مشاهدة النسخة كاملة : أبو بكر الصديق ... سيرته وعصره للدكتور \ علي محمد الصلابي .


إسلام سعيد
27-08-2009, 10:24 PM
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
+يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ" [آل عمران: 102].
+يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا" [النساء: 1].
+يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا  يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا" [الأحزاب: 70، 71].
أما بعد:
يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.
كان شغفي بسيرة الصديق  منذ الطفولة، وكنت شديد الولع بالقراءة والسماع لسيرته العطرة، ومضت الأيام ومرت السنون، وأكرمني الله تعالى بالدراسة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وكان من ضمن المواد المقررة في مادة التاريخ الإسلامي تاريخ الخلفاء الراشدين، وقد طلب الأستاذ المحاضر أن ندرس كتاب «البداية والنهاية» لابن كثير، و«الكامل» لابن الأثير في ترجمة الصديق، ولم يكتفِ بكتاب التاريخ الإسلامي للشيخ محمود شاكر، فكانت لتلك الإرشادات أثر -بعد توفيق الله تعالى- للتعرف على حقيقة شخصية الصديق وعصره. وعندما سجلت بجامعة أم درمان الإسلامية رسالة الدكتوراه وكان عنوانها: (فقه التمكين في القرآن الكريم وأثره في تاريخ الأمة)، استقر البحث على ثلاثة أبواب: فقه التمكين في القرآن الكريم، فقه التمكين في السيرة النبوية، فقه التمكين عند الخلفاء الراشدين، وكانت أوراق البحث قد جاوزت 1200 صفحة، فرأى الدكتور المشرف أن نكتفي بفقه التمكين في القرآن الكريم، وعدَّل الخطة على هذا الأساس، وقدم مقترحه لمجلس الكلية فوافق على ذلك، وقال لي بعد المناقشة: بإذن الله تعالى تستطيع أن تخرج فقه التمكين في السيرة النبوية، وفقه التمكين عند الخلفاء الراشدين كتبًا، لعل الله ينفع بها المسلمين. وبتوفيق الله، وبسبب ما ساقه من أسباب, تطور كتاب فقه التمكين في السيرة النبوية، وأصبح «السيرة النبوية.. عرض وقائع وتحليل أحداث».
وهذا الكتاب الذي أقدم له الآن «أبو بكر الصديق شخصيته وعصره» يرجع الفضل في كتابته للمولى عز وجل، ثم للأستاذ الدكتور المشرف على رسالة الدكتوراه، ومجموعة خيرة من الدعاة والشيوخ والعلماء الذين شجعوني على الاهتمام بدراسة الخلفاء الراشدين، حتى إن أحدهم قال لي: أصبحت هناك فجوة كبيرة بين أبناء المسلمين وذلك العصر، وحدث خلط في ترتيب الأولويات؛ حيث صار الشباب يلمُّون بسير الدعاة والعلماء والمصلحين أكثر من إلمامهم بسيرة الخلفاء الراشدين، وأن ذلك العصر غني بالجوانب السياسية والإعلامية والأخلاقية والاقتصادية والفكرية والجهادية والفقهية التي نحن في أشد الحاجة إليها، ونحتاج أن نتتبع مؤسسات الدولة الإسلامية، وكيف تطورت مع مسيرة الزمن؛ كالمؤسسة القضائية والمالية ونظام الخلافة والمؤسسة العسكرية وتعيين الولاة، وما حدث من اجتهادات في ذلك العصر عندما احتكت الأمة الإسلامية بالحضارة الفارسية والرومانية، وطبيعة حركة الفتوحات الإسلامية.
كانت بداية هذا الكتاب فكرة أراد الله لها أن تصبح حقيقة، فأخذ الله بيدي وسهل لي الأمور وذلل الصعاب، وأعانني على الوصول للمراجع والمصادر، وأصبح هذا العمل هَمًّا سيطر على مشاعري وتفكيري وأحاسيسي، فجعلته من أهدافي الكبرى، فسهرت له الليالي ولم أُبالِ بالعوائق ولا الصعاب، والفضل لله تعالى الذي أعانني على ذلك، قال الشاعر:
الهول في دربي وفي هدفي
وأظَل أمضي غير مضطرب

ما كنت من نفسي على خَوَرٍ
أو كنت من ربي على رِيَبِ

ما في المنايا ما أحاذره
الله ملءُ القصد والأرَبِ

إن تاريخ عصر الخلفاء الراشدين مليء بالدروس والعبر، وهي متناثرة في بطون الكتب والمصادر والمراجع، سواء كانت تاريخية أو حديثية أو فقهية أو أدبية أو تفسيرية، فنحن في أشد الحاجة لجمعها وترتيبها وتوثيقها وتحليلها؛ فتاريخ الخلافة إذا أحسن عرضه يغذي الأرواح ويهذب النفوس وينور العقول، ويشحذ الهمم، ويقدم الدروس، ويسهل العِبَر وينضج الأفكار، فنستفيد من ذلك في إعداد الجيل المسلم وتربيته على منهاج النبوة، ونتعرف على حياة وعصر من قال الله فيهم: +وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" [التوبة: 100].
وقال تعالى: +مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا" [الفتح: 29].
وقال فيهم رسول الله ×: «خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم...» .( )
وقال فيهم عبد الله بن مسعود: «من كان مستنًا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد كانوا والله أفضل هذه الأمة وأبرَّها قلوبا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا. قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم».( )
فالصحابة قاموا بتطبيق أحكام الإسلام ونشره في مشارق الأرض ومغاربها، فعصرهم خير العصور، فهم الذين علموا الأمة القرآن الكريم، ورووا لها السنن والآثار عن رسول الله ×، فتاريخهم هو الكنز الذي حفظ مدخرات الأمة في الفكر والثقافة والعلم والجهاد وحركة الفتوحات والتعامل مع الشعوب والأمم، فتجد الأجيال في هذا التاريخ المجيد ما يعينها على مواصلة رحلتها في الحياة على منهج صحيح وهدي رشيد، وتعرف من خلاله حقيقة رسالتها ودورها في دنيا الناس. وقد عرف الأعداء من اليهود والنصارى والعلمانيين والماركسيين والروافض وغيرهم خطورة التاريخ وأثره في صياغة النفوس وتفجير الطاقات، فعملوا على تشويهه وتزويره وتحريفه وتشكيك الأجيال فيه؛ فقد لعبت فيه الأيدي الخبيثة في الماضي وحرفته أيدي المستشرقين في الحاضر؛ ففي الماضي تعرض تاريخنا الإسلامي للتحريف والتشويه على أيدي اليهود والنصارى والمجوس والرافضة الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، إذ رأوا أن كيد الإسلام على الحيلة أشد نكاية فيه وفي أهله، فأخذوا يدبرون المؤامرات في الخفاء لهدم الإسلام وتفتيت دولته وتفريق أتباعه، وذلك عن طريق تزييف الأخبار وترويج الشائعات الكاذبة وتدبير الفتن ضد الخليفة الراشد عثمان بن عفان ، فقام عبد الله بن سبأ اليهودي وأتباعه بالدور الكبير في إشعال نار الفتنة التي أودت بحياة الخليفة الراشد الثالث، وكذلك إشعال المعركة بين المسلمين في موقعة الجمل بعد أن كاد يتم الصلح بين الطرفين، إلى غير ذلك من التحركات والمؤامرات التي قصد بها النيل من الإسلام وأتباعه، هذا بالإضافة إلى الروايات الضعيفة والموضوعة الواردة في مصادر التاريخ الإسلامي -وهي تشوه سيرة الصحابة- كرواية التحكيم التي تتهم بعضهم بالخداع أو الغباء أو التعلق بالجاه والسلطة، والهدف من وضع هذه الروايات الطعن في الإسلام بطريقة غير مباشرة؛ لأن الإسلام لم يؤده لنا إلا الصحابة، والتشكيك في ثقتهم وعدالتهم هو تشكيك بالتالي في صحة الإسلام.
هذا وقد استغل المستشرقون هذه الروايات الموضوعة ومن سار على نهجهم من أذنابهم ممن يتكلمون بلغتنا، فركزوا على التوسع في البحث فيها؛ بل كانت مغنمًا تسابقوا إلى اقتسامه ما دامت تخدم أغراضهم للطعن في الإسلام والنيل من أعراض الصحابة الكرام.( ) لقد قام الأعداء بصياغة تاريخنا وفق مناهجهم المنحرفة، وتأثر بعض المؤرخين المسلمين بتلك المناهج المستوردة، فأصبحت كتابتهم في العقود الماضية ترجمة حرفية لما كتبه المستشرقون والماركسيون والروافض واليهود وغيرهم من أعداء الأمة؛ وذلك لأنهم لا يملكون تصورًا حقيقيًا لروح الإسلام وطبيعته؛ حيث إن كتابة التاريخ الإسلامي تحتاج حتما إلى إدراك طبيعة الفكرة الإسلامية ونظرتها إلى الحياة والأحداث والأشياء، ووزنها للقيم التي عليها الناس، وتأثيرها في الأرواح والأفكار وصياغتها للنفوس والشخصيات.. ودراسة الشخصيات الإسلامية –على وجه خاص- تقتضي إدراكًا كاملاً لطبيعة استجابة تلك الشخصيات الإسلامية لإيحاءات الفكرة الإسلامية، فإن طريقة استجابة تلك الشخصيات لهذه الإيحاءات مسألة هامة في صياغة شعورها بالقيم وسلوكها في الحياة، وتفاعلها مع الأحداث، ولن يدرك طبيعة الفكرة الإسلامية ولا طريقة استجابة الشخصيات الإسلامية لها إلا كاتب مؤمن بهذه الفكرة مستجيب لها من أعماقه، لكي يكون إدراكه لها ناشئًا عن تلبس ضميره بها لا عن رصدها من الخارج بالذهن المتجرد البارد.( )
وبسبب غياب ذلك المنهج وقع بعض المعاصرين من المؤرخين والكتاب والأدباء في تشويه صورة سلف هذه الأمة، وأظهروا الصحابة بمظهر المتكالب على الدنيا وسفك الدماء للوصول إلى الغايات التي ينشدونها من الاستيلاء على الحكم والتنكيل بخصومهم، فتناولوا ذلك بعيدًا عن فهم حقيقة الجيل الذي تربى في مدرسة المصطفى ×، وبعيدا عن تأثرهم بالإسلام وعقيدته وأصوله، وبسبب تلك الكتابات نشأ جيل لا يعرف عن تاريخه إلا الحروب وسفك الدماء والخداع والمكر والحيلة، وأصبحت صورة الصحابة -رضوان الله عليهم جميعًا- مشوهة، مما جعل بعض المسلمين يرد تلك الأباطيل دون أن يعي الحقيقة؛ بل مجرد أن تلك الأباطيل مسطرة في كتاب زيد أو عمرو من الكُتَّاب.( )
إن إعادة كتابة التاريخ الإسلامي بمنهج أهل السنة والجماعة أصبح ضرورة ملحة لأبناء الأمة، وقد بدأت أقلام الباحثين والكُتَّاب تصيغ التاريخ من هذا المنظور، وهم لم يبدأوا من فراغ؛ لأن الله حمى دينه وحمى أمته، فقيض لتاريخ الصحابة من يحقق وقائعه ويصحح أخباره، ويكشف الستار عن الوضاعين والكذابين من ملفقي الأخبار، ويرجع الفضل في ذلك التصحيح إلى الله ثم أهل السنة والجماعة من أئمة الفقهاء والمحدثين الذين حفلت مصادرهم بالكثير من الإشارات والروايات الصحيحة التي تنقض وترد كل ما وضعه الملفقون.( )
وقد سِرْتُ على أصول منهج أهل السنة، فعكفت على المصادر والمراجع القديمة والحديثة، ولم أعتمد في دراسة عصر الخلفاء الراشدين على الطبري وابن الأثير والذهبي وكتب التاريخ المشهورة فقط؛ بل رجعت إلى كتب التفسير والحديث وشروحها وكتب التراجم والجرح والتعديل وكتب الفقه، فوجدت فيها مادة تاريخية غزيرة يصعب الوقوف على حقيقتها في الكتب التاريخية المعروفة والمتداولة، وقد بدأت بالكتابة عن أبي بكر الصديق  متناولا شخصيته وعصره، فهو سيد الخلفاء الراشدين، وقد حثنا رسول الله × وأمرنا باتباع سنتهم والاهتداء بهديهم، قال ×: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي».( ) فأبو بكر  سيد الصديقين وخير الصالحين بعد الأنبياء والمرسلين، فهو أفضل أصحاب رسول الله × وأعلمهم وأشرفهم على الإطلاق، فقد قال فيه رسول الله ×: «لو كنت متخذًا خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي» .( ) وقد قال فيه رسول الله × وفي عمر أيضا: «اقتدوا بالذين من بعدي: أبي بكر وعمر».( ) وشهد له عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بقوله: أنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ×.( ) وقال عنه علي بن أبي طالب لما سأله ابنه محمد ابن الحنفية بقوله: أي الناس خير بعد رسول الله ×؟ قال: أبو بكر.( )
إن حياة أبي بكر  صفحة مشرقة من التاريخ الإسلامي الذي بهر كل تاريخ وَفَاقَه، والذي لم تَحْوِ تواريخ الأمم مجتمعة بعض ما حوى من الشرف والمجد والإخلاص والجهاد والدعوة لأجل المبادئ السامية، لذلك قمت بتتبع أخباره وحياته وعصره في المراجع والمصادر، واستخرجتها من بطون الكتب، وقمت بترتيبها وتنسيقها وتوثيقها وتحليلها؛ لكي تصبح في متناول الدعاة والخطباء والعلماء والساسة ورجال الفكر وقادة الجيوش وحكام الأمة وطلاب العلم، لعلهم يستفيدون منها في حياتهم، ويقتدون بها في أعمالهم، فيكرمهم الله بالفوز في الدارين.
لقد تتبعت صفات الصديق وفضائله ومشاهده في ميادين الجهاد مع رسول الله ×, وحياته في المجتمع المدني، ومواقفه العظيمة بعد وفاة رسول الله ×، وكيف ثبَّت الله به الأمة، وسلطت الأضواء على سقيفة بني ساعدة وما تم فيها من حوار ونقاش بين المهاجرين والأنصار، ونسفت الشبهات والأباطيل التي ألصقت بتاريخ سقيفة بني ساعدة من قِبَل المستشرقين والروافض ومن سار على نهجهم، وبينت موقف الصديق من إرسال جيش أسامة، وما في هذا الحدث العظيم من دروس في الشورى والدعوة والحزم والاقتداء برسول الله ×، ورد الخلاف إلى الكتاب والسنة، وآداب الجهاد وصورته المشرقة التي تمثلت في تعاليم الصديق لجيش أسامة رضي الله عنهم. وقد قمت بتوضيح أحداث الردة فتحدثت عن أسبابها وأصنافها وبدايتها في أواخر العصر النبوي، وموقف الصديق منها في خلافته وخطته التي وضعها للقضاء عليها، وأساليبه التي استخدمها في حروبه ضد المرتدين. وقد وقفت مع مؤهلات الصديق التي توفرت في شخصيته والتي استطاع بها -بعد توفيق الله- أن يسحق حركة الردة.
وقد تحدثت عن عصره وكيف تحققت شروط التمكين وأسبابه، وصفات جيل التمكين في ذلك العهد الذي قاده الصديق، وأشرت إلى سياسة الصديق في محاربة التدخل الأجنبي في دولته، وذكرت أهم نتائج أحداث الردة؛ من تمييز الإسلام عما عداه من تصورات وأفكار وسلوك، وضرورة وجود قاعدة صلبة للمجتمع، وتجهيز الجزيرة قاعدة للفتوح الإسلامية، والإعداد القيادي لحركة الفتوح، والفقه الواقعي للردة، وسنة الله في إحاقة المكر السيئ بأهله، واستقرار النظام الإداري في الجزيرة.

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:25 PM
وتكلمت عن فتوحات الصديق فبينت خطته في فتح العراق، وسرت مع خالد في فتوحاته حتى ضم جنوب العراق وشماله بمعاركه العظيمة التي ظهرت فيها بطولات نادرة من المثنى بن حارثة والقعقاع بن عمر وخالد بن الوليد وجيوشهم المظفرة، فكانت تلك المعارك الخطوة الأولى لمعارك الفتوح الكبرى التي جاءت بعد عصر الصديق، والتي أنارت تاريخ الأمة في مشوارها الطويل لنشر دين الله والجهاد في سبيله.. قال الشاعر:
فالقادسية ما يزال حديثها
عِبَرًا تضيء بأطيب الأقوال

تحكي مفاخرَنا وتذكر مجدنا
فتجيبها حطين بالمنوال

صفحات مجد في الخلود سطورها
دان الرجال لها بغير جدال

وكأنني بابن الوليد وجنده
وبكل كف لامع الأنصال

نشروا على أرض الخليل لواءهم
فغدا يظلِّل أطهر الأطلال

وعن اليمين أبو عبيدة قد أتى
وأتى صلاح الدين صوب شمال

يسعى إليهم، قد شروا أرواحهم
لله بعد تسابق لقتال

فهم الأعزة في كتاب خالد
ما بعد قول الله من أقوال

هذا وقد حرصت على بيان وإظهار الرسائل التي كانت بين الصديق وخالد بن الوليد وعياض بن غنم -رضي الله عنهم- المتعلقة بفتوح العراق، وقد فصلت الخطوات التي سار عليها أبو بكر في فتوحات الشام، فتحدثت عن عزمه في غزو الروم، ومشورته لكبار الصحابة في جهادهم، وعن استنفارهم لأهل اليمن، وخطته في إرسال الجيوش، ووصاياه للقادة الذين بعثهم لفتح الشام ومتابعته لهم وإمدادهم بالرجال والعتاد والتموين، ونقله لخالد من ميادين العراق إلى قيادة جيوش الشام، وما تم في معركة أجنادين واليرموك، واستخرجت من حركة الفتوحات بعض معالم الصديق في سياسته الخارجية، من بذر هيبة الدولة في نفوس الأمم، ومواصلة الجهاد الذي أمر به النبي ×، والعدل بين الأمم المفتوحة والرفق بأهلها ورفع الإكراه عنهم، وإزالة الحواجز البشرية بينهم وبين الدعاة.
ووضحت بعض معالم التخطيط الحربي عند الصديق؛ في عدم الإيغال في بلاد العدو حتى تدين للمسلمين، وعن قدرته في التعبئة وحشد القوات وتنظيم عملية الإمداد المستمرة وتحديد هدف الحرب، وإعطائه الأفضلية لمسارح العمليات، وعزله لميدان المعركة، وتطويره لأساليب القتال، وحرصه على سلامة خطوط الاتصال بينه وبين قادة الجيوش، وبينت حقوق الله والقادة والجنود من خلال وصاياه التي ألزم بها قادة حربه.
وتحدثت عن استخلافه لعمر، وعن أيامه الأخيرة في هذه الحياة الفانية، وعن آخر ما تكلم به الصديق في هذه الدنيا بقول الله تعالى: +تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ"
[يوسف: 101].
لقد حاولت في هذا الكتاب أن أبين كيف فهم الصديق الإسلام وعاش به في دنيا الناس، وكيف أثر في مجريات الأمور في عصره، وتحدثت عن جوانب شخصيته المتعددة؛ السياسية والعسكرية والإدارية، وعن حياته في المجتمع الإسلامي لما كان أحد رعاياه، وبعد أن أصبح خليفة رسول الله، وركزت على دور أبي بكر الصديق باعتباره رجل دولة مميز من الطراز النادر، وعن سياسته الداخلية والخارجية وأساليبه الإدارية، وعن مؤسسة القضاء كيف كانت بدايتها في عصره لكي نستطيع متابعة التطورات التي حدثت لها ولغيرها من مؤسسات الدولة عبر العصر الراشدي والتاريخ الإسلامي.
إن هذا الكتاب يبرهن على عظمة أبي بكر الصديق ، ويثبت للقارئ بأنه كان عظيما بإيمانه، عظيمًا بعلمه, عظيمًا بفكره، عظيمًا ببيانه، عظيمًا بخلقه، عظيمًا بآثاره، فقد جمع الصديق العظمة من أطرافها، وكانت عظمته مستمدة من فهمه وتطبيقه للإسلام، وصلته بالله العظيمة، واتباعه الشديد لهدي الرسول ×.
إن أبا بكر  من الأئمة الذين يرسمون للناس خط سيرهم ويتأسى الناس بأقوالهم وأفعالهم في هذه الحياة، فسيرته من أقوى مصادر الإيمان والعاطفة الإسلامية الصحيحة والفهم السليم لهذا الدين، فلذلك اجتهدت في دراسة شخصيته وعصره حسب وسعي وطاقتي غير مدعٍ عصمة ولا متبرئ من زلة، ووجه الله الكبير لا غيره قصدت وثوابه أردت، وهو المسئول في المعونة عليه والانتفاع به، إنه طيب الأسماء سميع الدعاء.
هذا وقد قمت بتقسيم هذا الكتاب إلى مقدمة وأربعة فصول وخلاصة، وهي كالآتي:
المقدمة:
الفصل الأول: أبو بكر الصديق  في مكة، ويشتمل على خمسة مباحث:
المبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته وألقابه وصفته وأسرته وحياته في الجاهلية.
المبحث الثاني: إسلامه ودعوته وابتلاؤه وهجرته الأولى.
المبحث الثالث: هجرته مع رسول الله إلى المدينة.
المبحث الرابع: الصديق في ميادين الجهاد.
المبحث الخامس: الصديق في المجتمع المدني، وبعض صفاته، وشيء من فضائله.
الفصل الثاني: وفاة الرسول × وسقيفة بني ساعدة، ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: وفاة الرسول × وسقيفة بني ساعدة.
المبحث الثاني: البيعة العامة وإدارة الشئون الداخلية.
الفصل الثالث: جيش أسامة وجهاد الصديق لأهل الردة، ويشتمل على خمسة مباحث:
المبحث الأول: جيش أسامة .
المبحث الثاني: جهاد الصديق لأهل الردة.
المبحث الثالث: الهجوم الشامل على المرتدين.
المبحث الرابع: مسيلمة الكذاب وبنو حنيفة.
المبحث الخامس: أهم العبر والدروس والفوائد من حروب الردة.
الفصل الرابع: فتوحات الصديق واستخلافه لعمر ووفاته، ويشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: فتوحات العراق.
المبحث الثاني: فتوحات الصديق بالشام.
المبحث الثالث: أهم الدروس والعبر والفوائد.
المبحث الرابع: استخلاف الصديق لعمر بن الخطاب ووفاته.
هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب يوم الجمعة بعد صلاة العشاء بتاريخ الخامس من شهر المحرم لعام 1422هـ، الموافق للثلاثين من مارس من عام 2001م، والفضل لله من قبل

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:28 PM
ومن بعد.
وأسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل هذا العمل قبولاً حسنًا، وأن يكرمنا برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، قال تعالى: +مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" [فاطر: 2].
ولا يسعني في نهاية هذه المقدمة إلا أن أقف بقلب خاشع منيب بين يدي الله عز وجل، معترفًا بفضله وكرمه وجوده؛ فهو المتفضل وهو المكرم وهو المعين وهو الموفق، فله الحمد على ما منَّ به عليَّ أولا وآخرًا، وأسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل عملي لوجهه خالصًا ولعباده نافعًا، وأن يثيبني على كل حرف كتبته ويجعله في ميزان حسناتي، وأن يثيب إخواني الذين أعانوني بكل ما يملكون من أجل إتمام هذا الجهد المتواضع، ونرجو من كل مسلم يطلع على هذا الكتاب أن لا ينسى العبد الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه من دعائه: +رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ" [النمل: 19].
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورضوانه
علي محمد محمد الصَّلاَّبي
5 / 1 / 1422 هـ

الفصل الأول
أبو بكر الصديق  في مكة

المبحث الأول
اسمه ونسبه وكنيته وألقابه وصفاته
وأسرته وحياته في الجاهلية
أولاً: اسمه ونسبه وكنيته وألقابه:
هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي( ), ويلتقي مع النبي × في النسب في الجد السادس مرة بن كعب( ) ويكنى بأبي بكر، وهي من البكر وهو الفَتِيُّ من الإبل، والجمع بكارة وأبكر، وقد سمت العرب بكرًا، وهو أبو قبيلة عظيمة.( )
ولقب أبو بكر  بألقاب عديدة، كلها تدل على سمو المكانة، وعلو المنزلة وشرف الحسب، منها:
1- العتيق:
لقبه به النبي ×، فقد قال له ×: «أنت عتيق الله من النار»، فسمي عتيقا.( ) وفي رواية عائشة قالت: دخل أبو بكر الصديق على رسول الله ×، فقال له رسول الله ×: «أبشر، فأنت عتيق الله من النار».( ) فمن يومئذ سُمي عتيقًا.( ) وقد ذكر المؤرخون أسباب كثيرة لهذا اللقب، فقد قيل: إنما سمي عتيقًا لجمال وجهه.( ) وقيل: لأنه كان قديمًا في الخير.( ) وقيل: سمي عتيقًا لعتاقة وجهه.( ) وقيل: إن أمَّ أبي بكر كان لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به الكعبة وقالت: اللهم إن هذا عتيقك من الموت فهبه لي.( ) ولا مانع للجمع بين بعض هذه الأقوال؛ فأبو بكر جميل الوجه، حسن النسب، صاحب يد سابقة إلى الخير، وهو عتيق الله من النار بفضل بشارة النبي × له.( )
2- الصدِّيق:
لقبه به النبي ×، ففي حديث أنس  أنه قال: إن النبي × صعد أحدا، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم فقال: «اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان».( )
وقد لقب بالصديق لكثرة تصديقه للنبي ×، وفي هذا تروي أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- فتقول: لما أسري بالنبي × إلى المسجد الأقصى، أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعى رجال إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك إلى صاحبك؟ يزعم أن أسري به الليلة إلى بيت المقدس! قال: وقد قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك فقد صدق. قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس، وجاء قبل أن يصبح؟!! قال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر: الصديق.( )
وقد أجمعت الأمة على تسميته بالصديق لأنه بادر إلى تصديق الرسول ×، ولازمه الصدق فلم تقع منه هناة أبدًا.( ) فقد اتصف بهذا اللقب ومدحه الشعراء، قال أبو محجن الثقفي:
وسُميت صديقا وكل مهاجر
سواك يسمى باسمه غير منكر

سبقت إلى الإسلام والله شاهد
وكنت جليسًا في العريش المشهر( )


وأنشد الأصمعي( ) فقال:
ولكني أحب بكل قلبي
وأعلم أن ذاك من الصواب

رسولَ الله والصديقَ حبًّا
به أرجو غدًا حسن الثواب( )

3- الصاحب:
لقبه به الله -عز وجل- في القرآن الكريم: +إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"[التوبة:40].
وقد أجمع العلماء على أن الصاحب المقصود هنا هو أبو بكر ( ) فعن أنس أن أبا بكر حدثه فقال: قلت للنبي × وهو في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه!! فقال النبي ×: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟».( )
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: +إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا" [التوبة: 40] فإن المراد بصاحبه هنا أبو بكر بلا منازع( )، والأحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة، ولم يشركه في المنقبة غيره.( )
4- الأتقى:
لقبه به الله -عز وجل- في القرآن الكريم في قوله تعالى: +وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى" [الليل: 17]، وسيأتي بيان ذلك في حديثنا عن المعذبين في الله الذين أعتقهم أبو بكر .
5- الأواه:
لقب أبو بكر بالأواه، وهو لقب يدل على الخوف والوجل والخشية من الله تعالى، فعن إبراهيم النخعي قال: كان أبو بكر يسمى بالأواه لرأفته ورحمته.( )
ثانيًا: مولده وصفته الْخَلْقِيَّة.
لم يختلف العلماء في أنه ولد بعد عام الفيل، وإنما اختلفوا في المدة التي كانت بعد عام الفيل، فبعضهم قال بثلاث سنين، وبعضهم ذكر بأنه ولد بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر، وآخرون قالوا بسنتين وأشهر، ولم يحددوا عدد الأشهر.( )
وقد نشأ نشأة كريمة طيبة في حضن أبوين لهما الكرامة والعز في قومهما، مما جعل أبا بكر ينشأ كريم النفس، عزيز المكانة في قومه.( )
وأما صفته الخَلْقية، فقد كان يوصف بالبياض في اللون، والنحافة في البدن، وفي هذا يقول قيس بن أبي حازم: دخلت على أبي بكر، وكان رجلا نحيفًا، خفيف اللحم أبيض.( ) وقد وصفه أصحاب السير من أفواه الرواة فقالوا: إن أبا بكر  اتصف بأنه كان أبيض تخالطه صفرة، حسن القامة، نحيفًا خفيف العارضين، أجنأ( )، لا يستمسك إزاره يسترخي عن حقويه( ) رقيقا معروق الوجه( )، غائر العينين( )، أقنى( )، حمش الساقين( )، ممحوص الفخذين( )، كان ناتئ الجبهة، عاري الأشاجع( )، ويخضب لحيته وشيبه بالحناء والكتم.( )

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:29 PM
ثالثًا: أسرته.
أما والده فهو عثمان بن عامر بن عمرو، يكنى بأبي قحافة، أسلم يوم الفتح، وأقبل به الصديق على رسول الله × فقال: «يا أبا بكر، هلا تركته حتى نأتيه»، فقال أبو بكر: هو أولى أن يأتيك يا رسول الله. فأسلم أبو قحافة وبايع رسول الله × ( )، ويروى أن رسول الله × هنأ أبا بكر بإسلام أبيه( )، وقال لأبي بكر: «غيروا هذا من شعره»، فقد كان رأس أبي قحافة مثل الثغامة.( )
وفي هذا الخبر منهج نبوي كريم سنه النبي × في توقير كبار السن واحترامهم، ويؤكد ذلك قوله ×: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا».( )
وأما والدة الصديق: فهي سلمى بنت صخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، وكنيتها أم الخير، أسلمت مبكرًا، وسيأتي تفصيل ذلك في واقعة إلحاح أبي بكر على النبي × على الظهور بمكة.( )
وأما زوجاته: فقد تزوج  من أربع نسوة، أنجبن له ثلاثة ذكور وثلاث إناث، وهن على التوالي:
1- قتيلة بنت عبد العزى بن أسعد بن جابر بن مالك:
اختلف في إسلامها ( )، وهي والدة عبد الله وأسماء، وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية وقد جاءت بهدايا فيها أقط وسمن إلى ابنتها أسماء بنت أبي بكر بالمدينة، فأبت أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها، فأرسلت إلى عائشة تسأل النبي × فقال النبي ×: «لتدخلها، ولتقبل هديتها»، وأنزل الله -عز وجل-: +لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [الممتحنة: 8]، أي: لا يمنعكم الله من البر والإحسان وفعل الخير إلى الكفار الذين سالموكم ولم يقاتلوكم في الدين كالنساء الضعيفة منهم؛ كصلة الرحم، ونفع الجار، والضيافة، ولم يخرجوكم من دياركم، ولا يمنعكم أيضا من أن تعدلوا فيما بينكم وبينهم؛ بأداء ما لهم من الحق؛ كالوفاء لهم بالوعود، وأداء الأمانة، وإيفاء أثمان المشتريات كاملة غير منقوصة. إن الله يحب العادلين ويرضى عنهم، ويمقت الظالمين ويعاقبهم.( )
2- أم رومان بنت عامر بن عويمر:
من بني كنانة بن خزيمة، مات عنها زوجها الحارث بن سخبرة بمكة، فتزوجها أبو بكر، وأسلمت قديمًا، وبايعت، وهاجرت إلى المدينة، وهي والدة عبد الرحمن وعائشة رضي الله عنهم، وتوفيت في عهد النبي × بالمدينة سنة ست من الهجرة.( )
3- أسماء بنت عُمَيـس بن معبد بن الحارث:
أم عبد الله، من المهاجرات الأوائل، أسلمت قديمًا قبل دخول دار الأرقم، وبايعت الرسول ×، وهاجر بها زوجها جعفر بن أبي طالب  إلى الحبشة، ثم هاجرت معه إلى المدينة فاستشهد يوم مؤتة، وتزوجها الصديق فولدت له محمدا. روى عنها من الصحابة: عمر، وأبو موسى، وعبد الله بن عباس، وهو ابن اختها أم الفضل امرأة العباس. وأمها هند بنت عوف ابن زهير وكانت أكرم الناس أصهارًا؛ فمن أصهارها: رسول الله وحمزة والعباس وغيرهم ( )
4- حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير:
الأنصارية، الخزرجية وهي التي ولدت لأبي بكر أم كلثوم بعد وفاته، وقد أقام عندها الصديق بالسنح.( )
وأما أولاد أبي بكر  فهم:
1- عبد الرحمن بن أبي بكر:
أسن ولد أبي بكر، أسلم يوم الحديبية، وحسن إسلامه، وصحب رسول الله × وقد اشتهر بالشجاعة، وله مواقف محمودة ومشهودة بعد إسلامه.( )
2- عبد الله بن أبي بكر:
صاحب الدور العظيم في الهجرة، فقد كان يبقى في النهار بين أهل مكة يسمع أخبارهم ثم يتسلل في الليل إلى الغار لينقل هذه الأخبار لرسول الله × وأبيه، فإذا جاء الصبح عاد إلى مكة. وقد أصيب بسهم يوم الطائف، فماطله حتى مات شهيدا بالمدينة في خلافة الصديق.( )
3- محمد بن أبي بكر:
أمه أسماء بنت عميس، ولد عام حجة الوداع وكان من فتيان قريش، عاش في حجر علي بن أبي طالب، وولاه مصر وبها قتل. ( )
4- أسماء بنت أبي بكر:
ذات النطاقين، أسن من عائشة، سماها رسول الله × ذات النطاقين لأنها صنعت لرسول الله × ولأبيها سفرة لما هاجرا فلم تجد ما تشدها به، فشقت نطاقها وشدت به السفرة، فسماها النبي × بذلك. وهي زوجة الزبير بن العوام وهاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله بن الزبير فولدته بعد الهجرة، فكان أول مولود في الإسلام بعد الهجرة، بلغت مائة سنة ولم ينكر من عقلها شيء، ولم يسقط لها سِنٌّ. رُوي لها عن الرسول × ستة وخمسون حديثا، روى عنها عبد الله بن عباس، وأبناؤها عبد الله وعروة، وعبد الله بن أبي مُليكة وغيرهم، وكانت جوادة منفقة، توفيت بمكة سنة 73 هـ ( ).
5- عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها:
الصديقة بنت الصديق، تزوجها رسول الله × وهي بنت ست ستين، ودخل بها وهي بنت تسع سنين، وأعرس بها في شوال، وهي أعلم النساء، كناها رسول الله × أم عبد الله، وكان حبه لها مثالاً للزوجية الصالحة ( ).
كان الشعبي يحدث عن مسروق أنه إذا تحدث عن أم المؤمنين عائشة يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق المبرأة حبيبة رسول الله ×، ومسندها يبلغ ألفين ومائتين وعشرة أحاديث (2210)، اتفق البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، وانفرد مسلم بتسعة وستين( )، وعاشت ثلاثًا وستين سنة وأشهرًا، وتوفيت سنة 57 هـ، ولا ذرية لها ( ).
6- أم كلثوم بنت أبي بكر:
أمها حبيبة بنت خارجة، قال أبو بكر لأم المؤمنين عائشة حين حضرته الوفاة: إنما هما أخواك وأختاك، فقالت: هذه أسماء قد عرفتها، فمن الأخرى؟ قال: ذو بطن بنت خارجة، قد ألقى في خلدي أنها جارية، فكانت كما قال: وولدت بعد موته.( ) تزوجها طلحة بن عبيد الله وقتل عنها يوم الجمل، وحجت بها عائشة في عدتها فأخرجتها إلى مكة ( ).
هذه هي أسرة الصديق المباركة التي أكرمها الله بالإسلام، وقد اختص بهذا الفضل أبو بكر  من بين الصحابة، وقد قال العلماء: لا يعرف أربعة متناسلون بعضهم من بعض صحبوا رسول الله × إلا آل أبي بكر الصديق، وهم: عبد الله بن الزبير، أمه أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، فهؤلاء الأربعة صحابة متناسلون، وأيضا محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة رضي الله عنهم ( ).
وليس من الصحابة من أسلم أبوه وأمه وأولاده، وأدركوا النبي × وأدركه أيضا بنو أولاده إلا أبو بكر من جهة الرجال والنساء -وقد بينت ذلك- فكلهم آمنوا بالنبي وصحبوه، فهذا بيت الصديق، فأهله أهل إيمان، ليس فيهم منافق ولا يعرف في الصحابة مثل هذه لغير بيت أبي بكر رضي الله عنهم.
وكان يقال: للإيمان بيوت وللنفاق بيوت، فبيت أبي بكر من بيوت الإيمان من المهاجرين، وبيت بني النجار من بيوت الإيمان من الأنصار.( )
رابعًا: الرصيد الْخُلُقي للصديق في المجتمع الجاهلي:
كان أبو بكر الصديق في الجاهلية من وجهاء قريش وأشرافهم وأحد رؤسائهم، وذلك أن الشرف في قريش قد انتهى قبل ظهور الإسلام إلى عشرة رهط من عشرة أبطن؛ فالعباس ابن عبد لمطلب من بني هاشم، وكان يسقي الحجيج في الجاهلية، وبقي له ذلك في الإسلام، وأبو سفيان بن حرب من بني أمية، وكان عنده العقاب (راية قريش)، فإذا لم تجتمع قريش على واحد رأسوه هو وقدموه، والحارث بن عامر من بني نوفل، وكانت إليه الرفادة، وهي ما تدخره قريش من أموالها، وترصد به منقطع السبيل, وعثمان بن طلحة بن زمعة بن الأسود من بني أسد، وكانت إليه المشورة، فلا يُجمع على أمر حتى يعرضوه عليه، فإن وافق ولاهم عليه، وإلا تخير وكانوا له أعوانا. وأبو بكر الصديق من بني تيم وكانت إليه الأشناق، وهي الديات والمغارم، فكان إذا حمل شيئا فسأل فيه قريشا صدقوه، وأمضوا حمالة من نهض معه، وإن احتملها غيره خذلوه, وخالد بن الوليد من بني مخزوم، وكانت إليه القبة والأعنة، وأما القبة فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهزون به الجيش، وأما الأعنة فإنه كان على خيل قريش في الحرب, وعمر بن الخطاب من بني عدي، وكانت إليه السفارة في الجاهلية, وصفوان بن أمية من بني جمح، وكانت إليه الأزلام، والحارث بن قيس من بني سهم، وكانت إليه الحكومة وأموال آلهتهم ( ).
لقد كان الصديق في المجتمع الجاهلي شريفًا من أشراف قريش، وكان من خيارهم، ويستعينون به فيما نابهم، وكانت له بمكة ضيافات لا يفعلها أحد ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:30 PM
وقد اشتهر بعدة أمور، منها:
1- العلم بالأنساب: فهو عالم من علماء الأنساب وأخبار العرب، وله في ذلك باع طويل جعله أستاذ الكثير من النسابين كعقيل بن أبي طالب وغيره، وكانت له مزية حببته إلى قلوب العرب وهي: أنه لم يكن يعيب الأنساب، ولا يذكر المثالب بخلاف غيره( )، فقد كان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها، وبما فيها من خير وشر.( ) وفي هذا تروي عائشة –رضي الله عنها- أن رسول الله × قال: «إن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها» ( ).
2- تجارته: كان في الجاهلية تاجرًا، ودخل بُصرى من أرض الشام للتجارة، وارتحل بين البلدان، وكان رأس ماله أربعين ألف درهم، وكان ينفق من ماله بسخاء وكرم عُرف به في الجاهلية ( ).
3- موضع الألفة بين قومه وميل القلوب إليه: فقد ذكر ابن إسحاق في «السيرة» أنهم كانوا يحبونه ويألفونه، ويعترفون له بالفضل العظيم والخلق الكريم، وكانوا يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر: لعلمه وتجارته وحسن مجالسته.( ) وقد قال له ابن الدغنة حين لقيه مهاجرا: إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتكسب المعدوم، وتفعل المعروف.( ) وقد علق ابن حجر على قول ابن الدغنة فقال: ومن أعظم مناقبه أن ابن الدغنة سيد القارة لما ردَّ عليه جواره بمكة وصفه بنظير ما وصفت به خديجةُ النبيَّ × لما بعث، فتوارد فيها نعت واحد من غير أن يتواطأ على ذلك، وهذه غاية في مدحه؛ لأن صفات النبي × منذ نشأ كانت أكمل الصفات ( ).
4- لم يشرب الخمر في الجاهلية: فقد كان أعف الناس في الجاهلية( )، حتى إنه حرم على نفسه الخمر قبل الإسلام، فقد قالت السيدة عائشة -رضي الله عنها-: حرم أبو بكر الخمر على نفسه، فلم يشربها في جاهلية ولا في إسلام، وذلك أنه مر برجل سكران يضع يده في العذرة، ويدنيها من فيه، فإذا وجد ريحها صرفها عنه، فقال أبو بكر: إن هذا لا يدري ما يصنع، وهو يجد ريحها فحماها.( ) وفي رواية لعائشة: ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية.( )
وقد أجاب الصديق من سأله هل شربت الخمر في الجاهلية؟ بقوله: أعوذ بالله، فقيل: ولِمَ؟ قال: كنت أصون عرضي، وأحفظ مروءتي، فإن من شرب الخمر كان مضيعًا لعرضه ومروءته ( ).
5- ولم يسجد لصنم: ولم يسجد الصديق  لصنم قط، قال أبو بكر  في مجمع من أصحاب رسول الله ×: ما سجدت لصنم قط، وذلك أني لما ناهزت الحلم أخذني أبو قحافة بيدي فانطلق بي إلى مخدع فيه الأصنام، فقال لي: هذه آلهتك الشم العوالي، وخلاني وذهب، فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني فلم يُجبني، فقلت: إني عارٍ فاكسني فلم يجبني، فألقيت عليه صخرة فخرَّ لوجهه.
وهكذا حمله خلقه الحميد وعقله النير وفطرته السليمة على الترفع عن كل شيء يخدش المروءة وينقص الكرامة من أفعال الجاهليين وأخلاقهم التي تجانب الفطرة السليمة، وتتنافى مع العقل الراجح والرجولة الصادقة.( ) فلا عجب على من كانت هذه أخلاقه أن ينضم لموكب دعوة الحق ويحتل فيها الصدارة، ويكون بعد إسلامه أفضل رجل بعد رسول الله ×، فقد قال ×: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا».( )
وقد علق الأستاذ رفيق العظم عن حياة الصديق في الجاهلية فقال: اللهم إن امرأ نشأ بين الأوثان حيث لا دين زاجر، ولا شرع للنفوس قائد، وهذا مكانه من الفضيلة، واستمساكه بعرى العفة والمروءة... لجدير بأن يتلقى الإسلام بملء الفؤاد، ويكون أول مؤمن بهادي العباد، مبادر بإسلامه لإرغام أنوف أهل الكبير والعناد، ممهد سبيل الاهتداء بدين الله القويم، الذي يجتث أصول الرذائل من نفوس المهتدين بهديه، المستمسكين بمتين سببه ( ).
لله در الصديق ، فقد كان يحمل رصيدًا ضخمًا من القيم الرفيعة، والأخلاق الحميدة والسجايا الكريمة في المجتمع القرشي قبل الإسلام، وقد شهد له أهل مكة بتقدمه على غيره في عالم الأخلاق والقيم والمثل، ولم يُعلم أحد من قريش عاب أبا بكر بعيب ولا نقصه
ولا استرذله كما كانوا يفعلون بضعفاء المؤمنين، ولم يكن له عندهم عيب إلا الإيمان
بالله ورسوله ( ).
* * *

المبحث الثاني
إسلامه ودعوته وابتلاؤه وهجرته الأولى
أولاً: إسلامه:
كان إسلام أبي بكر  وليد رحلة إيمانية طويلة في البحث عن الدين الحق الذي ينسجم مع الفطرة السليمة ويلبي رغباتها، ويتفق مع العقول الراجحة والبصائر النافذة، فقد كان بحكم عمله التجاري كثير الأسفار، قطع الفيافي والصحاري، والمدن والقرى في الجزيرة العربية، وتنقل من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، واتصل اتصالاً وثيقًا بأصحاب الديانات المختلفة وبخاصة النصرانية، وكان كثير الإنصات لكلمات النفر الذين حملوا راية التوحيد، راية البحث عن الدين القويم( )، فقد حدث عن نفسه فقال: كنت جالسًا بفناء الكعبة، وكان زيد بن عمرو بن نُفيل قاعدا، فمر ابن أبي الصلت، فقال: كيف أصبحت يا باغي الخير؟ قال: بخير، قال: وهل وجدت؟ قال: لا، فقال:
كل دين يوم القيامة إلا
ما مضى في الحنيفية بور( )


أما إنَّ هذا النبي الذي ينتظر منا أو منكم، قال: ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبي يُنتظر ويبعث، قال: فخرجت أريد ورقة بن نوفل -وكان كثير النظر إلى السماء كثير همهمة الصدر- فاستوقفته، ثم قصصت عليه الحديث، فقال: نعم يا ابن أخي، إنا أهل الكتب والعلوم، ألا إن هذا النبي الذي يُنتظر من أوسط العرب نسبًا -ولي علم بالنسب- وقومك أوسط العرب نسبًا، قلت: يا عم وما يقول النبي؟ قال: يقول ما قيل له؟ إلا أنه لا يظلم، ولا يُظلم ولا يُظالم، فلما بُعث رسول الله × آمنت به وصدقته ( )، وكان يسمع ما يقوله أمية بن أبي الصلت، في مثل قوله:
ألا نبي لنا منا فيخبرنا
ما بعد غايتنا من رأس مجرانا

إني أعوذ بمن حج الحجيج له
والرافعون لدين الله أركانا

لقد عايش أبو بكر هذه الفترة ببصيرة نافذة، وعقل نير، وفكر متألق، وذهن وقاد، وذكاء حاد، وتأمل رزين ملأ عليه أقطار نفسه، ولذلك حفظ الكثير من هذه الأشعار، ومن تلك الأخبار: فعندما سأل الرسول الكريم × أصحابه يومًا -وفيهم أبو بكر الصديق- قائلا: «من منكم يحفظ كلام قس بن ساعدة في سوق عكاظ؟»، فسكت الصحابة، ونطق الصديق قائلا: إني أحفظها يا رسول الله, كنت حاضرًا يومها في سوق عكاظ، ومن فوق جمله الأورق وقف قس يقول: أيها الناس، اسمعوا وعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا، إن من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. إن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لعِبَرًا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لن تغور، ليل داج، وسمات ذات أبراج!!

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:31 PM
يُقسم قس: إن لله دينًا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه. ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا، ثم أنشد قائلاً:
في الذاهبين الأولين
من القرون لنا بصائره

لما رأيت مواردًا
للموت ليس لها مصادره

ورأيت قومي نحوها
يسعى الأكابر والأصاغره

أيقنت أني لا محا
لة حيث صار القوم صائره( )

وبهذا الترتيب الممتاز، وبهذه الذاكرة الحديدية، وهي ذاكرة استوعبت هذه المعاني، يقص الصديق ما قاله قس بن ساعدة على رسول الله وأصحابه ( ).
وقد رأى رؤيا لما كان في الشام فقصها على بحيرا الراهب ( )، فقال له: من أين أنت؟ قال: من مكة، قال: من أيها؟ قال: من قريش، قال: فأي شيء أنت؟ قال: تاجر، قال: إن صدق الله رؤياك، فإنه يبعث بنبي من قومك، تكون وزيره في حياته، وخليفته بعد موته، فأسر ذلك أبو بكر في نفسه ( ).
لقد كان إسلام الصديق بعد بحث وتنقيب وانتظار، وقد ساعده على تلبية دعوة الإسلام معرفته العميقة وصلته القوية بالنبي × في الجاهلية، فعندما نزل الوحي على النبي × وأخذ يدعو الأفراد إلى الله، وقع أول اختياره على الصديق؛ فهو صاحبه الذي يعرفه قبل البعثة بدماثة خلقه، وكريم سجاياه، كما يعرف أبو بكر النبي × بصدقه، وأمانته وأخلاقه التي تمنعه من الكذب على الناس، فكيف يكذب على الله؟.( )
فعندما فاتحه رسول الله × بدعوة الله وقال له: «...إني رسول الله ونبيه، بعثني لأبلغ رسالته، وأدعوك إلى الله بالحق، فوالله إنه للحق، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته»( ).
فأسلم الصديق ولم يتلعثم وتقدم ولم يتأخر، وعاهد رسول الله على نصرته، فقام بما تعهد، ولهذا قال رسول الله × في حقه: «إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟» مرتين( ).
وبذلك كان الصديق  أول من أسلم من الرجال الأحرار، قال إبراهيم النخعي، وحسان بن ثابت وابن عباس وأسماء بنت أبي بكر: أول من أسلم أبو بكر، وقال يوسف ابن يعقوب الماجشون: أدركت أبي ومشيختنا: محمد بن المنكدر، وربيعة بن عبد الرحمن، وصالح بن كيسان، وسعد بن إبراهيم، وعثمان بن محمد الأخنس، وهم لا يشكون أن أول القوم إسلاما أبو بكر.( ) وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: أول من صلى أبو بكر، ثم تمثل بأبيات حسان:
إذا تذكرت شجوًا من أخي ثقة
فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

خير البرية أتقاها وأعدلها
إلا النبي وأوفاها بما حملا

الثاني التالي المحمود مشهده
وأول الناس طرًّا صدق الرسلا ( )

وثاني اثنين في الغار المنيف وقد
طاف العدو به إذ صعد الجبلا

وعاش حمدًا لأمر الله متبعًا
بهدى صاحبه الماضي وما انتقلا

وكان حب رسول الله قد علموا
من البرية لم يعدل به رجلا ( )

هذا وقد ناقش العلماء قضية إسلام الصديق، وهل كان  أول من أسلم؛ فمنهم من جزم بذلك، ومنهم من جزم بأن عليًا أول من أسلم، ومنهم من جعل زيد بن حارثة أول من أسلم. وقد جمع الإمام ابن كثير -رحمه الله- بين الأقوال جمعًا طيبًا فقال: «والجمع بين الأقوال كلها: أن خديجة أول من أسلم من النساء -وقيل الرجال أيضا- وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة، وأول من أسلم من الغلمان علي بن أبي طالب، فإنه كان صغيرًا دون البلوغ على المشهور وهؤلاء كانوا آنذاك أهل بيته ×، وأول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، وإسلامه كان أنفع من إسلام من تقدم ذكرهم؛ إذ كان صدرًا معظمًا، رئيسًا في قريش مكرمًا، وصاحب مال وداعية إلى الإسلام، وكان محببا متآلفا يبذل المال في طاعة الله ورسوله» ثم قال: وقد أجاب أبو حنيفة  بالجمع بين هذه الأقوال، فإن أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن الغلمان علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:32 PM
وبإسلام أبي بكر عمَّ السرور قلب النبي ×؛ حيث تقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: فلما فرغ من كلامه (أي النبي ×) أسلم أبو بكر، فانطلق رسول الله × من عنده، وما بين الأخشبين أحد أكثر سرورا منه بإسلام أبي بكر ( ). لقد كان أبو بكر كنزًا من الكنوز ادخره الله تعالى لنبيه، وكان من أحب قريش لقريش، فذلك الخلق السمح الذي وهبه الله تعالى إياه جعله من الموطئين أكنافا، من الذين يألفون ويؤلفون، والخلق السمح وحده عنصر كاف لألفة القوم، وهو الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر» ( ).
وعلم الأنساب عند العرب، وعلم التاريخ هما أهم العلوم عندهم، ولدى أبي بكر الصديق  النصيب الأوفر منهما، وقريش تعترف للصديق بأنه أعلمها بأنسابها وأعلمها بتاريخها، وما فيه من خير وشر، فالطبقة المثقفة ترتاد مجلس أبي بكر لتنهل منه علمًا لا تجده عند غيره غزارة ووفرة وسعة، ومن أجل هذا كان الشباب النابهون والفتيان الأذكياء يرتادون مجلسه دائمًا، إنهم الصفوة الفكرية المثقفة التي تود أن تلقى عنده هذه العلوم، وهذا جانب آخر من جوانب عظمته.
وطبقة رجال الأعمال ورجال المال في مكة، هي كذلك من رواد مجلس الصديق؛ فهو إن لم يكن التاجر الأول في مكة، فهو من أشهر تجارها، فأرباب المصالح هم كذلك قُصَّاده، ولطيبته وحسن خلقه تجد عوام الناس يرتادون بيته، فهو المضياف الدمث الخلق، الذي يفرح بضيوفه، ويأنس بهم، فكل طبقات المجتمع المكي تجد حظها عند الصديق رضوان الله عليه.( )
كان رصيده الأدبي والعلمي والاجتماعي في المجتمع المكي عظيمًا، ولذلك عندما تحرك في دعوته للإسلام استجاب له صفوة من خيرة الخلق( ).
ثانيًا: دعوته.
أسلم الصديق  وحمل الدعوة مع النبي ×، وتعلم من رسول الله × أن الإسلام دين العمل والدعوة والجهاد، وأن الإيمان لا يكمل حتى يهب المسلم نفسه وما يملك لله رب العالمين ( )، قال تعالى: +قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ" [الأنعام: 162، 163]، وقد كان الصديق كثير الحركة للدعوة الجديدة، وكثير البركة، أينما تحرك أثَّر وحقق مكاسب عظيمة للإسلام، وقد كان نموذجًا حيًّا في تطبيقه لقول الله تعالى: +ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" [النحل: 125].
كان تحرك الصديق  في الدعوة إلى الله بوضوح صورة من صور الإيمان بهذا الدين، والاستجابة لله ورسوله، صورة المؤمن الذي لا يقر له قرار، ولا يهدأ له بال حتى يحقق في دنيا الناس ما آمن به، دون أن تكون انطلاقته دفعة عاطفية مؤقتة سرعان ما تخمد وتذبل وتزول، وقد بقي نشاط أبي بكر وحماسته للإسلام إلى أن توفاه الله -عز وجل- لم يفتر أو يضعف أو يمل أو يعجز ( ).
كانت أول ثمار الصديق الدعوية دخول صفوة من خيرة الخلق في الإسلام، وهم: الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن مظعون، وأبو عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم ابن أبي الأرقم رضي الله عنهم. وجاء بهؤلاء الصحابة الكرام فرادى فأسلموا بين يدي رسول الله ×، فكانوا الدعامات الأولى التي قام عليها صرح الدعوة، وكانوا العُدَّة الأولى في تقوية جانب رسول الله × وبهم أعزه الله وأيده، وتتابع الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، رجالاً ونساء، وكان كل من هؤلاء الطلائع داعية إلى الإسلام، وأقبل معهم، رعيل السابقين، الواحد والاثنان، والجماعة القليلة، فكانوا على قلة عددهم كتيبة الدعوة، وحصن الرسالة لم يسبقهم سابق ولا يلحق بهم لاحق في تاريخ الإسلام.( )
اهتم الصديق بأسرته فأسلمت أسماء وعائشة وعبد الله وزوجته أم رومان وخادمه عامر بن فهيرة، لقد كانت الصفات الحميدة والخلال العظيمة والأخلاق الكريمة التي تجسدت في شخصية الصديق عاملاً مؤثرًا في الناس عند دعوتهم للإسلام، فقد كان رصيده الخلقي ضخمًا في قومه وكبيرًا في عشيرته، فقد كان رجلاً مؤلفًا لقومه، محببًا لهم سهلاً، أنسب قريش لقريش، بل كان فرد زمانه في هذا الفن، وكان رئيسًا مكرمًا سخيًا يبذل المال، وكانت له بمكة ضيافات لا يفعلها أحد، وكان رجلا بليغًا ( ).
إن هذه الأخلاق والصفات الحميدة لا بد منها للدعاة إلى الله، وإلا أصبحت دعوتهم للناس صيحة في واد ونفخة في رماد، وسيرة الصديق وهي تفسر لنا فهمه للإسلام وكيف عاش به في حياته حدى بالدعاة أن يتأسوا بها في دعوة الأفراد إلى الله تعالى.
ثالثًا: ابتلاؤه:
إن سنة الابتلاء ماضية في الأفراد والجماعات والشعوب والأمم والدول، وقد مضت هذه السنة في الصحابة الكرام، وتحملوا -رضوان الله عليهم- من البلاء ما تنوء به الرواسي الشامخات، وبذلوا أموالهم ودماءهم في سبيل الله، وبلغ بهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ، ولم يسلم أشراف المسلمين من هذا الابتلاء، فلقد أوذي أبو بكر  وحثي على رأسه التراب، وضُرِبَ في المسجد الحرام بالنعال، حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وحمل إلى بيته في ثوبه وهو ما بين الحياة والموت( )، فقد روت عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنه لما اجتمع أصحاب النبي × وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً ألح أبو بكر  على رسول الله × في الظهور، فقال: يا أبا بكر إنا قليل، فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كلُّ رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبًا ورسول الله × جالس، فكان أول خطيب دعا إلى الله تعالى وإلى رسوله ×، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوه في نواحي المسجد ضربًا شديدًا، ووُطِئ أبو بكر وضرب ضربًا شديدًا، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويُحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر ، حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وجاءت بنو تيم يتعادون، فأجْلَتِ المشركين عن أبي بكر، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة «والده» وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله ×؟ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئًا أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه، وجعل يقول: ما فعل رسول الله ×؟ فقالت: والله ما لي علم بصاحبك، فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل، فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله، فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك؟ قالت: نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعًا دنفًا، فدنت أم جميل، وأعلنت بالصياح وقالت: والله إن قومًا نالوا منك لأهل فسق وكفر، إنني لأرجو أن ينتقم الهل لك منهم، قال: فما فعل رسول الله ×؟ قالت: هذه أمك تسمع، قال: فلا شيء عليك منها، قالت: سَالِم صَالِح، قال: أين هو؟ قالت: في دار الأرقم، قال: فإن لله عليَّ أن لا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتي رسول الله ×، فأمهلتا حتى إذا هدأت الرِّجْلُ وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله ×، فقال: فأكب عليه رسول الله × فقبَّله، وأكب عليه المسلمون، ورقَّ له رسول الله × رقة شديدة، فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول الله، ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله، وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار، قال: فدعا لها رسول الله ×، ودعاها إلى الله فأسلمت ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:33 PM
إن هذا الحدث العظيم في طياته دروس وعبر لكل مسلم حريص على الاقتداء بهؤلاء الصحب الكرام، ونحاول أن نستخرج بعض هذه الدروس التي منها:
1- حرص الصديق على إعلان الإسلام وإظهاره أمام الكفار، وهذا يدل على قوة إيمانه وشجاعته، وقد تحمل الأذى العظيم، حتى إن قومه كانوا لا يشكون في موته. لقد أُشْرب قلبه حب الله ورسوله أكثر من نفسه، ولم يعد يهمه بعد إسلامه إلا أن تعلو راية التوحيد، ويرتفع النداء: لا إله إلا اله محمد رسول الله في أرجاء مكة حتى لو كان الثمن حياته، وكاد أبو بكر فعلا أن يدفع حياته ثمنًا لعقيدته وإسلامه.
2- إصرار أبي بكر على الظهور بدعوة الإسلام وسط الطغيان الجاهلي، رغبة في إعلام الناس بذلك الدين الذي خالطت بشاشته القلوب رغم علمه بالأذى الذي قد يتعرض له وصحبه، وما كان ذلك إلا لأنه خرج من حظ نفسه.
3- حب الله ورسوله تغلغل في قلب أبي بكر وتغلب على حبه لنفسه، بدليل أنه رغم ما ألَمَّ به كان أول ما سأل عنه: ما فعل رسول الله ×؟ قبل أن يطعم أو يشرب، وأقسم أنه لن يفعل حتى يأتي رسولَ الله ×، وهكذا يجب أن يكون حب الله ورسوله × عند كل مسلم؛ أحب إليه مما سواهما حتى لو كلفه ذلك نفسه وماله( ).
4-إن العصبية القبلية كان لها في ذلك الحين دور في توجيه الأحداث والتعامل مع الأفراد حتى مع اختلاف العقيدة، فهذه قبيلة أبي بكر تهدد بقتل عتبة إن مات أبو بكر( ).
5- تظهر مواقف رائعة لأم جميل بنت الخطاب، توضح لنا كيف تربت على حُب الدعوة والحرص عليها، وعلى الحركة لهذا الدين، فحينما سألتها أم أبي بكر عن رسول الله قالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، فهذا تصرف حذر سليم؛ لأن أم الخير لم تكن ساعتئذ مسلمة وأم جميل كانت تخفي إسلامها، ولا تود أن تعلم به أم الخير، وفي ذات الوقت أخفت عنها مكان الرسول × مخافة أن تكون عينًا لقريش ( )، وفي نفس الوقت حرصت أم جميل أن تطمئن على سلامة الصديق، ولذلك عرضت على أم الخير أن تصحبها إلى ابنها، وعندما وصلت إلى الصديق كانت أم جميل في غاية الحيطة والحذر من أن تتسرب منها أي معلومة عن مكان رسول الله ×، وأبلغت الصديق بأن رسول الله × سالم صالح( )، ويتجلى الموقف الحذر من الجاهلية التي تفتن الناس عن دينهم في خروج الثلاثة عندما (هدأت الرجل وسكن الناس) ( ).
6- يظهر بر الصديق بأمه وحرصه على هدايتها في قوله لرسول الله ×: هذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله وادع الله لها عسى أن يستنقذها بك من النار. إنه الخوف من عذاب الله والرغبة في رضاه وجنته، ولقد دعا رسول الله × لأم أبي بكر بالهداية فاستجاب الله له، وأسلمت أم أبي بكر وأصبحت من ضمن الجماعة المؤمنة المباركة التي تسعى لنشر دين الله تعالى. ونلمس رحمة الله بعباده ونلحظ من خلال الحدث (قانون المنحة بعد المحنة).
7- إن من أكثر الصحابة الذين تعرضوا لمحنة الأذى والفتنة بعد رسول الله × أبا بكر الصديق  نظرًا لصحبته الخاصة له، والتصاقه به في المواطن التي كان يتعرض فيها للأذى من قومه، فينبري الصديق مدافعًا عنه وفاديًا إياه بنفسه، فيصيبه من أذى القوم وسفههم، هذا مع أن الصديق يعتبر من كبار رجال قريش المعروفين بالعقل والإحسان( ).
رابعًا: دفاعه عن النبي ×:
من صفات الصديق التي تميز بها الجرأة والشجاعة، فقد كان لا يهاب أحدًا في الحق، ولا تأخذه لومة لائم في نصرة دين الله والعمل له والدفاع عن رسوله ×، فعن عروة بن الزبير قال: سألت ابن عمرو بن العاص بأن يخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي × فقال: بينما النبي × يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي × ( ) وقال: +أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ" [غافر: 28]، وفي رواية أنس  أنه قال: لقد ضربوا رسول الله × مرة حتى غشي عليه، فقام أبو بكر  فجعل ينادي: ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟! ( ) وفي حديث أسماء: فأتى الصريخ إلى أبي بكر، فقال: أدرك صاحبك، قالت: فخرج من عندنا وله غدائر أربع وهو يقول: ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، فلهوا عنه وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئا من غدائره إلا رجع معه.( )
وأما في حديث علي بن أبي طالب  فقد قام خطيبًا وقال: يا أيها الناس، من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين، فقال: أما إني ما بارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكن هو أبو بكر، وإنا جعلنا لرسول الله × عريشًا فقلنا: من يكون مع رسول الله × لئلا يهوي عليه أحد من المشركين؟ فوالله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر شاهرًا بالسيف على رأس رسول الله ×، لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه فهذا أشجع الناس. قال: ولقد رأيت رسول الله وأخذته قريش، فهذا يحادَّه، وهذا يتلتله ويقولون: أنت جعلت الآلهة إلهًا واحدًا، فوالله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر يضرب ويجاهد هذا ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، ثم رفع على بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال: أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم هو؟ فسكت القوم، فقال علي: فوالله لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه ( ).
هذه صورة مشرقة تبين طبيعة الصراع بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والإيمان والكفر، وتوضح ما تحمَّله الصديق من الألم والعذاب في سبيل الله تعالى،كما تعطي ملامح واضحة عن شخصيته الفذة، وشجاعته النادرة التي شهد له بها الإمام علي  في خلافته، أي بعد عقود من الزمن، وقد تأثر علي  حتى بكى وأبكى.
إن الصديق  أول من أوذي في سبيل الله بعد رسول الله × وأول من دافع عن رسول الله، وأول من دعا إلى الله ( )، وكان الذراع اليمنى لرسول الله ×، وتفرغ للدعوة وملازمة رسول الله وإعانته على من يدخلون الدعوة في تربيتهم وتعليمهم وإكرامهم؛ فهذا أبو ذر  يقص لنا حديثه عن إسلامه، ففيه: «... فقال أبو بكر: ائذن لي يا رسول الله في طعامه الليلة، وأنه أطعمه من زبيب الطائف».( )
وهكذا كان الصديق في وقوفه مع رسول الله يستهين بالخطر على نفسه، ولا يستهين بخطر يصيب النبي × قل أو كثر حيثما رآه واستطاع أن يذود عنه العادين عليه، وإنه ليراهم آخذين بتلابيبه فيدخل بينهم وبينه، وهو يصيح بهم: «ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟» فينصرفون عن النبي وينحون عليه يضربونه، يجذبونه من شعره فلا يدعونه إلا
وهو صديع». ( )
خامسًا: إنفاقه الأموال لتحرير المعذبين في الله:
تضاعف أذى المشركين لرسول الله × ولأصحابه مع انتشار الدعوة في المجتمع المكي الجاهلي، حتى وصل إلى ذروة العنف وخاصة في معاملة المستضعفين من المسلمين، فنكلت بهم لتفتنهم عن عقيدتهم وإسلامهم، ولتجعلهم عبرة لغيرهم، ولتنفس عن حقدها وغضبها بما تصبه عليهم من العذاب. وقد تعرض بلال  لعذاب عظيم، ولم يكن لبلال  ظهر يسنده، ولا عشيرة تحميه، ولا سيوف تذود عنه، ومثل هذا الإنسان في المجتمع الجاهلي المكي يعادل رقمًا من الأرقام، فليس له دور في الحياة إلا أن يخدم ويطيع ويباع ويشترى كالسائمة، أما أن يكون له رأي أو يكون صاحب فكر، أو صاحب دعوة أو صاحب قضية، فهذه جريمة شنعاء في المجتمع الجاهلي المكي تهز أركانه، وتزلزل أقدامه، ولكن الدعوة الجديدة التي سارع لها الفتيان وهم يتحدون تقاليد وأعراف آبائهم الكبار لامست قلب هذا العبد المرمي المنسي، فأخرجته إنسانًا جديدًا في الحياة ( )، قد تفجرت معاني الإيمان في أعماقه بعد أن آمن بهذا الدين وانضم إلى محمد × وإخوانه في موكب الإيمان العظيم.
وعندما علم سيده أمية بن خلف، راح يهدده تارة ويغريه أطوارا، فما وجد عند بلال غير العزيمة وعدم الاستعداد للعودة إلى الوراء.. إلى الكفر والجاهلية والضلال، فحنق عليه أمية وقرر أن يعذبه عذابًا شديدًا، فأخرجه إلى شمس الظهيرة في الصحراء بعد أن منع عنه الطعام والشراب يومًا وليلة، ثم ألقاه على ظهره فوق الرمال المحرقة الملتهبة، ثم أمر غلمانه فحملوا صخرة عظيمة وضعوها فوق صدر بلال وهو مقيد اليدين، ثم قال له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، وأجاب بلال بكل صبر وثبات: أحد أحد، وبقي أمية بن خلف مدة وهو يعذب بلالاً بتلك الطريقة البشعة ( )، فقصد الصديق موقع التعذيب وفاوض أمية بن خلف وقال له: «ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟! قال: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى، فقال أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى على دينك أعطيكه به، قال: قد قبلت، فقال: هو لك، فأعطاه أبو بكر الصديق  غلامه ذلك وأخذه فأعتقه».( ) وفي رواية: اشتراه بسبع أواق أو بأربعين أوقية ذهبًا ( ).
ما أصبر بلالا وما أصلبه ! فقد كان صادق الإسلام، طاهر القلب، ولذلك صَلُب ولم تلن قناته أمام التحديات وأمام صنوف العذاب، وكان صبره وثباته مما يغيظهم ويزيد حنقهم، خاصة أنه كان الرجل الوحيد من ضعفاء المسلمين الذي ثبت على الإسلام فلم يوات الكفار فيما يريدون، مرددا كلمة التوحيد بتحدٍّ صارخ، وهانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه.( ) وبعد كل محنة منحة؛ فقد تخلص بلال من العذاب والنكال، وتخلص من أسر العبودية، وعاش مع رسول الله بقية حياته ملازمًا له، ومات راضيًا عنه.

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:34 PM
واستمر الصديق في سياسة فك رقاب المسلمين المعذبين، وأصبح هذا المنهج من ضمن الخطة التي تبنتها القيادة الإسلامية لمقاومة التعذيب الذي نزل بالمستضعفين، فدعَّم الدعوة بالمال والرجال والأفراد، فراح يشتري العبيد والإماء والمملوكين من المؤمنين والمؤمنات، منهم: عامر بن فهيرة, شهد بدرا وأحدا، وقتل يوم بئر معونة شهيدا. وأم عبيس، وزنيرة، وأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كذبوا، وبيت الله ما تضر اللات والعزى وما تنفعان، فرد الله بصرها.( ) وأعتق النهدية وبنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، مر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها، وهي تقول: لا أعتقكما أبدًا، فقال أبو بكر : حل ( ) يا أم فلان. فقالت: حل أنت، أفسدتهما فأعتقهما، قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا، وقالت: قد أخذتهما وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها، قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها؟ قال: وذلك إن شئتما ( ).
وهنا وقفة تأمل ترينا كيف سوى الإسلام بين الصديق والجاريتين حتى خاطبتاه خطاب الند للند، لا خطاب المسود للسيد، وتقبل الصديق -على شرفه وجلالته في الجاهلية والإسلام- منهما ذلك، مع أن له يدا عليهما بالعتق، وكيف صقل الإسلام الجاريتين حتى تخلقتا بهذا الخلق الكريم، وكان يمكنهما وقد أعتقتا وتحررتا من الظلم أن تدعا لها طحينها يذهب أدراج الرياح، أو يأكله الحيوان والطير، ولكنهما أبتا –تفضُّلا- إلا أن تفرغا منه، وترداه إليها ( ).
ومر الصديق بجارية بني مؤمَّل (حي من بني عدي بن كعب) وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك يضربها، حتى إذا ملَّ قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا عن ملالة، فتقول: كذلك فعل الله بك، فابتاعها أبو بكر فأعتقها ( ).
هكذا كان واهب الحريات، ومحرر العبيد، شيخ الإسلام الوقور، الذي عُرِفَ في قومه بأنه يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، ولم ينغمس في إثم في جاهليته، أليف مألوف، يسيل قلبه رقة ورحمة على الضعفاء والأرقاء، أنفق جزءًا كبيرًا من ماله في شراء العبيد، وعتقهم لله وفي الله قبل أن تنزل التشريعات الإسلامية المحببة في العتق والواعدة عليه أجزل الثواب ( ).
كان المجتمع المكي يتندر بأبي بكر  الذي يبذل هذا المال كله لهؤلاء المستضعفين، أما في نظر الصديق فهؤلاء إخوانه في الدين الجديد، فكل واحد من هؤلاء لا يساويه عنده مشركو الأرض وطغاتها، وبهذه العناصر وغيرها تبني دولة التوحيد، وتصنع حضارة الإسلام الرائعة.( ) ولم يكن الصديق يقصد بعمله هذا محمدة ولا جاهًا، ولا دنيا، وإنما كان يريد وجه الله ذا الجلال والإكرام. لقد قال له أبوه ذات يوم: يا بني، إني أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أنك إذا فعلت أعتقت رجالاً جلدًا يمنعونك ويقومون دونك؟ فقال أبو بكر : يا أبت، إني إنما أريد ما أريد لله عز وجل. فلا عجب إذا كان الله سبحانه أنزل في شأن الصديق قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى: +فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى  وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى  وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى  وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى  وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى  إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى  وَإِنَّ لَنَا لَلآَخِرَةَ وَالأُولَى  فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى  لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأشْقَى  الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى  وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى  الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى  وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى  إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى  وَلَسَوْفَ يَرْضَى"[الليل: 5 – 21].
لقد كان الصديق من أعظم الناس إنفاقا لماله فيما يرضي الله ورسوله.
كان هذا التكافل بين أفراد الجماعة الإسلامية الأولى قمة من قمم الخير والعطاء، وأصبح هؤلاء العبيد بالإسلام أصحاب عقيدة وفكرة يناقشون بها وينافحون عنها، ويجاهدون في سبيلها، وكان إقدام أبي بكر  على شرائهم ثم عتقهم دليلاً على عظمة هذا الدين ومدى تغلغله في نفسية الصديق ، وما أحوج المسلمين اليوم إلى أن يحيوا هذا المثل الرفيع، والمشاعر السامية؛ ليتم التلاحم والتعايش والتعاضد بين أبناء الأمة التي يتعرض أبناؤها للإبادة الشاملة من قِبَل أعداء العقيدة والدين.
سادسًا: هجرته الأولى وموقف ابن الدغنة منها:
قالت عائشة -رضي الله عنها-: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله × طرفي النهار (بكرة وعشية)، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة ( ) فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يُخرج؛ إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق. فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يُخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصُلِّ فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يَسْتَعْلِن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه.
وكان أبو بكر رجلا بكَّاء لا يملك عينه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمته، فإنا قد كرهنا أن نُخْفِرك، ولسنا بمقرين لأبي بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إليَّ ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عز وجل.( ) وحين خرج من جوار ابن الدغنة (يعني أبو بكر) لقيه سفيه من سفهاء قريش وهو عامد إلى الكعبة فحثا على رأسه ترابًا، فمر بأبي بكر الوليدُ بن المغيرة أو العاص بن وائل فقال له أبو بكر : ألا ترى ما يصنع هذا السفيه؟ فقال: أنت فعلت ذلك بنفسك، وهو يقول: ربي ما أحلمك، أي ربي ما أحلمك، أي ربي ما أحلمك.( )
وفي هذه القصة دروس وعبر كثيرة، منها:
1- كان أبو بكر في عز من قومه قبل بعثة محمد ×، فها هو ابن الدغنة يقول له: مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يُخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فأبو بكر لم يدخل في دين الله طلبًا لجاه أو سلطان، وما دفعه إلى ذلك إلا حب الله ورسوله × مهما يترتب على ذلك من ابتلاءات؛ أي أنه لم يكن له تطلعات سوى مرضاة الله تعالى. إنه يريد أن يفارق الأهل والوطن والعشيرة ليعبد ربه؛ لأنه حيل بينه وبين ذلك في وطنه ( ).
2- إن زاد الصديق في دعوته القرآنُ الكريم، ولذلك اهتم بحفظه وفهمه وفقهه والعمل به، وأكسبه الاهتمام بالقرآن الكريم براعة في تبليغ الدعوة، وروعة في الأسلوب، وعمقًا في الأفكار، وتسلسلاً عقليًا في عرض الموضوع الذي يدعو إليه، ومراعاة لأحوال السامعين، وقوة في البرهان والدليل ( ).
وكان الصديق يتأثر بالقرآن الكريم ويبكي عند تلاوته، وهذا يدل على رسوخ يقينه وقوة حضور قلبه مع الله عز وجل، ومع معاني الآيات التي يتلوها، والبكاء مبعثه قوة التأثر؛ إما بحزن شديد أو فرح غامر، والمؤمن الحق يظل بين الفرح بهداية الله تعالى إلى الصراط المستقيم، والإشفاق من الانحراف قليلاً عن هذا الصراط. وإذا كان صاحب إحساس حي وفكر يقظ كأبي بكر  فإن هذا القرآن يذكر بالحياة الآخرة وما فيها من حساب وعقاب أو ثواب، فيظهر أثر ذلك في خشوع الجسم وانسكاب العَبَرَات، وهذا المظهر يؤثر كثيرًا على من شاهده، ولذلك فزع المشركون من مظهر أبي بكر المؤثر وخشوا على نسائهم وأبنائهم أن يتأثروا به فيدخلوا في الإسلام ( ).
لقد تربى الصديق على يدي رسول الله ×، وحفظ كتاب الله تعالى وعمل به في حياته، وتأمل فيه كثيرًا، وكان لا يتحدث بغير علم؛ فعندما سئل عن آية لا يعرفها أجاب بقوله: أي أرض تسعني أو أي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم يُرد الله.( )
ومن أقواله التي تدل على تدبره وتفكره في القرآن الكريم قوله: إن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وغفر لهم سيئها، فيقول الرجل: أين أنا من هؤلاء؟! يعني: حسنها، فيقول قائل: لست من هؤلاء، يعني وهو منهم ( ).
وكان يسأل رسول الله × فيما استشكل عليه بأدب وتقدير واحترام، فلما نزل قوله تعالى: +لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِيًّا
وَلاَ نَصِيرًا" [النساء: 123]، قال أبو بكر: يا رسول الله، قد جاءت قاصمة الظهر، وأيُّنَا لم
يعمل سوءًا؟ فقال: يا أبا بكر، ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ فذلك مما تجزون به ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:35 PM
وقد فسر الصديق بعض الآيات، مثل قول الله تعالى: +إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ" [فصلت: 30]، قال فيها: فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة، فلم يلتفتوا بقلوبهم إلى ما سواه لا بالحب ولا بالخوف، ولا بالرجاء ولا بالسؤال ولا بالتوكل عليه؛ بل لا يحبون إلا الله ولا يحبون معه أندادًا، ولا يحبون إلا إياه؛ لا لطلب منفعة، ولا لدفع مضرة، ولا يخافون غيره كائنًا من كان، ولا يسألون غيره، ولا يتشرفون بقلوبهم إلى غيره.( ) وغير ذلك من الآيات.
إن الدعاة إلى الله عليهم أن يكونوا في صحبة مستمرة للقرآن الكريم، يقرأونه ويتدبرونه ويستخرجون كنوزه ومعارفه للناس، وأن يُظْهروا للناس ما في القرآن من إعجاز بياني وعلمي وتشريعي، وما فيه من سبل إنقاذ الإنسانية المعذبة من مآسيها وحروبها، بأسلوب يناسب العصر، ويكافئ ما وصل إليه الناس من تقدم في وسائل الدعوة والدعاية. ولقد أدرك أبو بكر  كيف تكون قراءة القرآن الكريم في المسجد على ملأ من قريش وسيلة مؤثرة من وسائل الدعوة إلى الله ( ).
سابعًا: بين قبائل العرب في الأسواق:
قد علمنا أن الصديق  كان عالمًا بالأنساب وله فيها الباع الطويل؛ قال السيوطي -رحمه الله تعالى-: رأيت بخط الحافظ الذهبي -رحمه الله- من كان فرد زمانه في فنه... أبو بكر في النسب.( ) ولذلك استخدم الصديق هذا العلم الفياض وسيلة من وسائل الدعوة؛ ليعلم كل ذي خبرة كيف يستطيع أن يسخِّرَ ذلك في سبيل الله على اختلاف التخصصات، وألوان المعرفة، سواء كان علمه نظريًا أو تجريبيًا، أو كان ذا مهنة مهمة في حياة الناس.( )
وسوف نرى الصديق يصحبه رسول الله × عندما عرض نفسه على قبائل العرب ودعاهم إلى الله، كيف وظف هذا العلم لدعوة الله؛ فقد كان الصديق خطيبًا مفوهًا له القدرة على توصيل المعاني بأحسن الألفاظ، وكان  يخطب عن النبي × في حضوره وغيبته، فكان النبي × إذا خرج في الموسم يدعو (أي أبو بكر) الناس إلى متابعة كلامه تمهيدًا وتوطئة لما يبلغ الرسول، معونة له، لا تقدمًا بين يدي الله ورسوله.( ) وكان علمه في النسب ومعرفة أصول القبائل مساعدًا له على التعامل معها، فعن علي بن أبي طالب  قال: لما أمر الله -عز وجل- نبيه × أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه... إلى أن قال: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليه السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم، فقال: من القوم؟ قالوا: من بني شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله × وقال: بأبي أنت وأمي، ليس وراء هؤلاء عذر من قومهم وهؤلاء غرر الناس وفيهم مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة والنعمان بن شريك، وكان مفروق بن عمرو قد غلبهم لسانًا وجمالاً، وكان له غديرتان تسقطان على تريبته، وكان أدنى القوم مجلسًا من أبي بكر، فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنا لا نزيد على الألف ولن تغلب الألف من قلة، فقال أبو بكر: وكيف المنعة فيكم، فقال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضبًا حين نلقى، وأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله يديلنا مرة ويديل علينا أخرى. لعلك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: إن كان بلغكم أن رسول الله × فها هو ذا، فقال مفروق: إلام تدعونا يا أخا قريش؟ فقال رسول الله ×: «أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني عبد الله ورسوله، وإلى أن تؤووني وتنصروني، فإن قريشًا قد تظاهرت على الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد».
فقال مفروق: وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش، فوالله ما سمعت كلامًا أحسن من هذا؟ فتلا رسول الله × قوله تعالى: +قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إِمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" [الأنعام: 151]، فقال مفروق: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك، ثم رد الأمر إلى هانئ بن قبيصة فقال: وهذا هانئ شيخنا وصاحب ديننا، فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى أن تَرْكَنَا ديننا واتباعنا دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر لذل في الرأي وقلة نظر في العاقبة، إن الزلة مع العجلة وإنا نكره أن نعقد على من وراءنا عقدًا، ولكن نرجع وترجع وننظر.. ثم كأنه أحب أن يشركه المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنى (وأسلم بعد ذلك): قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ومتابعتنا دينك، وإنا إنما نزلنا بين صيرين أحدهما اليمامة والأخرى السمامة، فقال رسول الله ×: «وما هذا الصيران؟» فقال له: أما أحدهما فطفوف البر وأرض العرب، وأما الآخر فأرض فارس وأنهار كسرى، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثًا، ولا نؤوي محدثا، ولعل هذا الأمر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك، فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول، وأما ما كان يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول، فإن أردت أن ننصرك مما يلي العرب فعلنا، فقال رسول الله ×: «ما أسأتم في الرد؛ إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله -عز وجل- لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه. أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً حتى يورثكم الله تعالى أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟». فقال له النعمان بن شريك: اللهم فَلَكَ ذاك ( ).
وفي هذا الخبر دروس وعبر وفوائد كثيرة، منها:
1- ملازمة الصديق لرسول الله ×، وهذا جعله يفهم الإسلام بشموله، وهيأه الله تعالى بأنه يصبح أعلم الصحابة بدين الله؛ فقد تعلم من رسول الله × حقيقة الإسلام، وتربى على يديه في معرفة معانيه، فاستوعب طبيعة الدعوة ومر بمراحلها المتعددة، واستفاد من صحبته لرسول الله ×، وتشرب المنهج الرباني، فعرف المولى - عز وجل- من خلاله، وطبيعة الحياة، وحقيقة الكون، وسر الوجود، وماذا بعد الموت، ومفهوم القضاء والقدر، وقصة الشيطان مع آدم ، وحقيقة الصراع بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والإيمان الكفر. وحببت إليه العبادات؛ كقيام الليل، وذكر الله، وتلاوة القرآن، فسمت أخلاقه، وتطهرت نفسه، وزكت روحه.
2- وفي رفقته لرسول الله × عندما كان × يدعو القبائل للإسلام استفاد الكثير؛ فقد عرف أن النصرة التي كان يطلبها رسول الله × لدعوته من زعماء القبائل أن يكون أهل النصرة غير مرتبطين بمعاهدات دولية تتناقض مع الدعوة ولا يستطيعون التحرر
منها؛ وذلك لأن احتضانهم للدعوة والحالة هذه يُعرضها لخطر القضاء عليها من قِبَل
الدول التي بينهم وبينها تلك المعاهدات، والتي تجد في الدعوة الإسلامية خطرًا عليها
وتهديدا لمصالحها( ).
إن الحماية المشروطة أو الجزئية لا تحقق الهدف المقصود، فلن يخوض بنو شيبان حربًا ضد كسرى لو أراد القبض على رسول الله × وتسليمه، ولن يخوضوا حربا ضد كسرى لو أراد مهاجمة رسول الله × وأتباعه، وبذلك فشلت المباحثات ( ).
2- «إن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه»، كان هذا الرد من
النبي × على المثنى بن حارثة؛ حيث عرض على النبي حمايته على مياه العرب دون
مياه الفرس، فمن يسبر أغوار السياسة البعيدة يرى بعد النظر الإسلامي النبوي
الذي لا يسامى.( )
4- كان موقف بني شيبان يتسم بالأريحية والخلق والرجولة، وينم عن تعظيم هذا
النبي ×، وعن وضوح في العرض، وتحديد مدى قدرة الحماية التي يملكونها، وقد بينوا أن أمر الدعوة مما تكرهه الملوك، وقدر الله لشيبان بعد عشر سنوات أو تزيد أن تحمل هي ابتداء عبء مواجهة الملوك بعد أن أشرق قلبها بنور الإسلام، وكان المثنى بن حارثة الشيباني صاحب حربهم وبطلهم المغوار الذي كان من ضمن قادة الفتوح في خلافة الصديق، فكان وقومه من أجرأ المسلمين بعد إسلامهم على قتال الفرس، بينما كانوا في جاهليتهم يرهبون الفرس ولا يفكرون في قتالهم؛ بل إنهم ردوا دعوة النبي × بعد قناعتهم بها لاحتمال أن تلجئهم إلى قتال الفرس، الأمر الذي لم يكونوا يفكرون به أبدا، وبهذا تعلم عظمة هذا الدين الذي رفع الله به المسلمين في الدنيا؛ حيث جعلهم سادة الأرض مع ما ينتظرون في أخراهم من النعيم الدائم في جنات النعيم ( ).
* * *

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:36 PM
المبحث الثالث
هجرته مع رسول الله × إلى المدينة
تمهيد:
اشتدت قريش في أذى المسلمين والنيل منهم؛ فمنهم من هاجر إلى الحبشة مرة أو مرتين فرارًا بدينه، ثم كانت الهجرة إلى المدينة. ومن المعلوم أن أبا بكر استأذن النبي × في الهجرة فقال له: «لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحبًا» ( ) فكان أبو بكر يطمع أن يكون في صحبة
النبي ×. وهذه السيدة عائشة -رضي الله عنها- تحدثنا عن هجرة رسول الله × وأبيها  حيث قالت: كان لا يخطئ رسول الله × أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله × في الهجرة، والخروج من مكة من بين ظهري قومه، أتانا رسول الله × بالهاجرة ( )، في ساعة كان لا يأتي فيها، قالت: فلما رآه أبو بكر، قال: ما جاء رسول الله × هذه الساعة إلا لأمر حدث، قالت: فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله ×، وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله ×: «أخرج عني من عندك»، فقال: يا رسول الله، إنما هما ابنتاي، وما ذاك فداك أبي وأمي! فقال: «أنه قد أذن لي في الخروج والهجرة» ، قلت: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: «الصحبة» ، قالت فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أحدًا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ، ثم قال: يا نبي الله، إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا، فاستأجرا عبد الله بن أريقط, رجلاً من بني الديل بن بكر، وكانت أمه امرأة من بني سهم بن عمرو، وكان مشركًا يدلهما على الطريق، فدفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما ( ).
وجاء في رواية البخاري عن عائشة في حديث طويل تفاصيل مهمة، وفي ذلك الحديث:... قالت عائشة: فبينما نحن يومًا جلوسًا في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله × متقنعًا ( )، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال رسول الله × لأبي بكر: «أخرج مَنْ عندك» فقال أبو بكر: إنما هم أهلك، فقال: «فإني قد أذن لي في الخروج» ، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله! قال رسول الله ×: «نعم» ، قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، قال رسول الله ×: «بالثمن» ، قالت عائشة: فجهزناهما أحسن الجهاز، ووضعنا لهم سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين، ثم لحق رسول الله × وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا ( ) فيه ثلاث ليالي يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف( )، لقن ( )، فيدلج ( ) من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكتادان ( ) به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما حيث تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل (وهو لبن منحهم ورضيفهما) ( ) ينعق ( ) بها عامر بن فهيرة بغلس ( )، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله × وأبو بكر رجلاً من بني الديل وهو من بني عبد ابن عدي هاديا خريتا (والخريت: الماهر)، قد غمس حلفًا ( ) في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعده غار ثور بعد ثلاث
ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم
طريق السواحل( ).
لم يعلم بخروج رسول الله × أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق، وآل أبي بكر، وجاء وقت الميعاد بين رسول الله × وأبي بكر ، فخرجا من خوخة ( )
لأبي بكر في ظهر بيته؛ وذلك للإمعان في الاستخفاء حتى لا تتبعهما قريش وتمنعهما من تلك الرحلة المباركة، وقد اتعدا مع الليل على أن يلقاهما عبد الله بن أريقط في غار ثور بعد ثلاث ليال ( )، وقد دعا النبي × عند خروجه من مكة إلى المدينة ( )، ووقف عند خروجه بالحزورة في سوق مكة وقال: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخْرِجْتُ منك ما خرجت» .( )
ثم انطلق رسول الله وأبو بكر، والمشركون يحاولون أن يقتفوا آثارهم حتى بلغوا الجبل –جبل ثور- اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ها هنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه ( )، وهذه من جنود الله -عز وجل-: +وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ" [المدثر: 31].
وبالرغم من كل الأسباب التي اتخذها رسول الله × فإنه لم يرتكن إليها مطلقًا، وإنما كان كامل الثقة في الله، عظيم الرجاء في نصره وتأييده، دائم الدعاء بالصيغة التي علمه الله إياها( )، قال تعالى: +وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا" [الإسراء: 80].
وفي هذه الآية الكريمة دعاء يُعلمه الله -عز وجل- لنبيه × ليدعوه به، ولتتعلم أمته كيف تدعو الله وكيف تتجه إليه، دعاء بصدق المدخل وصدق المخرج، كناية عن صدق الرحلة كلها، بدئها وختامها، أولها وآخرها، وما بين الأول والآخر، وللصدق هنا قيمته بمناسبة ما حاوله المشركون من فتنته عما أنزله الله عليه ليفتري على الله غيره، وللصدق كذلك ظلاله؛ ظلال الثبات والاطمئنان والنظافة والإخلاص: +وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا"، قوة وهيبة استعلى بهما على سلطان الأرض وقوة المشركين، وكلمة +مِن لَّدُنْكَ" تصور القرب والاتصال بالله والاستمداد من عونه مباشرة واللجوء إلى حِمَاه.
وصاحب الدعوة لا يمكن أن يستمد السلطان إلا من الله، ولا يمكن أن يهاب إلا بسلطان الله، لا يمكن أن يستظل بحاكم أو ذي جاه فينصره ويمنعه ما لم يكن اتجاهه قبل ذلك إلى الله، والدعوة قد تغزو قلوب ذوي السلطان والجاه، فيصبحون لها جندًا وخدمًا فيفلحون، ولكنها هي لا تفلح إن كانت من جند السلطان وخدمه، فهي من أمر الله، وهي أعلى من ذوي السلطان والجاه ( ).
وعندما أحاط المشركون بالغار، وأصبح منهم رأي العين طمأن الرسول × الصديق بمعية الله لهما، فعن أبي بكر الصديق  قال: قلت للنبي × وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟»( ).
وسجل الحق -عز وجل- ذلك في قوله تعالى: +إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"[التوبة: 40].
وبعد ثلاث ليال من دخول النبي × في الغار خرج رسول الله × وصاحبه من الغار، وقد هدأ الطلب، ويئس المشركون من الوصول إلى رسول الله، وقد قلنا: إن رسول الله × وأبا بكر قد استأجرا رجلاً من بني الديل يسمى عبد الله بن أريقط، وكان مشركًا وقد أمناهُ فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما، وقد جاءهما فعلاً في الموعد المحدد، وسلك بهما طريقًا غير معهودة ليخفي أمرهما عمن يلحق بهم من كفار قريش.( )
وفي أثناء الطريق إلى المدينة مرَّ النبي × بأم معبد ( ) في قديد ( )، حيث مساكن خزاعة، وهي أخت حبيش بن خالد الخزاعي الذي روى قصتها، وهي قصة تناقلها الرواة وأصحاب السير، وقال عنها ابن كثير: «وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضًا» ( ).
وقد أعلنت قريش في نوادي مكة بأنه من يأتي بالنبي × حيًّا أو ميتًا فله مائة
ناقة، وانتشر هذا الخبر عند قبائل العرب الذين في ضواحي مكة، وطمع سراقة بن
مالك بن جعشم في نيل المكسب الذي أعدته قريش لمن يأتي برسول الله × فأجهد نفسه لينال ذلك، ولكن الله بقدرته التي لا يغلبها غالب جعله يرجع مدافعًا عن رسول الله × بعد أن كان جاهدًا عليه ( ).
ولما سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله × من مكة، كانوا يفدون كل غداة إلى الحرة، فينتظرون حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعدما أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم ( ) من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر رسول الله × وأصحابه مبيضين ( )، يزول بهم السراب ( )، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم ( ) الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله × بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عوف، وذلك يوم الاثنين ( ) من شهر ربيع الأول ( )، فقام أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله × عند ذلك ( ).
كان يوم وصول الرسول × وأبي بكر إلى المدينة يوم فرح وابتهاج لم ترَ المدينة يومًا مثله، ولبس الناس أحسن ملابسهم كأنهم في يوم عيد، ولقد كان حقًا يوم عيد؛ لأنه اليوم الذي انتقل فيه الإسلام من ذلك الحيز الضيق في مكة إلى رحابة الانطلاق والانتشار بهذه البقعة المباركة (المدينة)، ومنها إلى سائر بقائع الأرض. لقد أحس أهل المدينة بالفضل الذي حباهم الله به، وبالشرف الذي اختصهم الله به، فقد صارت بلدتهم موطنًا لإيواء رسول الله وصحابته المهاجرين، ثم لنصرة الإسلام، كما أصبحت موطنًا للنظام الإسلامي العام التفصيلي بكل مقوماته، ولذلك خرج أهل المدينة يهللون في فرح وابتهاج ويقولون: يا رسول الله، يا محمد يا رسول الله.( ) وبعد هذا الاستقبال الجماهيري العظيم الذي لم ير مثله في تاريخ الإنسانية سار رسول الله × حتى نزل في دار أبي أيوب الأنصاري  ( )، ونزل الصديق على خارجة بن زيد الخزرجي الأنصاري.
وبدأت رحلة المتاعب والمصاعب والتحديات، فتغلب عليها رسول الله × للوصول للمستقبل الباهر للأمة والدولة الإسلامية التي استطاعت أن تصنع حضارة إنسانية رائعة على أسس من الإيمان والتقوى والإحسان والعدل، بعد أن تغلبت على أقوى دولتين كانتا تحكمان في العالم، وهما الفرس والروم ( )، وكان الصديق  الساعد الأيمن لرسول الله × منذ بزوغ الدعوة حتى وفاته ×. وكان أبو بكر  ينهل بصمت وعمق من ينابيع النبوة حكمةً وإيمانًا، يقينًا وعزيمة، وتقوى وإخلاصًا، فإذا هذه الصحبة تثمر صلاحًا وصِدِّيقيَّة، ذكرًا ويقظة، حبًّا وصفاء، عزيمة وتصميمًا، إخلاصًا وفهمًا، فوقف مواقفه المشهودة بعد وفاة رسول الله × في سقيفة بني ساعدة وغيرها من المواقف، وبعث جيش أسامة، وحروب الردة، فأصلح ما فسد وبنى ما هُدم، وجمع ما تفرق، وقوَّم ما انحرف.( )

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:37 PM
إن حادثة هجرة الصديق مع رسول الله فيها دروس وعبر وفوائد، منها:
أولا: قال تعالى: +إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" [التوبة: 40].
ففي هذه الآية الكريمة دلالة على أفضلية الصديق من سبعة أوجه، ففي الآية الكريمة من فضائل أبي بكر :
1- أن الكفار أخرجوه:
الكفار أخرجوا الرسول «ثاني اثنين»، فلزم أن يكونوا أخرجوهما، وهذا هو الواقع.
2- أنه صاحبه الوحيد:
الذي كان معه حين نصره الله؛ إذ أخرجه الذين كفروا هو أبو بكر، وكان ثاني اثنين الله ثالثهما.
قوله: +ثَانِيَ اثْنَيْنِ"، ففي المواضع التي لا يكون مع النبي × مع أكابر الصحابة إلا واحد يكون هو ذلك الواحد؛ مثل سفره في الهجرة، ومقامه يوم بدر في العريش لم يكن معه فيه إلا أبو بكر، ومثل خروجه إلى قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام كان يكون معه
من أكابر الصحابة أبو بكر، وهذا اختصاص في الصحبة لم يكن لغيره باتفاق أهل المعرفة بأحوال النبي ×.
3- أنه صاحبه في الغار:
الفضيلة في الغار ظاهرة بنص القرآن، وقد أخرجا في الصحيحين من حديث أنس عن أبي بكر ، قال: نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا. فقال ×: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما».( ) وهذا الحديث مع كونه مما اتفق أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول، فلم يختلف في ذلك اثنان منهم، فهو مما دل القرآن على معناه ( ).
4- أنه صاحبه المطلق:
قوله: +إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ" لا يختص بمصاحبته في الغار؛ بل هو صاحبه المطلق الذي عمل في الصحبة، كما لم يشركه فيه غيره فصار مختصا بالأكملية من الصحبة، وهذا مما لا نزاع فيه بين أهل العلم بأحوال النبي ×، ولهذا قال من قال من العلماء: إن فضائل الصديق خصائص لم يشركه فيها غيره.( )
5- أنه المشفق عليه:
قوله +لاَ تَحْزَنْ" يدل على أن صاحبه كان مشفقًا عليه محبًّا له، ناصرًا له حيث يحزن، وإنما يحزن الإنسان حال الخوف على من يحبه، وكان حزنه على النبي × لئلا يقتل ويذهب الإسلام، ولهذا لما كان معه في سفر الهجرة كان يمشي أمامه تارة، ووراءه تارة، فسأله النبي × عن ذلك، فقال: أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون وراءك( )، وفي رواية أحمد في كتاب «فضائل الصحابة»:... فجعل أبو بكر يمشي خلفه ويمشي أمامه، فقال له النبي ×: «ما لك؟» قال: يا رسول الله، إذا كنت أمامك خشيت أن تؤتى من وراءك، وإذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من أمامك. قال: لما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: يا رسول الله، كما أنت حتى أَقُمَّه.. فلما رأى أبو بكر جحرًا في الغار فألقمها قدمَه، وقال: يا رسول الله، إن كانت لسعة أو لدغة كانت بي ( ). فلم يكن يرضى بمساواة النبي؛ بل كان لا يرضى بأن يقتل رسول الله × وهو يعيش، كان يختار أن يفديه بنفسه وأهله وماله، وهذا واجب على كل مؤمن، والصديق أقوم المؤمنين بذلك( ).
6- المشارك له في معية الاختصاص:
قوله: +إِنَّ اللهَ مَعَنَا" صريح في مشاركة الصديق للنبي × في هذه المعية التي اختص بها الصديق لم يشركه فيها أحد من الخلق. وهي تدل على أنه معهما بالنصر والتأييد، والإعانة على عدوهما. فيكون النبي × قد أخبر أن الله ينصرني وينصرك يا أبا بكر ويعيننا عليهم، نصرَ إكرام ومحبة، كما قال الله تعالى: +إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ" [غافر: 51]. وهذا غاية المدح لأبي بكر إذا دل على أنه ممن شهد له الرسول
بالإيمان المقتضي نصرَ الله له مع رسوله في مثل هذا الحال التي يخذل فيها عامة الخلق إلا
من نصره الله ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:38 PM
وقال الدكتور عبد الكريم زيدان عن المعية في هذه الآية الكريمة: وهذه المعية الربانية المستفادة من قوله تعالى: +إِنَّ اللهَ مَعَنَا" أعلى من معيته للمتقين والمحسنين في قوله تعالى: +إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ" [النحل: 128]؛ لأن المعية هنا لذات الرسول وذات صاحبه، غير مقيدة بوصف هو عمل لهما، كوصف التقوى والإحسان بل هي خاصة برسوله وصاحبه، كمقولة هذه المعية بالتأييد بالآيات وخوارق العادات ( ).
7- أنه صاحبه في حال إنزال السكينة والنصر:
قال تعالى: +فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا" [التوبة: 40]، فإن من كان صاحبه في حال الخوف الشديد فلأن يكون صاحبه في حضور النصر والتأييد أولى وأحرى، فلم يحتج أن يذكر صحبته له في هذه الحال لدلالة الكلام والحال عليها، وإذا علم أنه صاحبه في هذه الحال علم أنما حصل للرسول من إنزال السكينة والتأييد بالجنود التي لم يرها الناس لصاحبه فيها أعظم مما لسائر الناس، وهذا من بلاغة القرآن وحسن بيانه ( ).
ثانيًا: فقه النبي × والصديق في التخطيط والأخذ بالأسباب:
إن من تأمل حادثة الهجرة رأى دقة التخطيط فيها ودقة الأخذ بالأسباب من ابتدائها ومن مقدماتها إلى ما جرى بعدها، يدرك أن التخطيط المسدد بالوحي في حياة رسول الله × كان قائمًا، وأن التخطيط جزء من السنة النبوية، وهو جزء من التكليف الإلهي في كل ما طولب به المسلم، وأن الذين يميلون إلى العفوية بحجة أن التخطيط وإحكام الأمور ليسا من السنة، أمثال هؤلاء مخطئون ويجنون على أنفسهم وعلى المسلمين ( ).
فعندما حان وقت الهجرة للنبي × في التنفيذ نلاحظ الآتي:
أ- وجود التنظيم الدقيق للهجرة حتى نجحت رغم ما كان يكتنفها من صعاب وعقبات، وذلك أن كل أمر من أمور الهجرة كان مدروسًا دراسة وافية، فمثلاً:
1- جاء × إلى بيت أبي بكر في وقت شدة الحر؛ الوقت الذي لا يخرج فيه أحد؛ بل من عادته لم يكن يأتي له، لماذا؟ حتى لا يراه أحد.
2- إخفاء شخصيته × أثناء مجيئه للصديق وجاء إلى بيت الصديق متلثمًا؛ لأن التلثم يقلل من إمكانية التعرف على معالم الوجه المتلثم ( ).
3- أمر × أبا بكر أن يخرج من عنده، ولما تكلم لم يُبِن إلا الأمر بالهجرة دون
تحديد الاتجاه.
4- وكان الخروج ليلا ومن باب خلفي في بيت أبي بكر ( ).
5- بلغ الاحتياط مداه باتخاذ طرق غير مألوفة للقوم، والاستعانة بذلك بخبير يعرف مسالك البادية، ومسارب الصحراء، وكان ذلك الخبير مشركًا ما دام على خلق ورزانة، وفيه دليل على أن الرسول × كان لا يحجم على الاستعانة بالخبرات مهما يكن مصدرها.( ) وقد يبين الشيخ عبد الكريم زيدان أن القاعدة والأصل عدم الاستعانة بغير المسلم في الأمور العامة، ولهذه القاعدة استثناء، وهو جواز الاستعانة بغير المسلم بشروط معينة، وهي: تحقيق المصلحة أو رجحانها بهذه الاستعانة، وأن لا يكون ذلك على حساب الدعوة ومعانيها، وأن يتحقق الوثوق الكافي بمن يستعان به، وأن لا تكون هذه الاستعانة مثار شبهة لأفراد المسلمين، وأن تكون هناك حاجة حقيقية لهذه الاستعانة على وجه الاستثناء، وإذا لم تتحقق لم تجز الاستعانة.( ) وقد كان الصديق  قد دعا أولاده للإسلام ونجح بفضل الله في هذا الدور الكبير والخطير، وقام بتوظيف أسرته لخدمة الإسلام ونجاح هجرة رسول الله ×، فوزع بين أولاده المهام الخطيرة في مجال التنفيذ العملي لخطة الهجرة المباركة:
1- دور عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما:
فقد قام بدور صاحب المخابرات الصادق وكشف تحركات العدو، لقد ربى عبد الله على حب دينه، والعمل لنصرته ببصيرة نافذة وفطنة كاملة وذكاء متوقد، يدل على العناية الفائقة التي اتبعها سيدنا أبو بكر في تربيته. وقد رسم له أبوه دوره في الهجرة فقام به خير قيام، وكان يتمثل في التنقل بين مجالس أهل مكة يستمع أخبارهم وما يقولونه في نهارهم، ثم يأتي الغار إذا أمسى، فيحكي للنبي × ولأبيه الصديق  ما يدور بعقول أهل مكة وما يدبرونه، وقد أتقن عبد الله هذا الواجب بطريقة رائعة، فلم تأخذ واحدًا من أهل مكة ريبة فيه، وكان يبيت عند الغار حارسًا، حتى إذا اقترب النهار عاد إلى مكة فما شعر به أحد ( ).
2- دور عائشة وأسماء رضي الله عنهما:
كان لأسماء وعائشة دور عظيم أظهر فوائد التربية الصحيحة، حيث قامتا عند قدوم النبي × إلى بيت أبي بكر ليلة الهجرة بتجهيز طعام النبي × ولأبيهما.. تقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: فجهزناهما (تقصد رسول الله × وأباها) أحسن الجهاز فصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فلذلك سميت ذات النطاقين.( )
3- دور أسماء في تحمل الأذى وإخفاء أسرار المسلمين:
أظهرت أسماء -رضي الله عنها- دور المسلمة الفاهمة لدينها، المحافظة على أسرار الدعوة، المتحملة لتوابع ذلك من الأذى والتعنت. فهذه أسماء تحدثنا بنفسها حيث تقول: لما خرج رسول الله × وأبو بكر  أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قلت: لا أدري والله أين أبي؟ قالت: فرفع أبو جهل يده وكان فاحشًا خبيثًا، فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي، قالت: ثم انصرفوا..( ).
فهذا درس من أسماء -رضي الله عنها- تعلمه لنساء المسلمين جيلاً بعد جيل، كيف تخفي أسرار المسلمين عن الأعداء، وكيف تقف صامدة شامخة أمام قوى البغي والظلم.
4- دور أسماء -رضي الله عنها- في بث الأمان والطمأنينة في البيت:
خرج أبو بكر  مع رسول الله × ومعه ماله كله، وهو ما تبقى من رأسماله، وكان خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم، وجاء أبو قحافة ليتفقد بيت ابنه ويطمئن على أولاده، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قالت: كلا يا أبت، ضع يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن. وفي هذا بلاغ لكم. لا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكني أردت أن أسكِّن الشيخ بذلك ( ).
وبهذه الفطنة والحكمة سترت أسماء أباها، وسكن قلب جدها الضرير من غير أن تكذب، فإن أباها قد ترك لهم حقا هذه الأحجار التي كومتها لتطمئن لها نفس الشيخ، إلا أنه قد ترك لهم معها إيمانا بالله لا تزلزله الجبال، ولا تحركه العواصف الهوج، ولا يتأثر بقلة أو كثرة في المال، ورَّثهم يقينًا وثقة به لا حد لهما، وغرس فيهم همة تتعلق بمعالي الأمور، ولا تلتفت إلى سفاسفها، فضرب بهم للبيت المسلم مثالاً عزَّ أن يتكرر، وقلَّ أن يوجد نظيره.
لقد ضربت أسماء -رضي الله عنها- بهذه المواقف لنساء وبنات المسلمين مثلا هنَّ في أمسِّ الحاجة إلى الاقتداء به، والنسج على منواله، وظلت أسماء مع أخواتها في مكة لا تشكو ضيقا، ولا تظهر حاجة، حتى بعث النبي × زيد بن حارثة وأبا رافع مولاه، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة، فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسودة بنت زمعة زوجه، وأسامة بن زيد، وأمه بركة المكناة بأم أيمن، وخرج معهما عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، حتى قدموا المدينة مصطحبين ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:39 PM
5- دور عامر بن فهيرة مولى أبي بكر :
من العادة عند كثير من الناس إهمال الخادم وقلة الاكتراث بأمره، لكن الدعاة الربانيين لا يفعلون ذلك، إنهم يبذلون جهدهم لهداية من يلاقونه، لذا أدَّب الصديق  عامر بن فهيرة مولاه وعلمه، فأضحى عامر جاهزًا لفداء الإسلام وخدمة الدين.
وقد رسم له سيدنا أبو بكر  دورًا هامًا في الهجرة، فكان يرعى الغنم مع رعيان مكة، لكن لا يلفت الأنظار لشيء، حتى إذا أمسى أراح بغنم سيدنا أبي بكر على النبي × فاحتلبا وذبحا، ثم يكمل عامر دور عبد الله بن أبي بكر حين يغدو من عنده رسول الله × وصاحبه عائدًا إلى مكة، فيتتبع آثار عبد الله ليعفي عليها، مما يعد ذكاء وفطنة في الإعداد لنجاح الهجرة ( ).
وإنه لدرس عظيم يستفاد من الصديق لكي يهتم المسلمون بالخدم الذين يأتونهم من مشارق الدنيا ومغاربها، ويعاملونهم على كونهم بَشَرًا أولاً، ثم يعلمونهم الإسلام، فلعل الله يجعل منهم من يحمل هذا الدين كما ينبغي.
إن ما قام به الصديق من تجنيد أسرته لخدمة صاحب الدعوة × في هجرته يدل على تدبير للأمور على نحو رائع دقيق، واحتياط للظروف بأسلوب حكيم، ووضع لكل شخص من أشخاص الهجرة في مكانه المناسب، وسدٍّ لجميع الثغرات، وتغطية بديعة لكل مطالب الرحلة، واقتصار على العدد اللازم من الأشخاص من غير زيادة ولا إسراف. لقد أخذ الرسول × بالأسباب المعقولة أخذًا قويًا حسب استطاعته وقدرته، ومن ثم باتت عناية الله متوقعة ( ).
إن اتخاذ الأسباب أمر ضروري وواجب، ولكن لا يعني ذلك دائما حصول النتيجة؛ ذلك لأن هذا أمر يتعلق بأمر الله ومشيئته، ومن هنا كان التوكل أمرًا ضروريًا وهو من باب استكمال اتخاذ الأسباب.
إن رسول الله × أعد كل الأسباب واتخذ كل الوسائل، ولكنه في الوقت نفسه مع الله يدعوه ويستنصره أن يكلل سعيه بالنجاح، وهنا يستجاب الدعاء، ويكلل العمل النجاح ( ).
ثالثًا: جندية الصديق الرفيعة وبكاؤه من الفرح:
تظهر أثر التربية النبوية في جندية أبي بكر الصديق ، فأبو بكر  عندما أراد أن يهاجر إلى المدينة وقال له رسول الله ×: «لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحبًا»، فقد بدأ في الإعداد والتخطيط للهجرة «فابتاع راحلتين واحتبسهما في داره يعلفهما إعدادًا لذلك». وفي رواية البخاري: وعلف راحلتين كانتا عنده، ورق السمر (وهو الخبط) أربعة أشهر، لقد كان يدرك بثاقب بصره  (وهو الذي تربى ليكون قائدًا) أن لحظة الهجرة صعبة قد تأتي فجأة ولذلك هيأ وسيلة الهجرة ورتب تموينها، وسخَّر أسرته لخدمة النبي ×، وعندما جاء رسول الله × وأخبره أن الله قد أذن له في الخروج والهجرة بكى من شدة الفرح، وتقول عائشة -رضي الله عنها- في هذا الشأن: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ، إنها قمة الفرح البَشَري، أن يتحول الفرح إلى بكاء، ومما قال الشاعر عن هذا:
وَرَدَ الكتاب من الحبيب بأنه
سيزورني فاستعبرت أجفاني

غلب السرور عليَّ حتى إنني
من فرط ما قد سرني أبكاني

يا عين صار الدمع عندك عادة
تبكين من فرح ومن أحزان

فالصديق  يعلم أن معنى هذه الصحبة أنه سيكون وحده برفقة رسول رب العالمين بضعة عشر يومًا على الأقل، وهو الذي سيقدم حياته لسيده وقائده وحبيبه المصطفى ×، فأي فوز في هذا الوجود يفوق هذا الفوز، أن ينفرد الصديق وحده من دون أهل الأرض ومن دون الصحب جميعًا برفقة سيد الخلق وصحبته كل هذه المدة.( )
وتظهر معاني الحب في الله في خوف أبي بكر وهو في الغار من أن يراهما المشركون ليكون الصديق مثلاً لما ينبغي أن يكون عليه جندي الدعوة الصادق مع قائده الأمين، حين يحدق به الخطر, من خوف وإشفاق على حياته، فما كان أبو بكر ساعتئذ بالذي يخشى على نفسه الموت، ولو كان كذلك لما رافق رسول الله × في هذه الهجرة الخطيرة وهو يعلم أن أقل جزائه القتل إن أمسكه المشركون مع رسول الله ×، ولكنه كان يخشى على حياة الرسول الكريم ×، وعلى مستقبل الإسلام إن وقع الرسول × في قبضة المشركين.( )
ويظهر الحس الأمني الرفيع للصديق في هجرته مع النبي × في مواقف كثيرة منها، حين أجاب السائل: من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فقال: هذا هادٍ يهديني السبيل، فظن السائل بأن الصديق يقصد الطريق، وإنما كان يقصد سبيل الخير، وهذا يدل على حسن استخدام أبي بكر للمعاريض فرارًا من الحرج أو الكذب.( ) وفي إجابته للسائل تورية وتنفيذ
للتربية الأمنية التي تلقاها من رسول الله ×؛ لأن الهجرة كانت سرًّا، وقد أقره الرسول × على ذلك ( ).
رابعًا: فن قيادة الأرواح وفن التعامل مع النفوس:
يظهر الحب العميق الذي سيطر على قلب أبي بكر لرسول الله × في الهجرة، كما يظهر حب سائر الصحابة أجمعين في سيرة الحبيب المصطفى ×، وهذا الحب الرباني كان نابعا من القلب وبإخلاص، ولم يكن حب نفاق أو نابعًا من مصلحة دنيوية، أو رغبة من منفعة أو رهبة لمكروه قد يقع. ومن أسباب هذا الحب لرسول الله × صفاته القيادية الرشيدة، فهو يسهر ليناموا، ويتعب ليستريحوا، ويجوع ليشبعوا، كان يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، فمن سلك سنن الرسول × مع صحابته، في حياته الخاصة والعامة، وشارك الناس في أفراحهم وأتراحهم، وكان عمله لوجه الله، أصابه هذا الحب إن كان من الزعماء أو القادة أو المسئولين في أمة الإسلام ( ).
وصدق الشاعر الليبي أحمد رفيق المهداوي عندما قال:
فإذا أحب الله باطنَ عبده
ظهرت عليه مواهب الفتاح

وإذا صفت لله نية مصلح
مال العباد عليه بالأرواح ( )

إن القيادة الصحيحة هي التي تستطيع أن تقود الأرواح قبل كل شيء، وتستطع أن تتعامل مع النفوس قبل غيرها، وعلى قدر إحسان القيادة يكون إحسان الجنود، وعلى قدر البذل من القيادة يكون الحب من الجنود، فقد كان × رحيمًا وشفوقًا بجنوده وأتباعه، فهو لم يهاجر إلا بعد أن هاجر معظم أصحابه، ولم يبق إلا المستضعفون والمفتونون، ومن كانت له مهمات خاصة بالهجرة ( ).
والجدير بالذكر أن حب الصديق لرسول الله × كان لله، ومما يبين الحب لله والحب لغير الله أن أبا بكر كان يحب النبي × مخلصًا لله، وأبو طالب عمه كان يحبه وينصره لهواه لا لله، فتقبل الله عمل أبي بكر وأنزل فيه قوله: +وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى  الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى  وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى  إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى  وَلَسَوْفَ يَرْضَى" [الليل: 17- 21]، وأما أبو طالب فلم يتقبل عمله، بل أدخله النار؛ لأنه كان مشركًا عاملاً لغير الله، وأبو بكر لم يطلب أجره من الخلق، لا من النبي × ولا من غيره، بل آمن به وأحبه وكلأه وأعانه في الله، متقربًا بذلك إلى الله وطالبًا الأجر من الله، ويبلغ عن الله أمره ونهيه ووعده ووعيده ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:40 PM
خامسًا: مرض أبي بكر الصديق بالمدينة في بداية الهجرة:
كانت هجرة النبي × وأصحابه عن البلد الأمين تضحية عظيمة عبر عنها النبي × بقوله: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخْرجت منك ما خرجت»( ).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: لما قدم رسول الله × المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى، وكان واديها يجري نجلا (يعني ماء آجنا) فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم، وصرف الله ذلك عن نبيه، قالت: فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة وبلال في بيت واحد، فأصابتهم الحمى، فاستأذنت رسول الله × عيادتهم فأذن، فدخلت إليهم أعودهم -وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب- وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك ( )، فدنوت من أبي بكر فقلت: يا أبت، كيف تجدك؟ فقال:
كل امرئ مصبح في أهله
والموت أدنى من شراك نعله

قالت: فقلت: والله ما يدري أبي ما يقول، ثم دنوت من عامر بن فهيرة فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ فقال:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه
إن الجبان حتفه من فوقه

كل امرئ مجاهد بطوقه ( )
كالثور يحمي جلده بروقه ( )

قالت: قلت: والله ما يدري عامر ما يقول. قالت: وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى اضطجع بفناء البيت ثم يرفع عقيرته ( )، ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بواد وحولي إذخر ( ) وجليل

وهل أرِدَن يوما مياه مجنة
وهل يبدون لي شامة وطفيل( )

قالت: فأخبرت رسول الله × بذلك فقال: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم وصححها وبارك لنا في مدها وصاعها،وانقل حمَّاها واجعلها بالجحفة» ( ).
وقد استجاب الله دعاء نبيه ×، وعوفي المسلمون بعدها من هذه الحمى، وغدت المدينة موطنًا ممتازًا لكل الوافدين والمهاجرين إليها من المسلمين على تنوع بيئاتهم ومواطنهم ( ).
شرع رسول الله × بعد استقراره بالمدينة في تثبيت دعائم الدولة الإسلامية، فآخى بين المهاجرين والأنصار، ثم أقام المسجد، وأبرم المعاهدة مع اليهود، وبدأت حركة السرايا، واهتم بالبناء الاقتصادي والتعليمي والتربوي في المجتمع الجديد، وكان أبو بكر -رضي الله عنه- وزير صدق لرسول الله × ولازمه في كل أحواله، ولم يغب عن مشهد من المشاهد، ولم يبخل بمشورة أو مال أو رأي.( )
* * *

المبحث الرابع
الصديق في ميادين الجهاد
تمهيد:
ذكر أهل العلم بالتواريخ والسير أن أبا بكر شهد مع النبي × بدرًا والمشاهد كلها، ولم يفته منها مشهدًا، وثبت مع رسول الله × يوم أحد حين انهزم الناس، ودفع إليه النبي × رايته العظمى يوم تبوك وكانت سوداء ( ).
وقال ابن كثير: ولم يختلف أهل السير في أن أبا بكر الصديق  لم يتخلف عن رسول الله × في مشهد من المشاهد كلها ( ).
وقال الزمخشري: إنه (يعني أبا بكر ) كان مضافًا لرسول الله × إلى الأبد، فإنه صحبه صغيرًا وأنفق ماله كبيرًا، وحمله إلى المدينة براحلته وزاده، ولم يزل ينفق عليه ماله في حياته، وزوَّجه ابنته، ولم يزل ملازمًا له سفرًا وحضرًا، فلما توفي دفنه في حجرة عائشة أحب النساء إليه × ( ).
وعن سلمة بن الأكوع: غزوت مع النبي × سبع غزوات، وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات مرة علينا أبو بكر ومرة علينا أسامة ( ).
ومن خلال هذا المبحث سنحاول أن نتتبع حياة الصديق  الجهادية مع النبي ×، لنرى كيف جاهد الصديق بنفسه وماله ورأيه في نصرة دين الله تعالى.
أولاً: أبو بكر  في بدر الكبرى:
شارك الصديق في غزوة بدر، وكانت في العام الثاني من الهجرة وكانت له فيها مواقف مشهورة، من أهمها:
1- مشورة الحرب:
لما بلغ النبي من نجاة القافلة وإصرار زعماء مكة على قتال النبي × استشار رسول الله × أصحابه في الأمر ( )، فقام أبو بكر فقال وأحسن، ثم قام عمر فقال وأحسن ( ).
2- دوره في الاستطلاع مع النبي ×:
قام النبي × ومعه أبو بكر يستكشف أحوال جيش المشركين، وبينما هما يتجولان في تلك المنطقة لقيا شيخًا من العرب، فسأله رسول الله × عن جيش قريش وعن محمد × وأصحابه وما بلغه من أخبارهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما، فقال له رسول الله ×: «إذا أخبرتنا أخبرناك» فقال: أو ذاك بذاك؟ قال: «نعم»، فقال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا - للمكان الذي به جيش المسلمين- وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا -للمكان الذي فيه جيش المشركين فعلا- ثم قال الشيخ: لقد أخبرتكما عما أردتما، فأخبراني ممن أنتما؟ فقال رسول الله ×: «نحن من ماء»، ثم انصرف النبي × وأبو بكر عن الشيخ، وبقي هذا الشيخ يقول: ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟ ( )
وفي هذا الموقف يتضح قرب الصديق من النبي ×، وقد تعلم أبو بكر من رسول
الله × دروسًا كثيرة.

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:41 PM
3- في حراسة النبي × في عريشه:
عندما رتب × الصفوف للقتال، رجع إلى مقر القيادة وكان عبارة عن عريش على تل مشرف على ساحة القتال، وكان معه فيه أبو بكر ، وكانت ثلة من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ يحرسون عريش رسول الله ×, ( ) وقد تحدث علي بن أبي طالب  عن هذا الموقف فقال: يا أيها الناس، من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين، فقال: أما إني ما بارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكن هو أبو بكر؛ إنا جعلنا لرسول الله × عريشًا، فقلنا: من يكون مع رسول الله × لئلا يهوي إليه أحد من المشركين؟ فوالله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر شاهرًا بالسيف على رأس رسول الله ×، لا يهوي إليه أحد من المشركين إلا أهوى إليه، فهذا أشجع الناس.( )
4- الصديق يتلقى البشارة بالنصر، ويقاتل بجانب رسول الله ×:
بعد الشروع في الأخذ بالأسباب اتجه رسول الله × إلى ربه يدعوه ويناشده النصر الذي وعده ويقول في دعائه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدًا». وما زال × يدعو ويستغيث حتى سقط رداؤه، فأخذه أبو بكر ورَدَّه على منكبيه وهو يقول: يا رسول الله، كفاك مناشدتكم ربك فإنه منجز لك ما وعدك ( ) وأنزل الله -عز وجل-: +إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ" وفي رواية ابن عباس قال: قال النبي × يوم بدر: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد» فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك الله، فخرج × وهو يقول: +سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ".( ) وقد خفق النبي × خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع (يعني الغبار)، قال: ثم خرج رسول الله × إلى الناس فحرَّضهم ( ).
وقد تعلم الصديق من هذا الموقف درسًا ربانيًا مهمًا في التجرد النفسي وحظها، والخلوص واللجوء لله وحده، والسجود والجثي بين يدي الله سبحانه لكي ينزل نصره، وبقي هذا المشهد راسخًا في ذاكرة الصديق وقلبه ووجدانه يقتدي برسول الله × في تنفيذه في مثل هذه الساعات وفي مثل هذه المواطن، ويبقى هذا المشهد درسًا لكل قائد أو حاكم أو زعيم أو فرد يريد أن يقتدي بالنبي × وصحابته الكرام.
ولما اشتد أوار المعركة وحمي وطيسها نزل رسول الله × وحرض على القتال والناس على مصافهم يذكرون الله تعالى، وقد قاتل × بنفسه قتالاً شديدًا وكان بجانبه الصديق ( )،
وقد ظهرت منه شجاعة وبسالة منقطعة النظير، وكان على استعداد لمقاتلة كل كافر عنيد ولو كان ابنه، وقد شارك ابنه عبد الرحمن في هذه المعركة مع المشركين، وكان من أشجع الشجعان بين العرب، ومن أنفذ الرماة سهمًا في قريش، فلما أسلم قال لأبيه: لقد أهدفت لي «أي ظهرت أمامي كهدف واضح» يوم بدر، فملت عنك ولم أقتلك، فقال له أبو بكر: لو أهدفت لي لم أَمِلْ عنك ( ).
5- الصديق والأسرى:
قال ابن عباس : فلما أسروا الأسارى قال رسول الله × لأبي بكر وعمر: «ما ترون في هؤلاء الأسارى؟» فقال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن نأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام، فقال رسول الله ×: «ما ترى يا ابن الخطاب؟» قال: لا والله، يا رسول الله، ما أرى الذي يراه أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا منهم فنضرب أعناقهم، فتمكِّنَ عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان «نسيبًا لعمر» فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوى رسول الله × إلى ما قال أبو بكر ولم يهوَ ما قلت، فلما كان الغد جئت فإذا برسول الله × وأبو بكر قاعدين يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله ×: «أبكي للذي عرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء، ولقد عرض عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة» (شجرة قريبة من النبي ×)، وأنزل الله -عز وجل-: +مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى" [الأنفال: 67]، إلى قوله: +فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلا طَيِّبًا" [الأنفال: 69]، فأحل الله لهم الغنيمة ( ).
وفي رواية عن عبد الله بن مسعود  قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ×: «ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟» فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك وأهلك استَبْقِهم واستأن بهم؛ لعل الله أن يتوب عليهم. وقال عمر: يا رسول الله، أخرجوك وكذبوك، قربهم فاضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر واديًا كثير الحطب، فأدخلهم فيه ثم اضرب عليهم نارًا، فقال العباس: قطعت رحمك. فدخل رسول الله × ولم يرد عليهم شيئا، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول
عبد الله بن رواحة، فخرج عليهم رسول الله × فقال: «إن الله ليليِّن قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى  إذ قال: +إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" [المائدة: 118]، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح؛ إذ قال: +وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا" [نوح: 26]، وإن مثلك كمثل موسى إذ قال: +وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ" [يونس: 88]( ). كان النبي × إذا استشار أصحابه أول من يتكلم أبو بكر في الشورى، وربما تكلم غيره، وربما لم يتكلم غيره فيعمل برأيه وحده، فإذا خالفه غيره اتبع رأيه دون رأي من يخالفه. ( )
ثانيًا: في أحد وحمراء الأسد:
في يوم أحد تلقى المسلمون درسًا صعبًا؛ فقد تفرقوا من حول النبي ×، وتبعثر الصحابة في أرجاء الميدان، وشاع أن الرسول × قتل، وكان رد الفعل على الصحابة متباينًا، وكان الميدان فسيحًا، وكل مشغول بنفسه، شق الصديق الصفوف، وكان أول من وصل إلى رسول الله ×، واجتمع إلى رسول الله أبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح، وعلي، وطلحة، والزبير، وعمر بن الخطاب، والحارث بن الصمة، وأبو دجانة، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم... رضي الله عنهم، وقصدوا مع رسول الله × الشعب من جبل أحد في محاولة لاسترداد قوتهم المادية والمعنوية ( ).
وكان الصديق إذا ذكر أحدًا قال: ذلك يوم كله لطلحة، ثم أنشأ يحدث قال: كنت أول من فاء يوم أحد، فرأيت رجلا يقاتل في سبيل الله دونه، قلت: كن طلحة، حيث فاتني ما فاتني، وكان بيني وبين المشركين رجل لا أعرفه، وأنا أقرب إلى رسول الله × منه، وهو يختطف المشي خطفًا لا أخطفه فإذا هو أبو عبيدة، فانتهينا إلى رسول الله × وقد كسرت رباعيته وشج وجهه، وقد دخل في وجنتيه حلقتان من حلق المغفر، قال رسول الله ×: «عليكما صاحبكما -يريد طلحة- فقد نزف»، فلم نلتفت إلى قوله، قال: ذهبت لأنزع من وجهه، فقال أبو عبيدة: أقسم عليك بحقي لما تركتني، فتركته فكره تناولها فيؤذي رسول الله ×، فأرزم عليه بفيه فاستخرج إحدى الحلقتين ووقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة من أحسن الناس هتمًا. فأصلحنا من شأن رسول الله ×، ثم أتينا طلحة في بعض تلك الحفار، فإذا به بضع وسبعون من بين طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت إصبعه فأصلحنا من شأنه( ).
وتتضح منزلة الصديق في هذه الغزوة من موقف أبي سفيان عندما سأل وقال: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات، فنهاهم النبي × أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاث مرات، فنهاهم النبي × أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا ( ). فهذا يدل على ظن
أبي سفيان زعيم المشركين حينئذ بأن أعمدة الإسلام وأساسه؛ رسول الله ×
وأبو بكر وعمر ( ).
وعندما حاول المشركون أن يقبضوا على المسلمين ويستأصلوا شأفتهم، كان التخطيط النبوي الكريم قد سبقهم وأبطل كيدهم، وأمر رسول الله × المسلمين مع ما بهم من جراحات وقرح شديد للخروج من إثر المشركين، فاستجابوا لله ولرسوله مع ما بهم من البلاء وانطلقوا، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت لعروة بن الزبير في قوله تعالى: +الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ" [آل عمران: 172]، يا ابن أختي كان أبوك منهم: الزبير وأبو بكر لما أصاب رسول الله × ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا قال: «من يذهب في إثرهم؟» فانتدب منهم سبعين رجلا: كان فيهم أبو بكر والزبير ( ).
ثالثًا: في غزوة بين النضير وبني المصطلق وفي الخندق وبني قريظة:
أ- خرج النبي × إلى بني النضير يستعينهم في دية القتيلين الذين قتلهما عمرو بن أمية من بني عامر على وجه الخطأ؛ لأن عمرًا لم يعلم بالعهد الذي بين بني عامر وبين النبي ×، وكان بين بني النضير وبني عامر حلف وعهد، فلما آتاهم النبي × قالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، ورسول الله × إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد، قالوا: فمن يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال، ورسول الله × في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي، فأتى رسول الله × الخبر من السماء مما أراد القوم، فقام وخرج إلى المدينة، فلما استلبث النبي أصحابه قاموا في طلبه، فرأوا رجلاً مقبلاً من المدينة فسألوه عنه فقالوا: رأيته داخلاً المدينة، فأقبل أصحاب النبي × حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به.
فبعث النبي × محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده، فبعث إليهم أهل النفاق يحرضونهم على المقام ويعدونهم بالنصر، فقويت نفوسهم، وحمى حيي بن أخطب، وبعثوا إلى رسول الله × أنهم لا يخرجون، ونابذوه ينقض العهد، فعند ذلك أمر رسول الله × الناس بالخروج إليهم، فحاصروهم خمس عشرة ليلة فتحصنوا في الحصون، فأمر رسول الله × بقطع النخيل والتحريق، ثم أجلاهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة، فنزلت سورة الحشر ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:42 PM
ب- بنو المصطلق:
أراد بنو المصطلق أن يغزوا المدينة، فخرج لهم رسول الله في أصحابه، فلما انتهى إليهم دفع راية المهاجرين إلى أبي بكر الصديق (ويقال: إلى عمار بن ياسر)، وراية الأنصار إلى سعد ابن عبادة، ثم أمر عمر بن الخطاب فنادى في الناس أن قولوا: لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم، فأبوا، فتراموا بالنبل، ثم أمر رسول الله × المسلمين فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت منهم رجل واحد، وقتل منهم عشرة وأسر سائرهم، ولم يقتل من المسلمين سوى رجل واحد ( ).
ج- في الخندق وبني قريظة:
كان الصديق في الغزوتين مرافقا للنبي ×، وكان يوم الخندق يحمل التراب في ثيابه، وساهم مع الصحابة للإسراع في إنجاز حفر الخندق في زمن قياسي، مما جعل فكرة الخندق تصيب هدفها في مواجهة المشركين ( ).
رابعًا: في الحديبية:
خرج رسول الله × في ذي القعدة سنة ست من الهجرة يريد زيارة البيت الحرام في كوكبة من الصحابة عددها أربع عشرة مائة، وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرًا لتعظيم بيت الله الحرام، فبعث النبي × عينًا له من خزاعة، فعاد بالخبر أن أهل مكة جمعوا جموعهم لصده عن الكعبة، فقال: «أشيروا
عليَّ أيها الناس»، فقال أبو بكر : يا رسول الله، خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد
حربه أو قتل أحد، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: «امضوا على اسم الله»، وقد ثارت قريش وحلفوا أن لا يدخل الرسول × مكة عنوة، ثم قامت المفاوضات بين أهل
مكة ورسول الله ×، وقد عزم النبي × على إجابة أهل مكة على طلبهم إن أرادوا شيئًا فيه صلة رحم ( ).
أ- في المفاوضات:
جاءت وفود قريش لمفاوضة النبي ×، وكان أول من أتى بديل بن ورقاء من خزاعة، فلما علم بمقصد النبي × والمسلمين رجع إلى أهل مكة، ثم جاء مكرز بن حفص ثم الحليس ابن علقمة ثم عروة بن مسعود الثقفي، فدار هذا الحوار بين النبي × وعروة بن مسعود الثقفي، واشترك في هذا الحوار أبو بكر  وبعض أصحابه ( ).
قال عروة: يا محمد، أجمعت أوباش الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم؟ إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل (أي: خرجت رجالا ونساء، صغارا وكبارا) قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة، وايم الله لكأني بهؤلاء (يقصد أصحاب النبي ×) قد انكشفوا عنك!!.
فقال أبو بكر: امصص بظر ( ) اللات -وهي صنم ثقيف- أنحن نَفِرُّ عنه وندعه؟( ) فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، وكان الصديق قد أحسن إليه قبل ذلك، فرعى حرمته ولم يجاوبه عن هذه الكلمة، ولهذا قال من قال من العلماء: إن هذا يدل على جواز التصريح باسم العورة للحاجة والمصلحة، وليس من الفحش المنهي عنه ( ).
لقد حاول عروة بن مسعود أن يشن حربًا نفسية على المسلمين حتى يهزمهم معنويًا، ولذلك لوح بقوة المشركين العسكرية، معتمدا على المبالغة في تصوير الموقف بأنه سيؤول لصالح قريش لا محالة، وحاول أن يوقع الفتنة والإرباك في صفوف المسلمين؛ وذلك حينما حاول إضعاف الثقة بين القائد وجنوده، عندما قال للنبي ×: أجمعت أوباشًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك، وكان رد الصديق صارمًا ومؤثرا في معنويات عروة ونفسيته، فقد كان موقف الصديق في غاية العزة الإيمانية التي قال الله فيها: +وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ" [آل عمران: 139].
ب- موقفه من الصلح:
ولما توصل المشركون مع رسول الله × إلى الصلح بقيادة سهل بن عمرو، أصغى الصديق إلى ما وافق عليه رسول الله × من طلب المشركين، رغم ما قد يظهر للمرء أن في هذا الصلح بعض التجاوز أو الإجحاف بالمسلمين، وسار على هدي النبي × ليقينه أن النبي لا ينطق عن الهوى، وأنه فعل لشيء أطلعه الله عليه ( ).
وقد ذكر المؤرخون أن عمر بن الخطاب أتى رسول الله معلنًا معارضته لهذه الاتفاقية، وقال لرسول الله ×: ألست برسول الله؟ قال: «بلى» قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: «بلى» قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: «بلى» قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: «إني رسول الله ولست أعصيه» ( )، وفي رواية: «أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني»( )، قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بلى, فأخبرتك أنا نأتيه هذا العام؟». قلت: لا، قال: «فإنك آتيه ومطوف به» قال عمر: فأتيت أبا بكر فقلت له: يا أبا بكر: أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر -ناصحًا الفاروق بأن يترك الاحتجاج والمعارضة-: الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله، وأن الحق ما أمر به، ولن يخالف أمر الله ولن يضيعه الله.( )
وكان جواب الصديق مثل جواب رسول الله ×، ولم يكن أبو بكر يسمع جواب
النبي ×، فكان أبو بكر  أكمل موافقة لله وللنبي × من عمر، مع أن عمر  محدث، ولكن مرتبة الصديق فوق مرتبة المحدث؛ لأن الصديق يتلقى عن الرسول المعصوم كل ما يقوله ويفعله ( ).
وقد تحدث الصديق فيما بعد عن هذا الفتح العظيم الذي تم في الحديبية، فقال: ما كان فتح أعظم في الإسلام من فتح الحديبية، ولكن الناس يومئذ قصر رأيهم عما كان بين محمد وربه، والعباد يعجلون، والله لا يعجل كعجلة العباد حتى يبلغ الأمور ما أراد. لقد نظرت إلى سهيل بن عمرو في حجة الوداع قائمًا عند المنحر يقرب إلى رسول الله × بَدَنَة، ورسول الله × ينحرها بيده، ودعا الحلاق فحلق رأسه، وأنظر إلى سهيل يلتقط من شعره، وأراه يضعه على عينه، وأذكر إباءه أن يقر يوم الحديبية بأن يكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم» ويأبى أن يكتب محمد رسول الله ×، فحمدت الله الذي هداه للإسلام( ).
لقد كان الصديق  أسَدَّ الصحابة رأيًا وأكملهم عقلاً ( ).
خامسًا: في غزوة خيبر، وسرية نجد وبني فزارة:
أ- في خيبر:
ضرب رسول الله × حصارًا على خيبر واستعد لقتالهم، فكان أول قائد يرسله × أبا بكر  إلى بعض حصون خيبر، فقاتل ثم رجع، ولم يكن فتح، وقد جهد، ثم بعث عمر فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح، ثم قال: «لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله»، فكان علي بن أبي طالب  ( )، وأشار بعض أصحاب النبي × بقطع النخيل حتى يثخن في اليهود ورضي النبي × بذلك، فأسرع المسلمون في قطعه، فذهب الصديق إلى النبي × وأشار عليه بعدم قطع النخيل لما في ذلك من الخسارة للمسلمين سواء
فتحت خيبر عنوة أو صلحًا، فقبل النبي × مشورة الصديق، ونادى بالمسلمين
بالكف عن قطع النخيل فرفعوا أيديهم ( ).
ب- في نجد:
أخرج ابن سعد عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: بعث رسول الله × أبا بكر إلى نجد وأمَّره علينا، فبيتنا ناسًا من هوازن فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات، وكان شعارنا: أمت.. أمت ( ).
ج- في بني فزارة:
روى الإمام أحمد من طريق إياس بن سلمة عن أبيه، حدثني أبي، قال: خرجنا مع أبي بكر بن أبي قحافة وأمره النبي × علينا، فغزونا بني فزارة، فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرسنا، فلما صلينا الصبح أمرنا أبو بكر فشننا الغارة فقتلنا على الماء مَنْ مر قبلنا، قال سلمة: ثم نظرت إلى عنق من الناس فيه الذرية والنساء نحو الجبل، فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل، قال: فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر حتى أتيته على الماء، وفيهم امرأة عليها قشع من أدم ومعها ابنة لها من أحسن العرب، قال: فنفلني أبو بكر، فما كشفت لها ثوبا حتى قدمت المدينة ثم بت فلم أكشف لها ثوبا، قال: فلقيني رسول الله × في السوق فقال لي: «يا سلمة هب لي المرأة» قال: فقلت والله يا رسول الله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا، قال: فسكت رسول الله، وتركني حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله في السوق فقال لي: «يا سلمة هب لي المرأة» قال: فقلت: والله يا رسول الله ما كشفت لها ثوبا وهي لك يا رسول الله، قال: فبعث بها رسول الله إلى أهل مكة وفي أيديهم أسارى من المسلمين ففداهم رسول الله بتلك المرأة ( ).
سادسًا: في عمرة القضاء وفي ذات السلاسل:
أ- في عمرة القضاء:
كان الصديق  ضمن المسلمين الذين ذهبوا مع رسول الله × ليعتمروا عمرة القضاء مكان عمرتهم التي صدهم المشركون عنها ( ).
ب- في سرية ذات السلاسل:
قال رافع بن عمرو الطائي : بعث رسول الله × عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل ( )، وبعث معه في ذلك الجيش أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- وسَرَاة( ) أصحابه، فانطلقوا حتى نزلوا جبل طَيّ، فقال عمرو: انظروا إلى رجل دليل بالطريق، فقالوا: ما نعلمه إلا رافع بن عمرو، فإنه كان ربيلا ( ) في الجاهلية، قال رافع: فلما قضينا غزاتنا وانتهيت إلى المكان الذي كنا خرجنا منه، توسمت أبا بكر ، وكانت له عباءة فدكية ( )، فإذا ركب خَلَّها عليه بخلال ( )، وإذا نزل بسطها، فأتيته فقلت: يا صاحب الخلال، إني توسمتك من بين أصحابك، فائتني بشيء إذا حفظته كنت مثلكم ولا تطول عليَّ فأنسى، فقال: تحفظ أصابعك الخمس؟ قلت: نعم، قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وتقيم الصلوات الخمس، وتؤتي زكاة مالك إن كان لك مال، وتحج البيت، وتصوم رمضان: هل حفظت؟ قلت: نعم، قال: وأخرى، لا يؤمَّرنَّ على اثنين، قلت: وهل تكون الإمرة إلا فيكم أهل المدر؟ ( ) فقال: يوشك أن تفشو حتى تبلغك ومن هو دونك، إن الله -عز وجل- لما بعث نبيه × دخل الناس في الإسلام، فمنهم من دخل لله فهداه الله، ومنهم من أكرهه السيف، فكلهم عُوَّاذ الله وجيران الله وخَفَارةُ ( ) الله، إن الرجل إذا كان أميرًا فتظالم الناس بينهم فلم يأخذ لبعضهم من بعض انتقم الله منه، إن الرجل منكم لتؤخذ شاة جاره فيظل ناتئ ( ) عضلته غضبًا لجاره، والله من وراء جاره ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:43 PM
ففي هذه النصيحة دروس وعبر لأبناء المسلمين يقدمها الصحابي الجليل أبو بكر الصديق الذي تربى على الإسلام وعلى يد رسول الله ×، من أهمها:
1- أهمية العبادات: الصلاة لأنها عماد الدين، والزكاة والصوم والحج.
2- عدم طلب الإمارة «ولا تكونن أميرًا» تمامًا كما أوصى رسول الله × أبا ذر الغفاري: «وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها».( ) ولذلك فإن أبا بكر الفاهم الواعي لكلام حبيبه محمد × جاء في رواية: وأنه من يك أميرًا فإنه أطول الناس حسابًا، وأغلظهم عذابًا، ومن لا يكن أميرًا فإنه من أيسر الناس حسابًا، وأهونهم عذابًا.( ) فهذا فهم الصديق لمقام الإمارة.
3-إن الله حرم الظلم على نفسه، ونهى عباده أن يتظالموا -أن يظلم بعضهم بعضًا- لأن الظلم ظلمات يوم القيامة، كما نهى عن ظلم المؤمنين: «من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب».( ) وهم جيران الله، وهم عواذ الله، والله أحق أن يغضب لجيرانه.( )
4- على عهد الصدر الأول كان أمراء الأمة خيارها، وجاء وقت فُشُوّ أمرها «الإمارة» وكثرت حتى نالها من ليس لها بأهل. إن هذه الإمارة ليسيرة، وقد أوشكت أن تفشو حتى ينالها من ليس لها بأهل( ).
5-وفي غزوة ذات السلاسل ظهر موقف متميز للصديق في احترام الأمراء، مما يثبت أن أبا بكر كان صاحب نفس تنطوي على قوة هائلة، وقدرة متميزة في بناء الرجال، وتقديرهم واحترامهم ( )، فعن عبد الله بن بريدة قال: بعث رسول الله × عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وفيهم أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- فلما انتهوا إلى مكان الحرب أمرهم عمرو أن لا ينوروا نارا، فغضب عمر وهمَّ أن يأتيه، فنهاه أبو بكر، وأخبره أن الرسول × لم يستعمله عليك إلا لعلمه بالحرب، فهدأ عنه عمر  ( ).
سابعًا: في فتح مكة وحنين والطائف:
أ- في فتح مكة 8 هـ:
وسبب الفتح بعد هدنة الحديبية ما ذكر ابن إسحاق قال: حدثني الزهري, عن عروة بن الزبير, عن المسور بن مخرمة, ومروان بن الحكم أنهما حدثاه جميعًا قالا: في صلح الحديبية أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد دخل, ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل, فتواثبت خزاعة وقالوا: نحن ندخل في عقد محمد وعهده, وتواثبت بنو بكر وقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم, فمكثوا في ذلك نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرًا, ثم إن بني بكر وثبوا على خزاعة ليلاً بماء يقال له الوتير –وهو قريب من مكة- وقالت قريش ما يعلم بنا محمد, وهذا الليل وما يرانا من أحد فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح وقاتلوهم معهم للضغن على رسول الله ×, فقدم عمرو بن سالم إلى المدينة فأنشد رسول الله × قائلاً:
اللهم إني ناشد محمدا
حلف أبينا وأبيك الأتلدا

فانصر هداك الله نصرا أعتدا
وادع عباد الله يأتوا مددا

فقال النبي ×: «نصرت يا عمرو بن سالم» ( ).
وتجهز النبي × مع صحابته للخروج إلى مكة، وكتم الخبر، ودعا الله أن يعمي على قريش حتى تفاجأ بالجيش المسلم يفتح مكة، وخافت قريش أن يعلم النبي × بما حدث، فخرج أبو سفيان من مكة إلى رسول الله فقال: يا محمد، أشدد العقد، وزدنا في المدة، فقال النبي ×: «ولذلك قدمت؟ هل كان من حدث قبلكم؟» فقال: معاذ الله، نحن على عهدنا وصلحنا يوم الدية لا نغير ولا نبدل، فخرج من عند النبي × يقصد مقابلة الصحابة
عليهم الرضوان ( ).
1- أبو بكر وأبو سفيان:
طلب أبو سفيان من أبي بكر  أن يجدد العقد ويزيدهم في المدة، فقال أبو بكر: جواري في جوار رسول الله ×، والله لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم. وهنا تظهر فطنة الصديق وحنكته السياسية ثم يظهر الإيمان القوي بالحق الذي هو عليه، ويعلن أمام أبي سفيان دون خوف أنه مستعد لحرب قريش بكل ما يمكن، ولو وجد الذر تقاتل قريشًا لأعانها عليها ( ).
2- بين عائشة وأبي بكر الصديق رضي الله عنهما:
دخل الصديق  على عائشة وهي تغربل حنطة، وقد أمرها النبي × بأن تخفي ذلك.. فقال لها أبو بكر: يا بنية لم تصنعين هذا الطعام؟ فسكتت، فقال: أيريد رسول الله أن يغزو؟ فصمتت، فقال: لعله يريد بني الأصفر (أي الروم) فصمتت، فقال: لعله يريد قريشا، فصمتت، فدخل رسول الله × فقال الصديق له: يا رسول الله، أتريد أن تخرج مخرجًا؟ قال: «نعم» قال: لعلك تريد بني الأصفر؟ قال: «لا» قال: أتريد أهل نجد؟ قال: «لا»، قال: فلعلك تريد قريشًا؟ قال: «نعم»، قال أبو بكر: يا رسول الله، أليس بينك وبينهم مدة؟ قال: «ألم يبلغك ما صنعوا ببني كعب؟».
وهنا سلم أبو بكر للنبي × وجهز نفسه ليكون مع القائد × في هذه المهمة الكبرى، وذهب مع رسول الله × المهاجرون والأنصار فلم يتخلف منهم أحد.( )
3- الصديق في دخول مكة:
لما دخل النبي × مكة في عام الفتح وكان بجانبه أبو بكر رأى النساء يلطمن وجوه الخيل، فابتسم إلى أبي بكر  وقال: «يا أبا بكر كيف قال حسان؟» فأنشد أبو بكر:
عَدِمْنَا خيلنا إن لم تروها
تثير النقع موعدها كَدَاءُ

يبارينَ الأسنة مصغيات
عن أكتافها الأسلُ الظماء

تظلُّ جيادنا متمطِّراتٍ
تلطمهُنَّ بالْخُمرِ النساءُ ( )

فقال النبي ×: «ادخلوها من حيث قال حسان» ( )، وقد تمت النعمة على الصديق في هذا الجو العظيم بإسلام أبيه أبي قحافة ( ).
ب- في حنين:
أخذ المسلمون يوم حنين درسًا قاسيًا؛ إذ لحقتهم هزيمة في أول المعركة جعلتهم يفرون من هول المفاجأة، وكانوا كما قال الإمام الطبري: فانشمروا لا يلوي أحد على أحد.( ) وجعل رسول الله × يقول: «أين أيها الناس؟ هلموا إليَّ، أنا رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله، يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله» ثم نادى عمه العباس وكان جهوري الصوت، فقال له: «يا عباس ناد: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة». ( ) كان هذا هو حال المسلمين في أول المعركة، النبي وحده لم يثبت معه أحد إلا قلة، ولم تكن الفئة التي صبرت مع النبي إلا فئة من الصحابة يتقدمهم الصديق ، ثم نصرهم الله بعد ذلك نصرًا عزيزًا مؤزرًا.( )
وكانت هناك بعض المواقف للصديق منها:
1- فتوى الصديق بين رسول الله ×:
قال أبو قتادة: لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين, وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الذي يختله، فرفع يده ليضربني وأضرب يده فقطعتها، ثم أخذني فضمني ضمًّا شديدًا حتى تخوفت، ثم ترك فتحلل ودفعته ثم قتلته، وانهزم المسلمون وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس، فقلت له: ما شأن الناس؟ قال: أمر الله، ثم تراجع الناس إلى رسول الله، فقال رسول الله: «من أقام بيِّنة على قتيل قتله فله سلبه» فقمت لألتمس بينة على قتيلي فلم أرَ أحدًا يشهد لي، فجلست، ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله ×، فقال رسول الله × رجل من جلسائه: سلاح هذا القتيل الذي يذكر عندي، فأرضه منه، فقال أبو بكر: كلا، لا يعطه ( ) أصيبغ من قريش ويدع ( ) أسدًا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ×، قال: فقام رسول الله × فأداه إليَّ، فاشتريت منه خَرَفًا ( )، فكان أول مال تأثَّلته
في الإسلام( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:45 PM
إن مبادرة الصديق في الزجر والردع والفتوى واليمين على ذلك في حضور رسول الله ×، ثم يصدقه الرسول فيما قال، ويحكم بقوله خصوصية شرف, لم تكن لأحد غيره.( ) ونلحظ في الخبر السابق أن أبا قتادة الأنصاري  حرص على سلامة أخيه المسلم وقتل ذلك الكافر بعد جهد عظيم، كما أن موقف الصديق  فيه دلالة على حرصه على إحقاق الحق والدفاع عنه، ودليل على رسوخ إيمانه وعمق يقينه، وتقديره لرابطة الأخوة الإسلامية، وأنها بمنزلة رفيعة بالنسبة له ( ).
2- الصديق وشعر عباس بن مرداس:
حين استقل العباس بن مرداس عطاءه من غنائم حنين، قال شعرا عاتب فيه رسول الله × حيث قال:
كانت نهابا تلافيتها
بِكَرِّي على المهر في الأجرع

وإيقاظي القوم أن يرقدوا
إذا هجع الناس لم أهجع

فأصبح نهبي ونهب العبيد
بين عيينة والأقرع ( )

وقد كنت في الحرب ذا تُدرأ
فلم أُعط شيئا ولم أمنع

إلا أفائل أعطيتها
عديد قوائمها الأربع ( )

وما كان حصن ولا حابس
يفوقان شيخي في المجمع

وما كنت دون امرئ منهما
ومن تضع اليوم لا يُرْفَعِ ( )

فقال رسول الله ×: «اذهبوا به، فأقطعوا عني لسانه»، فأعطوه حتى رَضِي، فكان ذلك قطع لسانه الذي أمر به رسول الله × ( ).
وأتى العباس رسول الله ×، فقال له رسول الله ×: أنت القائل: «فأصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة»؟ فقال أبو بكر: بين عيينة والأقرع، فقال رسول الله ×: «هما واحد»، فقال أبو بكر: أشهد أنك كما قال الله تعالى: +وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ" [يس: 69] ( ).
ج- في الطائف:
في حصار الطائف وقعت جراحات في أصحاب النبي × وشهادة، ورفع رسول الله × عن أهل الطائف الحصار ورجع إلى المدينة، وممن استشهد من المسلمين في هذه الغزوة
عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما، رمي بسهم فتوفي منه بالمدينة بعد وفاة النبي × ( ).
وعندما قدم وفد ثقيف للمدينة ليعلنوا إسلامهم، فما إن ظهر الوفد قرب المدينة حتى تنافس كل من أبي بكر والمغيرة على أن يكون هو البشير بقدوم الوفد للرسول ×، وفاز الصديق بتلك البشارة ( )، وبعد أن أعلنوا إسلامهم وكتب لهم رسول الله × كتابهم وأراد أن يؤمر عليهم أشار أبو بكر بعثمان بن أبي العاص وكان أحدثهم سنًا، فقال الصديق: يا رسول الله، إني رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن. ( ) فقد كان عثمان بن أبي العاص كلما نام قومه بالهاجرة، عمد إلى رسول الله × فسأله في الدين واستقرأه القرآن حتى فقه في الدين وعلم، وكان إذا وجد رسول الله × نائمًا عمد إلى أبي بكر، وكان يكتم ذلك عن أصحابه، فأعجب ذلك رسول الله × وعجب منه وأحبه( ).
وعندما علم الصديق بصاحب السهم الذي أصاب ابنه كانت له مقولة تدل على عظمة إيمانه، فعن القاسم بن محمد قال: رمي عبد الله بن أبي بكر -رضي الله عنهما- بسهم يوم الطائف، فانتفضت به بعد وفاة رسول الله × بأربعين ليلة، فمات، فقدم عليه وفد ثقيف ولم يزل ذلك السهم عنده، فأخرجه إليهم فقال: هل يعرف هذا السهم منكم أحد؟ فقال سعيد ابن عبيد، أخو بني عجلان: هذا سهم أنا بَرَيتُه ورشته ( ) وعقبته ( )، وأنا رميت به، فقال أبو بكر : فإن هذا السهم الذي قتل عبد الله بن أبي بكر، فالحمد لله الذي أكرمه بيدك، ولم يهنك بيده فإنه أوسع لكما ( ).
ثامنًا: في غزوة تبوك، وإمارة الحج، وفي حجة الوداع:
أ- في تبوك: خرج رسول الله × بجيش عظيم في غزوة تبوك بلغ عدده ثلاثين ألفًا، وكان يريد قتال الروم بالشام، وعندما تجمع المسلمون عند ثنية الوداع بقيادة رسول الله ×، اختار الأمراء والقادة وعقد الألوية والرايات لهم، فأعطى لواءه الأعظم إلى أبي بكر الصديق . ( ) وفي هذه الغزوات ظهرت بعض المواقف للصديق منها:
1- موقفه من وفاة الصحابي عبد الله ذي البجادين : قال عبد الله بن مسعود : قمت في جوف الليل وأنا مع رسول الله × في غزوة تبوك، قال: فرأيت شعلة من نار من ناحية العسكر، قال فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله × وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله في حضرته، وأبو بكر وعمر يدليانه إليه، وهو يقول: «أدليا إليَّ أخاكما»، فدلياه إليه، فلما هيأه بشقه قال: «اللهم إني أمسيت راضيًا عنه فارض عنه». قال الراوي (عبد الله بن مسعود): يا ليتني كنت صاحب الحفرة ( ).
وكان الصديق × إذا دخل الميت اللحد قال: بسم الله، وعلى ملة رسول الله ×، وباليقين وبالبعث بعد الموت ( ).
2- طلب الصديق من رسول الله × الدعاء للمسلمين: قال عمر بن الخطاب: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا، فادع الله، قال: «أتحب ذلك؟»، قال: نعم، فرفع يديه فلم يردهما حتى قالت السماء أي: تهيأت لإنزال مائها -فأطلت- أي: أنزلت مطرًا خفيفًا- ثم سكبت، فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر( ).
3- نفقة الصديق في تبوك: حث رسول الله × الصحابة في غزوة تبوك على الإنفاق بسبب بعدها وكثرة المشركين فيها، ووعد المنفقين بالأجر العظيم من الله، فأنفق كلٌّ حسب مقدرته، وكان عثمان  صاحب القدح المعلى في الإنفاق في هذه الغزوة ( ).
وتصدق عمر بن الخطاب بنصف ماله وظن أنه سيسبق أبا بكر بذلك، ونترك الفاروق يحدثنا بنفسه عن ذلك حيث قال: أمرنا رسول الله × يومًا أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ×: «ما أبقيت لأهلك؟» قلت: مثله. وأتى أبو بكر  بكل ما عنده، فقال له رسول الله ×: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدًا.( )
كان فعل عمر فيما فعله من المنافسة والغبطة مباحًا، ولكن حال الصديق  أفضل منه؛ لأنه خالٍ من المنافسة مطلقا ولا ينظر إلى غيره ( ).
ب- الصديق أمير الحج 9 هـ: كانت تربية المجتمع وبناء الدولة في عصر النبي × مستمرة على جميع الأصعدة والمجالات العقائدية والاقتصادية والاجتماعية، والسياسية والعسكرية والتعبدية، وكانت فريضة الحج لم تمارس في السنوات الماضية، وحجة عام 8هـ بعد الفتح كلف بها عتاب بن أسيد، ولم تكن قد تميزت حجة المسلمين عن حجة المشركين ( )، فلما حل موسم الحج أراد الحجَ × ولكنه قال: «إنه يحضر البيت عراة مشركون يطوفون بالبيت، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك»، فأرسل النبي × الصديق أميرًا على الحج سنة تسع من الهجرة، فخرج أبو بكر الصديق بركب الحجيج، ونزلت سورة براءة فدعا النبي × عليًا ، وأمره أن يلحق بأبي بكر ×، فخرج على ناقة رسول الله × العضباء حتى أدرك الصديق أبا بكر بذي حليفة، فلما رآه الصديق قال له: أمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم سار، فأقام أبو بكر للناس الحج على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية، وكان الحج في هذا العام في ذي الحجة كما دلت على ذلك الروايات الصحيحة، لا في شهر ذي القعدة كما قيل، وقد خطب الصديق قبل التروية، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم النفر الأول فكان يعرف الناس مناسكهم في وقوفهم وإفاضتهم، ونحرهم، ونفرهم، ورميهم للجمرات... إلخ. وعلي بن أبي طالب يخلفه في كل موقف من هذه المواقف فيقرأ على الناس صدر سورة براءة، ثم ينادي في الناس بهذه الأمور الأربعة: «لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك» ( ). وقد أمر الصديق أبا هريرة في رهط آخر من الصحابة لمساعدة علي بن أبي طالب في إنجاز مهمته ( ).
وفد كلف النبي × عليًا بإعلان نقض العهود على مسامع المشركين في موسم الحج، مراعاة لما تعارف عليه العرب فيما بينهم من عقد العهود ونقضها أن لا يتولى ذلك إلا سيد القبيلة أو رجل من رهطه، وهذا العرف ليس فيه منافاة للإسلام، فلذلك تدارك النبي × الأمر وأرسل عليًّا بذلك، فهذا هو السبب في تكليف علي  بتبليغ صدر سورة براءة، لا ما زعمته الرافضة من أن ذلك للإشارة إلى أن عليًّا  أحق بالخلافة من أبي بكر، وقد علق على ذلك الدكتور محمد أبو شهبة فقال: ولا أدري كيف غفلوا عن قول الصديق له: أمير أم مأمور؟ ( ) وكيف يكون المأمور أحق بالخلافة من الأمير ( ).
وقد كانت هذه الحجة بمثابة التوطئة للحجة الكبرى وهي حجة الوداع.( ) لقد أعلن في حجة أبي بكر أن عهد الأصنام قد انقضى، وأن مرحلة جديدة قد بدأت، وما على الناس إلا أن يستجيبوا لشرع الله تعالى، فبعد هذا الإعلان الذي انتشر بين قبائل العرب في الجزيرة، أيقنت تلك القبائل أن الأمر جد، وأن عهد الوثنية قد انقضى فعلاً، فأخذت ترسل وفودها معلنة إسلامها ودخلوها في التوحيد ( ).
ج- في حجة الوداع: روى الإمام أحمد  بسنده إلى عبد الله بن الزبير عن أبيه أن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله × حجاجًا، حتى إذا أدركنا (العرج) ( ) نزل رسول الله ×، فجلست عائشة جنب النبي ×، وزمالة أبي بكر مع غلام لأبي بكر فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه، فطلع وليس معه بعيره!! فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللته البارحة! فقال أبو بكر: بعير واحد تضله! فطفق يضربه ورسول الله يبتسم ويقول: «انظروا إلى هذا المحرم وما يصنع» ( ).
* * *

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:46 PM
المبحث الخامس
الصديق في المجتمع المدني
وبعض صفاته وشيء من فضائله
تمهيد:
كانت حياة الصديق في المجتمع المدني مليئة بالدروس والعبر، وتركت لنا نموذجًا حيًّا لفهم الإسلام وتطبيقه في دنيا الناس، وقد تميزت شخصية الصديق بصفات عظيمة ومدحه رسول الله × في أحاديث كثيرة، وبيَّن فضله وتقدمه على كثير من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
أولا: من مواقفه في المجتمع المدني:
1- موقفه من (فنحاص) الحبر اليهودي:
ذكر غير واحد من كُتَّاب السير والمفسرين أن أبا بكر  دخل بيت المدراس ( ) على يهود، فوجد منهم ناسا قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر من أحبارهم، يقال له أشيع ( )، فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك! اتق الله وأسلم، فوالله إنك تعلم أن محمدًا لرسول الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل. فقال فنحاص لأبي بكر: والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الهب من فقر، وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء وما هو عنا بغني، ولو كان عنا غنيًا ما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان عنا غنيًا ما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر، فضرب وجه فنحاص ضربًا شديدًا، وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت رأسك أي عدو الله. فذهب فنحاص إلى رسول الله ×، فقال: يا محمد، انظر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله × لأبي بكر: «ما حملك على ما صنعت؟» فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولاً عظيمًا، إنه يزعم أن الله فقير وأنهم أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، وضربت وجهه، فجحد ذلك فنحاص وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله تعالى فيما قال فنحاص ردًّا عليه وتصديقًا لأبي بكر: +لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ" [آل عمران: 181].
ونزل في أبي بكر الصديق ، وما بلغه في ذلك من الغضب ( ) قوله تعالى: +لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ" [آل عمران: 186].
2- حفظ سر النبي ×:
قال عمر بن الخطاب: تأيمت حفصة من خنيس بن حذافة، وكان ممن شهد بدرًا، فلقيت عثمان بن عفان فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة، فقال: أنظر، ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، فلقيت أبا بكر فعرضتها عليه فصمت، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله × فأنكحتها إياه، ثم لقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت عليَّ حين لم أرجع إليك؟ فقلت: أجل، فقال: إنه لم يمنعني أن أرجع إليك إلا أني علمت أن رسول الله × قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله × ولو تركها لنكحتها ( ).
3- الصديق وآية صلاة الجمعة:
قال جابر بن عبد الله: بينما النبي × يخطب يوم الجمعة، وقدمت عير المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله × حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا، فنزلت هذه الآية: +وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ"
[الجمعة: 11]، وقال: في الاثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله × أبو بكر وعمر ( ).
4- رسول الله × ينفي الخيلاء عن أبي بكر:
قال عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: قال رسول الله ×: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة». فقال أبو بكر: إن أحد شقي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله ×: «إنك لست تصنع ذلك خيلاء» ( ).
5- الصديق وتحريه الحلال:
عن قيس ابن أبي حازم قال: كان لأبي بكر غلام، فكان إذا جاء بغلته لم يأكل من غلته حتى يسأل، فإن كان شيئًا مما يحب أكل، وإن كان شيئًا يكره لم يأكل، قال: فنسي ليلة فأكل ولم يسأله، ثم سأله فأخبره أنه من شيء كرهه، فأدخل يده فتقيأ حتى لم يترك شيئًا( ).
فهذا مثال على ورع أبي بكر ؛ حيث كان يتحرى الحلال في مطعمه ومشربه، ويتجنب الشبهات، وهذه الخصلة تدل على بلوغه درجات عُليا في التقوى. ولا يخفى أهمية طيب المطعم والمشرب والملبس في الدين، وعلاقة ذلك بإجابة الدعاء ( )، كما في حديث الأشعث الأغبر وفيه: «يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك» ( ).
6- أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما:
دخل أبو بكر الصديق  على النبي × فسمع صوت ابنته عائشة عاليًا، فلما اقترب منها تناولها ليلطمها وقال: أراك ترفعين صوتك على رسول الله، فجعل رسول الله يحجزه، وخرج أبو بكر مغضبًا، فقال النبي × لعائشة حين خرج أبي بكر: «أرأيت كيف أنقذتك من الرجل؟»، فمكث أبو بكر أيامًا ثم استأذن على رسول الله فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: أدخلاني في سلمكما، كما أدخلتماني في حربكما، فقال النبي ×: «قد فعلنا» ( ).
7- أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر:
دخل أبو بكر على عائشة -رضي الله عنها- في أيام العيد، وعندها جاريتان من جواري الأنصار تغنيان، فقال أبو بكر : أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ×؟ وكان رسول الله × معرضًا بوجهه عنهما، مقبلاً بوجهه الكريم إلى الحائط، فقال: «يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا» ( ).
ففي الحديث بيان أن هذا لم يكن من عادة النبي × وأصحابه الاجتماع عليه، ولهذا سماه الصديق مزمار الشيطان، والنبي × أقر الجواري عليه معللاً ذلك بأنه يوم
عيد، والصغار يرخص لهم في اللعب في الأعياد، كما جاء في الحديث: «ليعلم المشركون أن في ديننا فسحة».( )
وكان لعائشة لعب تلعب بهن ويجئن صواحباتها من صغار النسوة يلعبن معها، وليس في حديث الجاريتين أن النبي × استمع إلى ذلك، والأمر والنهي إنما يتعلق بالاستماع لا بمجرد السماع.( ) ومن هذا نفهم أنه يرخص لمن صلح له اللعب أن يلعب في الأعياد، كالجاريتين الصغيرتين من الأنصار اللتين تغنيان في العيد في بيت عائشة ( ).
8- إكرامه للضيوف:
قال عبد الرحمن بن أبي بكر -رضي الله عنهما-: أن أصحاب الصفة كانوا أناسًا فقراء، وأن رسول الله × قال مرة: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس، وإن أبا بكر جاء بثلاث... وإن أبا بكر تعشى عند رسول الله × فجاء بعد أن مضى من الليل ما شاء الله تعالى، قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك؟ أو قالت: عن ضيفك، قال: وما عشيتهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء، وقد عرضوا عليهم فغلبوهم. قال: فذهبت أنا فاختبأت، فقال: يا غنثر ( ) فجدع وسب، وقال: كلوا هنيئًا وقال: والله لا أطعم أبدًا، وحلف الضيف أن لا يطعمه حتى يطعم أبو بكر، فقال أبو بكر: هذه من الشيطان، قال: فدعا بالطعام فأكل، فقال: وايم الله ما كنا نأخذ لقمة إلا رَبَا من أسفلها أكثر منها، فقال: حتى شبعوا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك، فنظر إليها فإذا هي كما هي وأكثر، فقال لامرأته: يا أخت بني فراس ما هذا؟ قالت: لا وقرة عيني هي الآن لأكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات، فأكل أبو بكر وقال: إنما كان ذلك من الشيطان -يعني يمينه- ثم أكل منها لقمة ثم حملها إلى رسول الله × فأصبحت عنده، وكان بيننا وبين القوم عقد فمضى الأجل فتفرقنا اثني عشر رجلا، مع كل واحد منهم أناس الله أعلم كم مع كل رجل منهم فأكلوا منها أجمعين ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:47 PM
وفي هذه القصة دروس وعبر، منها:
أ- حرص الصديق على تطبيق الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على إكرام الضيف، مثل قوله تعالى: +فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ" [الذاريات: 27]. وقول الرسول ×: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه» ( ).
ب- وفي هذه القصة كرامة للصديق؛ حيث جعل لا يأكل لقمة إلا رَبَا من أسفلها أكثر منها فشبعوا، وصارت أكثر مما هي قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت، فرفعها إلى رسول الله ×، وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها وشبعوا.( ) وهذه الكرامة حصلت ببركة اتباع الصديق لرسول الله × في جميع أحواله، وهي تدل على مقام الولاية للصديق، فأولياء الله هم المقتدون بمحمد ×، فيفعلون ما أمر به وينتهون عما زجر، ويقتدون به فيما بين لهم أن يتبعوه فيه، فيؤيدهم بملائكته وروح منه، ويقذف الله في قلوبهم من أنواره، ولهم الكرامات التي يكرم الله بها أولياءه المتقين ( ).
ج- تقول السيدة عائشة -رضي الله عنها-: إن أبا بكر لم يحنث في يمين قط حتى أنزل الله كفارة اليمين، فقال: لا أحلف على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني.( ) فكان إذا حلف على شيء ورأى غيره خيرًا منه كفر وأتى الذي هو خير.( ) وفي هذه القصة ما يدل على ذلك؛ حيث ترك يمينه الأولى إكرامًا لضيوفه
وأكل معهم ( ).
9- ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر:
قالت عائشة -رضي الله عنها-: خرجنا مع رسول الله × في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله × على التماسه، وأقام الناس معه، وليس على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس أبا بكر فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله × وبالناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله × واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله × والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، قلت: فعاتبني وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله × على فخذي، فنام رسول الله × حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم: +فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا" [النساء: 43]. فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، فقالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته» ( ).
وفي هذه القصة يظهر حرص الصديق على التأدب مع رسوله، وحساسيته الشديدة على أن لا يضايقه شيء، ولا يقبل ذلك ولو كان من أقرب الناس وأحبهم إلى رسول الله ×، كعائشة رضي الله عنها، فقد كان  قدوة للدعاة في الأدب الجم مع النبي × ومع نفسه ومع المسلمين ( ).
10- انتصار النبيُّ × للصديق :
لقد ثبت من الأحاديث الصحيحة ما يدل على أن النبي × كان ينتصر لأبي بكر وينهى الناس عن معارضته؛ فعن أبي الدرداء  قال: كنت جالسًا مع النبي × إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي ×: «أما صاحبكم فقد غامر»( )، فسلم، وقال: يا رسول الله، إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى عليَّ، فأقبلت إليك، فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا، ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم أبو بكر؟ قالوا: لا. فأتى النبي × فسلم عليه، فجعل وجه رسول الله × يتمعر ( )، حتى أشفق أبو بكر ( ) فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم مرتين ( )، فقال النبي ×: «إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله( )،فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» مرتين. فما أوذي بعدها( ).
وفي هذه القصة دروس وعبر كثيرة، منها: الطبيعة البشرية للصحابة وما يحدث بينهم من خلاف، وسرعة رجوع المخطئ وطلب المغفرة والصفح من أخيه، وتواد الصحابة فيما بينهم، ومكانة الصديق الرفيعة عند رسول الله × ثم أصحابه... إلخ.
11- قل: غفر الله لك يا أبا بكر.
قال ربيعة الأسلمي : كنت أخدم النبي ×... وذكر حديثًا ثم قال: إن رسول الله × أعطاني بعد ذلك أرضًا وأعطى أبا بكر أرضًا، وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلة، فقلت أنا: هي في حدي، وقال أبو بكر: هي في حدي، فكان بيني وبين أبي بكر كلام، فقال أبو بكر كلمة كرهها، وندم، فقال أبو بكر: لتقولن أو لأستعدين عليك رسول الله ×، فقلت: ما أنا بفاعل، قال: ورفض الأرض ( )، وانطلق أبو بكر  إلى النبي ×، وانطلقت أتلوه، فجاء ناس من أسلم فقالوا لي: رحم الله أبا بكر، في أي شيء يستعدي عليك رسول الله × وهو قد قال لك ما قال؟ قلت: أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق، هذا ثاني اثنين، وهذا ذو شيبة المسلمين، إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب، فيأتي رسول الله × فيغضب لغضبه، فيغضب الله -عز وجل- لغضبهما فيهلك ربيعة، قال: ما تأمرنا؟ قال: ارجعوا، قال: فانطلق أبو بكر  إلى رسول الله × فتتبعته وحدي حتى أتى النبي × فحدثه الحديث كما كان، فرفع إليَّ رأسه فقال: يا ربيعة، ما لك وللصديق؟ قلت: يا رسول الله، كان كذا.. كان كذا، قال لي كلمة كرهها فقال: قل لي كما قلت حتى يكون قصاصا فأبيت، فقال رسول الله ×: «أجل فلا ترد عليه، ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر»، فقلت: غفر الله لك يا أبا بكر. قال الحسن البصري: ولى أبو بكر  وهو يبكي ( ).
لله أي وجدان هذا الوجدان، وأي نفس تلك النفس!! بادرة بدرت منها لمسلم فلم ترضَ إلا اقتصاصه منها، وصفحه عنها، تناهيًا بالفضيلة، واستمساكًا بالأدب، وشعورًا تمكن من الجوانح، وأخذ بمجامع القلوب، فكانت عنده زلة اللسان -ولو صغيرة- ألمًا يتململ منه الضمير فلا يستريح إلا بالقصاص منه، ورضا ذلك المسلم عنه ( ).
كانت كلمة هينة، ولكنها أصابت من ربيعة موجعًا.. فإذا أبو بكر يزلزل من أجلها، ويأبى إلا القصاص عليها، مع أنه يومئذ كان الرجل الثاني في الإسلام بعد رسول الله ×، وهي كلمة لا يمكن أن تكون من فُحش القول أبدًا؛ لأن أخلاقه لم تسمح بهذا، ولم يؤثر عنه حتى في الجاهلية شيء من هذا ( ).
لقد خشي الصديق مغبة تلك الكلمة ولهذا اشتكى لرسول الله، وهذا أمر عجيب، فإن أبا بكر قد نسي أرضه ونسي قضية الخلاف، وشغل باله أمر تلك الكلمة لأن حقوق العباد لا بد فيها من عفو صاحب الحق. ( ) وفي هذا درس للشيوخ والعلماء الحكماء والدعاة في كيفية معالجة الأخطاء ومراعاة حقوق الناس وعدم الدوس عليها بالأرجل.
وقد استنكر قوم ربيعة أن يذهب أبو بكر يشتكي إلى رسول الله × وهو الذي قال ما قال، ولم يعلموا ما عمله أبو بكر من لزوم إنهاء قضايا الخصومات، وإزالة ما قد يعلق في القلوب من الموجدة في الدنيا قبل أن يكتب ذلك في الصحف ويترتب عليه الحساب يوم القيامة.
وبالرغم مما ظهر من رضا ربيعة وتوجيه النبي × إلى عدم الرد على أبي بكر، فإن أبا بكر قد بكى من خشية الله تعالى، وهذا دليل على قوة إيمانه، ورسوخ يقينه.
وأخيرًا موقف يذكر لربيعة بن كعب الأسلمي ، حيث قام بإجلال أبي بكر  وأبى أن يرد عليه بالمثل، هذا من تقدير أهل الفضل والتقدم والمعرفة بحقهم، وهو دليل على قوة الدين ورجاحة العقل ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:49 PM
12- مسابقته في الخيرات:
اتصف الصديق  بالأخلاق الحميدة، والصفات الرفيعة ومسابقته في الخيرات حتى صار في الخير قدوة، وفي مكارم الأخلاق أسوة، وكان حريصًا أشد الحرص على الخيرات، فقد أيقن أن ما يمكن أن يقوم به المرء اليوم قد يكون غير ممكن في الغد، فاليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل، ولذلك كان من المسارعين في الخيرات؛ فعن أبي هريرة  قال رسول الله ×: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة؟». قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟». قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟». قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله ×: «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة» ( ).
13-كظمه للغيظ:
قال أبو هريرة : إن رجلاً شتم أبا بكر ورسول الله × جالس، فجعل النبي × يعجب ويبتسم، فلما أكثر الرجل رد عليه أبو بكر بعض قوله، فغضب النبي × وقام، فلحقه أبو بكر وقال: يا رسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما أكثر رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت!! فقال عليه الصلاة والسلام: «إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان». ثم قال: «يا أبا بكر، ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله -عز وجل- إلا أعز الله بها نصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة».( ) إن الصديق  اتصف بكظم الغيظ ولكنه رد ما ظن أنه به يسكت هذا الرجل، فرغَّبه النبي × في الحلم والأناة، وأرشده إلى ضرورة تحليه بالصبر في مواطن الغيظ، فإن الحلم وكظم الغيظ مما يزيد المرء ويجمله في أعين الناس، ويرفع قدره عند الله تعالى.
ويتبين لنا كذلك من هذا الموقف حرص الصديق  على عدم إغضاب النبي × والمسارعة إلى إرضائه، وفي ذم الغضب للنفس، والنهي عنه والتحذير منه، واعتزال الأنبياء للمجالس التي يحضرها الشيطان، وبيان الفضل للمظلوم الصابر المحتسب للأجر والثواب، وفيه حث على العطايا، وصلة الأرحام، وذم للمسألة وأهلها.
وظل الصديق متمسكًا بالحلم وكظم الغيظ حتى عُرف بالحلم والأناة، ولين الجانب والرفق، وهذا لا يعني أن أبا بكر لم يكن يغضب، وإنما كان غضبه لله تعالى، فإذا رأى محارم الله قد انتهكت غضب لذلك غضبًا شديدًا ( ).
لقد عاش بعد رسول الله × متأملاً ومتفكرًا وعاملاً بقوله تعالى: +وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ  الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" [آل عمران: 133- 134].
14- بلى والله، إني أحب أن يغفر الله لي.
كان أبو بكر  يَعُول مسطح بن أثاثة، فلما قال في عائشة -رضي الله عنها- ما قال (حديث الإفك المشهور) أقسم بالله أبو بكر ألا ينفعه أبدًا، فلما أنزل الله -عز وجل-: +وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَّغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [النور: 22] قال أبو بكر: والله إني أحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها
منه أبدًا.( )
ولقد فهم الصديق من الآية بأن على المؤمن التخلق بأخلاق الله، فيعفو عن الهفوات والزلات والمزالق، فإن فعل فالله يعفو عنه ويستر ذنوبه، وكما تدين تدان، والله سبحانه قال: +أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَّغْفِرَ اللهُ لَكُمْ"أي: كما تحبون عفو الله عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم.( ) وكما أن في الآية من حلف على شيء ألا يفعله، فرأى أن فعله أولى من تركه، أتاه وكفر عن يمينه. وقال بعض العلماء: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى؛ من حيث لطف الله بالقذفة العصاة بهذا اللفظ ( ).
لقد دلت هذه الآية على أن أبا بكر أفضل الناس عند النبي ×؛ لأن الله وصفه بصفات عجيبة في هذه الآية، دلت على علو شأنه في الدين. أورد الرازي في تفسيره أربع عشرة صفة مستنبطة من هذه الآية: +وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ"منها: أنه وصفه بأنه صاحب الفضل على الإطلاق من غير تقييد لذلك بشخص دون شخص، والفضل يدخل فيه الإفضال، وذلك يدخل على أنه  كان فاضلاً على الإطلاق، وكان مفضلا على الإطلاق، ومنها أنه لما وصفه تعالى بأنه (أولو الفضل والسعة) بالجمع لا بالواحد وبالعموم لا بالخصوص على سبيل المدح، وجب أن يقال: إنه كان خاليًا عن المعصية؛ لأن الممدوح إلى هذا الحد لا يكون من أهل النار ( ).
15- خروجه للتجارة من المدينة إلى الشام:
خرج أبو بكر الصديق  للتجارة إلى بصرى ببلاد الشام في عهد النبي ×، ما منعه حبه لملازمة النبي × من الذهاب للتجارة، ولا منع النبي × الصديق من ذلك مع شدة حبه له.( ) وفي هذا أهمية أن يكون للمسلم مصدر رزق يستغني به عن سؤال الناس، بل ويساهم بهذا الرزق في إغاثة الملهوف، وفك العاني، ويسارع في أبواب الإنفاق التي
يحبها الله.
16- غيرة الصديق  وتزكية النبي × لزوجه:
قال عبد الله بن عمرو بن العاص: إنَّ نفرًا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس، فدخل أبو بكر الصديق وهي تحته يومئذ فرآهم، فكره ذلك، فذكر ذلك لرسول الله، فقال: إن الله تعالى قد برأها من ذلك، ثم قام رسول الله × على المنبر فقال: «لا يدخل رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان».( )
17- خوفه من الله تعالى:
عن أنس  قال: خطبنا رسول الله × خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا» فغطى أصحاب رسول الله × وجوههم ولهم خنين ( ).
وقد كان الصديق  على جانب من الخوف والرجاء عظيم، جعله قدوة عملية لكل مسلم سواء حاكمًا أو محكومًا، قائدًا أو جنديًا، يريد النجاح والفلاح في الآخرة.( ) فعن محمد بن سيرين قال: لم يكن أحد أهيب لما يعلم بعد النبي × من أبي بكر. وعن قيس قال: رأيت أبا بكر آخذ بطرف لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد.( ) وقد قال أبو بكر  : ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا( ), وعن ميمون بن مهران قال: أتى أبو بكر بغراب وافر الجناحين فقلبه ثم قال: ما صِيدَ من صيد ولا عضدت من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح.( ) وعن الحسن قال: قال أبو بكر: والله لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد.( ) وقال أبو بكر: لوددت أن كنت شعرة في جنب عبد مؤمن.( ) وكان  يتمثل بهذا البيت من الشعر:
لا تزال تنعي حبيبًا حتى تكونه
وقد يرجو الرجا يموت دونه ( )

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:50 PM
ثانيًا: من أهم صفات الصديق وشيء من فضائله:
إن شخصية الصديق  تعتبر شخصية قيادية، وقد اتصف  بصفات القائد الرباني، ونجملها في أمور ونركز على بعضها بالتفصيل، فمن أهم هذه الصفات: سلامة المعتقد، والعلم الشرعي، والثقة بالله، والقدرة، والصدق، والكفاءة والشجاعة، والمروءة، والزهد، وحب التضحية، وحسن اختياره لمعاونيه، والتواضع، وقبول النصيحة، والحلم، والصبر، وعلو الهمة، والحزم، والإرادة القوية، والعدل، والقدرة على حل المشكلات، والقدرة على التعليم وإعداد القادة، وغير ذلك من الصفات التي ظهرت للباحث في الفترة المكية في صحبته للنبي ×، وفي العهد المدني في غزواته مع رسول الله وحياته في المجتمع، وظهر البعض الآخر لما تسلم قيادة الدولة وأصبح خليفة رسول الله ×؛ فقد استطاع بتوفيق الله تعالى وبسبب ما أودع الله فيه من صفات القيادة الربانية أن يحافظ على الدولة ويقمع حركة الردة، وينتقل بفضل الله وتوفيقه بالأمة نحو أهدافها المرسومة بخطوات ثابتة، ومن أهم تلك الصفات التي نحاول تسليط الأضواء عليها في هذا المبحث: إيمانه بالله العظيم، وعلمه الراسخ، وكثرة دعائه وتضرعه لله تعالى.
1- عظمة إيمانه بالله تعالى:
كان إيمان الصديق بالله عظيمًا، فقد فهم حقيقة الإيمان وتغلغلت كلمة التوحيد في نفسه وقلبه، وانعكست آثارها على جوارحه، وعاش بتلك الآثار في حياته، فتحلى بالأخلاق الرفيعة، وتطهر من الأخلاق الوضيعة، وحرص على التمسك بشرع الله والاقتداء بهديه ×، وكان إيمانه بالله تعالى باعثًا له على الحركة والهمة والنشاط والسعي، والجهد والمجاهدة، والجهاد والتربية، والاستعلاء والعزة، وكان في قلبه من اليقين والإيمان شيء عظيم لا يساويه فيه أحد من الصحابة. قال أبو بكر بن عياش: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه.( ) ولهذا قيل: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح، كما في السنن عن أبي بكرة عن النبي × قال: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟» فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزانا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ثم وزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ثم وزن عمر وعثمان فرجع عمر، ثم رفع الميزان، فاستاء لها رسول الله ×، فقال: «خلافة نبوة، ثم يؤتى الله الملك من يشاء» ( ).
وعن أبي هريرة  قال: صلى رسول الله × صلاة الصبح، ثم أقبل على الناس فقال: «بينا رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها التفتت إليه البقرة، فقالت: إني لم أخلق لهذا، ولكني خلقت للحرث، فقال الناس: سبحان الله! (تعجبًا وفزعا) أبقرة تتكلم؟ فقال رسول الله ×: فإني أؤمن به وأبو بكر وعمر. قال أبو هريرة: قال رسول الله ×: «وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة، فطلب حتى كأنه استنقذها منه، فقال له الذئب: هذا استنقذتها مني، فمن لها يوم السبع، يوم لا راعي لها غيري؟ فقال الناس: سبحان الله، ذئب يتكلم؟ قال ×: فإني أومن بذلك أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم».( ) ومن شدة إيمانه والتزامه بشرع الله تعالى وصدقه وإخلاصه للإسلام أحبه النبي ×، وأصبحت تلك المحبة مقدمة عند النبي × على غيره من الصحابة.
فعن عمرو بن العاص : أن النبي × بعثه على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة»، فقلت: من الرجال؟ قال: «أبوها»، قلت: ثم من؟ قال: «عمر بن الخطاب». فعد رجالاً ( ).
وبسبب هذا الإيمان العظيم والتزامه بشرع الله القويم ولجهوده التي بذلها لنصرة دين رب العالمين استحق بشارة رسول الله بالجنة، وأنه يدعى من جميع أبوابها، فعن أبي موسى الأشعري أنه توضأ في بيته ثم خرج، فقلت: لألزمن رسول الله × ولأكونن معه يومي هذا. قال: فجاء المسجد فسأل عن النبي × فقالوا: خرج ووجه ها هنا، فخرجت على إثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريسٍ، فجلست عند الباب وبابها من جريد حتى قضى رسول الله × حاجته فتوضأ، فقمت إليه، فإذا هو جالس على بئر أريسٍ وتوسط قُفَّها وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، فسلمت عليه ثم انصرفت فجلست عند الباب، فقلت: لأكونن بواب رسول الله × اليوم، فجاء أبو بكر فدفع الباب، فقلت: من هذا، فقال: أبو بكر، فقلت: على رسلك، ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله، هذا أبو بكر يستأذن، فقال: «ائذن له وبشره بالجنة»، فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول الله يبشرك بالجنة، فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله × معه في القف ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي × وكشف عن ساقيه.... ( )
وعن أبي هريرة  أن رسول الله × قال: «من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب (أي الجنة) يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان»، فقال أبو بكر : ما على هذا الذي يُدعى من تلك الأبواب من ضرورة، وقال: هل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: «نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر» ( ).
2- علمه :
كان الصديق من أعلم الناس بالله وأخوفهم له. ( ) وقد اتفق أهل السنة على أن أبا بكر أعلم الأمة، وحكى الإجماع على ذلك غير واحد ( )، وسبب تقدمه على كل الصحابة في العلم والفضل ملازمته للنبي ×؛ فقد كان أدوم اجتماعًا به ليلاً ونهارًا، وسفرًا وحضرًا، وكان يسمر عند النبي × بعد العشاء، يتحدث معه في أمور المسلمين دون غيره من أصحابه، وكان إذا استشار أصحابه أول من يتكلم أبو بكر في الشورى، وربما تكلم غيره وربما لم يتكلم غيره فيعمل برأيه وحده، فإذا خالفه غيره اتبع رأيه دون رأي من يخالفه. ( ) وقد استعمله النبي × على أول حجة حجت من مدينة النبي ×، وعلم المناسك أدق ما في العبادات، ولولا سعة علمه لم يستعمله، وكذلك الصلاة استخلفه عليها ولولا علمه لم يستخلفه، ولم يستخلف غيره لا في حج ولا في صلاة.
وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله أخذه أنس من أبي بكر وهو أصح ما روي فيها( )، وعليه اعتمد الفقهاء وغيرهم في كتابه ما هو متقدم منسوخ، فدل على أنه أعلم بالسنة الناسخة، ولم يحفظ له قول يخالف فيه نصًا، وهذا يدل على غاية البراعة والعلم. وفي الجملة: لا يعرف لأبي بكر مسألة في الشريعة غلط فيها، وقد عرف لغيره مسائل كثيرة.( ) وكان  يقضي ويفتي بحضرة النبي × ويقره، ولم تكن هذه المرتبة لغيره، وقد بينت ذلك في سلب أبي قتادة بحنين. ( ) وقد ظهر فضل علمه وتقدمه على غيره بعد وفاة الرسول ×، فإن الأمة لم تختلف في ولايته في مسألة إلا فصلها هو بعلم يبينه لهم وحجة يذكرها لهم من الكتاب والسنة، وذلك لكمال علم الصديق وعدله، ومعرفته بالأدلة التي تزيل النزاع، وكان إذا أمرهم أطاعوه، كما بين لهم موت النبي × وتثبيتهم على الإيمان، ثم بين لهم موضع دفنه، وبين لهم ميراثه، وبين لهم قتال مانعي الزكاة لما استراب فيه عمر، وبين لهم أن الخلافة في قريش، وتجهيز جيش أسامة، وبين لهم أن عبدًا خيره الله بين الدنيا والآخرة هو رسول الله × ( )، وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه بإذن الله تعالى.
ولقد رأى رسول الله × له رؤيا تدل على علمه؛ فعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ×: «رأيت كأني أعطيت عُسًّا مملوءًا لبنًا، فشربت منه حتى تملأت، فرأيتها تجري في عروقي بين الجلد واللحم، ففضلت منها فضلة، فأعطيتها أبا بكر». قالوا: يا رسول الله، هذا علم أعطاكه الله حتى إذا تملأت منه، فضلت فضلة فأعطيتها أبا بكر، فقال ×: «قد أصبتم».( )
وكان الصديق  يرى أن الرؤيا حق، وكان يجيد تأويلها، وكان يقول إذا أصبح: من رأى رؤيا صالحة فليحدثنا بها. وكان يقول: لأن يرى رجل مسلم مسبغ الوضوء رؤيا صالحة أحب إليَّ من كذا وكذا.( )
ومما عبره × من الرؤى ما يلي: عن ابن عباس  أن رجلاً أتى رسول الله فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها، فالمستكثر والمستقل، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع، ثم وُصِل، فقال أبو بكر: يا رسول الله، بأبي أنت، والله لتدعني فأعبرهما، فقال النبي ×: «اعبرها»، قال: أما الظلة فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن، حلاوته تنطف فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، تأخذ به فُيعليك الله، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ رجل آخر فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت، أصبت أم أخطأت؟ قال النبي ×: «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا»، قال: فوالله لتحدثني بالذي أخطأت، قال:
«لا تقسم».( )
وعن عائشة -رضي الله عنها- أنها رأت كأنه وقع في بيتها ثلاثة أقمار، فقصتها على أبي بكر -وكان من أعبر الناس- فقال: إن صدقت رؤياك ليدفنن في بيتك من خير أهل الأرض ثلاثة، فلما قبض النبي × قال: «يا عائشة هذا خير أقمارك».( ) فقد كان الصديق  أعبر هذه الأمة بعد نبيها ( ).
ومع كونه  من أعلم الصحابة إلا أنه من أبعد الناس عن التكلف، فعن إبراهيم النخعي قال: قرأ أبو بكر الصديق +وَفَاكِهَةً وَأَبًّا" [عبس: 31]، فقيل: ما الأبُّ؟ فقيل: كذا وكذا، فقال أبو بكر: إن هذا لهو التكلف، أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:51 PM
3- دعاؤه وشدة تضرعه:
إن الدعاء باب عظيم، فإن فتح للعبد تتابعت عليه الخيرات وانهالت عليه البركات، ولذلك حرص الصديق على حسن الصلة بالله وكثرة الدعاء. كما أن الدعاء من أعظم وأقوى عوامل النصر على الأعداء، قال تعالى: +وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ" [غافر: 60]، وقال تعالى: +وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ"
[البقرة: 186].
ولقد لازم الصديق رسولَ الله × ورأى كيف كان رسول الله يستغيث بالله ويستنصره ويطلب المدد منه، وقد حرص الصديق على أن يتعلم هذه العبادة من رسول الله ×، وأن يكون دعاؤه وتسبيحه على الصيغة التي يأمر بها رسول الله ×، ويرتضيها؛ إذ ليس للمسلم أن يفضل على الصيغة المأثورة في الدعاء والتسبيح والصلاة على النبي × صيغًا أخرى، مهما كانت في ظاهرها حسنة اللفظ جيدة المعنى؛ لأن رسول الله × هو معلم الخير، والهادي إلى الصراط المستقيم، وهو أعرف بالأفضل والأكمل.( ) وقد جاء في الصحيحين أن أبا بكر الصديق  قال: يا رسول الله، علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» ( ).
ففي هذا الدعاء وصف العبد لنفسه المقتضى حاجته إلى المغفرة، وفيه وصف ربه الذي يوجب أنه لا يقدر على هذا المطلوب غيره، وفيه التصريح بسؤال العبد لمطلوبه، وفيه بيان المقتضي للإجابة، وهو وصف الرب بالمغفرة والرحمة، فهذا ونحوه أكمل أنواع الطلب ( ).
وجاء في السنن عن أبي بكر  قال: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به إذا أصبحت وإذا أمسيت، فقال: «قل: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشَرَكِه، وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجره إلى مسلم، قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك».( )
فقد تعلم الصديق من رسول الله × أنه ليس لأحد أن يظن استغناءه عن التوبة إلى الله والاستغفار من الذنوب؛ بل كل أحد محتاج إلى ذلك دائمًا، قال تعالى: +إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا
جَهُولاً  لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا" [الأحزاب: 72، 73]، فالإنسان ظالم جاهل، وغاية المؤمنين
والمؤمنات التوبة.
وقد أخبر الله تعالى في كتابه بتوبة عباده الصالحين ومغفرته لهم، وثبت في الصحيحين عن النبي × أنه قال: «لن يدخل الجنة أحد بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته». ( ) وهذا لا ينافي قوله تعالى: +كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ" [الحاقة: 24]، فإن الرسول نفى باء المقابلة والمعادلة، والقرآن أثبت باء السبب. وقول من قال: إذا أحب الله عبدًا لم تضره الذنوب، معناه: أنه إذا أحب عبدًا ألهمه التوبة والاستغفار فلم يصر على الذنوب، ومن ظن أن الذنوب لا تضر من أصر عليها فهو ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره ( ).
كان أبو بكر دائم الذكر لله تعالى، شديد التضرع، كثير التوجه لله، لا ينفك عن الدعاء في كل أحيانه. وقد نقل إلينا بعض أدعيته وتضرعاته، ومنها:
أ- أسألك تمام النعمة في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى، وبعد الرضا، والخيرة في جميع ما تكون إليه الخيرة, بجميع ميسور الأمور كلها، لا بمعسورها يا كريم ( ).
ب- وكان يقول في دعائه: اللهم إني أسألك الذي هو خير لي في عاقبة الخير. اللهم اجعل آخر ما تعطيني من الخير رضوانك والدرجات العُلى من جنات النعيم ( ).
ج- وكان يقول في دعائه: اللهم اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك ( ).
د- وكان إذا سمع أحدا يمدحه من الناس يقول: اللهم أنت أعلم من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون ( ).
وهذه بعض أهم صفاته وشيء من فضائله مررنا عليه بالإيجاز، وسوف نرى أثر التربية النبوية على الصديق بعد وفاة النبي ×، وكيف قام مقامًا لم يقمه غيره بفضل الله وتوفيقه، ثم تربيته العميقة وإيمانه العظيم وعلمه الراسخ وتتلمذه على يدي رسول الله ×، فقد أحسن الجندية، وقطع مراحلها وأشواطها برفقة قائده العظيم عليه أفضل الصلاة والسلام، فلما أصبح خليفة للأمة استطاع أن يقود سفينة الإسلام إلى شاطئ الأمان رغم العواصف الشديدة، والأمواج المتلاطمة، والفتن المظلمة.
* * *

الفصل الثاني
وفاة الرسول ×، وسقيفة بني ساعدة، وجيش أسامة
المبحث الأول
وفاة الرسول × وسقيفة بني ساعدة
أولاً: وفاة الرسول ×:
إن الأرواح الشفافة الصافية لتدرك بعض ما يكون مخبوءًا وراء حجب الغيب بقدرة الله تعالى، والقلوب الطاهرة المطمئنة لتحدث صاحبها بما عسى أن يحدث له فيما يستقبل من الزمان، والعقول الذكية المستنيرة بنور الإيمان لتدرك ما وراء الألفاظ والأحداث من إشارات وتلميحات، ولنبينا محمد × من هذه الصفات الحظ الأوفر، وهو منها بالمحل الأرفع الذي لا يسامى ولا يطاول.( )
ولقد جاءت بعض الآيات القرآنية مؤكدة على حقيقة بشرية النبي ×، وأنه كغيره من البشر، وسوف يذوق الموت ويعاني سكراته كما ذاقه من قبل إخوانه من الأنبياء، ولقد فهم × من بعض الآيات اقتراب أجله، وقد أشار × في طائفة من الأحاديث الصحيحة إلى اقتراب وفاته، منها ما هو صريح الدلالة على الوفاة ومنها ما ليس كذلك؛ حيث لم
يشعر ذلك منها إلا الآحاد من كبار الصحابة الأجلاء كأبي بكر والعباس ومعاذ
رضي الله عنهم ( ).
مرض رسول الله × وبدء الشكوى:
رجع رسول الله × من حجة الوداع في ذي الحجة، فأقام بالمدينة بقيته والمحرم وصفرًا من العام العاشر، فبدأ بتجهيز جيش أسامة وأمَّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة، وأمره أن يتوجه نحو البلقاء وفلسطين، فتجهز الناس وفيهم المهاجرون والأنصار، وكان أسامة بن زيد ابن ثماني عشرة سنة، وتكلم البعض في تأميره وهو مولى وصغير السن على كبار المهاجرين والأنصار، فلم يقبل الرسول × طعنهم في إمارة أسامة ( )، فقال ×: «إن يطعنوا في إمارته فقد طعنوا في إمارة أبيه، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان من أحب الناس إليَّ، وإن ابنه هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده». ( )
وبينما الناس يستعدون للجهاد في جيش أسامة ابتدى رسول الله × شكواه الذي قُبض فيه، وقد حدثت حوادث ما بين مرضه ووفاته، منها: زيارته قتلى أحد وصلاته عليهم( )، واستئذانه أن يمرض في بيت عائشة، وشدة المرض الذي نزل به( )، وأوصى × بإخراج المشركين من جزيرة العرب وإجازة الوفد( ) ونهى عن اتخاذ قبره مسجدًا( )، وأوصي بإحسان الظن بالله( ) وأوصي بالصلاة وما ملكت أيمانكم( )، وبيَّن بأنه لم يبقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا( )، وأوصي بالأنصار خيرًا( ) وخطب × في أيام مرضه فقال: «إن الله خيَّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ذلك العبد ما عند الله»، فبكى أبو بكر، فقال أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-: فعجبنا لبكائه أن يخبر الرسول × عن خير، فكان رسول الله × هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول الله ×: «إن أمَنَّ الناس عليَّ صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته. لا يبقين في المسجد باب إلا باب أبي بكر» ( ).
قال الحافظ ابن حجر: وكأن أبو بكر -رضي الله عنه- فَهِم الرمز الذي أشار به النبي × من قرينة ذكره ذلك في مرض موته، فاستشعر منه أنه أراد نفسه فلذلك بكى( )، ولما اشتد المرض بالنبي × وحضرته الصلاة فأذَّن بلال قال النبي ×: «مروا أبا بكر فليصل»، فقيل: إن أبا بكر رجل أسيف( )، إذا قام مقامك لم يصلِّ بالناس، وأعاد فأعادوا له الثالثة، فقال: «إنكن صواحب يوسف( ) ، مروا أبا بكر فليصل». فخرج أبو بكر فوجد النبي × في نفسه خفة، فخرج يهادي بين رجلين، كأني أنظر إلى رجليه تخطان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي × أن مكانك، ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه. قيل للأعمش: فكان النبي × يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أبي بكر، فقال برأسه: نعم.( ) واستمر أبو بكر يصلي بالمسلمين، حتى إذا كان يوم الإثنين، وهم صفوف في صلاة الفجر، كشف النبي × ستر الحجرة ينظر إلى المسلمين وهم وقوف أمام ربهم، ورأى كيف أثمر غرس دعوته وجهاده، وكيف نشأت أمة تحافظ على الصلاة، وتواظب عليها بحضرة نبيها وغيبته، وقد قرت عينه بهذا المنظر البهيج، وبهذا النجاح الذي لم يقدر لنبي أو داع قبله، واطمأن أن صلة هذه الأمة بهذا الدين وعبادة الله تعالى صلة دائمة لا تقطعها وفاة نبيها، فمليء من السرور ما الله به عليم، واستنار وجهه وهو منير.( )
يقول الصحابة -رضي الله عنهم-: كشف النبي × ستر حجرة عائشة ينظر إلينا وهو قائم، وكأن وجهه ورقة مصحف ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح، وظننا أن النبي × خارج إلى الصلاة فأشار إلينا أن أتموا صلاتكم، ودخل الحجرة وأرخى الستر( )، وانصرف بعض الصحابة إلى أعمالهم، ودخل أبو بكر على ابنته عائشة وقال: ما أرى رسول الله إلا قد أقلع عنه الوجع, وهذا يوم بنت خارجة -إحدى زوجتيه- وكانت تسكن بالسُّنح( )، فركب على فرسه وذهب إلى منزله( ).
واشتدت سكرات الموت بالنبي ×، ودخل عليه أسامة بن زيد وقد صمت فلا يقدر على الكلام، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة، فعرف أنه يدعو له، وأخذت السيدة عائشة رسولَ الله وأوسدته إلى صدرها بين سحرها( )، ونحرها، فدخل
عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده سواك، فجعل رسول الله ينظر إليه، فقالت عائشة: آخذه لك؟ فأشار برأسه نعم، فأخذته من أخيها ثم مضغته ولينته وناولته إياه، فاستاك به كأحسن ما يكون الاستياك، وكل ذلك وهو لا ينفك عن قوله: «في الرفيق الأعلى».( ) وكان × بجانبه ركوة ماء أو علبة فيها ماء، فيمسح بها وجهه ويقول: «لا إله إلا الله... إن للموت سكرات» ثم نصب يده فجعل يقول: «في الرفيق الأعلى»، حتى قبض ومالت يده.( ) وفي لفظ أن النبي × كان يقول: «اللهم أعني على سكرات الموت» ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 10:52 PM
وفي رواية: أن عائشة سمعت النبي × وأصغت إليه قبل أن يموت وهو مسند الظهر يقول: «اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى» ( ).
وقد ورد أن فاطمة -رضي الله عنها- قالت: واكرب أباه، فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم»، فلما مات قالت: يا أبتاه.. أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه.. جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه.. إلى جبريل ننعاه. فلما دفن × قالت لأنس: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله × التراب ( ).
فارق رسول الله × الدنيا وهو يحكم جزيرة العرب، ويرهبه ملوك الدنيا، ويفديه أصحابه بنفوسهم وأولادهم وأموالهم، وما ترك عند موته دينارًا ولا درهمًا، ولا عبدًا، ولا أمة، ولا شيئًا، إلا بغلته البيضاء، وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة.( )
وتوفي × ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير( )، وكان ذلك يوم الاثنين في الثاني عشر من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة بعد الزوال( )، وله ثلاثة وستون سنة.( ) وكان أشد الأيام سوادًا ووحشة ومصابًا على المسلمين، ومحنة كبرى للبشرية، كما كان يوم ولادته أسعد يوم طلعت فيه الشمس.( ) يقول أنس : كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله × المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان الذي مات فيه أظلم منها كل شيء.( ) وبكت أم أيمن فقيل لها: ما يبكيك على النبي؟ قالت: إني قد علمت أن رسول الله × سيموت، ولكن إنما أبكي على الوحي الذي رُفِع عنا ( ).
ثانيًا: هول الفاجعة وموقف أبي بكر منها:
قال ابن رجب: ولما توفي رسول الله × اضطرب المسلمون؛ فمنهم من دهش فخولط، ومنهم من أقعد فلم يُطق القيام، ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية ( ).
قال القرطبي مبينًا عظم هذه المصيبة وما ترتب عليها من أمور: من أعظم المصائب المصيبة في الدين.. قال رسول الله ×: «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي؛ فإنها أعظم المصائب».( ) وصدق رسول الله ×؛ لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة؛ انقطع الوحي، وماتت النبوة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه ( ).
وقال ابن إسحاق: ولما توفي رسول الله × عظمت به مصيبة المسلمين، فكانت عائشة فيما بلغني تقول: لما توفي النبي × ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم ( ).
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ... واضطربت الحال، فكان موت النبي × قاصمة الظهر ومصيبة العمر، فأما عليٌّ فاستخفى في بيت فاطمة، وأما عثمان فسكت، وأما عمر فأهجر وقال: ما مات رسول الله، وإنما واعده ربه كما واعد موسى، وليرجعن رسول الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم( )، ولما سمع أبو بكر الخبر أقبل على فرس من مسكنه بالسنح، حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله × وهو مغشَّى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين؛ أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها( )، وخرج أبو بكر وعمر يتكلم، فقال: اجلس يا عمر، وهو ماض في كلامه وفي ثورة غضبه، فقام أبو بكر في الناس خطيبًا بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
أما بعد: فإن من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا هذه الآية: +وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَّضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ" [آل عمران: 144] فنشج الناس يبكون ( ).
قال عمر: فوالله ما سمعت أبا بكر تلاها، فهويت إلى الأرض ما تحملني قدماي، وعلمت أن رسول الله قد مات.( ) قال القرطبي: هذه الآية أدل دليل على شجاعة الصديق وجراءته؛ فإن الشجاعة والجرأة حدهما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبي ×، فظهرت شجاعته وعلمه، قال الناس: لم يمت رسول الله ×، منهم عمر، وخرس عثمان، واستخفى علي، واضطرب الأمر، فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسنح ( ).
وبهذه الكلمات القلائل، واستشهاد الصديق بالقرآن الكريم خرج الناس من ذهولهم وحيرتهم ورجعوا إلى الفهم الصحيح رجوعًا جميلاً، فالله هو الحي وحده الذي لا يموت، وأنه وحده الذي يستحق العبادة، وأن الإسلام باق بعد موت محمد × ( )، كما جاء في رواية من قول الصديق: إن دين الله قائم، وإن كلمة الله تامة، وإن الله ناصر من نصره، ومعز دينه، وإن كتاب الله بين أظهرنا، وهو النور والشفاء، وبه هدى الله محمدًا × وفيه حلال الله وحرامه، والله لا نبالي من أجلب علينا من خلق الله. إن سيوف الله لمسلولة ما وضعناها بعد، ولنجاهدن من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله، فلا يبغين أحد إلا
على نفسه( ).
كان موت محمد × مصيبة عظيمة، وابتلاءً شديدًا، ومن خلالها وبعدها ظهرت شخصية الصديق كقائد للأمة، فذ لا نظير له ولا مثيل ( )، فقد أشرق اليقين في قلبه وتجلى ذلك في رسوخ الحقائق فيه، فعرف حقيقة العبودية والنبوة والموت، وفي ذلك الموقف العصيب ظهرت حكمته ، فانحاز بالناس إلى التوحيد «من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت»، وما زال التوحيد في قلوبهم غضًّا طريًا، فما أن سمعوا تذكير الصديق لهم حتى رجعوا إلى الحق.( )
تقول عائشة -رضي الله عنها-: فوالله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر ، فتلقاها منه الناس، فما يسمع بشر إلا يتلوها ( ).
ثالثًا: سقيقة بني ساعدة:
لما علم الصحابة -رضي الله عنهم- بوفاة رسول الله × اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة في اليوم نفسه، وهو يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة، وتداولوا الأمر بينهم في اختيار من يلي الخلافة من بعده ( ).
والتف الأنصار حول زعيم الخزرج سعد بن عبادة ، ولما بلغ خبر اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة إلى المهاجرين، وهم مجتمعون مع أبي بكر الصديق  لترشيح من يتولى الخلافة ( )، قال المهاجرون لبعضهم: انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار، فإن لهم في هذا الحق نصيبًا.( ) قال عمر : فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلين صالحين، فذكر ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقلت: والله لنأتينهم( )، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك. فلما جلسنا قليلاً تشهَّد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم -معشر المهاجرين- رهط، وقد دفت دافة من قومكم( )، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر ( ) فلما سكت أردت أن أتكلم -وكنت قد زوَّرت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر- وكنت أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رَسْلِك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارًا، وقد رضيت لكم هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم -فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا- فلم أكره مما قال غيرها، والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إليَّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول إليَّ نفسي عند الموت شيئًا لا أجده الآن.
فقال قائل من الأنصار: أنا جُذيلها المحكك، وعذيقها المرجَّب ( )، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف فقلت: ابسط يدك، فبايعته وبايعه المهاجرين، ثم بايعته الأنصار ( ).
وفي رواية أحمد:«.. فتكلم أبو بكر  فلم يترك شيئًا أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله × من شأنهم إلا وذكره، وقال: ولقد علمتم أن رسول الله × قال: «لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار واديًا سلكت وادي الأنصار»، ولقد علمت يا سعد( ) أن رسول الله × قال وأنت قاعد: «قريش ولاة هذا الأمر، فَبَرُّ الناس تبع لبرهم، وفاجر الناس تبع لفاجرهم»، فقال له سعد: صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء ( ).
رابعا: أهم الدروس والعبر والفوائد في هذه الحادثة:
1- الصديق وتعامله مع النفوس وقدرته على الإقناع:
من رواية الإمام أحمد يتضح لنا كيف استطاع الصديق أبو بكر  أن يدخل إلى نفوس الأنصار فيقنعهم بما رآه هو الحق، من غير أن يعرض المسلمين للفتنة، فأثنى على الأنصار ببيان ما جاء في فضلهم من الكتاب والسنة. والثناء على المخالف منهج إسلامي يقصد منه إنصاف المخالف وامتصاص غضبه، وانتزاع بواعث الأثرة والأنانية في نفسه؛ ليكون مهيأ لقبول الحق إذا تبين له. وقد كان في هدي النبي × الكثير من الأمثلة التي تدل على ذلك، ثم توصل أبو بكر من ذلك إلى أن فضلهم وإن كان كبيرًا لا يعني أحقيتهم في الخلافة؛ لأن النبي × قد نص على أن المهاجرين من قريش هم المقدمون في هذا الأمر.( ) وقد ذكر ابن العربي المالكي أن أبا بكر استدل على أمر الخلافة في قريش بوصية رسول الله ×: «بالأنصار خيرًا، وأن يقبلوا من محسنهم ويتجاوزوا عن مسيئهم»، احتج به أبو بكر على الأنصار قوله: إن الله سمانا «الصادقين» وسماكم «المفلحين» إشارة إلى قوله تعالى: +لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ  وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [الحشر: 8، 9]، وقد أمركم أن تكونوا معنا حيثما كنا فقال: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ" [التوبة: 119]، إلى غير ذلك من الأقوال المصيبة والأدلة القوية، فتذكرت الأنصار ذلك وانقادت إليه.( )
وبيَّن الصديق في خطابه أن من مؤهلات القوم الذين يرشحون للخلافة أن يكونوا ممن يدين لهم العرب بالسيادة وتستقر بهم الأمور؛ حتى لا تحدث الفتن فيما إذا تولى غيرهم، وأبان أن العرب لا يعترفون بالسيادة إلا للمسلمين من قريش، لكون النبي × منهم، ولما استقر في أذهان العرب من تعظيمهم واحترامهم. وبهذه الكلمات النيرة التي قالها الصديق اقتنع الأنصار بأن يكونوا وزراء مُعينين وجنودًا مخلصين، كما كانوا في عهد النبي ×، وبذلك توحد صف المسلمين ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:05 PM
2- زهد عمر وأبي بكر -رضي الله عنهما- في الخلافة وحرص الجميع على وحدة الأمة:
بعد أن أتم أبو بكر حديثه في السقيفة قدم عمر وأبا عبيدة للخلافة، ولكن عمر كره ذلك وقال فيما بعد: فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يُقربني ذلك من إثم أحب إليَّ من أن أتامر على قوم فيهم أبو بكر ( ).
وبهذه القناعة من عمر بأحقية أبي بكر بالخلافة قال له: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، قال: فبايعته وبايعه المهاجرون والأنصار، وجاء في رواية قال عمر:«... يا معشر الأنصار: ألستم تعلمون أن رسول الله قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر ( ).
وهذا ملحظ مهم وُفِّق إليه عمر ، وقد اهتم بذلك النبي × في مرض موته فأصر على إمامة أبي بكر، وهو من باب الإشارة بأنه أحق من غيره بالخلافة. وكلام عمر في غاية الأدب والتواضع والتجرد من حظ النفس، ولقد ظهر زهد أبي بكر في الإمارة في خطبته التي اعتذر فيها من قبول الخلافة حيث قال: والله ما كنت حريصًا على الإمارة يومًا ولا ليلة قط، ولا كنت فيها راغبًا، ولا سألتها الله -عز وجل- في سر وعلانية، ولكني أشفقت من الفتنة، وما لي في الإمارة من راحة، ولكن قلدت أمرًا عظيمًا ما لي به من طاقة ولا يد إلا بتقوية الله عز وجل، ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني ( ).
وقد ثبت أنه قال: وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين؛ أبي عبيدة أو عمر، فكان أمير المؤمنين وكنت وزيرًا ( