعف والركوع للمسلمين ، ولقد صدر قرار عن مؤتمر نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي عقد في ( الدوحة ) على ما أتذكر ، بمقاطعة المنتجات الدانمركية ، فيما عدا منتجات ( شركة آرلا ) ..
وأخيرا وجدت المخرج ، فبشرت منال ، ورويت لها التفاصيل ..
قالت في إصرارها لتزيد من حجم المسؤولية علي :
- أنا غير متأكدة من هذه المعلومات .. أما إذا كنت أنت متأكدا منها تماما ، فاشتر ما شئت ، وهذا أمر بينك وبين الله ..

- قلت في يقين : أنا متأكد جدا ، ولكن هل ستأكلين معنا منها ؟..

- نظرت إليّ والنقاب يخفي ابتسامتها العذبة , وهي تقول :

- أنت تعلم أنني أحب هذا النوع من الجبن ، ولكنني أفضل أن أموت جوعا ، ولا أخالف إجماع المسلمين ..

وكان الصيف الماضي يا صديقي ، هو موسم هذا النوع من الجبن ، لقد اشترينا منه كثيرا ، لا لرخص سعره ، ولكن تأييدا لشركة ( أرلا ) وموقفها المحترم لمشاعرنا ، فالمسألة مسألة مبدأ قبل كل شيء فأنت بالطبع تفهمني تماما ..
هذه إذن هي منال .. والحقيقة أنني كنت أخشى صلابتها في الحق ، ولكنني في قرارة نفسي ، كنت مطمئنا دائما ، أننا لن نتفق على باطل نعلم على وجه اليقين أنه باطل .. أما ما اجتهدنا فيه فأخطأنا الصواب ، فهذا ما نرجو من الله أن يغفره لنا

17 – 12 - تابع في رحاب الأمن


ومع طول غيابنا عن مصر واستمرار غربتنا لم يضعف حنينا إلى الوطن ، ولم تستطع أيام الغربة الطويلة الممتدة ، ولا حسن المقام في البلد الحرام ، ولا شعورنا بالأخوة الإنسانية الجامعة ، وحولنا أصدقاء ومعارف من دول شتى ومجتمعات مختلفة ، فهذا سوداني وآخر يمني ، وثالث اندونيسي ، ورابع باكستاني ، ولقد تعلقت منال بالموريتانيات بصفة خاصة ، فقد كن تلميذاتها في تحفيظ القرآن ، وكانت تعجب بلغتهن العربية الصحيحة وإقراضهن الشعر قرضا ، وحرصهن على القرآن الكريم ..
لكن هذه العوامل مجتمعة لم تتمكن من خدش حنينا لمصر خدشا ، ولم تزد أيام الغربة قلوبنا إلا تعلقا بموطننا الأول وشوقا إليه ، وكانت بلدنا حاضرة دائما في نفوسنا وقلوبنا ، فنحن نتابع أخبارها كل يوم عبر الفضائيات ، ونعيش أحوالها لحظة بلحظة ، ونحمل همومها وآمالها وأحلام شعبها ، فنحن جزء لا يتجزأ منها ، وإن نأت بنا الأرض أو طال بنا الفراق .. لقد صارت قضيتنا التربوية في الغربة ، هي كيف نعمق في نفوس أبنائنا قيمة الولاء لوطنهم مصر الذي لم يروه من قبل ، كيف ننمي في نفوسهم الولاء الإثني لدولة ومجتمع هو في الحقيقة مسقط رأسهم كلهم – عدا مريم التي جاءته وعمرها شهران – ومرتع صباهم ، تفتحت عيونهم عليه فلم يعرفوا لهم وطنا سواه ، وحفظوا بيئته وآثاره ، وتشربوا قيمه وعاداته ، ثم تعلموا في مدارسه واختلطوا بأترابهم من أبنائه ، وهم يهتفون كل صباح بنشيده الوطني ، ويحيون علمه الأخضر الخفاق .. فنوازن ذلك مع ولائهم لوطنهم الأصلي الذي حتما سيعودون له يوما ، مع كل ظروفه الاجتماعية والبيئية والاقتصادية ؟
ثم نجعل ذلك كله مغلفا بشعور الأخوة الإسلامية الجامعة التي تجعل الولاء للأمة مقدما عن الولاء للوطن ، فديننا أغلى علينا من جنسياتنا المتنوعة ؟
إنها معضلة المعضلات التربوية لكل أسر المغتربين ..
إن هذه المعضلة التربوية التي تؤرقنا ، بل تحرق نفوسنا حرقا .. هي التي تجعلنا والمغتربين عادة ، أشد حساسية ، وأنكأ جرحا ، وأغور شعورا ، حين نتهم في وطنيتنا .. أو في ولائنا لموطننا .. كيف ؟ والمواطن في وطنه يورث أبناءه حب الوطن والمواطنة بالفطرة ، والمعايشة ، والبيئة ؟
أما المغتربون فيغرسونها في قلوب أبنائهم غرسا ، ويسهرون على غرسهم يذودون عنه كل آفة أو معوق !!
من أجل هذا المعنى ، أصبحت منال مثلي شغوفة بكرة القدم ، ولم لا ؟
ألم تكن صديقتي وتوأمي ؟
لقد أحبت كل ما أحببت ، حتى في مجال الهواية ، فكنا نتابع مباريات الكرة معا ..
وجاءت بطولة الأمم الأفريقية التي أقيمت في مصر ( كروكونايل 2006) ، وعاشت أسرتنا حالة طوارئ نفسية خاصة .. لقد وجدناها فرصة سانحة لأن نغرس في أبنائنا قيمة مصر ، ومعنى مصر ، وأن يحفظوا من خلال هذه البطولة ألوان علم بلادهم ونشيده الوطني ..
ولا أكذبك يا صديقي إن ذكرت لك أن حالتنا خلال هذه الدورة الكروية ، كانت حالة قريبة إلى حد ما بتلك الحالة التي عاشتها الأسرة أثناء العدوان الأمريكي على العراق !!
أعرف أنك قد تتهمني بالتفاهة أو السفاهة .. ولكني آليت على نفسي أن أروي لك ما حدث بأمانة ثم أترك لك الحكم ..
لقد كنا في حاجة إلى نصر .. أي نصر ترفرف به أعلام بلادنا في سماء العالم ، ولو كان نصرا معنويا في ميدان رياضة كرة القدم ..
ومازلت أذكر منظرنا أثناء تنفيذ ضربات الترجيح في نهائي البطولة ، ونحن أفراد الأسرة نقف أما شاشة التلفاز صفا واحدا ، كأننا مع اللاعبين في الملعب ، فإذا أحرزت مصر هدفا ، قفزنا في لحظة واحدة إلى أعلى..
وإذا نجح ( الحضري ) حارس مرمى المنتخب في صد ضربة من الفريق المنافس .. تقافزنا قفزة أشد .. ثم أخذت منال في حضني .. ونحن نضحك ونبكي .. ثم نعود إلى الصف الواحد في انتظار تسديد الضربة التالية ..
ولا تتخيل مقدار سعادتي أنا ومنال .. عندما سدد ( أبو تريكة ) الضربة الأخيرة في المرمى محققا فوز مصر بالبطولة وحصولها على الكأس ، ثم عدوه إلى الجماهير بطول الملعب وهو يرقص ( رقصة طائرة السعادة ) التي اشتهر بها ، وقد رفع قميص اللعب إلى أعلى ، وظهر أسفل منه قميصه الأبيض مكتوبا عليه بوضوح :
كلنا فداؤك يا رسول الله ..
كانت ملحمة ولم تكن دورة رياضية .. وكنا نعيش الملحمة بكل كياننا .. وكانت فرصة للتنفيس عن مشاعرنا تجاه وطن أحببناه بكل ذرة من ذرات خلايانا ، فهل يا ترى أحبتنا مصر كما أحببناها ؟؟
قبل نهاية البطولة ذكرت لي منال ، أن أحد الجيران يملك اشتراكا في الفضائية المشفرة التي تذيع البطولة ، حيث كانت إذاعة الدورة مشفرة وحصرية ، وقالت لي :

- بدلا من انتظار مشاهدة المباراة على القنوات الأوربية بالتعليق الأجنبي ، اذهب إلى هذا الجار وشاهد المباراة عنده ..

- فقلت لها وكيف أعيش أجواء المباراة وأنت لست إلى جواري .. نحن نعيش مصر سويا ( منولتي ) في هذه المباريات ..

فهل يزداد عجبك بعد ذلك ، إذا أخبرتك أنني أنا الباحث والكاتب الإسلامي ، قد كتبت كتابا عن الدورة الأفريقية ( كروكونايل 2006 م ) ، ليؤرخ لهذه الذكرى ؟!

وكانت منال من النوع النادر الذي إذا آمن بحق ما ، فإنه يتفانى في هذا الحق مهما كانت التضحيات ، وإني يا صاحبي أتوقع أن تفعل المرأة والزوجة كل شيء إلا أن تترك فتاة في طريق زوجها مهما كانت الأسباب والدوافع ..

لقد وضعت الأقدار في طريقي فتاة !

كانت ابنة صديق عزيز علي ، وكان الرجل يكبرني بسنوات عدة ، وكان جارا لنا ، وكان مربيا فاضلا من أهل الصلاح والاستقامة ، فكنت أحبه ، وكانت منال على صلة طيبة بأسرته ، ونتيجة لظرف ما ، اكتشفت علاقة خاصة وخطرة جدا بين ابنة هذا المربي الفاضل ، وبين وغد مستهتر استطاع أن يسيطر على مشاعرها ، وأن يستغل وحدتها وغربتها في أغراض دنيئة ، وتطورت بهما العلاقة إلى حد توالي لقاءاتها به في شقته الخاصة .. ولولا ستر الله وحده لكان قد قضى على مستقبلها تماما ..
قيضني الله تعالى في الوقت المناسب فتعاملت مع هذا الوغد بما يستحق ، واستطعت بفضل الله ومعاونة بعض الأصدقاء المخلصين من منعه من العودة إلى المملكة ، وبقائه مع زوجته وأبنائه في مصر ..
لكن الخطوة الأهم كانت تحصين الفتاة حتى لا تعود إلى الهاوية مرة أخرى ، ولم يكن هناك بد بعد تقليب الأمر على كل الوجوه من أن أتصدى أنا وليس منال لهذا الأمر ..
ولا يخفى عليك يا صاحبي طبيعة هذه العلاقة ، فلم يكن فيها خداع أو تلاعب بمشاعر الفتاة ، وإنما كانت علاقة واضحة كل الوضوح منذ أول لحظة ، إنها علاقة دعوية ، أو علاقة أقرب ما تكون إلى علاقة الطبيب بمريضته في فترة النقاهة من مرض نفسي أو صدمة عصبية ..
ولقد استمرت علاقتي بتلك الفتاة ، عن طريق الهاتف والإنترنت عدة شهور ، حتى استطعنا أن نصل بها إلى بر الأمان بفضل من الله وتوفيقه ..
ولقد كنت أخبر منال بتفاصيل كل مكالمة أو رسالة ، بل إن رسائلنا المتبادلة على الإنترنت كنت أحفظها على الجهاز لأطلعها عليها ، وكانت منال تبدي فيها رأيها ، وتوجهني إلى ما يجب قوله ، أو فعله ..
وأحيانا كنت أخاف من أن يضيق صدر منال بالأمر ، فكنت أسألها :
- منولتي .. ألا تغارين ؟

- وكانت تجيب في ثقة وهي تنظر إلي بعشق : إنني أغار عليك من أي شيء ، ولكني أدرك أنك تقوم بعمل خير ، وأنا أثق أنك إذا توجهت بنيتك إلى ذلك ، فلا يمكن أن تحيد عنها .. أتدري يا عماد ؟..

- بماذا يا روح عماد ؟

- لو أن هذه الفتاة كانت مناسبة لك في العمر والظروف ، لكنت طلبت منك أن تتزوجها لتحصنها.. لكني أدرك أبعاد العلاقة تماما ، وأعرف أنها بمثابة شقيقتك الصغرى ..

واستمرت منال في دعمها لي جنبا إلى جنب وبالتالي دعمها للفتاة عن بعد ، وقد سمحت لنفسي أنا ومنال أن نتداول السر فيما بيننا باعتبارنا نفس واحدة ..
( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ) الروم

الحلقات القادمة : 18 – حبي الأول والأخير

ان شاء الله





(http://rewayat2.com/vb/search.php?do=finduser&u=35)

semeramis
18-05-2010, 12:19 AM
18 – 1 - حبي الأول والأخير


كانت أيامنا بمكة كلها رائعة الجمال .. نقيم في بيت جيد ، ونركب سيارة خاصة ، قديمة لكنها تعيننا في الانطلاق كيفما نريد ، وأحيا مع زوج مجنون .. لا يكف عن المرح والحب ، مجنون في عاطفته .. مجنون في حنانه .. مجنون في أحلامه .. مجنون في تفريطه في حقوقه المالية ..
إن أكثر ما أحب في عماد هو جنونه .. إن جنونه هذا هو الذي يجعل حياتنا غير تقليدية ، ولا رتيبة ، إنها حياة مليئة بالمفاجآت السارة دائما .. حتى حينما تعصف بنا أزماتها ، فما تكاد تنفرج ، حتى نكون هائمين فوق سحبها البعيدة العالية ..

ورغم كل متاعبنا المادية وأزماتنا المالية ، فلم يكن عماد يقيم وزنا لها ، إلا إذا داهمته متطلبات الحياة ، حين يشعر بأنه لا يملك مالا في هذه اللحظة ، فإنه كان يكتئب ، فهو يريد أن يكون معه دائما ما يمكنه من الإنفاق الجيد على أسرته ، ولا ينظر إلى أكثر من ذلك ..
فعندما ينفد ما في يديه ، يشعر بالعجز والحزن ، وقد يتذكر وقتها فقط ، أو عندما يطالبه دائن أو صاحب حق بمال له عنده ، ويكون طلبه في غير سماحة ولا انتظار ، في تلك الحالتين فقط ، فإن عماد يبدو مهموما مكتئبا .. حتى تنفرج الأزمة ..
فكنا نضحك سويا ، وأنا أرى قسمات وجهه قد تبدلت تماما ..
ثم نغني معا :

وأنا وياي باعيش عيشة المليونرات
وأحلم وأنا معييش ما ألعنش الأزمات
كنت أدرك أن هذه الأغنية هي أشد ما تكون انطباقا على عماد في أموره المادية .. ولم يكن يعمل أبدا حساباً لغد في الإنفاق المادي ، وكثيرا ما اتفقنا سويا أن يترك لي أمور تدبير أحوال الأسرة المالية ، بأن يجعل المصروف معي ، لكنه كان سرعان ما يحتال علي في كل مرة ، ليسلب مني ما أعطاه إياي باليمين .. وكان يأخذه مني باليمين أيضا ..

وحبيبي عماد غيور .. دائما يغار من علاقتي بشقيقي عصام ، فهو يريد أن تكون كل المشاعر له وحده ، وكل الأسرار التي يمكن أن تكون امرأة وأخيها ملكه هو وحده ..
وأنا أحب غيرته ، أعشقها ، كما أعشق جنونه ..

لقد عودني عماد أن أعيش معه الحد الأقصى في كل شيء ، في الحب ، وفي العاطفة ، وفي السعادة ، وفي الغيرة ، وفي المغامرة ، وفي الانفعال .. شيء واحد لم أعشه أبدا معه في حده الأقصى ، وهو الحزن ..
فهو يمقت الحزن .. لا يحب أن يرى شخصا حزينا .. هو نفسه كان ينفعل ويثور بشدة وعنف .. لكن انفعاله كان من نوع انفعال الأطفال .. ما يلبث أن ينقشع ويزول ، ولا يترك وراءه أي أثر ، فكما يحدث فجأة فإنه ينتهي فجأة ..
فهو مثلا تؤرقه أحوال الأمة ونكباتها ، لكنه حتى في مثل هذه الأمور العامة شديدة الأهمية ، سرعان ما يجد أملا ، أو بارقة ضوء ، ويتحول حزنه وانفعاله ولهفته إلى هدف ، أو إلى دعوة لعمل ما .. فلا يحب أن يحزن ، ولا يحب أن يستسلم للحزن ..

إنه عندما يغاضبني ، ينتظر مني أن أذهب إليه فأستسمحه سريعا ، لأنه لا طاقة له بالحزن ولا بالغضب ، وكانت أحيانا تشتد علي نفسي ، فلا أسارع بملاطفته ، وأحيانا أخشى من شدة انفعاله ، فأنتظر قليلا حتى يهدأ ، خوفا من ازدياد غضبه ، أو اشتداد ثورته ، فإذا شعر بإبطائي عليه .. جاءني هو ، ثم بدأني بسؤاله التقليدي في مثل هذه المواقف :
- ألا تريدين أن تعتذري إذن ؟
هل يمكنك تحمل غضبي منك كل هذه المدة ؟..

وانظر إليه باكية ، ولكن البكاء ، لا يعفيني أبدا من أن يصب عليَ جام غضبه ، حتى إذا فرغ .. نسى ما كان يقوله ، أو على الأصح يهدر به من صياح في وجهي ويقبلني ، ويرق .. يرق تماما ، حتى أخشى عليه من أن ينفطر بين أحضاني ..
ونتسامح ، وأنا لا أدرك فيم كان الغضب
،لدرجة أنني أحيانا ، اطلب منه أن يبين لي خطئي ، فإذا بينه لي ، وتأكدت فعلا من أنني كنت مخطئة ، أطلب منه في صدق : أن يتركني وأن يقسو علي فترة ، حتى لا أكرر نفس الخطأ ، وأقول له :



- اتركني الآن لأنني فعلا أستحق أن تغضب مني ، وأستحق ما فعلت بي .. ولذا يجب أن أتوقف مع نفسي بعض الوقت ..

ولكنه يرفض قائلا في حزم وعلى وجهه كل علامات الحب والسماح والرضا والمرح :
- كفى ما قد كان .. كفانا قسوة وأحزانا ودموعا .. هيا نعيش لحظتنا .. ثم يظل يهتف في جنون .. أحبك .. أحبك .. أحبك ..
إن الناس كثيرا ما يرددون : إن البيوت مقفولة على أسرارها ، وإنه كم في البيوت من أسرار مستورة ، لا يعلمها إلا الله ..
ولكنه بدا لي من خلال ما صبت عندي زميلاتي من مشكلات .. أن النفوس ذاتها أصبحت مقفولة على أسرارها .. كل نفس قائمة بذاتها .. فتلتقي الوجوه داخل الأسرة في محيط البيت ، ويظن كل فرد أنه يعرف ما يدور في نفس الآخر .. والحقيقة أن كل فرد لا يعرف سوى ما يدور داخل نفسه فقط ..
هذا الشعور جعلني أسعى دائما لأجد حلا لأي مشكلةاجتماعية أشم رائحتها من بعيد .. إنني أشعر أن هذا هو واجبي في الحياة .. وأعتقد أنها زكاة ، فهي فريضة الزكاة التي علي أن أؤديها ، عن حياة أسرية سعيدة ناجحة ، بل في أحيان كثيرة أعتقد أنها حياة مثالية أو خيالية ..
تلك الحياة التي جمعتني بعماد ، ليكون كل منا كتابا مفتوحا أمام صاحبه وشريك حياته ، وتكون كل نفس ستر حقيقي ولباس للنفس الأخرى ..
إن هذه الحياة العظيمة التي أعيشها مع عماد ، لابد لها من زكاة من جنسها ..
وزكاتها فيما أعتقد ، أن أنقل روحها إلى الآخرين ..
أن آخذ بأيديهم إلى بداية الطريق إلى السعادة في البيت والأسرة ، هذا الطريق الذي يبدأ دائما بالمكاشفة والصدق والوضوح ، ثم يمتد عبر الثقة ، ويتجسر ويقوى بالحب والتفاهم ..
إن أسرنا في حاجة ماسة إلى الإيمان بأن في الوجود قيمة اسمها ( الحب ) ، وأنها قيمة حقيقة موجودة ليست في الأفلام والروايات فقط ، وإنما يجب أن تكون موجودة في عالمنا ..
وكذا حاجتنا الماسة إلى تعلم فن وطرق التعبير عن الحب .. فليس بالمصالح المتبادلة فقط يمكن أن يحيا الإنسان ..
18 – 2 - حبي الأول والأخير


ورغم اتساع عالمي الاجتماعي ، وانفتاحه على مختلف الجنسيات والشعوب ، إلا أنني دائما أنظر إلى حبيبي عماد عندما يعود من دوامه مساءً ، فأشعر أن عينيه هي عالمي الحقيقي كله .. فأنا أرى نفسي في عينيه ، والحقيقة أن عينيه دائما تتكلم بما تعتمل به نفسه .. إنني أعلم أن عماد من النوع الصادق .. الصادق جدا إلى
إلى حد لا يمكن وصفه ..
وصدقه هذا ليس معي أنا فقط ، فصدقه معي خارج أي نقاش ، فلقد تعاهدنا عليه منذ أول لحظة ولدت علاقتنا فيها ..
لكنني أقصد أنه صادق جدا مع كافة البشر ، لأن ما تريد أن تعرفه منه ، تقرأه بسهولة في وجهه دون الحاجة إلى سؤال أو حديث ، فإنه عندما يكون مضطرباً ، أو حزيناً ، أو مكتئباً ، أو سعيداً ، أو مرحباً بضيف ، أو متثاقلاً من آخر ، فإنك تستطيع أن تقرأ هذا كله منذ الوهلة الأولى التي تلقاه فيها ..
وهكذا كانت عيناه تجيباني عن كل أسئلتي التي أتلهف إلى الانطلاق بها فور عودته إلي .. ماذا فعل في يومه ؟
ماذاأنجز ؟
كيف كان عمله ؟
هل ضايقه أحد ؟
هل توجد منغصات في العمل ؟
هل أصاب ربحا حسنا ؟
كل الأسئلة .. كل الأسئلة كنت أعرف إجابتها
من خلال عينيه قبل أن أسأله عن التفاصيل ..
إن متعتي في الحياة أن يحدثني عماد عن كل لحظة يفترق فيها عني ، فأنا لا أطيق فراقه عني ولو للحظة واحدة .. وحديثه معي كأنه يجعلني رفيقته في كل دقائق الحياة ..
و أنا دائمة التفرس في عينيه ووجهه عموما خاصة وأنا في فترات الحمل .. وهو يسألني والسعادة تطل من عينيه :
- ما أخبار الصورة الجديدة أيتها الفنانة الفنانة الرائعة ؟

- أية صورة يا حياتي ؟

- الصورة التي تقومين برسمها لي ..
وتنطلق ضحكتنا معا ، وأجيبه قائلة :
- هي تتكون على مهلها يا حبيبي
- فيسألني مندهشا : ما هذه التي تتكون ؟ !

- صورتك يا حبي .. إنها تتكون في أحشائي .. فأنا أنظر إليك في كل لحظة ، حتى تنطبع هذه الصورة الجميلة على ابننا أو ابنتنا في رحمي .. ألا تعرف أنهن يقلن : إن الجنين يتشكل ويأخذ ملامحه من أكثر صورة تنظر الأم إليها وتكون مشتاقة إليها ؟

وهكذا كنا نتضاحك ، أما أنا فصادقة تماما فيما أقول ، فأنا أريد أن يكون أبنائي جميعا شبه أبيهم عماد ، حتى أرى فيهم جميعا صورته !!
وعينا عماد هما ملكي وحدي ؟ .. أنهما من أسراري الخاصة .. التي لا أحب أن يطلع عليها أحد ؟ .. إن كل عماد هو ملكي أنا بمفردي .. فلا يمكنني تخيل أن يشاركني في عماد أحد من البشر .. حتى أنني أغار من بناتي عندما يجلسن على فخذي عماد ، ويقمن بمداعبة شعره ، فرأس عماد مستعمرة لقشرة الشعر ، وهو يستريح تماما عندما أقوم بدلك شعره ، فأنفض عنه هذه القشرة اللعينة ، التي تسبب له الضيق خاصة في حر الصيف مع العرق والرطوبة المتزايدة .. دائما يستريح لهذه الحركة ويستسلم تماما لي ، كاستسلام الطفل الرضيع لأمه وهي تقوم بتنظيفه ..
وأنا أغار بشدة من مريم أو فاطمة إذا قامتا بهذه المهمة نيابة عني ، فهذه هي مهمتي في الحياة ، أن يشعر حبيبي وروح قلبي أنني أنا فقط التي تبحث عن راحته ، فتدلك له شعره ، وتخلع له جوربه إذا قدم من العمل مجهدا .. حساسية ، إن تلك القدمين إنما تكل وتشقى طيلة اليوم من أجلي أنا ..
هكذا كنت أضن بحبيبي عماد على أي أحد ، ومع ذلك لا أخفيكن سرا ، إذا قلت إنني أخشى عليه من أنانيتي وحب تملكي .. فأنا لا أستطيع أن أتصور أن يشاركني فيه أحد ، ومع ذلك ألح عليه صادقة أن يتزوج زوجة ثانية !!
ومسألة الزوجة الثانية بالنسبة لي ليست دعوة ، ولا رسالة في الحياة ، لكنني أخشى على حبيبي وعلى عيونه وعلى عواطفه ومشاعره ، من تقصيري في حقها ، أو غبني حقه ، فمن حق عماد أن يجد الحب والعطاء الذي ربما حرمته إياه – دون قصد مني - مع امرأة أخرى غيري ، وأنا أرضى أن أتقاسم معها عماد ، لو أمكنها أن تعطيه ما لم أعطه أنا له ..
لكن زوجي العنيد يرفض هذا الأمر ، ، يرفضه رفضا قاطعا حازما كل الحزم ، وهو يقول لي :

- هل تريدين لي يا ( منولتي ) أن أعيش في كنف زوجة أب .. إن الزوجة الثانية بالنسبة لي بمثابة زوجة أب وليست زوجة أب من النوع العادي الطيب ، ولكن من النوع الشرير ..

لكنني أخشى على عماد ، وعلى مشاعرهوعاطفته ، فهو رقيق .. رقيق لدرجة أنني أخشى عليه من نفسي .. أخاف عليه من عدم قدرتي على التعبير له عن مشاعري ..
والحقيقة أنني أحبه أكثر من نفسي .. أحبه أكثر من أي شيء في الوجود .. إن حبه عندي ، عقيدة .. نوع من القربى إلى ربي ومولاي ، فعماد هو جنتي ، ورضاه عني هو الطريق لرضا ربي ..
ورغم حبي له ، فإنني أشعر أني فاشلة في التعبير له عما أشعر به تجاهه ..

إن أسعد لحظات حياتي ، أو يمكنني أن أقول


إن أسعد لحظة في حياة أي امرأة .. هي لحظة صدق صافية يعترف لها فيها
يعترف لها فيها زوجها بأنه يحبها ..
إن هذه هي أسعدلحظة .. هي القمة التي يمكن أن أصل إليها .. ربما كنت أعاني من أعباء المنزل ، ومن الإشراف على الأبناء ، ومن تدبير شؤون الميزانية المرهقة المكدودة من كثرة ما تكبدنا من ديون .. وقد تكون المرأة محرومة من أشياء يعتبرها الناس هي كل ملذات الدنيا .. ربما أكون قد أكلت في وجبة العشاء نصف ما أحتاج إليه للشبع أو ثلثه ، لأوفر الباقي لأبنائي الصغار .. ثم تأتي اللحظة التي تنقلني من عناء الأرض إلى جنة الرب الرحمن .. حين يعترف لي عماد قائلا بمنتهى الصدق واليقين :

- أحبك ..
ولم تكن كلمة الحب تنقطع من حياتنا .. لكن تلك اللحظة الرائعة التي تتوج مشاعري كلها وتنقلني إلى سعادة لا تكون على الأرض .. عندما يهتف بها بمنتهى الصدق ، وقمة الإحساس والشعور ، ولا ينطق بها عن رغبة ، أو مقدمة لرغبة وإنما يقولها محدثا قلبي وساكبا مشاعره في دمي كله ، ومغذيا وجداني .. فأنظر إليه .. أنظر إليه أستعذب الاعتراف اللذيذ ..
وأنا أعرف إلى أين أنظر تحديدا في هذه اللحظة .. أنظر إلى عينيه ، دمعتان حبيبتان تتألقان فيهما ، تريدان أن تقسما على صدق مشاعره .. إنه يتكلم بعينه ، وقلبه وكل جوارحه .. كله ينطق بكلمة الحب ..
يااااه .. حين ينطقها بهذه الطريقة يعود لي إحساس واحد شعرت به قديما حين خطوت أول خطوة على طريق السعادة الأبدية .. يعاودني إحساس الأميرة المتوجة في التو ، ناسية كل عذابات الواقع ، متسامية عن كل مطالب الحياة ومؤرقاتها ..
يعاودني إحساس الأميرة الذي أحسست به ذات مساء ، وأنا أمشي معه على الأرض ، لكني كنت أشعر أنني مع عماد نجلس داخل عربة مذهبة يتقدمها جوادان ملكيان جميلان ، نطل على الناس من النافذة الذهبية ونلقي عليهم بالتحيات والابتسامات بينما يلقون علينا الورود ..
عندما أرى تلك الدمعتين تتألقان في عيني عماد ومعهما كلمة حب من أعماق أعماق القلب ، يعاودني هذا الإحساس الرائع ومعه إحساس آخر أعظم ، وهو إحساس حورية من حوريات الجنة .. يبدأ الاعتراف الرائع من عماد مبرءاً عن كل هدف ومأرب ، منزها عن الرغبة ، فالحب هو الذي يصنع الرغبة ، وليس العكس ، فشتان بين رغبة تتصنع الحب ، وبين حب يعزف على أوتار القلب وتنشد به الروح وتصدقه الجوارح ..
إن عماد يستحق دائما أن يظل هو حبي الأول والأخير ..
سيظل هو ابني الأول ، وطفلي المدلل ، وحياتي التي أعيش من أجلها ، وروحي التي أحيا بها ..


الحلقات القادمه :19 - الرحلة الأخيرة

Princess Amira
18-05-2010, 02:19 AM
:icon1366: مؤثرة اوي
في الانتظار اختي شيماء،، ربنا يكرمك

semeramis
19-05-2010, 12:45 AM
أومال لما تقرئي بقيت الأجزاء هتعملي ايه:icon1366::icon1366::icon1366::icon1366:
ده انا خايفه اكمل عشان كده
ربنا يستر بقى خلي العياط للأخر عشان تلاقي دموع
منوره يامرمر كالعاده

semeramis
19-05-2010, 12:48 AM
19 - 1 - الرحلة الأخيرة





في هذه الأثناء حدث أن رزقت منال بمال .. مال وفير خاص بها


ولقد جاءها من سيدة فاضلة شعرت بطول غربتها ، وأحست بعذابها المضني بين إشفاقها من أن تُحَمّل زوجها وحبيب قلبها ما لا يطيق ، وبين حنينها النازف لرؤية أمها وبرها وضمها إلى صدرها وطلب السماح والرضا منها ، وقد أوشكت في مرض شيخوختها على الموت ..


فكنا كلما اتصلنا بالأهل هاتفيا ، أشعرونا أن أم منال على وشك الرحيل ..


استشعرت تلك السيدة الكريمة ذلك ، وكانت صاحبة مال وفضل ، فوهبت شيئا من مالها لمنال حتى تحقق أمنيتها ببر والدتها دون أن ترهق زوجها !


وجاءت منال تستأذنني وعلى وجهها دلائل خوف ، وفي جسمها رعشة اضطراب ، وفي عينيها خجل واستحياء .. لم تكن حزمت أمرها بعد ، لكنها جاءتني تستطلع رأيي ، فوضعت الظرف الذي به المال في كفي .. وروت لي قصة تلك السيدة ..



لقد كانت هذه هي أول مرة تطلب مني منال السفر إلى مصر .. صحيح أننا كنا نتناول هذا الأمر بالحديث كل فترة من الزمن ، لكننا كنا نتناوله من باب الأمل البعيد ، على أن نكون سويا ، كما أكدت لي في كل مرة فتحنا فيها هذا الموضوع المضني الحساس ..


أحد عشر عاما مرت ، دون أن تطلب منال هذا الطلب ..



في منتصفها الأول .. طلب مني أبي – رحمه الله – في زيارته الأخيرة لنا التي لقى الله فيها .. طلب مني وألح في الطلب ، أن أسمح لمنال أن تعود لمصر لزيارة أهلها ، وكنت وقتها قد فقدت عملي منذ شهور قليلة ، فأرجأت الأمر ، فلما ضغط علي ، ثم ألحت علي أمي .. أحلتهما إلى منال ، ليستطلعا رأيها ، لكنها قالت لهما :



- قدمي على قدمه .. وإني لن أفارقه أبدا .. وشكرتهما في أدب ورقة على سعيهما وضغطهما على ابنهما من أجلها ، وقبلت رأسيهما ، وهي تطلب منهما ألا يضغطا علي .. نظرا للظروف المادية التي نمر بها ..



كان ذلك قبل ست سنوات من الآن .. أما اليوم فقد جاءتني حائرة ، راجية ، مشتتة النفس بين عوامل شتى ..


وجلسنا نقلب الأمر على كافة وجوهه ، ونوازن بين الضروريات ، ونحاول تأمين ما تبقى من مصروفات السفر ، فإنها لن تسافر دون أبنائها بالطبع ..


وكنت مشفقا من الأعباء المادية ، لكن خوفي الأكبر لم يكن من المادة ، وإنما من الفراق ..


وأدركت منال ما أعانيه ، وكانت أشد مني إشفاقا من ألم الفراق .. فأخذت تحتضنني وتقبل رأسي وهي تقول :


- يعلم الله يا حبيبي ، كم أن هذا الطلب يؤذي قلبي .. كنت وما زلت أتمنى اليوم الذي نرجع فيه لمصر معا .. ولتعلم يا روحي أن أي زيارة لي لمصر بدونك ، لن أشعر خلالها إلا باليتم والغربة ..



ونظرت إليها دامعا ، وغلبتها دموعها وهي تقول :


- أنا لست عائدة إلى مصر بدونك .. إنما أغترب عن مكة وعنك في سفر عابر قصير فقط من أجل أمي .. وأجهشت في البكاء



- فاحتضنتها وأنا أقول من بين دموعي : أنا لا أتصور أن أبتعد عنك ولو ليوم واحد ..


- قالت والعبرات تخنق صوتها : أحد عشر عاما مرت يا حبيبي ، صرت فيها لي كل شيء .. أنت أبي ، وأنت أمي ، وزوجي ، وعشيقي ، وصديقي ، وأخي .. أنت كل أهلي يا ماد .. لكن لله تعالى حقوقاً واجبة الأداء وزيارة أمي من هذه الحقوق .. ويعلم الله لولا أني أخاف أن تموت غاضبة علي ، لانتظرت عودتك معي ، ولو إلى آخر العمر ..



لم نستطع بعد ذلك أن نتكلم ، ولو كلمة واحدة ، ولكني استجمعت بعد برهة كلمة من بين شهقات البكاء :


- منال ..



- نعم يا روحي .. وحياتي ، وكل ما لي في الدنيا ، وإن شاء الله جنتي ..


- كم ستغيبين عني ؟



- أسبوعين يا حبيبي .. لا أريد ، ولن أستطيع أكثر من ذلك .. ولو لم تسمح لي سوى بأسبوع واحد ، فانا موافقة ، لن أعترض .. كل ما أريده فقط هو أن أرى أمي ..



- تدرين يا ( منولتي ) .. أحد عشر عاما كاملة ، لم نفترق فيها لحظة واحدة .. فأسبوعان يا حبيبتي مقدارها عندي خمسة عشر عاما مما يعدون .. إنني يا روحي لا أستطيع ولا أحتمل .. لكنني من أجلك أنت سأصبر ، لك أسبوعان تقضيهما في مصر ، بخلاف مدة السفر .. أسأل الله أن يلهمني الصبر على فراقك ..



أخذت منال رأسي في صدرها ، وظللنا نبكي ..


ولعلك يا صديقي تجد في رسالتي هذه إليك كثيرا من الكلمات قد محاها سيلان دموعي ، وأنا أكتب تلك الذكريات بعد مرور أشهر على حدوثها ، فما بالك بتلك الدموع وحرارتها حين كانت منال تحتضنني ، ونبكي سويا !!



لقد كنت أدرك في أعماق نفسي أنني أظلم منال ، فأنا في حبي أناني ومسيطر ومستبد .. أعلم من نفسي ذلك جيدا .. وأدرك كذلك أنني في غاية ( الديكتاتورية ) في هذا الحب .. وإنني مهما حاولت أن أكون رقيقا حانيا ، شفوقا مهذبا ، ومهما حاولت أن أكون كريم الخلق والعطاء مع منال ، فإن ذلك لا يعدو أن يكون تعويضا ضئيلا جدا عن سطوتي في الحب !!


لقد كنت مستعدا أن أفعل أي شيء تطلبه مني منال ، ولم أكن مستعدا لأن أحتمل غيابها عني ساعة كاملة !!


وكانت منال تدرك هذا الهوس من جانبي الذي يصل حد الجنون في السيطرة .. لكنها كانت تحتمل !!


أما أنا فلقد كنت أخادع نفسي ، فأقول لها دائما .. أي لنفسي :


إنني لم أظلم منال ، وإنما ظلمها الحب !!


إنني لم أحبس منال في دار هجرتها إلى مكة المكرمة إحدى عشرةَ سنة ، وإنما حبسها الحب !!


إني لم أسيطر على مشاعر منال طوال رحلة عمرنا ، وإنما سيطر عليها الحب !!



19 - 2 - الرحلة الأخيرة



والحقيقة يا صديقي إن ضميري لا يمكنه أن يستريح ، رغم كل ما كانت تبديه ( منولتي ) لي من رضا عن حبي ، وتفهما لدوافعي ، وتقديرها لجنون الحب الذي أصابني بلوثة عقلية حقيقية ..


إلا أن ضميري لن يرتاح ولو قليلا إلا إذا سجلت اعترافي هنا ..


لقد كنت في غاية القسوة مع منال التي لم تفتأ تردد لي دائما أبدا أنني أرق قلب ، وأعذب لسان !!


إن وضعنا معا في المقارنة الآن يجعلني أعترف أنني لم أكن أستحقها .. ولكنها هي كانت عبقرية في عطائها وعاطفتها .. مذهلة في تفانيها وتضحيتها ..


ورغم هذا الاعتراف الذي أسجله في سطوري إليك الآن ، إلا أنني كنت أمامها دائما أتمادى !!


تخيل يا صديقي أنني كنت دائما أشاكسها قائلا :


- حبي لك يا منال أكبر من حبك لي ..



وكان لا يضايقها شيء في الدنيا مثلما تضايقها هذه العبارة ، فكانت تثور وتصخب وتصيح :


- بل حبي لك أكبر من حبك لي .. ولا تنطق كلمة بعد ذلك ، لأن هذه هي الحقيقة التي قد لا تعلمها أنت وإنما يعلمها الله ..



والحقيقة التي أدركتها متأخرا أن حبي لها لم يكن يساوي معشار حبها لي ..



كنت كثيرا ( أدندن ) وهي جالسة معي :


حد فينا كان في حبه أناني


حد فينا مرة باع التاني


مين اللي ضيع في الهوى عمره


مين اللي حير في القلوب أمره


مين اللي فينا ما يستهلش التاني


وهي تصرخ بصخب :


- أرجوك يا ماد أنا لا أحب هذه الأغنية بالذات ..



بينما كانت منال تحب أن تسمع مني أغنية معينة لـ (إيمان البحر درويش ) تقول :


الخط ده خطي


والكلمة دي لية


شط الزتون شطي


والأرض عربية


نسايمها أنفاسي


وترابها من ناسي


وإن كنت أنا ناسي


محاتنسنيش هي



خاصة المقطع الذي يقول :


دين الوفا ديني


زي الصلاة والصوم


يحرم على عيني


يحرم عليها النوم


والدين في عرف الحر


قهر ومهانة وذل



وكانت تعتبر تقليدي لإيمان فيها متقن إلى حد كبير !!


لكن أغنية ( حد فينا ) على وجه الخصوص ، لم تكن منال تحبها ، وكنت أنا أثير غيظها وحنقها بها ، وأنا أقول لها :


- حبي لك أكبر من حبك لي .. أنا دائما أشتريك بحبي ولو كنت حاضن دموع لوعتي ، وشوقي .. وأنت تبيعين حبي ..



- وكانت تصيح : غدا تعلم من الذي يحب حبيبه أكثر من الآخر .. من الذي يستعذب تعذيب حبيبه المحب له ..


وكنا نتشاكس .. ربما جرت خلفي في الغرفة ، وأحيانا في الشقة كلها ، حتى تدركني وتجذب أذني ، أو تقذفني بالوسائد ، وربما خاصمتني .. خصام لا يزيد عن بضع دقائق حتى أعتذر لها قائلا :



- إذن دعينا نتفق أن مقدار حبنا متساوي



- وكانت أيضا ترفض صاخبة : لا يا روحي هذه قسمة ضيزى ، فحبي لك يفوق حبك لي مئات المرات ..



والآن يا صديقي إني أعترف أنها كانت صادقة .. والآن أهديها كلمات هذه الأغنية مرة أخرى .. لأقول إنها هي التي كانت حاضنة دموعها ، وإنها هي التي كانت مضحية من أجل الحب ، وإنني أنا الذي كنت دائما أجرحها ، ودائما أعذبها باسم الحب !!



أرجوك يا صديقي ألا تستغل لحظة ضعفي ودموعي واعترافاتي الخطيرة فتصب اللعنات على رأسي ، وتصفني بما ليس في بسبب سطوتي في الحب .. والحقيقة أنني عندما وافقت لمنال على السفر لزيارة أهلها ، قد كنت وافقت على نزع روحي من جسدي ..


إنني كنت بمثابة المقدم على عملية فدائية استشهادية ..


كنت أشعر أنني مجرد أن تتركني منال ، سأموت حتما ..


فأرجو أيضا أن تلتمس لي الأعذار ، وإن حنقت في نفسك علي بسبب اعترافاتي لك .. لقد كانت منال لي بمثابة الروح للجسد ، فهل يفرط أحد في روحه التي يحيا بها ؟


لقد شعرت أنني أموت كلما اقترب موعد الرحيل ، أما هي فقد فارقت الابتسامة محياها الجميل كأنها مقبلة على الموت !!


ولا تعجب .. نعم لقد كان السفر هو اختيارها ، لكنه كان اختيار المضطر ، وقرار الذي لا يملك من أمره قرارا سواه ..


كنت ادخل عليها الغرفة خلسة ، فأجد دموعها تسيل أنهارا على خديها .. وكنت أعرف أنها تبكي الفراق ..



وكان لابد لهذا الموقف الذي يذيب القلوب أن ينتهي .. كان يجب أن تخرج الروح من الجسد على وعد أن تعود إليه عاجلا ..


ولقد سافرت منال إلى أهلها ..



19 - 3 - الرحلة الأخيرة



ولقد سافرت منال إلى أهلها ..


ولقد كان موعد ميلادها .. ميلادنا الثالث عشر معا قد اقترب ، وأقسمت عليها ألا تدعه يمر دون أن تكون قد عادت لنحتفل به سويا جنبا إلى جنب كالمعتاد .. لكن ظروف الحجز وشركات السياحة والسفر أخرتها رغما عنها بضعة أيام ..


وكان هذا الفراق الثاني منذ التقت أرواحنا من ثلاث عشرة سنة ، وكانت قسوته رغم أنه لم يتجاوز مدة ستة وعشرين يوما ، كانت قسوته على الحبيبين المراهقين الوالهين ، لا يمكن تقديرها ولا وصفها !!


وكما أطلعتك على نموذج من رسائلنا في فراقنا الأول ، فإني أطلعك على رسالتي إليها في يوم ميلادها ، ميلاد حبنا الأبدي .. وأترك لك الحكم ، لتجيب على السؤال :


هل مرور الزمن ، وطول العشرة ، وقرب الحبيب من حبيبه يطفئ بالضرورة لهيب الحب ونيرانه ، أم يزيد نوره توهجا وسطوعا ؟


لم تكن رسالتي إليها من ذلك النوع الأول الطويل الذي يملأ الصفحات ، وإنما كانت رسالة محمول ( موبايل ) ، وأنها ولابد أن تكون قصيرة كل القصر ، مختصرة كل الاختصار ، فهل تراها تؤدي الغرض ؟


" أراد الله تعالى أن يكون هذا هو يوم مولدك


فاخترته ليكون يوم مولدنا معا


مولد حبنا


مولد أسرتنا الحبيبة


كل كلمة حب نطقتها عيوننا ، وترجمتها ألسنتنا ، عبر 13 سنة ..


أجمعها باقة حب


وردية اللون


يسمينية الشذا


أهديها لك ، مع عدد قبلات حياتنا .. وأغنية ( وحشتيني )


وأقول حتوحشيني إزاي وصورتك نني في عيوني .."


وجاءني ردها .. كان ردا رائعا ..


I need you very much .. I need your heart .. I need your eyes . I need your lips .. I need may psyche .. I need all you


عادت منال .. ولقد فرمها الفراق فرما .. فنحف جسمها ، ونقص وزنها ، بشكل لافت ..


لكنها مع ذلك عادت عروسا تزف إلى حبيبها لأول مرة ..



اعترفت لي بعد عودتها قائلة :


- لو خيرت بين حياتي نفسها وبين أن أفارقك يوما واحدا بعد ذلك ، لاخترت ألا أفارقك .. أنت روحي .. اليوم فقط يا عمدتي ، ردت إلي الروح .. اليوم فقط أحيا .. أما الأيام الرهيبة السابقة ، فكنت جسدا يتحرك بلا روح ، ولا عقل ولا قلب ..



أما أنا فقد هدني الفراق ، وأدركت أنني لا يمكنني بحال ، الحياة بدون منال ، وقررت أن أخفف من سطوة الحب ، وأن أشعرها بدفء الحب لا لفحات نيرانه ..



- قلت لها مداعبا في بشر : لو أني أدركت أن هذه الإجازة الزوجية ستعيدك إلي عروسا كاملة ، كيوم زفافنا الأول ، لعجلت بها منذ زمن ..



- قالت بحب ، وهي تملأ عينيها من قسمات وجهي : ليست الإجازة الزوجية هي التي فعلت بي ذلك .. إن روحي التي ردت إلي برجوعي إليك ، هي التي جعلتني عروسا .. عروساً ليست كزفافنا الأول ، بل كليلة عقد زواجنا .. أتذكر ؟


- قلت في حبور وببطء شديد : منال .. أحبك .. جدا .. جدا .. جدا ..



- جذبت أذني في رقة وهي تقول : يا شقي كف عن الكلام معي في نفس اللحظة ..



- قلت مشاغبا : لم نتكلم معا في نفس اللحظة .. أنت قلت ( عماد ) ، بينما أنا قلت ( منال ) ..



- قالت ضاحكة : عماد حبيبي .. أنا أحبك أكثر من روحي ، والله تعالى شهيد على ذلك .. لقد تعبت بدونك .. لم أعرف طعماً ولا لوناً ولا صفة لأي شيء ، وأنا أفتقدك .. حبيبي عماد .. أنا أعرف كم تحبني ، ولكني أخشى عليك يا حبيب قلبي من مقدار حبك لي .. أحبب حبيبك هونا ما ..



- رفعت يدي محتجا ، وأنا أصيح : بالله عليك لا تقولي ذلك ، فإنك لست حبيبتي ، وإنما أنت نفسي التي بين جنبي ..



- قالت في احتجاج عذب : أنا أصر على أن تخفف من حبك لي ، وتعلقك بي .. أخشى عليك يا ماد ، من فتنتي .. أنا أريدك يا حبيبي أن تتزوج ..



يا لهول هذه الكلمة ويا لقسوتها !!



- صرخت في غضب : لماذا تقولين ذلك ؟ وأنت تعرفين مدى مقتي لهذه الفكرة



- قالت في إشفاق : أشعر أنني لا أملأ كل فراغ مشاعرك .. أخاف أن أموت قبلك .. أخشى عليك يا ( ماد )



- قلت مستفهما : وإذا أنا مت قبلك ؟



- تضع أناملها الرقيقة فوق شفتي وهي تنهرني بجزع : حرام عليك .. لا تقل هذا الكلام .. إنه يفزعني .. فلا حياة لي بدونك ..



- إذن نموت معا ..



- قالت بيقين : ليست الأعمار بأيدينا يا عماد .. وأنا أريدك أن تتزوج ..



- نهرتها قائلا : مرة أخرى تعودين لهذا الأمر يا ( نولتي ) ؟!



- قالت في إصرار : قلت لك إنني أخشى عليك ..



- قلت مداعبا : أنا موافق ولكن لي شرطاً واحداً .. أن تكون العروس اسمها ( منال نور الدين ) .. هاتي لي عروسا بنفس صفاتك يا منة .. أريدها صورة طبق الأصل منك ..



- قالت في جدية : توجد كثيرات أفضل مني .. ألم يكفك تعذيبي لك طوال فترة حبنا .. أتريد أن تربط نفسك بي مرة أخرى؟



- حبيبتي منال ، كفي عن هذا الحديث المفزع ، وإلا غضبت منك غضبا حقيقيا .. أنا لا أريد من هي أفضل منك .. أنا لا أريد سوى أنت .. أنت فقط .. منة .. ( منة شو ) ، هيا صالحيني ، فلقد أثرت غضبي وحنقي بسبب حديثك هذا الحزين الدامع في وقت السعادة والفرح ..



- قالت بمرح : آه .. يا شقي ، بماذا أصالحك ؟



- قلت بخبث : غني لي ..



- ماذا أغني لك ؟ .. اغني لك


أصالحك بإيه ؟؟



- لا ، ولكن ، غني لي ( يا طبطب )



- آه من طبطب التي أذهبت عقلك ..



- قلت بصدق : إنها لا تذهب عقلي إلا إذا سمعتها منك أنت .. أتدرين يا منة .. إني أحبها من فمك ، لأنها تمثل حيرتك وتعبك معي ..



- ضحكت وهي تقول : حاضر يا سيدي :


وانطلق صوتها العذب الجميل المرح :



يا طبطب وأدلع يا يقول أنا اتغيرت عليه


أنا أتعب ، أولع بس المهم إزاي أرضيه



وتتعالى ضحكاتنا ، وأنا أطلب منها تكرار المقطع ، ولم تكن تحفظ غيره ، فنحن لم نستمع إلى الأغنية ، وإنما استمعنا إلى الإعلان عنها بين شوطي مباريات كرة القدم ، التي أدمنت منال مشاهدتها معي .. بالطبع يا صاحبي ألسنا أصدقاء !!



19 - 4 - الرحلة الأخيرة



وكان وصول منال من مصر قبل بداية العام الدراسي بيومين ، وبعد بداية السنة الدراسية بفترة وجيزة ، اتصلت بمنال إحدى صديقاتها عارضة عليها أن أقوم أنا بإيصال فتاة طالبة في الثانوية العامة يوميا إلى دروسها الخصوصية ، مقابل مبلغ من المال ، وكان هذا عرضا جيدا في فترة كنا نحاول أن نلملم أمورنا المالية ، حتى نقضي على الديون المتراكمة ..


ولم أكن بالطبع سأصحب فتاة الثانوية العامة لتوصيلها من وإلى دروسها بمفردي ، كان لابد أن أصحب معي منال ، ولقد تحولت حبيبتي إلى مساعد سائق ..


كنا بالكاد نتناول طعام الإفطار ، وقد كنا في شهر رمضان ، حتى يدق هاتف منال المحمول ، مؤذنا بموعد نزولنا لاصطحاب الفتاة إلى درسها ، ثم نعود ، لأركن السيارة ، ثم نصطحب الأبناء ، ونسرع إلى الحرم سيرا على الأقدام مسافة لا تقل عن كيلو ونصف الكيلو متر .. لنلحق بصلاة العشاء والقيام ، ثم نعود من الحرم مسرعين ، لنلحق بموعد انتهاء درس فتاتنا ..


وكانت منال تداعبني ونحن بمفردنا في السيارة قائلة :



- لقد حقق الله تعالى كل أمنياتك



- طبعا حبيبتي ما دمت أنت معي يا روحي .. فأنت كل أمنياتي في هذه الحياة ..



- يا ولد يا شقي ، أنا لا أقصد ذلك .. أنا أقصد أنك كنت تتمنى أن تعمل سائق أجرة ، والله تعالى حقق أمنيتك ..



- هل أنت سعيدة لأنني أصبحت سائق أجرة ؟



- طبعا يا حبي طالما أن هذه كانت بعض أحلامك .. أتدري يا ماد ؟ أنا لا يهمني أن تعمل أي عمل مهما كان طالما أنه عمل شريف ، وطالما أنه يبقينا بجوار بعضنا البعض ، ويحفظ علينا كرامتنا ..



- ضحكت لها وأنا أقول مداعبا : ومبروك عليك يا حياتي



- بارك الله فيك ولكن على ماذا ؟



- أنك أصبحت مساعد سائق أجرة ..



- ضحكت منال وهي تقول : أنا أقبل أن أكون معك مساعدة في أي شيء .. وكل شيء ..



- قلت لها في ود : أتذكرين يا حياتي ، عندما كنت تأتين معي وتنتظرين في السيارة حتى أصلح أجهزة الكمبيوتر في الفنادق المتعاقد معها .. وكنت أحيانا تنتظرين عدة ساعات ؟..



- نعم أذكر يا حبي ..



- قلت بحنو : لكم عذبتك معي يا منال ..



- قالت بصدق : طالما أنا بجوارك يا حبي ، فأنا بخير .. ولقد كانت أياما جميلة .. كنت أستطيع في هذه الساعات التي تتركني فيها أنتظرك ، أحفظ من القرآن ما لا أحفظه في سواها ..



كانت عيوننا تتبادل النظرات ثم تتبادل الابتسامات ، ثم تتبادل القبلات .. وكان يحلو لي كثيرا أن أغازل حبيبتي ونحن داخل السيارة ، كعاشقين مراهقين ، وإن كانت أعمارنا تقترب من الأربعين ، وعشرتنا تجاوزت ثلاثة عشر عاما !!



حتى تطرق منال إلى الأرض قائلة : لا تحرجني أكثر من ذلك بعينيك يا ماد .. نحن في الشارع ..


.


.


الحلقة القادمه طويله شوية لانها الحلقة الاخيره 20- منال لن تموت


ان شاء الله

Princess Amira
19-05-2010, 04:56 AM
:icon1366:
منتظراها يا شوشو،، انا هعيّط قبل ما :icon1366:أقرأها

semeramis
24-05-2010, 11:03 PM
20 - 1 - منال لن تموت


يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ... ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز ) ( الحج- 73-74

مازلت أذكر ذلك جيدا فقد كان يوم الجمعة آخر يوم من شهر شعبان ، وكان قد مر على عودة منال إلى الأحضان الدافئة أسبوعان بالتمام والكمال ..
وقد استيقظت منال صباحا تشكو من ألم شديد في ضلوعها ، وطلبت مني أن أدلكها ، ولقد كنت ضعيفا جدا في هذا الجانب ، ولكني أخذت احتضنها ظنا أنها إنما تشكو من نزلة برد في الضلوع ، وكنت وأنا على هذه الحال أتذكر مواقفها معي في المرض ، ولقد كنت كثير الأمراض ..
وقد ابتليت بأمراض في الكلى ، وفي القولون ، بالإضافة إلى ارتفاع ضغط الدم ، وكانت كلها أمراض مزمنة ، ولها نوبات حادة تصيبني وتشتد بي حتى أظن أنني على وشك توديع الحياة ، وكانت منال أثناء ذلك تنفخ من روحها في روحي ، وتكون لي نعم الطبيبة والممرضة والعون في ذات الوقت ، فتغمرني بحنان يفوق حنانها المعتاد ، وموجات حب تغرق فيها كافة أوجاعي .. حتى كنت أحيانا أحب المرض لما أرى منها من رقة وتدليل فيه !!!
أما أنا فلم أكن معتادا منها على التوجع والألم ، فقد كانت دائما مثل الجبل الصامد في قوة تحملها ، ولم أكن أقدم لها سوى بعض المساعدات المنزلية في فترات الحمل والوضع ، وكانت هذه هي مساهمتي معها في فترات التعب ..
لكنني ومع شدة ألم منال هذه المرة ، اكتفيت بصلاة الجمعة بجوار المنزل ولم أذهب للحرم كالمعتاد ، وأحضرت معي كريم للتدليك ، وقد حاولت التخفيف من آلام حبيبة قلبي ، وقد أخذت تعزي هي هذا الألم إلى نزلة برد ، من جراء برودة المكيف العالية في الحافلة في رحلة العودة من مصر ، رغم مرور أسبوعين كاملين على عودتها !!
وحاولت منال جاهدة كعادتها أن تتنصل من الذهاب إلى الطبيبة ، باعتبارها نزلة برد عارضة ، ولست أدري لم ألححت عليها بشدة لتذهب للطبيبة ؟ وأخيرا استجابت تحت إلحاح شديد ، فما كان أشد احتمالها للألم ، وما كان أقل لجوئها للطبيب ، واستخدامها للأدوية والعقاقير !!
وأخيرا استجابت منال وذهبت لزيارة الطبيبة ، التي أكدت لها أن الأمر لا يعدو نزلة برد ، ووصفت لها دواء بسيطا ، مع التوصية بالتدفئة المناسبة ..

وبدأ شهر رمضان المبارك ، وشرعت منال في الصيام والقيام ، وكانت بالإضافة إلى عملها معي في ليالي رمضان كمساعد سائق لطالبة الثانوية العامة ، فإنه كان لها عمل صباحي آخر ، فكانت تذهب عند شروق الشمس ، إلى مسجد يبعد عن بيتنا مسافة أكثر من كيلو متر لتحفيظ النساء القرآن الكريم ، حيث اشتهرت بين نساء هذا المسجد بمحفظة القرآن المحتسبة ..
ثم تعود من المسجد لتوقظني والأبناء لأصطحبهم إلى المدارس ، ومن ثم الذهاب إلى عملي ، ثم العودة في نهاية الدوام مصطحبا الأبناء ، لتكون هي قد بدأت في تجهيز طعام الإفطار ..
ثم تبدأ رحلتنا الليلية عقب الإفطار مباشرة بإيصال فتاة الثانوية إلى دروسها ، ومن ثم صلاة القيام بالحرم ، ثم العودة بالفتاة من دروسها ..
وهكذا يوميا .. ومعنى ذلك أننا كنا نقطع المسافة إلى الحرم كل ليلة مشيا على الأقدام بما يعادل كيلو وخمسمائة متر في الذهاب ومثلها في العودة من وإلى الحرم ..
حتى انقضى الأسبوع الأول من رمضان ، وفي نهايته اشتكت منال من تقلصات في جانبها ، وأصررت أيضا دون أن أدري مصدر هذا الإصرار ، على اصطحابها إلى طبيب غير الطبيبة الأولى ، وبعد الفحص ثم التحليلات اللازمة ، قرر الطبيب أنها نسبة أملاح زائدة في الكلى ، وأنها تحتاج إلى علاج بسيط ..
ولقد مضى أسبوع آخر ، وبرنامجنا الرمضاني المزدحم ، خاصة جدول منال الممتلئ عن آخره بالأعمال والأعباء .. يسير على ما يرام ، حتى بدأت منال تشتكي بآلام بسيطة في معدتها تفاجئها وقت النوم فقط ، ولقد حاولت معها فبدأت تتردد على أكثر من طبيبة وطبيب حتى وصل عدد الذين فحصوها طبيا سبعة أطباء وطبيبات ! وكانت حالتها تتحسن حينا ، وتتدهور أحيانا .. لكن هذا لم يؤثر على برنامجها العملي الصعب على أي إنسان في قمة الصحة والعافية !!

ومع بداية الأسبوع الثالث من شهر رمضان ، بدأت منال تشعر بالقيء المتكرر مع كل وجبة إفطار وسحور ، ورغم ذلك فهي لم تفكر في الفطر يوما واحدا في نهار رمضان ، ولا حتى في التأخر عن القيام في المسجد الحرام ليلة واحدة .. ولا التنصل من أداء واجباتها الأسرية والزوجية لحظة واحدة !!
وإني لأتذكر يوم العشرين من رمضان حيث بداية العشر الأواخر من الشهر الفضيل ..
قبلتني منولتي على خدي قبل النزول من المنزل إلى صلاة القيام وهي تقول باسمة :

- كل سنة وأنت طيب يا حبيبي .. الليلة ليلة واحد وعشرين يا روحي ، فلا تنسَ أننا نوينا شد المئزر .. وضحكت

- فقلت في حبور ووقار : كل اعتكاف وأنت طيبة يا روحي ..

- اتسعت ضحكتها وهي تقول : موعدنا في العيد يا حبيبي ..

- إن شاء الله يا حبيبتي ..

وبدأنا في شد المئزر .. ويبدو أن شدنا له سيطول ، ويبدو أن عيدنا لن يكون في جنة الأرض !!

20 - 2 - منال لن تموت

ربما نسيت أن أذكر لك أنني منذ عدة أيام ، وفي المرة الوحيدة التي خرجت فيها بالسيارة بدون منال ، لانشغالها بإعداد الإفطار ، أصابني حادث بسيط تسبب في إلحاق بعض الأضرار بالسيارة ، فأدخلتها ورشة للصيانة والإصلاح .. ألم أقل لك أن منال هي عيناي اللتان أرى بهما ؟
ولذا فقد كنت أذهب إلى عملي فيما تلا تلك الحادثة من أيام مستخدما سيارات الأجرة ، وفي نفس هذا الصباح العشرين من رمضان كنت متوجها إلى العمل ، و أدار السائق الشاب مسجل سيارته على نشيد خليجي جميل كان بعنوان :
زوجتي
أحبك مثلما أنت أحبك كيفما كنت
ومهما كان مهما سار أنت حبيبتي أنت
زوجتي أنت حبيبتي أنت
حلالي أنت لا أخشى عزولا لومه مقتي
قد أذن الزمان لنا بوصل غير منبت
سقيت الحب في قلبي بحسن الفعل والسمت
يغيب السعد إن غبت ويصفو العيش إن جئت
نهاري كادح حتى إذا ما عدت للبيت
لقيتك فانجلى عني ضنايّ إذا تبسمت
تضيق بي الحياة إذا بها يوما تبرمت
فأسعى جاهدا حتى أحقق ما تمنيت
هناي أنت فلتهنيّ بدفء الحب ما عشت
فرواحنا قد ائتلفا كمثل الأرض والنبت
فيا أملي ويا سكني ويا أنسي وملهمتي
يطيب العيش مهما ضاقت الأيام إن طبت

كانت كلمات النشيد جميلة ومعبرة ، حتى أنني عندما دخلت على الإنترنت ، بحثت عن هذا النشيد إلى أن وجدته ثم حفظته على جهاز الكمبيوتر ، ثم أخذت منه نسخة وأسمعته لمنال بعد الإفطار في نفس هذا اليوم ، وقبل نزولنا لصلاة القيام .. وأعجبت منال بكلمات الأنشودة ، كما رأت تأثري بها فطلبت مني طلبا لم تطلبه مني في حياتها من قبل ، ولا أنا فكرت أن أطلبه منها كذلك ..
لقد قالت لي :
- ألا تريد أن تراقصني على لحن هذه الأنشودة !

نظرت إليها مبهوتا برهة : ثم أومأت برأسي مستحسنا الفكرة ، وكان الأولاد قد سبقونا إلى هبوط الدرج في انتظار لحاقنا بهم .. ثم تقدمت منال مني ومدت ذراعيها إلى ذراعي ، وكنت أنا مازلت جالسا أمام شاشة الكمبيوتر , ولكني استحييت ، فأنا لم أرقص في حياتي ، ولا أعرف كيف يكون الرقص ، حتى ولو كان ذلك مع زوجتي حبيبتي رفيقة عمري .. وظلت تستحثني وأنا يغلبني الخجل ..
وأخيرا قلت لها :
- لا أستطيع .. على الأقل ليس في رمضان .. ربما في العيد أحاول ذلك إن شاء الله ..
ثم نزلنا معا إلى الحرم ..

لقد تلا هذه الليلة ليال عصيبة على منال ، لكنها كانت تحتمل ..
حتى اشتد عليها الألم بشكل لم يعد في استطاعة بشر أن يحتمله ، وعند ذلك كان لابد من الذهاب إلى المستشفى (النور التخصصي) ، وهو واحد من أفضل مستشفيات مكة المكرمة ، بعدما انقطعت بنا السبل مع الأطباء والإخصائيين ..
وكان اليوم الذي تم حجز منال في المستشفى ، هو أول يوم اضطرت فيه للفطر اضطرارا ، حيث ركبوا لها المحاليل المغذية والعلاجية في أول لحظة لدخولها المستشفى ، وقد كان ذلك في نهار الخامس والعشرين من رمضان ..

وفجأة وجدنا أنفسنا كأسرة حبيبة متماسكة عاشقة ، وجدنا أنفسنا بلا وتد الخيمة وعامود البيت ، وبهجة الحياة ، وأمل الدنيا ..
وخيم الصمت على البيت ، فمن ذا الذي يقيم له صوتاً ، أو يثير فيه الضحكات والابتسامات ، ويشيع فيه جو المرح والسعادة والحنان والدفء ؟؟؟

لكن ( الكونسلتو ) المتخصص في مختلف التخصصات الطبية والمكون من استشاريين من عدة جنسيات عربية وأسيوية .. لم يستطيعوا تشخيص الحالة !!!
وكنا مازلنا نأمل ونرجو ..
وأخيرا وقبل العيد بيوم واحد ، وصل الأطباء إلى تشخيص ، أو بالأحرى تمكنوا من الوصول إلى اشتباه في تشخيص ..
لقد نقلنا هذا الاشتباه ، أو هذا الاحتمال القوي إلى دوامة كبرى ..
كان قرار الأطباء : أن روح الروح وريحانة القلب ، وأمل الدنيا ، ونور العين ، وتوأم الجسد ، مصابة بأورام خبيثة ، وأن موقع الورم في غاية الخطورة .. وأنه لا أمل طبي ولا علمي في العلاج !!!

لكن الدنيا لم تسود في عيني .. كنت أملك الأمل ، وكنت أتحدى ! ولئن بالغت تحذيرات بعض الأطباء من المشفقين من المضي في أي رحلة علاجية ، باعتباره جهدا ضائعا ، وتكلفة مادية باهظة لا طائل من ورائها ، وأن علي أن أرفع راية التسليم واليقين ..
فما كنت يا صديقي بعد أن عذبت منولتي معي كل هذه الأعوام ، فسجنتها في سجن الحب ، وأسرتها باسم الحب ، وسيطرت عليها وعلى مقدرات حياتها باسم الحب ، أن أستسلم ، أو أنهزم ..
كان لابد أن أمضي لا إلى آخر ( هللة ) يمكنني الحصول عليها ، ولكن إلى آخر قطرة من دمي ، إلى آخر دقة من دقات قلبي، إن أمكن لهذه الدقة أن تستنقذها فأكون مكانها ..
لقد كنت أدرك أنها أحق مني بالحياة ، ولم يكن هذا محض اعتراض على الإرادة العليا ، أو القدر الغالب ، أو المشيئة التي لا ترد ولا تتبدل ..
ولكن حساب العقل والمنطق الدنيوي البسيط .. يقضي بأن ذا النفع يبقى ، وأن الزبد من أمثالي يمضون ..
لقد كانت ( منة ) هي الأنفع لهذا العالم بعطائها غير المحدود وروحها غير المسبوقة ..

ولئن كانت منال قد كتب عليها الإفطار الإجباري في نهار رمضان في أيامه الأخيرة ، فإنه كان قد قدر عليها في ذات اللحظة أيضا ألا تتذوق زادا من فمها ، ولو كان قليلا بسيطا ، ولو كانت شربة ماء !! فأصبحت منال في صيام دائم ، وأصبحت كل تغذيتها عن طريق الأوردة بواسطة المحاليل المختلفة .. لكن روحها لم تتحطم ، ونفسها لم تستسلم .. كانت تتحدى المرض ..
كانت الزيارة في المستشفى التخصصي محددة الساعات ، محكمة الإجراءات ، وكنت أقضي معها وقتا قصيرا ، لكنها كانت ثابتة كالجبل الأشم .. متمسكة بالأمل في سعة رحمة الله ، حتى كنا نناقش أدق تفاصيل شؤوننا وهي على فراش المرض الفتاك ..
كانت منال وهي على فراش مرضها ، العقل الذي يدبر شؤون المنزل والأبناء والأسرة ..
وكانت في كل زيارة تسألني عن طعامهم وشرابهم ، وتذكرني أين أجد ملابسهم وأغطيتهم ، وترتب مع بعض الجارات والصديقات ، أمر ذهاب الأبناء إلى المدرسة ، وتوزع الأدوار والواجبات في منتهى الروعة والاقتدار ..

كان جسد منال يحتضر ، لكن روحها كانت تسمو وترتفع ..
.

20 - 3 - منال لن تموت

إن من أطرف المواقف في فترة إقامتها في مستشفى النور ، أنها كانت تجيد اللغة الإنجليزية ، وكانت تطور مستواها فيها وهي تقوم بتدريسها للطلاب الصغار ، لكنها في فترة بقائها في المستشفى وكان طاقم التمريض بالكامل تقريبا من الفتيات الشرق أسيويات عدا مصرية واحدة ، وكانت الفتيات لا تتحدثن إلا الإنجليزية تقريبا ، وبعض الكلمات العربية بشكل ركيك ..
استغلت منال فترة وجودها معهن للتحدث إليهن بالإنجليزية فقط ، وتنمية ثروتها اللغوية بشكل عجيب ، وكانت سعيدة كل السعادة بذلك ..
كنت عندما أزورها تبشرني قائلة :

- أفضل ما خرجت به من فترة بقائي في المستشفى هنا يا حبيبي شيئان ، مراجعتي القرآن الكريم بمتابعة فضائية المجد ، فهي تعمل لمدة أربع وعشرين ساعة متواصلة في الغرفة ، والأمر الآخر أنني نميت ثروتي في اللغة الإنجليزية بالحديث مع الفتيات ، خاصة رشيدة ، وهدى !!

- أنت عظيمة جدا يا منال .. أنت عظيمة جدا .. وغدا يا حبيبتي إن شاء الله عندما تخرجين من هنا بسلامة الله ، سوف تأتين لزيارة رشيدة وهدى ، وغيرهن ، والأخت المصرية الطويلة هذه ، ما اسمها ؟

- السيدة علا .. أدعو لها يا عماد إن أباها قد أصيب في حادث ليلة أمس وحالته صعبة ، وهي تترقب الاتصالات من مصر بفارغ الصبر ..

- حاضر يا حبيبتي سأدعو لوالدها بالشفاء .. كما أدعو لك يا روحي ..

- ما أخبار الأولاد يا عماد ؟

- بخير والحمد لله ، وكلهم يدعون لك بالخير والشفاء ، وإن شاء الله سيستجيب الله تعالى لدعائهم ، وتخرجين لهم عاجلا بإذنه وفضله ..

فتربط على يدي برقة وتبتسم لي ، وهي تتفرس في وجهي ثم تنادي :

- عماد ..

- نعم يا حبيبتي ؟

- ما بك يا حبيبي ؟ .. إن وجهك مرهق .. أشعر أنك قد نحفت .. ألا تأكل جيدا يا حبي ..


- بالعكس يا روحي أنا بخير ..

- عماد .. انتبه لنفسك جيدا ، وانتبه للأولاد يا حبيبي ..

- لا توصيني بهم يا نولتي ..

- أعرف .. أعرف يا عماد أنك لن تحتاج وصية ، لكنك تحتاج وصية للانتباه لنفسك .. أنت روحي وحياتي ، وأنت تقوم بكل العمل الآن .. تحضر دوامك ، وتهتم بشؤون الأولاد ، وتتابع حالتي ليل نهار .. المجهود كبير جدا عليك يا حبيبي .. أعرف انه مجهود شاق ، سامحني يا عماد ، لقد سببت لك المتاعب ..

- أضع كفي على شفتيها برقة ، فتخطف قبلة حانية عليها ، وأنا أقول لها : لا تقولي شيئا يا منال .. لو أستطيع أن أتقاسم معك الألم لدعوت الله أن أتقاسمه معك ..

- لا يا عماد .. ربنا يعافيك .. يجب أن يبقى أحدنا لينتبه للأولاد ..

- أربت كفيها وأنا ممسك بهما معا ، وأقول مخلصا : سنبقى معا .. سنبقى لهم معا يا (منولة ) .. أتذكرين يا حياتي ؟ ألم نتعاهد على الموت معا ..

- ومن يبقي لأبنائنا يا عماد ؟

- نبقى معا حتى نتم تربيتهم ثم يرزقنا الله الشهادة معا ..

- عماد حبيبي .. إذا قدر الله أجلي قبلك ، أرجوك يا عماد أن تصمد ، أنت مشروعي يا عماد .. يجب أن تتماسك .. أن تستمر الحياة .. عاهدني يا عماد .. عاهدني ..

- أعاهدك بماذا يا روحي ؟

- عاهدني على أن تستمر بعدي يا عماد ، أن تحافظ على مشروعي .. لو كنت صدقا تحبني ، فاحرص على مشروعي ، على حلمي الذي عشت حياتي أحلم به .. أنت حلمي يا عماد .. لا تنسَ الليالي الطوال التي سهرناها سويا لنقدم للناس شيئا .. لا تتخلَ عني يا عماد

- نظرت إليها دهشا : وأنا أقول مستنكرا : أنا أتخلى عنك يا حياتي !!!

وهنا يدق جرس المستشفى معلنا انقضاء زمن الزيارة .. ثم تردف منال بعد لحظة انتظار :

- لا أقصد يا حبيبي ، وإنما قصدي أنك لو تخليت عن مشروعنا معا ، وعن عملنا معا فإنك بذلك تكون قد تخليت عني يا عماد ..

- أعاهدك يا منولتي .. حاضر .. أنا تحت أمرك .. أأمري يا روح قلبي .. أمرك نافذ ..

- بل أنت ستظل تأمرني حتى آخر لحظة في عمري .. يا عمري ..

- كفي عن الحديث معي في نفس اللحظة ..

تتسع ابتسامتنا دون أن تتحول إلى ضحكة ، وتتلمس منال كفي وترفعها إلى شفتيها ، بينما أنكب أنا على رأسها وأنا أهمس لها :

- استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه .. استودعت الله دينك وأمانتك ، وخواتيم عملك ..

وهنا تدخل ضابطة الأمن مؤكدة على انتهاء زمن الزيارة ووجوب خروج الرجال من غرف النساء .. وتكمل منال :

- حفظك الله لنا في الدنيا والآخرة ..

- منال .. لا إله إلا الله

- محمد رسول الله يا عماد

أقول وأنا أتحرك إلى باب الغرفة :
- لا تنسِ المحمول .. دعيه مفتوحا سأتصل بك كل فترة .. لن أبدأ بالاتصال .. عندما تستيقظين من النوم رني علي رنة ، وأنا أتصل بك .. تومئ لي برأسها وأنصرف وأترك قلبي أمانة بين ضلوعها ..

كنت أمضي في طرقات مكة المكرمة .. الطرقات الحبيبة التي طالما شهدت نزهاتنا معا كل ليلة تقريبا .. أمضي فيها أبكي ما شاء الله لي أن أبكي ، ثم أستجمع قوتي ، وأذهب إلى الأبناء وكأن شيئا لم يكن .. محاولا أن أتلمس من روح أمهم نورا يضيء لهم الطريق ..

وأخيرا استدعاني الأطباء ليصارحوني بحقيقة الوضع ..
.
.
20 - 4 - منال لن تموت

وأخيرا استدعاني الأطباء ليصارحوني بحقيقة الوضع .. كانت منال تحتاج إلى جراحة عاجلة ، وكانت الجراحة في غاية الخطورة ، بحيث بدت مغامرة طبية غير مأمونة العواقب ، علما بأنها جراحة تلطيفية ، وليست جراحة علاجية ، فهي ليست للعلاج ، وإنما لتخفيف الألم ، واستكشاف مدى انتشار الورم في تجويف بطن المسكينة المبتلاة ..

وأشار علي الأطباء مشددين على أن فرص إجراء هذه الجراحة في مصر أفضل ، نظرا لانتشار هذا المرض بصورة كبيرة في مصر .. نسأل الله معافاة البشرية منه ، والمن عليها باكتشاف العلاج الشافي ..

ولم أكن أملك أمام إصرار مجموع الأطباء على أن الأمل في العلاج قد تزداد نسبته في مصر ، ولو بنسبة ضئيلة ، إلا أن أمتثل ..
وكانت منال تدرك من خلال حيرة الأطباء ، وتضارب تشخيصهم ، وتكرار الفحص ساعة بعد ساعة .. أنها لا تأخذ علاجا في المستشفى ، وأن كل ما تحصل عليه حتى الآن ، المسكنات والأغذية البديلة ، مع محاولة يائسة لتشخيص المرض ..
ولذا فقد كان تغيير الوضع بالنسبة لها يفتح بابا للأمل .. فبشرتها بأننا نسعى للسفر إلى مصر بحثا عن فرص أكبر للعلاج .. ولقد كانت تتشبث بالأمل ..

وكانت أوراقي النظامية يا صديقي كما عرفتني أنت دائما من خلال سطوري إليك ، غير جاهزة ، ولم يكن هذا عن إهمال مني ، ولكن لظروف قهرية خارجة عن إرادتي ..
ولم يكن هناك بد من الانتظار مع المحاولة اليائسة لإنهاء الإجراءات القانونية بأقصى سرعة ممكنة ..

وكانت منال كلما زرتها بعد ذلك تسألني عن أخبار السفر ، فأطمئنها .. وكنت أطمئن نفسي أنها تتشبث بأهداب الأمل ، وأن إرادة الحياة عندها ستنجو بها من هذه المحنة القاهرة ..
ولا أظنك يا صاحبي في حاجة إلى تأكيد .. أنني كنت أسابق الزمن ، وأصارع طواحين الهواء ، وأبذل أقصى من المستحيل ذاته ، لإنهاء الإجراءات شديدة التعقيد ، باهظة التكاليف ..
ولم أكن أنام ، وكيف أنام يا صديقي وروح قلبي تتألم ، وأملها كله متعلق بي .. وعلى جهودي في إنهاء الإجراءات والفرار بها إلى مصر ؟؟
كنا نسابق الزمن ، ونتذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
إنما نفر من قدر الله إلى قدر الله ..

ولقد أخلص لنا بعض المقربين النصيحة .. أخلصوها لي ، ولم يكن ثمة مجال لإشعار منال بشيء .. نصحوني ، بعدم النزول إلى مصر ، وعدم مواصلة رحلة العلاج لأنه لا علاج ..
ولكننا صمدنا أمام المحنة متمثلة في شدة البلاء ، وشدة النصيحة التي كانت تطرق مسامعي طرقا عنيفا مرا ، أمر وأعنف من طرق تشخيص المرض نفسه ..
ولما رأى الله تعالى منا الصمود والصبر والإصرار على مواصلة المشوار حتى النهاية ..
شعرنا أنه يسخر لنا كل شيء ..الأصدقاء والأقارب ، وزملاء العمل ، وحتى الإجراءات القانونية المعقدة ذاتها ، فانقضى في ظرف أسبوع واحد ما يحتاج إلى عدة شهور كاملة لإنجازه !!
وفي نهاية هذا الأسبوع كنت أنا ومنال في طريقنا إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة لنستقل الطائرة التي ستقلنا إلى القاهرة .. في صحبة ( عمو محمد ) الذي استقبل منال لأول مرة منذ سنوات في ميناء جدة الإسلامي ، وكنا نستقل معه نفس السيارة التي أقلتنا يومها نحو الزفاف !!

لقد كنا نستقل سيارة ( عمو محمد ) ، وأمامنا سيارة صديقنا ( أبو أحمد ) تحمل أبناءنا لوداعنا في المطار ..
وكانت منال تدرك أنها تغادر مكة روح الروح ، وأنها تترك خلفها فلذات أكبادها ، ولم يكن هناك وقت للتوقف أمام هذه المشاعر .. كنت أشعر أنها نفسها تسابق الزمن ، وتغالب المشاعر ، وتهزم الأحاسيس ، وتسحق العاطفة ، راجية من الله تعالى أن يكتب لها النجاة فتعود لهم ، تعود بكل قوتها سليمة معافاة ، كنت أشعر أن منال في هذه اللحظات لم تكن تلتفت خلفها أبدا ، وإنما كانت تضع نصب عينيها هدفا واحدا ثابتا لا يتزعزع ، وهو تحقيق المعافاة لتعود إلى ما تريد العودة إليه ..
كان مودعونا في مطار جدة يشعرون أنه ربما كان هذا لقاؤهم الأخير بتلك الروح العظيمة .. لكنها لم تكن لتهتم ، لقد كانت تسعى بكل كيانها وراء الأمل ..
ولا أكتمك يا سيدي أن السفر ذاته كان مغامرة أيضا .. إن الحالة الجسدية لمنال بعد أسبوعين كاملين من الصيام التام ، والاعتماد على التغذية الوريدية فقط ، كانت تهبط ..
لكننا كنا في الطائرة نعلو فوق السحاب ، واقعا وأملا ، ويقينا ..
وتبادلنا أنا ومنال النظر ، يشجع بعضنا البعض ، وتحدثنا في نفس واحد :

- أتذكر ؟

- أتذكرين ؟

- وابتسمنا .. ثم أضفنا أيضا معا :
- لقد رأينا الله تعالى في مختلف مراحل حياتنا .. رأينا عجائب قدرته ، وقد أخرجنا من كل كرب ، ونجانا من كل مهلكة محققة ، فجمع بيننا ، ولم يفرق بيننا في أحلك الظروف وأشد المحن ..

- ثم رددنا سويا قوله تعالى :
( قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، وأعلم من الله ما لا تعلمون ) يوسف86..

لطالما كررنا هذه الآية الكريمة تكرارا ومرارا ..
ولقد كنا دائما نرى معية الله ، ومع معيته كنا نخوض المهالك ، وينظر إلينا المحيطون على أننا مجانين لا محالة ، لكنا كنا على ثقة ويقين أن مع العسر دائما يسرين .. وأن مع الضيق فرجا ومخرجا ..
حتى إذا استيأسنا تماما ، أدركتنا عناية الله ..
كنا نؤمن في قرارة أنفسنا أن للعلم أن يعلن ما يشاء ، لكن هناك قوة قاهرة خارقة فوق العلم ، وفوق العلماء ، وكنا نناجيها ونحن فوق السحاب ، بين السماء والأرض ..

كانت الطائرة تحلق بنا فوق السحاب .. وآمالنا تطير بنا فوق السحاب .. ويقيننا يسمو بنا فوق السحاب ..
.
.
20 - 5 - منال لن تموت

كانت الطائرة تحلق بنا فوق السحاب .. وآمالنا تطير بنا فوق السحاب .. ويقيننا يسمو بنا فوق السحاب ..

ولقد كانت منال في نصف الرحلة الأولى في حالة معنوية عالية جدا ، أثمرت عن شعورها بحالة صحية متحسنة تماما ، حتى أنني داعبتها قائلا :
- ( منولتي ) .. إن الأهل الذين ينتظروننا الآن في مطار القاهرة ، وهم في غاية اللهفة والقلق والترقب .. سيدهشون عندما يرون هذا القمر المشرق ، وسيضربوننا .. سيضربوننا فعلا ، لما سببناه لهم من قلق قاتل ، ثم في النهاية يرون منال في صورة طيبة رائعة ..

- ولم تزد على أن ضحكت لي ..

ثم تحركت نفسها وشهيتها إلى ما قدم لنا على متن الطائرة من إفطار ، وتناولت بضع رشفات من عصير التفاح ، ولم يكد تمر دقائق على ذلك .. حتى انقلب وضع منال الصحي رأسا على عقب ، حتى استشعرت أن الخطر دان في أقرب وقت ، ولم أعد اأمن أن تصل بنا الطائرة إلى مطار القاهرة ، وهي على قيد الحياة ..
كنت أشجعها ، وأنا في حقيقة الأمر أتلمس منها التشجيع والمؤازرة ..
وأخيرا بدأت الطائرة تهبط في مطار القاهرة ، وكانت عيناي معلقتين بوجه منال .. أرقب كل خلجة من خلجاته ..
وسلمنا الله .. وخرجنا من المطار بسرعة مذهلة ، وقد سهل الله لنا إجراءات الدخول بصورة غير عادية ، ولا تتناسب بأي شكل مع غيابي المستمر عن أرض الوطن طيلة إثنى عشر عاما ، لكن رحمة الله تداركتنا ، وشعر المسؤولون بخطورة الوضع الصحي لرفيقة السفر ، فكنا بفضل الله أول الخارجين من المطار ..

إن أول ما لفت انتباهي يا صاحبي بعد هذه الغربة الطويلة الممتدة ، هي رائحة مصر ..
لقد سمعت بعضهم يذكر ذلك في بعض اللقاءات التلفزيونية ، فكنت أعد ذلك من باب المبالغة ..
لكنني أدركت أنها حقيقة .. رائحة مصر !!
فالوطن يا صاحبي يدرك بكل حواس المواطن .. بل بكل جوارحه ، كان قلبي ينبض بحبها ، وأنفي يمتلئ بعبيرها ، حتى أوشكت على أن أجثو على قدمي فأقبل ترابها .. حتى عرق المستقبلين لنا كان شهيا ..
لكنني مع كل أشواقي ، لم أنس َ أنني في النهاية في زيارة اضطرارية فرضتها ظروف قهرية .. وأنه لا وقت للحنين ، ولا للذكريات ، فالوقت كل الوقت لاستنقاذ روح .. لمحاولة هبة الحياة لنفس بشرية ..
لقد تعلمت من قسوة المحنة وضراوتها درسا لن أنساه .. تعلمت منها الحياة في ظلال قوله تعالى :
( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) المائدة32

لم تعد قضيتي هي نجاة منال باعتبارها نبضة القلب ، وتوأم الروح ، ورفيقة الدرب والعمر ، وعيني التي أبصر بها ، وإنما صارت قضيتي هي نجاة الإنسان .. خلاص الروح من الألم والمعاناة ..
لقد وهبت نفسي منذ تلك اللحظات الرهيبة التي طرق فيها أذني بمطارق من حديد ، قول الأطباء : إن زوجتك مصابة بأورام خبيثة لا علاج لها ، ولا أمل في شفاء منها .. أن أعمل على إحياء نفس بشرية .. لعل آمالي السابقة كانت معلقة بالشهادة في سبيل الله لتكون خير خاتمة للحياة ، نرجو بها عفوه ورضاه ..
أما الآن فقد أصبحت غايتي في الحياة ، هي العمل على إحياء نفس بشرية ، فيكتبني خالق البشر ممن أحيوا البشرية جميعا ..
بهذه الروح مضينا إلى المستشفى التخصصي الذي أجريت لمنال فيه الجراحة التلطيفية .. وقد خرج الجراح الشهير النابه ، من غرفة العمليات ، ليقول لنا بوضوح :
- المسألة مسألة وقت ..

- ورددت عليه ثائرا : المسالة مسألة إرادة الله تعالى .. ليست في علمك ولا في طبك ، ولا في تقديرك .. ومنال ستعيش .. رغما عن المرض اللعين القاهر .. ستعيش ..

لقد كان الرجل في الحقيقة مهذبا رقيقا معي ، وقد عبر عن ذلك بقوله :
- إنني مقدر لمشاعرك ، ولعاطفتك الفياضة تجاه زوجتك الحبيبة .. لكن الحقائق هي الحقائق ، وإنني أنصحك يا أستاذ عماد ، ألا تمضي في محاولة العلاج أكثر من ذلك .. فليس هناك بصيص من أمل .. إنما هي المسكنات حتى يقضي الله تعالى أمره ..

ربما لم أجب على حديث الجراح الشهير .. لكنني في قرارة نفسي كنت قد اتخذت قراري .. أنا مع العلاج حتى آخر نبضة من قلبي ..
أما الجراحة الخطيرة التي أجراها الجراح النابه وفريقه الطبي ، والتي كدت أشكوه بسببها إلى النيابة العامة ، رغم كونها من الأعمال الطبية فائقة التميز ، وإنما لأنه لم يستأذن المريضة ويطلعها على الأمر قبل أن يجري جراحته .. فلقد كانت عبارة عن تثبيت أنبوب مطاطي من الجانب الأيسر للبطن إلى جدار الأمعاء ، لتحويل مجرى الغذاء لتصبح التغذية لمنال عن طريق هذا الأنبوب المطاطي عوضا عن الفم !! وليتلاشي بذلك المعوقات التي تعيق حركة الغذاء في الجزء العلوي من الجهاز الهضمي حتى أسفل المعدة ..
ولقد أبلغني الجراح بذلك ، وقدرت المشقة النفسية التي ستصيب منال من جراء هذه الجراحة الكارثية .. فثرت في وجهه ثورة عارمة .. لكن الرجل كان محقا ، فلم يكن من المستطاع فعل أي شيء آخر ..

وأفاقت منال في صباح اليوم التالي ، وكانت قد أجريت لها الجراحة في نفس يوم وصولنا مصر في المساء ..
وأخيرا وبعد العصر تمت عودتها من العناية المركزة إلى غرفتها بالمستشفى ، ولقد حاول الجراح وكان عذب اللسان حلو المنطق ، أن يخفف عنها من تأثير الجراحة باعتباره أمراً مؤقتاً ، وأن يشعرها بالجدوى العظمى لهذه الجراحة .. ولقد تجلدت منال جلدا لا مزيد عليه ..
وكنا جميعا نبش في وجهها ، وقلوبنا تنزف ، ونشعرها بمدى سعادتنا بنجاح المرحلة الأولى من العلاج ، وكنا في قرارة أنفسنا ندرك أنه لا علاج !!

20 - 6 - منال لن تموت


ولقد أمضينا في المستشفى الاستثماري الخاص بعد ذلك أسبوعا كفترة ما بعد الجراحة .. وكانت المستشفي في مدينة أخرى هي مدينة إقامة الجراح ، ولم تكن مدينتي أنا ومنال ، فقد كنا طيلة أسبوع بعد وصولنا مصر ، لم نرَ مدينتنا بعد ..

ولقد بدأ الجراح الشهير يدرك أنني أجرى كافة الاتصالات الممكنة من أجل استكمال مرحلة علاجية أخرى في الفترة التالية ، بعد الخروج من مستشفاه ..
فطلب الاجتماع بي أنا وشقيقي منال ( عصام ، وهاني ) ، وقال بوضوح وإصرار :

- أستاذ عماد .. إنني أكرر تقديري لعمق عاطفتك وارتباطك بزوجتك ، ومعك كل الحق في ذلك ، فهي رفيقة عمرك ، وأم أبنائك ، ولكن الحقيقة التي يجب أن تسلم بها تسليما تاما .. أن المسألة مسألة وقت .. وأن الورم قد تمكن من التجويف الداخلي للبطن تماما ..

- وسألته في حده : وما جدوى ما قمنا به إذا كان الأمر كذلك ؟!

- أجاب الجراح وعلى وجهه ابتسامة هادئة : كل ذلك حتى نجنب المريضة الموت من الجوع .. إنها في حاجة إلى تغذية .. تغذية طبيعية ، وهذه التغذية ستساعدها على تحمل الألم الرهيب المقبلة عليه .. إن الورم في حالته المتأخرة ، كما أنه من النوع الذي لا يستجيب لأي نوع من العلاجات الكيماوية أو الإشعاعية أو المسح الذري ..

خرجت من مكتب الجراح كالعادة دامع العينين ، وأنا أتمتم لنفسي :
يا لعجز العلم ..
يا لخسارة الحضارة والتقدم ..
إن البشرية في القرن الواحد والعشرين عاجزة .. عاجزة كل العجز ، عن مواجهة خلايا مجهرية دقيقة لا ترى بالعين المجردة ، خلايا مجنونة تنمو بطريقة هستيرية فلا يمكن التدخل لإيقاف نموها !!
ما أعجب تبجح البشرية وتكبرها ، مع عجزها وضعفها وفشلها !!!

لقد كانت خالتي وهي امرأة فاضلة مؤمنة بالفطرة ، تضع يدها على بطن زوجتي منال ، وتخاطب الورم قائلة :

- إني أعلم أنك خلق من خلق الله ، وإنك إن كنت أعجزت البشر ، فلن تعجز الله خالقك ، وخالق كل شيء ، اللهم اصرفه عنها بقدرتك .. يا من أمرك بين الكاف والنون ..

لكن البشرية الحمقاء مازالت تتبجح ، ولقد ظنت أنها قادرة عليها ، وهي أعجز ما تكون عن استنقاذ نفس بشرية واحدة من خلايا سرطانية محمومة النمو والانتشار ..
وكانت البشرية منذ القدم تتبجح ..
وإني لأتوقف مذهولا أمام قوله تعالى : ( وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ، ضعف الطالب والمطلوب ) .. وما زال التحدي قائما .. ومازالت البشرية جمعاء لا تستطيع استخلاص شيئا سلبته ذبابة ..

وكانت البشرية في ماضيها السحيق تتبجح بالقدرة الخرقاء العاجزة الموهومة ، وهي في عالمنا المعاصر مازالت تتبجح في حمق وخرق .. مع عجز وضعف .. ضعف يشمل الطالب والمطلوب !!
تذكرت التحدي القرآني الفريد ، الذي أطلقه القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرناً من الزمان ، فهل أمكن البشرية بعد هذه القرون الطويلة ، أن تستنقذ ما يسلبه الذباب ؟
أنا يا سيدي لم أكره الجراح ، حتى في اللحظة التي كان يصارحني فيها بعجز الطب والعلم عن مواجهة مرض منال .. وإنما كنت مشفقا عليه ، وأنا أتطلع إلى بطاقته التعريفية في كفي ، والتي كتب بها عدداً من الألقاب والوظائف التي تجمع بين الأستاذ والاستشاري والزميل بجامعة كذا بأوربا ، ومدير مركز ( كذا للأورام ) ونائب مدير مستشفى ( كذا ) التخصصي الخاص ..
كنت مشفقا على عجز البشرية ، وناقما في ذات الوقت على كبريائها وغطرستها !!

وكنت أودع انفعالاتي الشخصية على باب غرفة منال بالمستشفى التخصصي ، ثم أدخل إليها هاشا باشا مبشرا مستبشرا ..
وكانت حبيبة قلبي تستقبلني باسمة حينا ، إن طاوعها الابتسام !! وأحيانا أخرى تفتح عينيها شاكية متألمة دون أن تنطق بكلمة ، فآخذ كفها بين كفي وأرفعها إلى شفتي أقبلها ، وأقول لها كاذبا بصوت يملؤه الأمل :

- الدكتور طمأنني كثيرا على حالتك يا حبيبتي ، فأنت في تحسن واضح .. ما شاء الله ..

- تغتصب ابتسامة ذابلة ، وهي تهتف : الحمد لله يا حبيبي .. ثم تتعلق عيناها بوجهي وهي تسألني : متى سأخرج من هنا يا عماد ؟

- قريبا يا حبيبتي .. قريبا جدا .. الدكتور ينتظر فقط حتى يطمئن على عمل الأنبوب مع الأمعاء بشكل جيد ..

- ألم نجرب الأنبوب بالأمس ؟

- نعم يا حبيبتي .. ولكن زيادة في الاطمئنان ..

- تقول في رجاء : أتعبتني المستشفى .. وأوحشني منزلكم .. ألا تشتاق إلى زيارة المنزل يا عماد ؟ .. أنا آسفة يا حبيبي ، لأنني أمنعك عن أشواقك ..

- أجيبها بوله : ( منولة ) حبيبتي أنا هنا في مصر من أجلك .. أنت فقط من أفتقده .. أنت فقط من أشتاق إليه .. الأهل جميعا هنا يوميا ، ولا ينقصنا شيء .. لا ينقصنا سوى شفاؤك ..

- سألتني بقلق : سمعتك أمس تتجادل مع عصام بصوت مرتفع .. خيرا إن شاء الله ؟

- قلت محاذرا : لا شيء يا روحي ، مجرد نقاش ..

- إني أعرف يا عماد .. كان ذلك بسبب مكان إقامتي بعد الخروج من المستشفى .. لقد فاتحني عصام في الأمر ، ولقد أخبرته ، أنني لن أقيم إلا في منزل ماما ( طوفة ) ، أم عماد !!

- تنيرين المنزل يا منولتي .. لكنهم يعتقدون أني أضغط عليك حتى تقيمين عند ماما !!

- بالعكس يا حبيبي .. إن ماما ( طوفة ) ، قد خيرتني مساء أمس ، بين أن أقيم في شقة زواجنا ، وعرضت علي أن تجهزها تجهيزا سريعا ومريحا أفضل مما جهزناها لزفافنا .. وبين أن أقيم عندها ، فاخترت أن أقيم عندها ..

- قلت في رضا : كما تشائين يا روحي .. إن عصام بالأمس عرض علي أن يجهز شقته لنقيم فيها أنا وأنت بمفردنا ، في منتهى الحرية ، فشكرته وقلت له إنني أترك الأمر كله لك ، ولاختيارك ، فأنت صاحبة الشأن والقرار ..

- إذن انتهينا يا عماد .. سوف أقيم عند ماما ( طوفة ) ..

ولم أكن في حاجة أن أمضي مع منال في مناقشة هذا الأمر أكثر من ذلك ، فلقد رفضت حتى أن تقيم في شقة زواجنا حلم كل زوجة ، ولو لنستعيد ما لم ننسَ من الذكريات !!
وكنت أدرك بعض السر وراء هذا الاختيار من جانب منال وإصرارها عليه ..

أخيرا وبعد أسبوع من إجراء الجراحة ، سمح لنا الجراح بالخروج من مستشفاه .. والانتقال إلى المنزل ، ولقد بلغ من كرم الرجل معنا أن كلف سائقه الخاص أن يوصلنا إلى مدينتنا بسيارته الخاصة ، مبالغة منه في اللطف والحفاوة ..
.
.

20 - 7 - منال لن تموت

ووصلنا إلى المنزل ، وتركت منال تتمدد على الفراش الذي أعدته لها أمي ، وخرجت للصلاة ، ثم عدت إليها ، فوجدتها تبكي ، وشعرت بالقلق الشديد فسألتها في لهفة :
- ما الذي يبكيك ، يا حبيبة القلب ؟

- قالت من بين شهقات البكاء : تذكرت بابا سعيد .. وإني يا عماد لا أدخل هذا المنزل إلا وأتذكره .. وأنتظره أن يأتي ويحتضنني في حياء ، كما كان يفعل معي دائما .. لا يمكنني يا عماد التفكير في أنني موجودة في منزلكم ، وأن بابا سعيد ليس معنا !!

- أشفقت عليها ، وأخذتني رقتها ، فقلت مخففا عنها : إنني يا حبيبتي لم أشعر بمثل هذا الشعور ، رغم أنها المرة الأولى التي أعود فيها إلى منزلنا منذ سنوات ، ورغم ما تعلمينه من مدى حبي لأبي – رحمه الله - ، ومع ذلك لم يعترني هذا الشعور خاصة وأنا أعلم أنه مدفون في مكة ، وليس بمصر !!

- قالت ودموعها لم تجف : لكني أنا أستشعر وجوده في كل ركن من أركان المنزل ..

- قلت في حب وتقدير : أنت رقيقة جدا يا منال ..

- قالت بصبر نافذ : ألن تتناولوا طعام الغذاء ؟ .. الوقت تأخر ..

- أجبتها في شيء من دهشة : إن أمي تعيد تسخين الطعام !!

- قالت في رجاء : لي طلب يا حبيبي ..

- أمرك يا روحي ..

- أريد أن تتناولوا الطعام هنا في الصالة ، وأشارت بيدها إلى الصالة المقابلة لغرفتها ، أريد أن أنظر إليكم.. أن أشاهدكم وأنتم مجتمعون جميعا أنت وماما وإخوتك وزوجة أخيك على الطعام ..

وأضافت والحنين يكاد يفطر قلبها : إني مفتقدة جدا لهذا المشهد .. أريد أن أراكم جميعا أمامي ..

- وكدت أبكي من مشاعرها وأنا أفتعل المرح ، قلت ممازحا : إذن تنظرين إلينا في طعامنا ..

- تجاهلت دعابتي واستمرت كالحالمة التي لا تسمع سوى همس أحلامها : أتدري يا عماد لماذا اخترت الإقامة في هذا المنزل فترة علاجي ؟ ، وأضافت وهي غير عابئة بمحاولتي الإجابة .. إنني في حاجة إلى هذا الاجتماع ، لقد شعرت به قبل شهرين في زيارتي الأولى لمصر .. لكن أنت يا حبيبي لم تكن موجودا بين إخوتك .. والآن أنت معهم ..

- قلت لها مقرا لواقع ، ولم تكن عيناي قد اعتادت على مقاييس وأبعاد الأشياء والأماكن من حولي ، حيث أقمت فترة ليست بالقصيرة خارج بلدي ، لقد كنت أرى الشوارع والمنزل وكل شيء أصغر من حجمه الطبيعي كثيرا ، فقلت لها : لكن منزلنا هذا ضيق ، وهو مكدس بالأثاث أكثر مما ينبغي ..

- قالت في رقة وحنين : إنه ضيق لكنه ممتلئ بالدفء ، أما منزل أبي ، فهو متسع تماما .. متسع أكثر مما ينبغي ، حيث لا تشعر فيه بهذا الدفء ..

كان لابد لي في هذه اللحظة أن أخرج من الغرفة ، لم أعد أحتمل .. لقد كان الجو في ذلك الوقت من العام قارص البرودة ، ولقد أتيت أنا من بلاد شديدة الحرارة ، فكنت أشعر أنني أقيم الآن في بلاد الاسكيمو ، ومع هذا البرد القارص ، شعرت أنني أكاد أحترق من سخونة مشاعرها ..
خرجت إلى الصالة ، وجلست إلى طاولة الطعام ، متعمدا أن أكون في مواجهتها ، لتراني وأراها ، وهي جالسة على فراشها ، مسندة رأسها إلى مسند السرير ، ترقب جمعنا في شوق وسعادة وحب !!

لقد أصرت منال طوال الفترة التي قضيناها بالمنزل ، أن تحضر اجتماعنا لتناول الطعام ، رغم أننا كنا بعد الغذاء الأول الذي تناولناه بناء على رغبتها في الصالة ، نتناول طعامنا في غرفة المعيشة .. وكانت غرفة المعيشة هي آخر غرفة في المنزل !!
ولقد كانت أمي تشفق على منال من حرصها هذا ، وتحدثني سرا قائلة :

- إنها يا بني تصر على حضور اجتماعنا على الطعام ، وهي محرومة من تذوقه ، ألا يؤلمها هذا ؟ ألا يحرك شهيتها ؟ ألا تشوقها رائحته ؟!!

- كنت أجيب أمي مطمئنا لها : إن منال تملأ عينيها باجتماعنا ..

كانت آلام منال تتزايد ، وكانت فوق طاقة البشر .. على الاحتمال ..لكنها رغم الألم العنيف لم تضجر .. كانت تستهلك كمية كبيرة من المسكنات بالطبع ..
وحتى هذه المسكنات كنت أنا أعذبها للحصول عليها ، لأنني .. بل لأن الأسرة جميعها ، كانت تتعذب في الحصول عليها من الصيدليات ، باعتبارها من أنواع المخدرات شديدة المفعول ، ولذا كان الحصول عليها صعبا إلى أبعد حد ممكن ..
ولقد كنت أنا القائم على تمريض منال بطبيعة الحال .. بالإضافة إلى الممرضة ( هالة ) التي كانت تزورها ليلا لمتابعة الجروح ، فلم يكن جرحا واحدا ، بل كانت عدة جروح في أماكن مختلفة من جسمها ..
ولم أعد أجد مكانا في عضلها لغرز إبرة المحقن من جديد .. لقد كنت أشفق على جسدها ، وكنت أتجلد .. وقد امتلأ بشكشكات إبر المحقن بشكل مخيف .. وكانت هي كالجبال الرواسي في تحملها ..
وكنت كلما غرزت فيها سن المحقن : ذكرتها بأجر المؤمن في الشوكة تصيبه ، فكانت تطمئن وتصبر وتحتسب .. ولم أكن أحقنها حقنة إلا قبلتها بعدها في موضع الحقن عدة قبلات ، وهي تتملص مني بجسد واهن ونفس مشفقة ..
.
.
20 - 8 - منال لن تموت

وكان من عجائب منال في مرضها ، أنها بعدما وصلنا إلى منزلنا ، تصفحت المكتبة ، تبحث عن كتب تتسلى بها ، عن آلامها وعذاباتها ، وكان في صدرها القرآن الكريم ، وبجوارها على الفراش ، وكان معها قصص الأنبياء ، اختارته لها أمي ، ليسليها بابتلاءات أكرم خلق الله ، عن بلائها ، ومع ذلك ، فقد كانت تقرأ أحيانا بعض الروايات .. رواية أو اثنتين ، تقطع بهما الوقت .. وكان مما قرأت رواية عالمية ، لا أتذكر الآن على وجه التحديد عنوانها ، ولا اسم كاتبها ، ولكنها كانت من روايات بداية القرن العشرين ، ولفت انتباهها بشدة ، الأسلوب أو الطريقة التي انتهجها الكاتب في عرض أحداث روايته ، وكانت طريقة جديدة تماما علينا ، ومغايرة تماما لما ألفناه في مئات الروايات العربية والأجنبية التي قرأناها معا .. وإذا بها تعطيني الرواية بعد فراغها من قراءتها ، وتطلب إلي قراءتها ، ولم يفتها أن تنبهني إلى الاهتمام بطريقة عرض الكاتب ، وإلى استلهام هذه الطريقة الجديدة في العرض ، باعتبارها من الطرق الإبداعية المبتكرة !!

وحانت مباراة النهائي الأفريقي للأندية الأبطال ، وكان الأهلي المصري يلاقي بطل تونس الشقيق ، وكان موقف الأهل متأزما ، ولقد حرصت أن تتابع المباراة بجواري بشغف شديد ، وأنا أشعر بأنها تهتف من أعماقها لمصر ، وظلت المباراة معلقة إلى اللحظة الأخيرة ، وبينما كان الحزن يخيم على محيانا معا ، وبدأت الجماهير التونسية استعدادات الاحتفالات الكبرى بالحصول على الكأس ، أطلق ( فنان الملاعب المصرية أبو تريكة ) تسديدته الشهيرة ، فأحرز فوز الأهلي المصري بالكأس ، ونظرت إلى تعبيرات وجهها ، لقد كانت سعيدة راضية .. حتى أن شقيقي الأصغر ، ولم يكن مهتما بشؤون الكرة ، قال معلقا :

- ما تمنيت فوز مصر إلا من أجل أختنا هذه المسكينة التي ظلت تتابع المباراة قرابة ساعتين بترقب وحذر واهتمام بالغ !!

ونظرت إليه منال في امتنان ..

وكانت منال خلال هذه الفترة حريصة كل الحرص على متابعة المسلسل التلفزيوني ( أولاد الشوارع ) للممثلة المحجبة ( حنان ترك ) ، وكان المسلسل ممنوعا ضمن سلسلة مسلسلات المحجبات من العرض على القنوات الأرضية المصرية ، ولعل هذا سر اهتمامها به ، رغم أنها لم تكن قبلا من المولعات بالمسلسلات التلفزيونية .. ولقد كان موضوع هذا المسلسل مأساويا تماما .. حتى أنني لو صادفت مقدمته أو مؤخرته الغنائية ، لم أكن أملك دموع العين ، وأنا أفكر في مستقبل الأيام .. حين يفتقد أبنائي الأم ..
وكانت وهي على هذه الحال تسألني أحيانا :
- عماد ألن تجهز لهم طعام العشاء كما كنت تفعل أيام العزوبية ؟

- وأجيبها بالموافقة في طاعة وحب ..

وما أن أذهب إلى المطبخ ، حتى أجدها خلفي ، تساعدني في تجهيز الطعام الخفيف ، وإعادة ترتيبه في الأطباق على الشكل الذي يرضيها ، وأحيانا تصر على أن تذهب حاملة بصينية العشاء إلى غرفة المعيشة ، ثم تجلس أمامنا عند اجتماعنا إلى الطعام ، تنظر إلى تأثير لمساتها الجميلة على شهيتنا !!

ثم .. ثم استثقل بعض أفراد عائلتها الموقف .. فحاولوا أن يأخذوها من منزلنا !
فإما أن تذهب إلى مستشفى ، أو إلى بيت أبيها .. لكنها صمدت أمامهم قائلة في حزم :

- هل أنتم تريدون حقيقة راحتي ؟؟!

- طبعا يا ابنتي ..

- إذن .. اتركوني هنا .. ففي هذا المنزل أجد راحتي .. هذا هو المكان الوحيد الذي أشعر فيه براحتي كاملة ..

وانفعل خال لها وكان يعتبر نفسه في مقام والدها ، فانفلت خارجا من البيت بعنف .. وبلع الآخرون غضبهم في صمت .. ولم يكونوا في الحقيقة يريدون سوى راحتها من وجهة نظرهم ، وإن كانت أقاويل بعض الناس تؤثر في وجهة نظرهم .. وحاول بعضهم أن يلتفوا من خلفها ، فأخذوا يضغطون علي ، مؤكدين :

- إنها تفعل ذلك من أجلك أنت يا عماد ، حتى لا تغضبك ..

- فأقسمت لهم بالله ، أنني لم أجبرها على شيء ، وإنما الأمر لها وهي تفعل ما تشاء ..
- قالوا في يقين : إنها تبحث عن رضاك ولو على حساب نفسها ..

- فأواجههم في حدة قائلا : وكيف تكون راحتها في بيت آخر ؟ ، أفهم أنها تشتاق إليكم ، وأنتم تشتاقون إليها ، وبيت الجماعة مفتوح لكم دائما ، تدخلون وتخرجون كما تشاءون فهو بيتكم ، وأهلا بكم في كل وقت .. أما في بيتكم ، فمن يقوم على خدمتها ، وعلى خدمة أمها المريضة مرضا شديدا ؟.. أما الأولى أن يخدمها زوجها العليم بأسرارها ، وبما يريحها ، وما يتعبها ، وما تحب وما تكره ؟؟

وكانت أمي عندما تلمح حدتي ، تغمزني ، ثم تنفرد بي قائلة : لا تنفعل هكذا يا ولدي ..

- كنت أزفر في ضيق وأقول : يا ماما أنا أبحث عن راحة منال ..

- فتقاطعني قائلة في خبرة الأم وحنانها : لا تحتد ، ولكن اتركهم لها .. إن منال زوجتك بقوة شخصيتها تجبر الجميع على احترام رغبتها .. ولا تنس يا بني أنهم أهلها ، وأنهم يريدون فعل ما يمكنهم فعله من أجلها ، فاعذرهم ..

وعندما كان الضغط يزداد ، كنت ألجا إلى شقيقها عصام ، فلقد كان قادرا بطريقته اللطيفة المقنعة أن يذلل أمامنا كثيرا من الصعاب !!

ولم تنس منال أبدا ذكرياتنا الحلوة ، ولا أيامنا الجميلة وهي في أشد ساعات الألم .. وكانت رغم معاناتها القاتلة ، تزداد رقة على رقتها ، كان الذي ينساب منها رقة الروح ، بعدما رق الجسد وكاد يفنى تماما .. وكانت دائما تحتفظ بوردة بلدي فيها سحر الحب ، وسر الحب ، وجمال الحب ..
كانت تأخذ وردة من كل باقة تهدى إليها ، وكان أشقاؤها يعرفون مدى ولعها بالورد ، فكانوا يحرصون على إمدادها به دائما .. فكانت تأخذ وردة من الباقة ، وتنظر إلي ، وكنت أدرك أنها تشير إلى الورود التي كنت أهديها لها أيام خطبتنا ، وأيام العقد ، وما بعد الزواج ..
وكانت كلما ضاق تنفسها ، تدفن أنفها في وريقاتها تتنسم الهواء منها في عذوبة ورقة !!

كان الألم يشتد عليها ، والورم يتمدد في بطنها ويزحف لأسفل وأعلى ليملأ كامل التجويف الداخلي للجسم ..
ومع ذلك كان الأمل يكبر أضعاف الألم .. وكان اليقين المطلق يسيطر عليها ..

في إحدى الليالي اشتد عليها الألم بشكل مخيف ..
وبدأ تنفسها يضيق وبدأت تشعر بأنها الخاتمة ..
وأخذت أسري عنها ، محاولا أن يمضي بنا الوقت سريعا إلى الإصباح ، بحثا عن أمل مع ضوء النهار ..

لكن انجلاء الليل كان بطيئا ثقيلا ثقل الظلام الدامس ، والصمت المطبق .. ولم أعد أحتمل وهي تهمس لي :

- عماد .. إنها النهاية يا عماد ..

- وأنا متشبث بكفها ، ألقنها الشهادتين ، فترددهما مرات ، لكنها تفصل بينها بكلمات ..
- إنني أدرك أنها النهاية .. نهاية المطاف يا عماد ..

ولم أستطع أن أتمالك نفسي أكثر من ذلك .. فالمنزل هاجع ، وأمي استسلمت للنوم بعد مجهود يوم شاق من خدمة ، واستقبال زوار لا ينقطعون ، وأعباء هنا وهناك ..
لم أحتمل مشهد النهاية بمفردي ، فلجأت إلى أمي ، وأيقظتها برفق ، وقد استيقظت في ذعر ، كأنها تنتظر نبأ فاجعاً ..
قلت لها برفق :
- منال يا ماما تقول إنها النهاية ..

-20 - 9 - منال لن تموت

جزعت أمي لكنها أظهرت التماسك وقالت تطمئنني : لا تقلق يا عماد .. الأمر إن شاء الله ليس كذلك ..
ونهضت أمي ومضت معي إلى منال ، ورافقتنا أغلب الليل حتى مطلع الفجر .. وبدأ الألم الرهيب يخف تدريجيا ، وبدأت أنفاس منال تنتظم ، وهي تتأوه .. وأمي بجوارها تقول لها :

- منال .. قولي .. يا الله .. يا الله ..
وتطيل المد بين اللام والهاء .. ثم تقول لها :

- قوليها هكذا يا منال ستجدين لنطق لفظ الجلالة راحة .. سيخرج حرف الهاء من أعماق قلبك مطمئناً ..

- ومنال تكرر خلفها تارة ، وتتأوه تارة أخرى .. وتهتف من أعماقها باسم الله اللطيف : يا لطيف .. يا لطيف يا رب .. يا لطيف يا رب ..

واستمرت على ذلك حتى شعرت أمي بتحسنها فسألتها بحنان : منال .. بماذا تشعرين الآن ؟

- الحمد لله يا ماما ، أشعر بتحسن ..

- هل اطمأننت أنها ليست النهاية ؟؟

- أومأت لها منال وهي تقول : الحمد لله ..

- أنت ستعيشين يا منال .. ستعيشين طويلا ، لأنك مؤمنة قوية الإرادة ..

- وتقول منال وهي تغتصب ابتسامة من على شفتين تتألمان : إن شاء الله يا ماما ..

- قالت أمي بثقة : لو أردت الشفاء يا ابنتي فعليك التمسك بالحياة ..

- قالت منال في إصرار بدا واضحا رغم الوهن : أنا أتمسك بها يا ماما .. أتمسك بها من أجل رسالتي فيها ..

- قالت أمي مشجعة : حسنا ، حسنا يا منال .. استمري في رسالتك

- رسالتي في الحياة يا ماما .. زوجي وعيالي ، وأنا سأعيش لهم .. سينقذني الله من هذا المرض من أجلهم .. أنا أعرف أن الله سيشفيني يا ماما .. وسيجعل شفائي آية للناس ، شفاء بلا طب ولا دواء ..

وانسابت دموعنا .. واطمأنت أمي ، ومضت لصلاة ركعتين معتادة عليهما قبل الفجر ..
وعدت أنا لمنال .. وشجعني حديثها مع أمي على أن أسألها :

- بماذا تشعرين يا حبيبتي ؟

- بخير يا حبيبي .. اطمئن ..

- قلت بلطف : لست أقصد هذا يا حبيبتي ، وإنما أقصد كيف تتوقعين عاقبة هذا الأمر ؟

- تأملتني برهة ثم همست : عندي أمل كبير يا عماد أن ينجيني الله لأداء رسالتي معك ومع الأولاد .. أما الأمر الآخر .. هو .. هو ..

وبدا القلق على وجهها والخوف في نبرة صوتها ، وهي تضيف ببطء :
- هو أن يختارني الله إلى جواره ..

- وسألتها بلهفة حاولت أن أغلفها بابتسامة بدت باهتة : ( منولتي ) .. هل تتوقعين النجاة بنفس نسبة اختيار الله لك ؟

- قالت في يقين جميل : لا يا عماد .. بل أكثر توقعي أن ينجيني الله .. أنا أتوقع تجاوز هذا المرض بنسبة ثمانين في المائة ..

- قلت متشجعا : والعشرون في المائة الباقية ؟

- قالت في وجل : أن يكتب الله علي الموت .. ثم دمعت عيناها وهي تقول : لكني خائفة .. خائفة جدا يا عماد ..

- قلت برقة : هل أنت خائفة من الله يا منال ؟

- شهقت بالبكاء ، وهي تقول : إني خائفة .. نعم خائفة ..

- قلت بعطف واقتناع حقيقي : وهل يخاف الحبيب من لقاء حبيبه ؟!!

- أشارت بوجهها نافية ، دون أن تنطق ..

- قلت مطمئنا : لمَ تخافين من حبيبك يا منال ؟ ألا تحبين الله ؟

- انفجرت قائلة : أحبه يا عماد .. أحبه بكل ذرة في كياني .. لكني خائفة من غضبه ، فماذا قدمت أنا في حياتي لأنال رضاه ؟ أنا الأمة الفقيرة الضعيفة المسكينة ، لم أقدم شيئا يرضى به عني ..

- قلت وأنا أشاركها سيل الدموع : لأنك أمة فقيرة وضعيفة من عباده ، فسوف يرحمك ، فرحمته وسعت كل شيء .. منال حبيبتي إن زوجك راض عنك .. وأهل زوجك راضون عنك .. وأهلك راضون عنك .. وأولادك راضون عنك .. ألا تكفيك شهادة كل هؤلاء لتطمئني إلى رحمة الله ورضاه !

- استمرت تبكي فترة ، ثم قالت بعد تفكر مسحت فيه دموعها : هل حقا ستشهدون لي عند ربي ؟؟؟

- هتفت بحسم : نشهد .. نشهد .. بكل لحظة عرفناك فيها أنك نعم الأمة المحبة لربها تعالى .. حبيبتي لقد نلت رضاء كل من عرفك ، فاطمئني وأبشري .. ألا تكفيك شهادة النبي صلى الله عليه وسلم : المبطون شهيد !.. ألا تدركين أن الذي حرمك من شربة ماء في هذه الدنيا سيرزقك إياها من كف حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم على نهر الكوثر ؟ حبيبتي لم يبقَ لك سوى الاستغفار لله تعالى على ما لم يكن في حقنا من تقصير .. وهو أرحم بك منا ..

- سمعت شهيق بكائها وهي تقول : أعلم يا عماد .. أعلم أنه هو الرحيم .. ثم رفعت بصرها إلى السماء ، وغمغمت :

اللهم اشهد على شهادة زوجي لي .. اللهم إني أحبك .. وأحب لقاءك عاجلا غير آجل ، ولولا واجبي تجاه أطفالي الصغار ، لدعوتك أن تعجل لي بلقائك ، لا بشفائك .. ولكني من أجلهم ، ومن أجل عماد زوجي الذي ليس له أحد في الدنيا بعدك غيري .. أدعوك بالشفاء قبل اللقاء .. اللهم آمين ..

- ورددت خلفها في خشوع وتبتل : اللهم آمين ..
.
.
.
كانت منال تحتضر ، وكنت أدرك ذلك .. كان الطب والعلم ومنطق الأمور يؤكدون على ذلك .. لكنني أنا وهي كنا نملك يقيناً بأن المعجزة سوف تتحقق .. مهما ردد الناس :
أن زمن المعجزات قد انتهى .. فإن عطاء الله غير محدود ..

ولقد كانت منال على فراش الموت .. وإنه حقا لفراش الموت وإن طالت أيامها عليه أو قصرت ..
وكنت أحتضنها على هذا الوضع ، فكنت أحتضن منها الروح ..
أما الجسد ..
فلم يعد ثمة جسد ..
لقد فنا ، ولم يبقَ إلا العظم .. ..
ولم أكن في حاجة إلا إلى روحها .. كنت أدرك أن الروح هي التي ستبقى أخيرا ..
كنت أحتضنها بقوة في غير عنف .. وأربت كتفها وظهرها بحنان ، وأمسح خدي في خدها الذابل بحب .. وكثيرا ما كانت تدعوني هي لهذه الأحضان قائلة :

- عماد .. حبيبي .. أريدك .. أريد حضنك يا حبيبي .. أريد أن أشعر بالطمأنينة والحنان فيه ..

- وأحيانا كانت تهتف بي : عماد .. استدعي لي ماما ( تقصد أمي )

- فأجيبها في لهفة : هل تشعرين بشيء يا حبيبتي ..

- لا يا عماد اطمئن .. إنني فقط أريد حضنها .. أريد أن تأخذني في حنانها ..

- ألا يكفيك حضني يا روحي ؟

- أبدا يا عماد .. لكنني أحتاج إلى حضن الأم .. إن له طعماً آخر ..

فأنهض وأستدعي لها ماما ، فتحضر على عجل وتأخذها في صدرها وهي تهدهدها ، وتمسح على شعرها ، فأحيانا تدعو لها .. وأحيانا أخرى تكلمها كلمات حانية رقيقة ..
وكنت أشعر أن منال ترتد طفلة صغيرة ابنة عامين في حضن أمي ..

وذات ليلة زارتنا عمتي ( أم البنات ) وكانت عماتي كلهن بالنسبة لمنال في الحب والتقدير سواء ..
إلا أن منال قالت لي بعد انصراف عمتي :

- بارك الله في عمتي .. إنها حضنتني حضنا لم أشعر بمثله في حياتي كلها !!

.
20 - 10 - منال لن تموت

وذات ليلة أخرى ، قبيل الفجر .. عدت إلى غرفتنا ، حيث منال على فراشها .. فراش الموت .. ولم تكن منال مريضة بنوبة برد ، أو انفلوانزا ، وإنما كان الورم الخبيث يستشري في كل جسدها ، وكانت بطنها مفتوحة للجراحة من الجانبين ، من جهة لأنبوب التغذية ، والأخرى لتصريف السوائل ، وبينهما شق بطول البطن كجراحة استكشاف .. ولم يبق وريدا في ذراعيها ومرفقيها لم تحقن منه بدواء أو محلول !!
كنت في شوق جارف إليها ، فاحتضنتها ، وأخذت ألثم خدها في رقة ..

- همست لي منال : إني أعرف كم أنت متألم معي يا عمدة .. اعذرني يا حبيبي ، ليس بيدي .. لقد أردت أن أكون لك نعم الزوجة حتى آخر ليلة في عمري .. أنا أدرك يا حبي أن شد مئزرك قد طال .. وأنه لم يأتِ عيدك هذا العام ..

- وبكيت ، وأخذت أقبل خدها في جنون ، وأنا أهمس في أذنها : أنا أريدك يا منال .. أريدك على أي وضع .. إني أسأل الله أن يديمك لي .. أنا لا أريد منك وظائف الزوجة ولا واجباتها .. .. أريدك أن تعيشي معي أختا وأما وصديقة ورفيقة ..

- همست برقة : هل تتحمل يا عماد أن أعيش معك كأختك فقط ؟؟؟

- يا رب يا حبيبتي .. أدعوه بكل أسمائه الحسنى وصفاته العلا ، أن يحقق لي هذا الرجاء .. أن تبقي لي أختا ..
- وجذبتني منال بشوق وهي تقول : وأنا لا أرضى يا حياتي إلا أن أكون لك عشيقة وعاشقة حتى آخر العمر ..
وأخذت تدلك جسدي .. حتى ..
حتى أدت دورها كزوجة !!!
لقد غبت عن الوعي دقائق ، لكنني عندما استعدت الإدراك ، ظللت أنظر إليها ، وإلى نفسي ، وإلى فراش الموت .. ذاهلا غير مصدق ما جرى ، ولا كيف جرى ..
وهي تمسح على شعري بحب قائلة : أردت أن أطمئن عليك يا حبيبي .. ولقد اطمأننت عليك !!!
كانت ( منولتي ) الحبيبة تحتضر ، ومازلنا في انتظار المعجزة ، وكنا نوقن أنها واقعة لا محالة .. لأن عطاء الله غير محدود ..

وكانت تمر عليها ليال أخرى ترى فيها الموت ، وتظللها أطيافه ، ولا تتراءى لها أشباحه ، فإني لأرجو أن يكون للموت بالنسبة لأمثالها ، أطياف لا أشباح ..
حتى ينخلع قلبي بجوارها ، وأحاول أن أتخيل الحياة بدونها ، فلا أستطيع ..
وأحاول أن أتناوم عن آهاتها حتى يطلع الصبح ، ففي نور الصبح يغمرني الأمن ، وكأن الموت لا يأتي إلا ليلا ! ولم يكن الموت أبدا زائرا ليليا فقط ، فهو زائر يأتي في أي وقت وكل وقت ، ولكنني كنت مشفقا من أن تموت منال بين يدي وحدي والناس نيام ، كنت مشفقا على نفسي من الصدمة .. وإن كنت لا أتخيل إلا أن يموت أحدنا على فخذ زوجه وحبيبه ، كما مات النبي صلى الله عليه وسلم على فخذ عائشة رضي الله عنها ..
لكنني كنت أخاف سواد الليل ..
حتى إذا طلع النهار على الدنا
وعم نور الشمس كل مكان
واستقبل العصفور بين غصونه
يوما جديدا مشرق الألوان
حتى إذا تنفس النور ، قلت لها :

- منال أتذكرت قوله تعالى : رب ارجعون ؟؟؟

أومأت برأسها ..

- فأقول : ولقد أعادك الله إلى الدنا ، فماذا أنت فاعلة ؟

- أتَصدّق .. أتَصدّق يا عماد ، فتَصدق عني بمبلغ ( كذا )

- سأفعل يا حبيبتي .. سأفعل ..

وتمضي الآلام الرهيبة تقطع في جسدها الضامر النحيل ، ولقد كنت أدرك أن كثيرا ممن حولها .. ممن أحبوها بكل عواطفهم بدأوا يدعون لها بالرحمة والخلاص من هذا الألم الجبار ، فلم يعد ثمة أمل في شفاء ، وإنما رجاء في رحمة الآخرة ..
أما أنا فكنت أتحدى بإرادتها .. كنت أؤمن أنها ستعيش .. وستمضي في الطريق .
وكنت أراهن على إرادة روحها الجبارة ..
وكنت أتساءل سؤالا منطقيا لا اعتراض فيه على قدر الله ، ولا افتئات على حكمه وإرادته ، وإنما سؤال أصارح فيه نفسي :
لو أن أحد منا نحن الاثنين يجب أن يموت ، لو أن عماد ومنال يجب أن يفترقا الآن ، لأن أحدهما قد انتهت مهمته في الحياة عند هذا الحد ، أليس من الأولى أن يكون أنا الذي يموت ؟
لقد كنت أدرك بكل حواس الإدراك ووسائله أن منال أفضل مني عند الله ، وأنفع مني للناس ، وأحب مني لدى الأهل .. وأرق مني بأطفالنا ، وأعظم مني عطاء وفناء وإخلاصا ..
فما معنى أن ترحل ذو الفائدة الكبرى ، ويبقى أمثالي من أنصاف البشر ، ومن أصحاب الأهواء ، ومن نفوس اعتادت على الأخذ لا البذل ؟
ما قيمة من هو مثلي لهذه الحياة بجانب قيمة منال لها ؟
لكني كنت أتمتم مع نفسي :
أستغفر الله .. اللهم لا اعتراض .. إنما هو الإنصاف ، والانتصاف ، الانتصاف من النفس التي رأت ذاتها طويلا القائدة والموجهة وربة المسير ، فإذا بها تكتشف عجزها المزري أمام عظمة المرأة التي في الظل ، تدفع وتوجه وتقود ، دون أن تخبر حتى نفسها أنها تقود ..
أستغفر الله ، فأي قوامة تلك التي أدعيها لنفسي ، وأنا أدرك كل الإدراك أن منال أفضل مني ، وأعظم ؟؟
وليس أقسى على النفس يا صاحبي وأمَر ، من أن يقود الإنسان من هو أعظم منه وأنفع !!

كنت أجري يمينا ويسارا في كل صوب ممكن ، محاولا أن أجد سبيلا إلى علاج ، وقد قالوا هناك علاج قد يعطي نتائج بنسبة واحد في المائة .. وسألت أخصائي العلاج الكيماوي وعيناي متعلقتين بشفتيه أستجدي منه الأمل :
- إن الجراح قال لي ، إن هذا النوع من الورم لا يستجيب للعلاج الكيماوي ، فهو أقوى منه ..

- قال الطبيب مؤمنا على كلام الجراح : هذه هي الحقيقة العلمية .. لكن الحقيقة العملية تقول ، إن من بين كل مائة مريض بهذه الحالة ، ينجو فرد ، ونحن إلى الآن لا نعرف سبب شفائه وتأثير العلاج عليه ، رغم أن حالته تكون مماثلة تماما للتسعة والتسعين الآخرين ، لكنه ينجو والباقي يموتون .. فإذا أردت أن تنفق وتتعب من أجل أمل بنسبة واحد بالمائة فأنا معك ، وإذا أردت أن تكتفي بالمسكنات حتى يقضي الله أمره ، فلن يلومك أحد ، فالعقل والمنطق ونسب النجاح تقول هذا ..

- بل سأمضي يا دكتور .. سأمضي إلى آخر رمق .. سأمضي حتى ولو اضطررت أن أبيع نفسي ذاتها .. لقد وهبتني المريضة التي بين يديك حياتها .. وهبتني عمرها وشبابها .. وهبتني إياه صابرة راضية ، دون ضجيج أو إعلان .. أفلا أهبها عمري لو استطعت ؟
والله يا دكتور إني لأدعو الله أن أشاطرها نصف الألم ونصف المرض وتبقى لي ..

- ربت الطبيب على كتفي ، وهو يقول لي في يقين : لا تيأس يا بني من رحمة الله ، وإعلم أننا عاجزون .. رغم كل جعجعتنا وصخبنا وصياحنا ، عاجزون عن محاصرة خلايا دقيقة تنتشر انتشارا فيه تحدٍ لبني الإنسان ، فليس هناك طبيب على وجه الأرض يملك تحديد عمر إنسان ، ولكن الأعمار هي لخالق الأعمار ، فلا تبتئس ، وعش مع الله ..

وملأ أذني صوت يرتل :
( ضعف الطالب والمطلوب ) ..
ولم يكن لي إلا التضرع لخالق الداء والدواء ..

20 - 11 - منال لن تموت


وعدت أسأل منال عن شعورها ، فأكدت لي أن يقينها في المعجزة لم يتزعزع لحظة واحدة ، لكنها الآن أصبحت أكثر اطمئنانا فلم تعد الأخرى تخيفها ، وإنما تثير أشواقها ، وكنت أجلس معها ، وأنا أراها محرومة من شربة ماء منذ شهر ونصف ، فلا تملك سوى تبليل لسانها بالماء حتى لا تتكاثر عليه الفطريات من عدم الاستعمال ، فأقول لها :
- ألا يكفيك يا حبيبيتي أن الذي كتب عليك الحرمان من شربة الماء في الدنيا ، سيكتب لك إن صبرت شربة من يد الرسول الأمين في الجنة ؟

- فتدمع عيناها للقاء المصطفى ، وتقلب وجهها إلى أعلى وتهتف : يا رب .. يا رب ..
- وأنا أدعو لها : اللهم لا تجمع عليها ظمأ الدنيا وظمأ الآخرة ، واسقها من حوض الكوثر ..

ولقد أراد الله أمرا ، فزحف الورم إلى كل البطن ، وانسدت الفتحة الموصلة بين الأمعاء وأنبوب التغذية ، ولفظ النسيج الأنبوب ، ولم يعد هناك غذاء .. وتثاقل علينا الجراح وتلامذته ، وتشاغلوا عنا ، لقد أدركوا بحكم خبرتهم أنها النهاية التي لا سبيل إلى تداركها ، أو دفعها ، وأن الجسد الفاني ، لم يعد يقوى على المقاومة ، ولا سبيل إلى بذل محاولة جديدة ، فكلها تؤلم ولا تفيد ، فبدءوا يتوارون عنا ، لنقنع بالمصير المحتوم ..
لكنني كدت أجن وأنا أبحث عمن يحاول أي محاولة ولو يائسة ، فلا قيمة لحياة البشر دون أمل .. كنت أصرخ :

- سنزرع الفسيلة ، ولو بيننا وبين القبر خطوة .. سنزرعها يا رسول الله كما علمتنا ..
ولم يكن أحد يدرك من صراخي شيئا
كان الجميع يظنون ، أن محبا لزوجته فقد عقله ومضى يهذي في الطرقات ، يوزع الصرخات حينا والاتهامات حينا ، ويستجدي الطب ، والطب المسكين عاجز .. لكنني ومنال كنا مصرين على أن نغرس الفسيلة ، ولو أعلى أبواب القبر ..
كانت رأسي تدور كدوران مروحة السقف الكهربائية فوقنا .. وكانت الأفكار تتداخل وتتشابك ، كتداخل ريشات المروحة عندما تأخذ سرعتها القصوى في الدوران ، وكانت الأصوات المتقاطعة المتشابكة تطن في أذني طنينا دائما متواصلا :
( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) ..
سنغرس الفسيلة .. سنغرسها يا رسول الله
فكأنما أحيا الناس جميعا ..
سنغرسها ولو على أبواب القبر..
فكأنما أحيا الناس جميعا ..
(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ..) ..
فكأنما أحيا الناس جميعا ..
سنغرسها على أبواب القبر ..
ضعف الطالب والمطلوب ..
ضعف الطالب والمطلوب ..
ضعف الطالب والمطلوب ..

ولا تظن يا صديقي أنني كنت ألعب في هذه المأساة دور البطولة وحدي ، لقد كانت ملحمة كاملة رائعة من الحب والإخلاص والتفاني ..
وكان أبطال الملحمة ، هم كل من يعرفنا من الأهل والأحباب والأقارب والأصدقاء ، بل وأصدقاء الأصدقاء !
حتى أنني لم أعد أتخيل أن أحدا من البشر في مدينتنا الكبيرة لم يسمع بها أو يشارك فيها بدور ولو بالدعاء بشفاء منال !!
لقد كانت أمي وأشقائي ، وأشقاء منال ، وأهلنا جميعا يبذلون كل ما في الوسع والطاقة ، وكذلك الأصدقاء ، والصديقات اللائي كن يجلسن على ركبهن بين يدي منال يرقينها ، ويدعنّ لها ، ويبثثن في نفسها الأمل والإرادة والصمود ..
لقد غبت عن بلدي يا صديقي اثني عشر عاما ، حتى خلت أنني سأكون غريبا منبوذا في وطني وبين أهلي إذا فكرت في العودة إليهم يوما ، وها أنا أعود في مهمة استشهادية ، فأنظر إلى التفاف الأهل وعطائهم ..
ولم يعد الذين يعرفوننا جيلاً واحداً أو جيلين كما تركتهم ، وإنما ساروا أجيالا متعددة ، فوجدنا أطفالا صغارا تركناهم في سن المدرسة الابتدائية في صفوفها المبكرة ، وجدناهم أطباء وصيادلة وممرضين ، وقد لفونا بحبهم وغمرونا ببذلهم ، وكأنهم جميعا يرفعون شعارا واحدا لا بديل لهم سواه ، كانت أعماقهم جميعا ترتل :
( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) ..
وكانت قلوبهم تردد صدى حديث النبي :
فإن استطاع أن يغرسها فليغرسها ..

لقد رأينا في محنتنا يا صاحبي ، رأينا الحب ، وعرفنا معنى المجتمع !!
لقد أصبح مرض منال العضال الفتاك ، وجعاً في كل بيت ، وهاجساً لدى كل أسرة .. وأدركت يا صاحبي على الطبيعة ، كيف أصبح الطب البديل يشكل جزءاً كبيراً من كيان المجتمع ، وغدت الفضائيات التي تقدم برامجه قبلة أسر كثيرة .. ووجدت الإيمان بالله ، واللجوء إلى الأذكار المأثورة ، وشبه المأثورة الحصن الأول لطبقة كبيرة من المجتمع ، لم تكن تقيم من قبل لأغلب هذه الأشياء كبير وزن !!
وأنا أطلب منك العفو عن ذكر كل دور من أدوار البطولة ، التي لعبها المئات في تلك الملحمة الخالدة ، ملحمة الحياة ..
فلقد كدت أحدثك عن أمي ودورها البطولي ، وهي لا تكتفي بدورها في البيت من تقديم سبل الراحة ، والعناية بالمريضة ، ولا الحفاوة البالغة بابنها وحفيدها الصغير ( همام ) الذي لم يدرك سن المدرسة بعد ، فقدم مع أبيه وأمه في رحلة البحث عن حياة أمه ، ولا استقبال عشرات الزوار كل يوم ، ولا الرد على رنين الهاتف الذي لا ينقطع ، ولكن أيضا نزلت إلى الشارع تمر على مختلف صيدليات المدينة تبكي بدموع العين ، وهي تصيح في وجوههم ، طلبا لتلك المسكنات التي يصفها الأطباء لمنال ، ونحصل عليها بشق الأنفس ..
كانت أمي ، ترى بأم عينيها الشقاء الذي يرتسم على وجهي في الحصول على تلك المسكنات ..
وكانت تدرك حاجة منال الملحة إلى جرعتها بشكل متقارب منتظم .. وبين النارين نزلت ودموعها تسيل على خدها ، وهي تستجدي الصيادلة وتهتف فيهم

- : أليس هذا حراما ؟ أن نترك مريضة على فراش الموت تعاني وتتألم .. وهل وجهي ، وجه المرأة في سن ما بعد المعاش ، وجه مدمنة تبحث عن مخدر حتى تمنعوا عني صرف دواء ابنتي ؟ ،

وكدت أحدثك كذلك عن عصام شقيق منال وهو يتفاني في سبيل إنقاذ أخته وصديقته ، وتذليل سبل القبول لما يعن لها من رغبات ..
وعن دور هاني شقيقها الأصغر الذي تكفل بكل ما يتصل ببنك الدم ، فكان يأتينا بكل ما يطلبه الأطباء من جرعات دم ، أو بلازما ، أو خلافه .. كان يتكفل بجمع المتبرعين من الأصدقاء ، وترتيبهم والذهاب بهم إلى بنك الدم ، والحصول على ما يحتاج من جرعات ، وتسديد ثمن تلك الجرعات ، وهي مبالغ طائلة إذا كانت بصورة متتابعة كما في مثل حاجتنا ، كان يسددها من ميزانيته الشخصية ، دون أن يخبرني ، لأنني لم أكن أعلم أن الحصول على أكياس الدم يحتاج إلى مثل تلك المبالغ المرهقة .. ثم عرفت عند آخر كيس حصلنا عليه ، أن ما يدفع فيه إنما هو تكلفة الأجهزة التي تقوم على تحليله وتجهيزه ..
وأتحدث عن دور شقيقي الأوسط ، وقد تكفل بكل ما يتعلق بالإجراءات النظامية من إنهاء أية أوراق نظامية تخصني أو تخص منال ، وما يتعلق بإجراءات السفر وحجز مواعيد الطائرة .. وغير ذلك من كل ما يتعلق بالإجراءات بأنواعها ..
وأحببت أن أحدثك عن دور صديقي أحمد عبد الجواد ، الذي غبت عنه اثني عشر عاما كاملة ، لم يكن بيننا خلالها سوى خطاب أو اثنين ، وعدت إلى مصر ، وإلى مدينتنا في محنتنا ، وقد ضلت بي السبل عنه ، حتى عثرت عليه أخيرا ، وعندما علم بالمحنة ، وقف وقته ، فأخذ إجازة من العمل تقريبا ، ووقف سيارته ، ونفسه ، وجعل كل شيء في حياته وقفا علي وعلى زوجتي حتى تنقضي المحنة .. ولم يتركني بعد ذلك إلا على أبواب المدخل الأخير للمطار وأنا في طريق عودتي !! والمدهش حقا هو أن أخي وصديق عمري ( أحمد عبد الجواد ) كان قد مر بنفس هذه الظروف منذ عهد قريب ، فكان قد فقد زوجته وأم أبنائه الثلاث منذ شهرين فقط ، بعد معاناة مع نفس المرض !!
لكنني وجدت أنني لو أسهبت في الحديث عن هؤلاء ، فإنني أظلم مئات ..
وليست هذه مبالغة ، لقد كانوا عدة مئات ، توزعوا على عدة مدن في مصر حيث يقيم الأهل والأقارب والمعارف ، وفي مكة المكرمة حيث نصف سنوات عمر منال الواعي قد قضتها هناك ..
إنني بذلك أظلمهم حين لا أشير إلى أدوارهم جميعا بنفس القدر والتقدير ..
فلم يكن أحد في هذه الملحمة يلعب دور ( الكومبارس ) أو ( السنيد ) ، وإنما كانوا جميعا يلعبون دور البطولة المطلقة ..
لقد كانت ملحمة ، بلا جمهور .. لأنه لم يشاهدها أحد إلا وقد شارك فيها وأصبح جزءا منها ..
ولقد أيقنت أن الأرواح تتلاقى ، ولو غابت الأجساد وتشتت في التيه أزمانا بل أعمارا كاملة ..


20 - 12 - منال لن تموت


لقد سمعت من نساء وفتيات العائلة البعيدات من حيث صلة القرابة نوعا ، واللائي لم يعرفن منال من قبل ، سمعتهن يرددن في أكثر من مناسبة وموقف ، لوعتهن على مقابلتهن منال في زيارتها قبل الأخيرة إلى مصر تلك التي كانت قبل شهرين ..كن يقلن :

- لقد ربطت قلوبنا وأرواحنا بها ، وكنا قبل ذلك نسمع عنها ولا نعرفها ، فإذا بها في زيارة عابرة خاطفة لم تتجاوز مدتها ثلاثة أسابيع ، تغرس بذور حبها في قلوبنا غرسا .. وسرعان ما تفتحت زهور الحب في نفوسنا ونحن نرى نظرات عماد ..
إنها استطاعت أن تجعل من زوجها عاشقا من طراز عشاق أساطير التاريخ ، ( قيس وليلى ) ، و( جميل بثينة ) ، و( كثير لبنى ) ، و( روميو وجوليت )..
إن من واجب التاريخ أن يذكر أسطورة أخرى أسطورة ( منال وعماد ) ..
إن منال صنعت من عماد ( قيسا ) جديدا ، بعد قرون طويلة خلت من هذا الحب الخالد ..
وإن المرأة التي تحافظ على زوجها في هذه الحال من الوله الهائم ثلاث عشرة سنة ، بعدما أخذ منها ما يريد الرجل من المرأة ، وبعدما التصق بها فعرفها على حقيقتها ، واطلع على عورات نفسها ، وجوانب نقصها ، فيحبها بهذا الجنون ، امرأة جديرة أن يقام لها تمثال للحب ..

- إننا لا نلمح في عيني عماد هذا النوع من الحب الذي يتكون بطول العشرة ، وليست المودة التي يصنعها الزواج الناجح السعيد ، وليس التوتر والقلق على مستقبل الأبناء الصغار وقابل أيامهم .. وإنما نرى فيهما حبا من نوع آخر مختلف ، حدثتنا عنه الروايات العاطفية ، ولم نره من قبل في عالمنا ..
- لقد سمعناه أكثر من مرة يذكر مخلصا صادقا ، إنه أهون عليه أن يضحي ببعض أبنائه ، أو بهم جميعا ، وأن يمرض هو بنفس مرض منال هذا ، وأن يراها أمامه قوية صحيحة تقوم على تمريضه ، بدلا من أن يقوم على تمريضها !!

- ولقد نقلوا لنا أن منال ، كانت تقول له :
الله تعالى أرحم بي من نفسي فإني أصبر على المرض وآلامه المضنية ، ولكني لا أطيق أن تكون أنت مكاني يا حبيبي ، إن لحظة عذابي الحقيقية هي اللحظة التي أشعر فيها أنك تتعذب أو تتألم !!!

إن هذا الحديث – حديث النساء من قريباتي - الذي أقسم لك أنه صادق كل الصدق ، دقيق كل الدقة .. يعطينا فكرة ولو مبسطة عما فعلته منال بقلوب من عرفها ، ولو من عن بعد !!
ولقد وصلتني وأنا أدون هذه السطور ، رسالة كريمة من سيدة فاضلة ، لم تلتقِ بمنال إلا دقائق معدودة ، لكنها كانت واحدة من هؤلاء اللاتي شاركن في الملحمة .. ملحمة ( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) .. هذه السيدة هي شقيقة زوجة شقيقي .. أرسلت تقول :
إنني عندما علمت من أختي بحضور منال ( سلفتها ) إلى مصر في زيارة قصيرة للاطمئنان على أمها المريضة ، وأنها ستقضي نصف فترة وجودها عند أم عماد ( حماة شقيقتي ) ، توجست خيفة ، حيث أن أغلب الخلافات الزوجية والعائلية ، إنما تبدأ بالاحتكاك بما تسمى في العرف المصري ( بالسلفة ) أي زوجة شقيق الزوج .. وكنت أهاتف أختي كل فترة أتحسس علاقتها بالضيفة الجديدة .. فكانت تطمئنني أن العلاقة بينهما على خير ما يكون !!
وبدأت أفهم من خلال مكالمتنا معا ، أنها تروي عن شخصية رائعة ، فقررت أن أنزل من مدينتي التي أقيم فيها لزيارة شقيقتي ، ووداع الضيفة الكريمة العائدة إلى زوجها .. وتمكنت أن أختلي بشقيقتي قبل أن ألتقي بالضيفة ، وسألتها عن انطباعها عن سلفتها ، فقالت لي :
- أنا لم أشعر أنها غريبة عني .. بل أنا لم أشعر أنها حتى أختي الكبرى .. لقد شعرت أنها تعاملني كابنة لها !!
- وتعجبت كل العجب ، وقلت لأختي : أنت إذن تتحدثين عن ملاك ، وليس عن إنسان ..
- قالت أختي بمرح : إنك سترينها بعد قليل فلتحكمي أنت بنفسك ..

بهذه الروح ، رأيت منال لأول مرة .. وقد كانت منتقبة في عباءة سوداء وخمار أسود – الزي السعودي التقليدي – ولم يكن يظهر منها سوى عينيها وقد كانتا تشعان حبا وعاطفة ، ونور ..
وقد رأيتها في وسط كوكبة من المودعين ، أو مظاهرة من المحبين .. والغريب حقا أن كل هؤلاء المودعين كانوا من أهل وأقارب زوجها !!
ولم أعد أدري أهم يعبرون عن حبهم لها هي ، أم إلى ابنهم عماد زوجها الغائب الذي لم يروه منذ سنوات طويلة ؟؟
وأخيرا اقتربت من منال ، وتعرفت إليها ، فلفتني بحبها ، وأشعرتني بسعادتها لرؤيتي .. وحدثتني أنها تعرفني منذ فترة طويلة من خلال مشاركاتي على الإنترنت .. ولقد شجعني هذا لسؤالها عن سر السعادة المطلة من عينيها :
- هل كل هذه السعادة البادية من عينيك يا أم مريم ، بسبب عودتك لابنك وابنتك المنتظرين في مكة ؟!

- قالت والسعادة تتألق في عينيها : أنا طبعا فرحة لرجوعي لأولادي ، ولكن فرحتي الأكبر هي لإحساسي أنني بعد يومين سيكتمل قلبي الذي انفطر إلى نصفين عند مجيئي إلى مصر وتركت زوجي وحبيبي ..
ومن الغريب أنني بكيت وأنا أودعها فكأنني أعرفها منذ وقت طويل ويصعب علي فراقها !!
وما لبثت سوى شهر تقريبا حتى أخبرتني شقيقتي .. أن منال مريضة بمرض خبيث ، وأنها تحتاج إلى دعاء .. دعاء في مستوى المعجزة المطلوبة لإنقاذها من المرض الرهيب .. وأنها على وشك العودة لمصر في رحلة علاجية مستحيلة ..
ووجدت نفسي أبكي بحرقة ، ثم وجدت نفسي مجندة تماما ، أنا وزوجي ، للبحث عن كل ما يتعلق بهذا المرض ، وطرق علاجه ، وأفضل أساتذته في مصر ، وطلب الدعاء لها من كل من نقابله من الناس !!
إن كل لحظة كانت تمر علينا ، وهي مقيمة في مدينتها في رحلة العلاج ، كانت نفسي تحدثني أن أذهب لزيارتها ، لكنني كنت خائفة .. كنت مشفقة غاية الإشفاق ..
لم يكن بريق السعادة في عينيها قد خبا من نظري .. ولا الحب الذي يشع منهما ، وأشفقت أن أرى تلك العينين مرة أخرى ، وأن يكون هذا البريق العبقري قد خبا أو ذبل .. ولم أكن أقوى على الارتباط بها أكثر من ذلك ..
فقنعت ، رغما عن حديث النفس وتأنيب الضمير .. قنعت بأن أطمئن عليها من شقيقتي تليفونيا .. وأن أظل مجندة في فريق الدعاء لها ، والبحث عن سبل العلاج المعجز ، إن توصلنا إلى خبر عنه ..
لقد كنت في معهد الدعاة أذهب إلى أستاذ التفسير ، وكان رجلاً مشهوداً له بأنه مستجاب الدعوة ، فطلبت منه الدعاء لمنال ، وجمعت له الطالبات ، هو يدعو ونحن جميعا نؤمن خلفه ، ولاحظت الطالبات شدة تأثري وبكائي أثناء الدعاء ، فسألنني عن مدى قرابتي لتلك المريضة ، وقد كانت دهشتهن بالغة عندما أجبتهن قائلة :
إنني لم أرها إلا عدة دقائق معدودة ، ولم أتبادل معها أكثر من عشرين كلمة على الأكثر !!
كان هذا هو انطباع السيدة الفاضلة ، عن منال التي لم تلتقِ بها سوى بضع دقائق !!

20 - 13 - منال لن تموت

في هذه الأثناء والأجواء ، كنا نستعرض كافة البدائل المتاحة ، وغير المتاحة أمامنا ، كنا قد أدركنا عجز الطب ، وانهارت أمامنا أسطورة العلم الذي أوصل الإنسان للقمر منذ أكثر من نصف قرن من الزمان ، والذي جعل من وسائل الاتصالات أسطورة من أساطير الحياة ، والذي أجرى تجاربه على استنساخ مخلوق من خلايا مخلوق آخر .. وكنا نسخر .. هل استطاع العلم الحديث بكل معطياته أن ينسخ لنا نسخة من منال !!
ولم نكن نريد منه أن يفعل .. كان قمة ما نرجوه منه أن يقدم لنا حلا لحصار تلك الخلايا الرهيبة ؟؟؟
وبات من أهم الحلول المتاحة أمامنا .. العودة بمنال إلى مكة ، حيث بلدها التي أحبته وأحبها .. لتملأ عينها من الكعبة المشرفة ، وهي على كرسيها المتحرك الذي لن تقوى على الحركة من دونه .. وأن تدلك جسمها بماء زمزم المبارك .. ثم .. ثم تجتمع بفلذات أكبادها الثلاثة ( مريم ، وفاطمة ، وسعيد ) الذين تركناهم خلفنا في مكة ، لارتباطهم بالعام الدراسي ، فتودعهم الوداع الأخير .. وأن تلقي نظرتها على مقابر المعلاه .. حيث ترقد أمها ، أم المؤمنين ( خديجة بنت خويلد ) رضي الله عنها ، والتي كانت منال تكن لها حباً خاصاً .. ويرقد أباها سعيد والدي ، الذي كانت تبكي افتقاده في منزله ، وترقد ابنتها الصغرى ( خديجة ) ، التي حملتها في بطنها تسعة أشهر وهنا على وهن ، حتى إذا حانت لحظة نزولها إلى الدنيا ، اختنقت أثناء الولادة .. فلم ترها أمها إلا جثة هامدة .. أما أنا .. أبوها فلم أرها إلا مسجاة في كفنها ..
وأخيرا تدفن معهم ، في جنة المعلاه .. حيث لم تتصور منذ وطأت قدمها أرض مكة أن تدفن في غيرها من مقابر الأرض !!
ولم يكن معنى هذا الاختيار أننا فقدنا الأمل في المعجزة .. لقد كان يقيننا في المعجزة يزداد .. لكن الرحلة العلاجية قد انتهت ، انتهت بإعلان الطب فشله ، واعتذاره ..
وكان لابد من مواصلة الحياة بحثا عن الأمل ، وكنا نرى الأمل أكثر قربا في مكة وفي رحاب الحرم .. ولم نكن بذلك سنتخلى عن محاولة العلاج الكيماوي ذات نسبة الواحد بالمائة .. لكننا كنا سنستمر هناك .. بعدما أخبرنا جميع الأطباء ، أن نظام وجرعات العلاج واحدة ومحددة بدقة في كل دول العالم .. وأننا لو ذهبنا بمنال إلى أمريكا أو ألمانيا أو أي دولة في العالم ، فلم نجد عندهم غير ما يمكن أن نجده في مصر أو في المملكة !!
وصارت منال تهتف من أعماقها :
- أريد أن أعود إلى بلدي .. مكة ..
وكان بيننا وبين تحقيق هذا الحلم الأخير ، لنفس إنسانية ، أدمنت العطاء ، واحترفت البذل ، وأسرت القلوب ، وأثرت في النفوس .. عقبات ..
وكانت إحدى هذه العقبات ، هي استخلاص أوراقي والحصول على تصريح العمل ، الذي لا يغادر المواطن المصري العامل بالخارج ، مصر ، بدونه ، والذي يتم استخراجه من وزارة الداخلية ، حيث تعرض أسماء المشتبه فيهم من أمثالي ، على مباحث أمن الدولة ..
ولقد كنت أدرك أن تصريح السفر الذي يستلمه المواطن العادي بعد أربع وعشرين ساعة من تقديمه لإدارة تصاريح العمل ، كنت أدرك أنني لن أستلمه إلا بعد عدة أيام أو أسابيع .. باعتباري مواطن ( سوبر ) .. ربما !!
ولقد حرصت في اليوم التالي الذي وطأت فيه قدمي أرض مدينتي أن أتقدم لإدارة التصاريح بأوراقي .. ولكنه لم يصدر رغم مرور عدة أسابيع .. وفي آخر مرة راجعت فيها موظف إدارة التصاريح قال لي :

- أنت الأستاذ عماد سعيد ؟

- نعم .. أنا عماد سعيد

- تصريحك لن يصدر يا أستاذ عماد ، حتى تراجع إدارة مباحث أمن الدولة .. هل تعرف مكانها ؟

- طبعا أعرفه .. وهمست لنفسي ، وكيف لا أعرفه وقد أكلت فيه من قبل ( عيش وملح ) ..

- إذن راجعهم ، ثم عد لتستلم تصريح عملك ..

- احتججت قائلا : لكنني عندي ظروف قهرية .. مسألة حياة أو موت ..


- قاطعني الرجل في هدوء وأدب جم : هذه هي التعليمات يا أستاذ عماد ، وهم لن يؤخروك .. ثم أردف مودعا ، وقد نزل ببصره إلى الأوراق التي يعمل بها : كان الله في عونك ..

وخرجت من إدارة تصاريح العمل متسائلا في نفسي :
هل هذه محنة جديدة تضاف إلى محنتي الكبرى ؟ أم أنها حلقة من حلقاتها .. ليطول بنا المقام في مصر ، ويقضي الله أمرا كان مفعولا ؟؟
إن الذين يستهينون بمشاعر المواطن في مصر ، ويستتفهون محنه وعذاباته ، ويستصغرون مصائبه الخاصة ، لا يدركون ولا حتى يتخيلون .. كيف يرقص قلب هذا المواطن في غربته مع رفرفات علم بلاده ولو كان في سماء ملعب لكرة القدم !!!
ولا يدركون ، خاصة الذين لم يجربوا عذابات الغربة ، ولم يكتووا بنيران الحرمان من ضمة وطن .. لا يدركون معنى ( رائحة مصر ) ..
إن أول سؤال همست به في أذن منال ، ونحن نتحرك في مطار القاهرة الدولي في طريق وصولنا إلى صالة المطار :
- أنا أشم رائحة مصر .. يا منال ، فهل تشمينها معي ؟

- لم تجب منال ، لكنها هزت رأسها بالموافقة .. لقد ضنت بلحظة استنشاقها لعبير مصر ، أن تقطعها لتجيبني ..
وعندما أفاقت من تأثير المخدر ، الذي حقنتها به خلال رحلتنا بالسيارة من القاهرة إلى مدينة الجراح العظيم .. كنا في طريقنا إلى مدينته ، نمر بالحقول ، والجرن ، وكنا في هذه اللحظة التي أفاقت فيها وفتحت عينيها وقد رفعت رأسها عن كتفي .. كنا نمر بحقل اختلطت فيه رائحة العشب الأخضر ، بدخان احتراق قش الأرز ، بفضلات حيوانات الحقل ، وهتفت في أذنها بعشق :
- رائحة ريف مصر يا حبيبتي ..

- وما لبثنا أن رددنا سويا : رائحة ريف مصر ..

هذه هي مصر التي تسكن قلوبنا ، وتسكن قلب منال .. التي عبرت عن حبها لمكة بأنها بلدها ، وأنها تريد أن تقبر فيها قريبا من أمها ( خديجة ) وبنتها ( خديجة ) ، وأبيها ( سعيد ) ، وبالقرب من حرمها الآمن .. لكنه لا تعارض بين حب ، وحب .. وولاء ، وولاء ، لأننا لا نتحدث عن أوطان متنافرة متصارعة ، وإنما نتحدث عن وطن واحد كبير ..
فبلاد العرب أوطاني وبنيه حيث كانوا إخواني ..
هذا هو مطلع النشيد الذي حفظتنا إياه مصر ، في طفولتنا المبكرة في السنة الأولى أو الثانية من المدرسة الابتدائية !!
فهل كانت منال عاشقة مصر .. تستحق أن تفقد رغبتها الأخيرة على أيدي بعض رجال أمن مصر ، واجتهاداتهم التي قد تصيب ، وقد تخطئ ؟؟؟
وعند ظهر أحد الأيام وكنت أجهز منال ، للنزول من المنزل ، لإجراء تحاليل مطلوبة للدم .. أتي يدق كما تعود بابنا ، مخبر من مباحث أمن الدولة ..
.
20 - 14 - منال لن تموت

أتي يدق كما تعود بابنا ، مخبر من مباحث أمن الدولة ..
فتحت الباب .. فسألني الرجل الأشيب الذي ظهر أمامي بصوت أجش ، ولم يكن أحدنا يعرف الآخر :
- الأستاذ عماد سعيد موجود

- أنا عماد سعيد .. خيرا إن شاء الله ؟

- أنت عماد سعيد !!!

- نعم أنا .. أية خدمة ..

- إن الرائد ( فلان ) من مباحث أمن الدولة يريد مقابلتك ..

- متى ؟

- الآن .. هي مجرد ساعة وتعود ..

هممت أن أعارضه بارتباطي بتحليلات الزوجة ، لكنني ، لا أدرك كيف قفزت أمي من على مقعدها في الصالة ، لأجدها أمامي وقد اشتبكت مع الرجل في جدال صاخب ، بدأته بقولها صائحة غاضبة :

- أهو أنت ؟

ثم تشابك الجدال وتشعب ، حتى استطعت تهدئتهما أخيرا ، وأقنعت الرجل بالدخول إلى الصالون ، حتى أطلعه على الظروف ..
وما هي إلا لحظات أخرى ، وقد فوجئت بمنال أمامنا في الصالون ، وهي تهتف في وجه الرجل :
- إنني مريضة جدا ، وعلى مشارف الموت .. ألا تتركون زوجي حتى يتم مهمته في دفني ؟؟؟

لقد كانت ثورة النساء في مواجهة رجال الإدارة ..
لكن المخبر قد تفهم الموقف ، وتعهد أمامي وأمام منال ، أن ينقل هذه الظروف إلى الرائد ( فلان ) ، ولن يستغرق جلوسي معهم عدة دقائق ، وأعود وأصحبها إلى مختبر التحليلات الطبية ..
ووفى الرجل بتعهده ، ونقل الظروف إلى الرائد .. الذي احتفظ بجواز سفري ، وصرفني على أن أحضر له بعد ظهر اليوم التالي ..
وعدت إلى أمي ومنال ، بأسرع مما تصورا ، وطمأنتهما فحمدا الله .. ثم اصطحبت منال إلى المختبر لإجراء التحاليل المطلوبة ..
وفي اليوم التالي ذهبت إلى إدارة مباحث أمن الدولة لمقابلة الرائد ( فلان ) .. والحقيقة أن الرجل ، وقد كان شابا صغيرا ، يصغرني سنا .. كان في غاية الرقة والتهذيب معي ، وقد بدأ تحقيقه المطول معي بالسؤال عن طبيعة مرض زوجتي .. وأخبرته باختصار عن طبيعة المرض ، وفرص العلاج ..
ومن ثم بدأ سيادته تحقيقه معي ..
كان يريد أن يعرف عن علاقاتي السابقة .. زمن الجامعة والدراسة ( بالإخوان ) .. وعن أسباب اعتقالي السابق .. وعن علاقاتي بشخصيات في العمل الإسلامي ، وعن علاقاتي في المملكة في هذا المجال ..
وسألني عن شقيقي الأصغر وعلاقاته وأنشطته .. ولم تكن له علاقات أو أنشطة تثير الريبة !!
ثم سألني عن عائلة زوجتي ، وعن طبيعة زي زوجتي ، وهل هي ترتدي الخمار أم لا ؟
وسألني حتى عن أسماء أبنائي .. فالأسماء عندهم لها دلالتها
ولقد أجبته تقريبا على كافة الأسئلة بصدق تام ، فلم يكن فيما وجهه إلي من أسئلة ما أخشى منه ، أو أستحي منه ..
ولم تكن في علاقاتي أي نوع من السرية ، حتى أنني تسلحت بعدة مقالات تنشر آرائي وأفكاري المستقلة في عدة مواقع على الإنترنت ، فوضعت بعض عناوينها الإلكترونية أمام الرائد ، ليتأكد منها ويطلع عليها على مهل ..
وبعد قرابة ساعتين .. كان التحقيق قد انتهى .. وقبل أن أنصرف .. ذكرت الرائد بضرورة سرعة إنجاز تصريح عملي ، لتوقف السفر عليه ..
فبانت على وجهه علامات الدهشة ، وهو يذكر لي عدم معرفته بهذا الأمر .. لكنني رغم ذلك ألححت عليه بهذا الخصوص .. ولا يفوتني أن سعادة الرائد لم يخفِ تعاطفه الشديد معي أو بالأحرى مع حالة زوجتي فقال لي :

- أنا متعاطف معك كثيرا يا أستاذ عماد ..

- شكرا يا فندم

- الحقيقة أنني مرت بتجربة مماثلة .. لقد كان لي عم مصاب بهذا المرض الرهيب .. ولكن اطمئن ، واجعل إيمانك بالله كبيرا .. ولا تعتمد إلا عليه .. فالأطباء لا يملكون تقدير أعمار الإنسان ..

- أكيد يا فندم ..

- لقد أكدوا لنا أن عمي لن يعيش إلا شهرا .. ولقد عاش بعد ذلك خمس سنوات كاملة !! فلا تيأس ، ودع أقاويل الأطباء .. وتوكل على الله ..

وانصرفت وأنا آمل أن يتم الإفراج عن تصريح عملي قريبا ، طالما أن صاحبه ذاته لن يتم حبسه هذه المرة !! ، وأخذت أفكر في كلام سعادة الرائد .. إننا جميعا أمام المرض ، وأمام الموت سواء .. لا فرق بين ضابط المباحث ومواطن مغترب من الدرجة الرابعة مثلي ..
خرجت من مكتب الرائد فلان في إدارة مباحث أمن الدولة ، لأواصل رحلة البحث عن جراحنا الشهير الذي اختفى بالنسبة لي .. اختفى هو وتلاميذه الجراحون المساعدون في ظروف غامضة .. بالنسبة لنا على الأقل ..
فبعد انسداد أنبوب التغذية ، وبالتالي الإعلان عن فشل الجراحة التلطيفية .. اختفى الجميع ، فلم يكن ثمة أي حلول ممكنة .. ولجأت إلى أكثر من جراح من أشهر وأقدر الجراحين في منطقتنا .. لكنهم لم يزيدوا شيئا عن تقرير الجراح الشهير !!
ولجأت إلى نقابة الأطباء .. لم يعد يعنيني الآن البحث عن علاج لمنال .. فقد أدركنا منذ زمن أنه لا علاج ، وأننا بانتظار معجزة الشفاء بمكة .. لكنني كنت أبحث عن وسيلة لتغذيتها ، لم يكن أحد منهم قد وضع لنا خطة بديلة للغذاء ، بعدما تعطل الطريق الثاني من طرق التغذية !!
وبدأنا نجتهد في التغذية عن طريق المحاليل ، ولم تكن محاليل بنسبة ( خمسة في المائة ) من الجلوكوز والأملاح ، لتقيم حياة إنسان .. لكن منال استطاعت أن تحيا بواسطتها سبعة أيام كاملة ..
وأخيرا بعد طول عناء ، وتكرار شكاوى ، وتعدد جهات التوسط بين كبار الأطباء ، وبين أستاذنا الجراح ، لمواصلة مهمته إلى النهاية ..
ظهر الجراح الشهير .. وأمر بإدخال منال إلى مستشفى خاص بمدينتنا – هذه المرة – ليتم تغذيتها عن طريق أوردة الرقبة .. لقد أصبحت الحالة .. حالة عناية مركزة .. وقد أبلغت الرجل بنيتنا العودة إلى مكة .. فنصحنا بسرعة السفر بأقصى ما نستطيع ، إن كانت رغبة منال أن تموت بمكة !!
ولم يكن يعلم أن ثمة صراع آخر غير الصراع مع المرض دائراً على جبهة أخرى ، فلم يصدر تصريح العمل بعد ، رغم مرور أسبوع على مقابلتي مع الرائد الرقيق المهذب ( فلان ) !
.
.
ولقد كانت منال في المستشفى تتألم .. لكن روحها لم تعرف الخور .. أو الوهن ..
ورغم ضعف الجسد الممنوع من الغذاء فترة من الزمن .. وتأكيدات الأطباء من كل تخصص .. عدت أسألها عن آمالها وتوقعها .. وظل الأمل يداعب خيالها ، كانت تحلم بالمعجزة ، لم تكن تحلم بها ، وإنما كانت تؤمن بها .. كانت تراها حقيقة واقعة .. وخيرتها ربما للمرة الأخيرة .. هل تريد أن تعود إلى مكة أم تبقى بمصر .. لكنها أكدت لي رغبتها بالعودة إلى مكة .. وبدأنا نتحدث عن أداء العمرة ، ومن ثم تأدية فريضة الحج هذا العام .. كنت أشجعها ، وكانت تظن في ربها خيرا .. وتشتاق إليه .. ربما استوى عندها الأمل في الشفاء مع الأمل في لقائه ، وبدت أقرب شوقا للقاء الله وقد شجعها حسن ظنها برحمته تعالى بأمته المسكينة الضعيفة ، وحسن ظنها برعايته أسرتها الحبيبة فاستودعتنا إياه ..

وعاد شقيقها عصام يستوثق من رغبتها في العودة إلى مكة .. وقد اتفقت معه على أن يكون هذا في غير وجودي .. لأنفي أي تأثير لرغبتي على قرارها ..
وكذلك طلبت منه ألا يؤثر على رأيها بعرض وجهة نظره عليها ، وأن يترك لها فرصة التعبير عن رأيها بحرية تامة ، وكانت وجهة نظر عصام مطابقة لوجهة نظرنا ، فلقد كان يأمل أن تتحقق المعجزة في الحرم ..
ولم تتزحزح منال عن رغبتها في العودة إلى مكة .. واستسلم الأهل لقرارها .. ثم حضر إليها بعض أقاربها من العائلة يزورونها ، فحاولوا إثنائها عن هذا القرار الذي يعد مغامرة خطيرة ..
ولكن منذ متى كانت منال ترهب المغامرات أو تقدر حساب عواقبها طالما آمنت أنها على صواب ؟؟؟
غير أن هذه المحاولة من الأهل ، وذلك الإلحاح المتزايد ، أصابها بحالة من الضيق الشديد .. كانت تريد أن تهنأ بالسلام مع ما اتخذت من قرار .. لكن كثرة الإلحاح والمناقشة أصابها بالضيق والانفعال ..
وواجهتني أنا وعصام بضيقها الشديد .. فطلبت الإنفراد بها ..

- منال حبيبتي .. ما الذي يضايقك ؟

- قالت بنفاذ صبر : إني أسمع كلاماً يتردد لأول مرة ، فمثلا أنا أعرف الآن ولأول مرة أننا مسافرون يوم الجمعة القادم ، والمشكلة أنني لم أعرف ذلك منك ، وأشعر بهمهمات وأحاديث كثيرة تدور حولي .. وهذا يرفض ، وهذا يعلق .. وكلها أمور لا تخص أحداً غيرنا في المقام الأول ..

- أخذت رأسها في صدري .. وأخذت أمسح على شعرها بحنان ، وقلت : ( منولتي ) .. بالنسبة لموعد السفر فهو لم يتحدد إلا قبل قليل ، فعصر اليوم فقط حصلت على تصريح العمل ..

- نظرت إلي في حب وهي تتساءل في لهفة : أحقا يا حبيبي .. مبروك يا روحي ..

- وكما تعلمين أن شقيقي كان قد حجز لنا عدة مواعيد للسفر .. وذلك لأزمة الحجز خاصة مع اقتراب موسم الحج .. ولذلك فقد رأينا بصورة مبدئية أن موعد يوم الجمعة القادم هو أنسب هذه المواعيد ..

- قالت بتأمل : أي بعد ثلاثة أيام ..

- نعم يا حبيبتي .. ولكن هذا حجز على الكمبيوتر ، ولم أدفع النقود وأستلم التذاكر بعد ، وهذا يتوقف على إشارة منك .. والمطلوب سداد النقود بحد أقصى غدا قبل نهاية العمل بشركة الحجز ..

- قالت بلهفة : إذن اتفقنا يا عماد .. أرسل لهم النقود .. ولنتوكل على الله عز وجل .. مكة أوحشتني يا عماد .. بلدي أوحشتني ..

- اتفقنا يا منولتي .. منال هل تخافين ؟

- قالت بيقين : لم أعد أخاف .. فأنا أحب الله تعالى ..

وعدت أذكرها بموعدها على الحوض لتعوض ظمأها في الدنيا بشربة من يد الرسول صلى الله عليه وسلم ..
فاطمأنت وساد الهدوء نفسها ، وشع الأمل من قسمات وجهها ، وبرقت عيناها بوميض اليقين والإيمان ..
.
20 - 15 - منال لن تموت


وكان علي واجبات كثيرة يجب أن أقوم بها قبل السفر ، وقد كان عصام قد استأذنني لمرافقة منال في اليومين الأخيرين قبل السفر ، مرافقة دائمة ، فمن يدري متى تلتقي الوجوه ؟ ..
وقد رزقت منال بمال وفير .. مال لم تحصل عليه في حياتها كلها من قبل .. ولقد كان هذا المال يأتيها كمدد من أجل الإنفاق على العلاج باهظ التكاليف .. كان المال يتدفق !!
وكنت وأنا أعرض على الجراح الشهير أن أذهب بمنال إلى أي مكان في العالم يوجد به أمل في علاج وشفاء .. كنت صادقا ، لأنني كنت أثق أننا نعيش في مجتمع .. مجتمع مسلم .. قد لا يستشعر خصائصه أحد .. لكنه عند الشدة الحقيقية ، عندما يشتكي منه عضو مثل منال ، فإنه تتداعى له كافة الأعضاء بالحمى والسهر .. كنت موقن أن المال .. أي مبلغ من المال سوف يأتي .. وسيوضع بين كفي لإنقاذ نفس بشرية .. وتدفق المال ..
وكان معي أيضا مال ، بفضل الله تعالى ، فأردت أن يكون مال منال الخاص تحت تصرفها ، وكنت أرجو أن تكون لها صدقة جارية .. صدقة تخرجها هي قبل موتها راضية النفس بها ، مطمئنة البال ، ليكون لها أجر النية والعمل معا ..
وجلست بين يديها وهي على فراشها بالمستشفى أطلعها على رصيدها المتوفر لدي ، وأطلعها على ما معي من مال ، وأفند لها بنود النفقات المطلوبة في الفترة المقبلة ، كما كان عهدنا دائما طوال سنوات عشرتنا الطيبة .. ثم حاولت أن أوحي إليها بقيمة الصدقة الجارية ، وبدأت أضع أمام عينيها وجوها عدة للصدقة الجارية ، من باب المساعدة على التركيز .. وأخيرا قالت منال :
- إذن دعني أفكر في أمر الصدقة الجارية إلى صباح الغد يا عماد .. لأحدد هدفي وأستجمع نيتي ..

- وهو كذلك يا حبيبتي .. لا إله إلا الله ..

- محمد رسول الله ..

بعد ظهر اليوم التالي كنت بين يدي منال ، هي جالسة على فراشها ، وأنا جالس على الأرض بين يديها .. وسألتها في هدوء :

- هل فكرت في موضوع الصدقة الجارية ؟

- نعم يا عماد ، ولقد قررت أيضا .. أريدك يا حبيبي أن تقوم بعملية الليزر في عينيك ، لإعادة نظرك إلى قوته ، والاستغناء عن النظارة الطبية ..

وهممت أن أثنيها عن عزمها .. لقد قلت لها : منال حبيبتي .. أنت الآن في موقف قرب من الله تعالى .. انسيني يا حبيبتي ، وانسي حبنا كله ، لأنك لن تفعلي هذا الأمر لي .. بل يجب أن تفعليه لله تعالى ، فهي صدقة جارية ولسوف تقابلين بها ربك .. وإن كثيرا من الأماكن في حاجة إلى هذا المال أكثر من حاجة عيني أنا إليه ..

- قالت في حسم : أنا فكرت واخترت أن تجري جراحة الليزر يا عماد ..

- قاطعتها قائلا : لا تنسي يا حبيبتي .. معاهد الأورام .. مستشفى سرطان الأطفال .. يمكنك بهذا المبلغ الذي تعرضينه علي الآن أن تحيي طفلاً صغيراً ..

- مدت كفها الرقيقة النحيفة إلى شفتي وهي تقول : انتهينا يا حبيبي .. ستجري جراحة الليزر في عينيك .. أنا لم أنم طوال الليل لأنني أفكر في هذا الأمر ، ولقد فكرت وقررت ..

ويجب أن أعترف يا صديقي ، أنني أنا من أوحيت إلى منال بفكرة إجراء جراحة الليزر هذه .. كنت منجذبا إليها ، وكنت متعلقا بالخلاص من النظارة الطبية التي لازمتني أكثر من ربع قرن من عمري .. لكنني عند وقت التنفيذ .. ترددت ، وربما تراجعت .. كانت صدقة جارية ، وكانت منال أولى بها أن تضعها في مجالها الصحيح .. ولذا حاولت مخلصا أن أثنيها عن عزمها أن تهبني هذا المال ، لكنها أصرت في حزم ..
ولن أنسى يا صاحبي أن منال كانت لي بمثابة نور العين .. ولم تكن هذه أبدا مبالغة ، وإنما حقيقة واقعة .. لقد كانت تقرأ لي كل شيء ، وترى لي كل شيء ، وتساعدني حتى في قيادة السيارة ليلا فتقرأ لي اللوحات الإرشادية على الطريق !!
ولقد كتبت عنها ذات مرة أنها لي بمثابة ( سوزان لطه حسين ) .. فقد كانت تقرأ لي ، وأحيانا تكتب لي .. وكنت أدرك من خلال إصرارها على إجراء جراحة الليزر في عيني ، أنها تعوضني عنها ، عنها هي باعتبارها نور عيني .. وكان المعنى الذي تصنعه منال كبيرا جدا .. لكنني كنت أشعر أن هذه هي النهاية .. تريد أن تزرع في عيني نورا بدلا من نورها في عيني .. وكنت مستعدا لأن أفقد نور عينيَّ .. أن أفقد بصري ، وأن تبقي لي منال ..

أضافت منال بعد لحظات صمت ، أطلت فيها أنا التفكير :
- ولقد فكرت في أمر آخر يا عماد .. أرجوك أن تنفذه لي ..

أومأت لها بالإيجاب

- أريد أن أتبرع بأعضائي بعد موتي .. أريد أن يحيا بكل جزء من جسدي الفاني إنسان يشرف على الموت .. لعل الله تعالى أن يرحمني بذلك ..

- ولم أملك دموعي التي بللت وجهي كله ، وأخذت أقبل كفها ، وأنا أقول لها سأفعل يا حبيتي ، ما استطعت إلى ذلك سبيلا ..

كنت أدرك أنها تهبني عينا .. تهبني عينيها التي أبصرت بهما طيلة علاقتي بها ، وتريد أن تهب البشرية جسدها .. لتحيا به في جسد بشر آخرين !!
كم هي رائعة هذه الروح ؟
كم هي عملاقة هذه الروح ؟
كم هي ذكية هذه الروح ؟
إنها تدرك أنها على مشارف الموت ، ولكنها لا تريد أن تموت ، تريد أن تحيا من جديد جزءا من أحياء آخرين ..
ومثل هذه الروح لا يمكن أن تموت .. إنها ستستمر تزرع الأمل ، وتصنع الحياة ، وتبشر بالحب ، وتغزل السعادة ..

ووجدت نفسي أدندن لها من بين الدموع :
منااااال في سبيل الله
مناااال في سبيل الله

وحاولت أن أغتصب ابتسامة .. ابتسامة كانت حقيقة تجلجل في أعماقي .. لكن قسمات وجهي كانت ترفضها .. وأنا أقول لها :

- أتذكرين يا منولتي متى سمعنا هذا النشيد ؟ وقد كان يقول : مروااان في سبيل الله

- أومأت برأسها ، وهي تملأ بصرها من وجهي ..

- قلت لها : لقد كان النشيد التالي في الشريط الذي زفنا في السيارة إلى جنة الأرض .. بعد نشيد :
بارودتي والروح والأشواق حرا ..
نحن الآن في شهر ديسمبر ..

- نظرت إلي وفي عينيها نظرات حب أبدية قائلة : اليوم هو السادس من ديسمبر .. وبعد غد الثامن من ديسمبر .. يوم كل الأحرار .. يوم الانتفاضة .. اليوم الذي اخترناه سويا ليكون موعد زفافنا .. لكنهم أجلوه أسبوعا ..

- صحت منفعلا : كيف لم أنتبه لذلك ..

حدجتني بنظرة دهشة متسائلة ..

- أجبت نظرتها هاتفا في سعادة : إن موعد سفرنا قد تحدد يوم الجمعة الثامن من ديسمبر .. إن هذا سيكون يوم زفافنا الجديد .. ومنذ هذا التاريخ سنعود لخلوتنا معا .. سنعود لجزيرة حبنا النائي .. بعيدا عن كل هذه القلوب المحبة .. لكنها رغم حبها لنا تقطع علينا خلوتنا .. ( منولة ) حبيبتي .. بعد غد سنزف من جديد ، ولن يستطيع أحد أن يؤجل زفافنا أسبوعا آخر ..

- أومأت لي ، يملأ عينيها الحب والعاطفة والرقة ..


20 - 16 - منال لن تموت


ولقد انصرفت عن منال وهي تستعد لإجراء جراحة جديدة ، في الوقت الذي سأجرى أنا فيه جراحة الليزر .. لقد كان أنبوب التغذية الذي فشل عمله ، يتدلى من جانب بطنها بطول ثلاثين سنتيمترا أو يزيد قليلا ومثبت في نهايته محقن تومي كبير سعة ستين مليليتراً .. وكان هذا الجسم الكبير المتدلي من بطنها يضايقها بالتأكيد ، بالإضافة إلى إعاقته لملابسها .. وكانت منال تريد أن تتخلص منه قبل أن يراها أبناؤها في مكة على هذه الحال .. وكان الأمر يحتاج جراحة جديدة لإزالة الأنبوب ، ثم محاولة إغلاق مكان الجرح بالخياطة الطبية ..
ومضيت أنا مع صديقي القديم طبيب العيون الذي سيشارك في عملية الليزر في مدينة الإسكندرية ، كنت معه في سيارته الخاصة ، حيث اصطحبني إلى المركز المختص ، وأعادني بعد العملية إلى منزلي ..
وفي الطريق من مدينتنا إلى الإسكندرية سألته عن إمكانية تنفيذ وصية منال بالتبرع بأعضائها بعد الوفاة ، فقال الطبيب موضحا :
- هذا لا يصح كإجراء طبي .. أنت تعلم أن الجسم المصاب بهذا المرض الخطير ، لا يمكن نقل أي عضو منه ..
- قاطعته قائلا : لكن جميع وظائف الأعضاء سليمة وفي حالة ممتازة .. وظائف الكبد .. الكلى .. القلب ..

- قاطعني بهدوء : لا يضمن أحد أن تكون خلية سرطانية مجنونة قد استقرت في أي عضو ، حتى وإن لم تبدأ عملها المرضي بعد ، وفي هذه الحالة نكون قد نقلنا المرض من شخص مصاب ، إلى شخص سليم في حاجة إلى زراعة كلى مثلا ..

- أمنت على كلام الدكتور ، وأنا أقول له بأسى : إذن لا سبيل إلى إنفاذ وصية زوجتي الحبيبة ..

علق الطبيب الصديق في تأمل : زوجتك هذه يا عماد طموحة إلى الخير بشكل غير عادي .. فهي تهبك عينا .. أو قل تصلح نظرك قبل موتها ، وتريد أن تتبرع بأعضائها بعد الموت ، وهي تريد أن تموت بمكة المكرمة ، فتؤدي عمرة قبل الموت ، وتدفن بجوار الحرم والسيدة خديجة !! إنها تريد أن تجمع جوامع الخير كلها ..

- سألته متشككا وجلا : هل يمكن يا دكتور أن يكون التدهور الصحي في حالة زوجتي سريعا مباغتا ؟ أعني هل يمكن أن تدخل في حالة حرجة فجأة وبلا مقدمات ؟

- ابتسم الدكتور وهو يقول : لا .. في غالب هذه الحالات يكون التدهور الصحي تدريجيا ، فيزحف الورم على الصدر ، ويُحدث نوبات اختناق في التنفس ، ثم يزحف على الدماغ ، فتبدأ نوبات فقدان الوعي ، ويكون هذا في الغالب مؤشرا واضحا على اقتراب النهاية ..

- قلت في ترقب .. إذن مازال أمامنا بعض الوقت ..

- قال الطبيب مطمئنا : على أقل تقدير حتى تصلا إلى مكة ، وتحقق لها أمنيتها ..

- قلت للطبيب ، كمن يفكر بصوت مسموع : لن أخبر زوجتي باستحالة التبرع بأعضائها .. سأتركها هكذا على نيتها .. سأتركها تعتقد أنها تصدقت بأعضائها في سبيل الله ، حتى تدرك أجر ذلك كاملا ..

- تمتم الطبيب: نية المرء خير من عمله .. ولقد ثبت لها الأجر إن شاء الله ..

ودعني الدكتور عند مدخل منزلنا ، وأمرني طبيا ألا أذهب إلى المستشفى الليلة وأن أمكث في البيت ، وأنفذ التعليمات الصادرة لي بخصوص عيني ..
واتصلت بمنال في المستشفى أطمئن على حالتها ، وأبشرها بنجاح عملية الليزر .. هنأتني .. ثم قالت من بين آهاتها التي كانت حريصة على أن تخفيها عن أذني :

- لا ضرورة لقدومك الليلة .. عصام وهاني سيبيتان معي وسأنتظرك صباح الغد ..

في الصباح عند وصولي إلى المستشفى أخبرني عصام بأمرين ، رفضت أن أصدق أحدهما .. كنت أخاف من تصديقه .. أما الأمر الآخر فقد كنت أعلمه عين اليقين ..
قال عصام :

- إن منال مساء أمس وهي نائمة مستغرقة في النوم سمعناها تردد في وضوح :
لقد انتهي دوري حتى هنا ..
لقد انتهى دوري حتى هنا ..
لقد انتهى دوري حتى هنا ..
وحاولت أنا وهاني أن نستوثق من أنها نائمة أم مستيقظة ، فوجدناها نائمة مستغرقة في نومها !!

هذا هو الأمر الأول يا عماد .. أما الأمر الآخر فهو بشرى أزفها إليك..

نظرت إليه مستفهما على وجل دون أن أنطق ..

- قال عصام مستبشرا : لقد كنت حريصا دائما على أن أسأل منال في كل لقاء بيني وبينها عن مدى علاقتك بها ، وهل هي سعيدة معك .. كانت دائما تجيبني بخير ، حتى وأنا ألمح بعض الألم في عينيها ، ولقد كررت عليها هذا السؤال بعد فجر اليوم .. سألتها سؤال تجربة العمر كله فقلت لها .. هل بعد هذا العمر الطويل مع عماد ، يمكن أن تخبريني بصدق ولو لمرة واحدة : كيف كانت علاقتكما ؟ وماذا فعل معك طوال هذه السنوات ؟

وأجابتني إجابة قاطعة حاسمة .. قالت : هدئ نفسك يا عصام .. فمنال لم يكن يصلح لها زوج سوى عماد ، ولم يكن يصلح لعماد زوجة سوى منال .. فاطمئن واهدأ ..

ونظر عصام في عيني .. كانت تدمعان ..
وانفردت بعدها بمنال ، وكان حديثا طويلا جميلا .. كنت أحاول أن أعلق قلبها أكثر بعمرة الغد التي تنوي أداءها .. وكانت هي تنظر إلى عيني تحاول الاطمئنان عليهما .. كانت تشعر أنها أدت واجبها تجاهي .. أبدلتني عينين تبصران بلا نظارة ..
كان ذلك واضحا جليا ، حينما حضر أبوها لزيارتها بعد ساعة .. كان أول سؤال سألته له ، وهي في قمة البشر والسعادة .. سعادة ربما لم أرها على محياها منذ بدأ مرضها الرهيب يفتك بها .. سألت أباها :

- ألا تلحظ شيئاًً على عماد يا بابا ؟!

- أجاب الرجل في عفوية : لا يا ابنتي .. عماد هو عماد ..

- عادت تقول له بلهفة : دقق النظر جيدا يا بابا .. ألا تلحظ في وجهه شيئاً ؟!

- ابتسم الأب المكدود وهو يجيب في ثقة : لا شيء يا منال ..

- قالت في إصرار وفي صوتها رنة حزن لفشل أبيها في معرفة مفاجأتها : إنه لا يلبس نظارة يا بابا ..

- قال الأب دهشا : هذا أفضل يا بنتي ..

- صاحت في دهشة : أفضل من ماذا يا أبي .. إن عماد منذ طفولته يلبس نظارة طبية .. اليوم فقط هو لا يلبس النظارة لأول مرة !!

لم يكن الأب وهو يعلم أنه يودع ابنته في يومها الأخير بمصر في مزاج يسمح له بإدراك أي شيء ، فقال : نعم .. نعم .. هذا أمر جيد ألا يلبس نظارة ..

- عادت منال تصيح : لقد أجرى أمس عملية الليزر يا بابا ، ولم يعد في حاجة إلى نظارة طبية ..

دلائل السعادة والفرحة على وجهها كانت تدهشني ، وتخيفني في نفس الوقت .. كنت أعرف ما تعنيه ، وكنت أدرك دلالات كلام عصام الذي رواه لي صباحا ، وكنت أرفض أن أستقبل الإشارات .. كنت آمل أن يخيب ظني ، وأن تتعطل أجهزة استقبالي .. وأن تنجو منال ..
تركت منال مع أبيها ، وكانت شقيقتها قد حضرت لمرافقتها ، وكنت قد رتبت مع ( منة ) ضرورات السفر ، وسجلت ما يجب أن أحضره للأولاد بمكة ، وتركتها لأجهز كل شيء وأعود إليها مساء ..
ولقد أنهيت كل ما هو مطلوب ، واتفقت مع سيارة إسعاف العناية المركزة التي ستنقلنا بعد ظهر الجمعة إلى مطار الإسكندرية .. وأصبح كل شيء على ما يرام ، ولم تبق لي سوى زيارة واحدة ، لم أفرغ للقيام بها .. كانت الزيارة هي لجدتي المقعدة التي قاربت الثمانين من عمرها ، وهي لم ترني خلال هذه الزيارة ، لم ترني منذ اثني عشر عاما ، وكانت تتمنى رؤيتي ، ولم أكن أستطيع أن أترك منال ساعة واحدة لزيارتها ، وقد كانت جدتي لأمي تسكن بمدينة تبعد عن مدينتنا ساعة سفر بالسيارة ..
وأخيرا وقد أنهيت كافة المتعلقات ، ووفر لي صديقي ( أحمد عبد الجواد ) سيارة تحت أمري في كافة تنقلاتي .. أردت أن أتمم هذه الزيارة ، وأن أحصل على بر جدتي ودعائها لي ولمنال ، فلقد كنا في أشد الحاجة إلى الدعاء ..
ورتبت الأمر مع صديقي أحمد على أن نذهب في زيارة خاطفة لا تستغرق سوى ساعتين ونصف ذهابا وعودة وزيارة ..
وعدت إلى منال في المستشفى بعد صلاة العشاء أستأذنها .. كنت قبل أن أذهب إلى غرفتها أعرج على غرفة التمريض أستطلع منهم الأمر ، فقد كنت أخاف أن أفاجئ في غرفتها بأمر فاجع .. قالت الممرضة المتابعة لحالتها :

- حالتها الطبية مستقرة .. لكن حالتها النفسية .. ضجرة نوعا ما بسبب كثرة الزيارات بصورة مكثفة ، وعدم وجود أي فرصة للراحة ..

أومأت للممرضة .. وأنا أقول : فعلا الزيارات مكثفة هذه الليلة ، ولكن أنت تدركين أنها الليلة الأخيرة لنا هنا .. غدا سنكون في مكة إن شاء الله ..

- قالت الممرضة في رجاء : لا تنسوا الدعاء لنا في الحرم ..



20 - 17 - منال لن تموت

أسرعت إلى غرفة منال ، فوجدتها تعج بالزائرات .. وبعد برهة .. استأذنت الجميع في الانصراف للتغيير على الجرح .. واختليت بمنال ، وأخذت أقبل رأسها ، وأبشرها بقرب السفر .. كانت منال جالسة على المقعد المجاور للفراش .. وكنت أنا جالسا على الأرض عند قدميها ، وقلت لها :

- حبيبتي .. إن كل شيء أصبح جاهزا للسفر

- داعبت شعري برقة وهي تسأل : هل أحضرت أشياء الأولاد

- طبعا يا حبيبتي ..

- بعد لحظة صمت قلت لها مستأذنا : أريد أن أستأذنك ساعتين ونصف أذهب خلالها لزيارة جدتي ..

- قالت منال بضجر : ستتركني مرة أخرى يا عماد ؟

- قلت مؤكدا : لن أتركك يا روحي .. فقط ساعتين ونصف .. وسأعود إليك .. أنت في حاجة إلى راحة يا حبيبتي .. في حاجة إلى النوم ، وأنا سأصرف الزوار ، وأتفق مع عصام على ألا يسمح لأحد بالزيارة بعد انصرافي .. وقبل أن تستيقظي سأكون بجوارك إن شاء الله

- قالت منال بصوت لم يملأه الرضا : طيب

عدت أتلمس رضاها التام قائلا : حبيبتي .. إنها جدتي .. وأنا أريد أن أحصل على برها .. وثواب ذلك كله سيعود لك ، فأنت التي ستسمحين لي بزيارتها .. كما أنني أتلمس دعاءها لنا .. ولا تنسي يا حبيبتي أننا بعد عدة ساعات سنصبح معا بمفردنا .. سنصبح معا دائما بغير ضوضاء ، ولا مرافقين .. إن رغبتي يا حبيبتي أن أبقى هنا على الأرض أسفل قدميك إلى آخر العمر .. ولكنني أذهب هذه الزيارة الخاطفة لله .. فهل تأذنين لي يا حبيبتي ؟؟

- مسحت منال على رأسي بحنان وهي تقول بكل الرضا : أذنت لك يا حبيبي .. اذهب وقبل لي جدتنا ، وقل لها : هذه قبلة على كفك ورأسك من منال ..

خرجت إلى عصام فاتفقت معه على إجراءات تخفيف الزيارة حتى تستريح منال ، وعدت فودعتها :
- استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه .. استودعت الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ..
- حفظك الله لنا في الدنيا والآخرة ..

- منال .. لا إله إلا الله ..

- محمد رسول الله ..

وانصرفت من المستشفى يا صديقي ، فأديت زيارتي ، وفي طريق العودة اتصل بي عصام وكان صوته هستيريا وهو يقول لي :

- إن منال تموت يا عماد .. منال تموت ..

لم أصدق .. رفضت أن أصدق .. ظننت أنها ربما غيبوبة وستنتهي على خير ، وأخذ ذهني يستعرض المشاهد كلها .. ويستحضر كافة الصور .. وكلمات الأطباء .. لقد كنا ليلة السفر ..

ووصلت إلى المستشفى ، ودخلت إلى العناية المركزة ، حيث كانت منال ترقد في غيبوبة كاملة وعلى أنفها وفمها جهاز التنفس الصناعي ..
قال طبيب العناية :

- لقد توقف القلب .. ولقد أفاد التدليك والتنفس الصناعي .. لكننا نحتاج إلى جهاز معين لا يوجد هنا بالمدينة .. وعلينا أن نسرع بنقلها إلى الإسكندرية .. إن وجودها تحت هذا الجهاز سيكون أفضل ..

ولم يكن لنا بد من الاستجابة السريعة لقرار الطبيب .. وبعد دقائق كانت سيارة الإسعاف ( العناية المركزة ) التي اتفقنا معها لتقلنا بعد ظهر اليوم الجمعة الثامن من ديسمبر إلى مطار الإسكندرية .. كانت هي نفسها السيارة التي تقلنا قبل الفجر إلى إحدى مستشفيات الإسكندرية !!
لقد ألححت عليك يا صديقي من قبل أن تتذكر هذا التاريخ .. يوم الثامن من ديسمبر ، الذي سميناه قديما ، يوم الثورة والأحرار في العالم ، والذي جاهدنا طويلا أنا ومنال لنجعله يوم زفافنا ..
ولقد ذكرتك يا صديقي كذلك ، بان أول لمسة لنا كانت في شارع جانبي مؤدي إلى الشاطئ في منطقة قريبة من جليم بالإسكندرية ، ونحن في طريقنا إلى نادي المهندسين الشاطئي ، وأنها لحظتها وضعت كفها في كفي وعلقت ذراعها بذراعي ، ثم سكتت لحظة ، وهي تجذبني بلطف ، لأخفف خطوتي حتى يسبقنا المرافقان ، ثم هتفت :
عماد .. احبك .. جدا .. جدا .. جدا ..
وكنا وقتها ليلة جمعة ..
والليلة وهي ليلة جمعة ، الثامن من ديسمبر ، وفي شارع جانبي يؤدى إلى شاطئ جليم ، حيث يقع المستشفى الألماني ، وأنا أهمس في أذنها متلهفا عسي أن تدرك كلمة مما أقول لها .. دارت عيناها في محجريهما عدة دورات ، وربتت بأصابعها حول معصمي مرتين برقة وحنان وعاطفة .. ففي نفس المكان الذي كانت فيه أول لمسة .. كانت آخر لمسة ..
وكان زفاف ..
وكان عرس ..
لكنه لم يكن فوق الأرض ..
وإنما كانت شهادة ..
واستلهمت أذناي نشيد ليلة الزفاف :

منااااال .. في سبيل الله
منااااال ، في سبيل الله
----------------------------------------------
تمت بحمد الله

Princess Amira
25-05-2010, 05:00 PM
:icon1366::icon1366::icon1366::icon1366::icon1366:
اللهم ارحمنا وخفف عن مرضى المسلمين
جزاكِ الله خيرا يا شيماء

semeramis
25-05-2010, 11:38 PM
وجزاك الله مثله ياقمري
القصة رائعة كونها حقيقه
وأعجبني إسلوب الكاتب
وإحساسه العالي وحبه الكبير لزوجته
الحب الذي جله يصوهابأروع الصور
وفعلا منال لن تموت فهي حية في وجدان كل من قرأ قصتها
ودعا لها بالمغفرة والرحمه

مون مون
10-07-2010, 11:50 PM
هذه الرواية عندما قرأتها لأول مرة:tears::tears:
ظللت أبكى على ما حدث لهذه السيدة الفاضلة/منال
أذكر أننى تأثرت بهذه الرواية كثيراً
لدرجة أننى ظللت أحث زميلاتى على قرأتها ومتابعتها
فلكِ جزيل الشكر سميراميس على نقل هذه الروية:rewayat2123::rewayat2123: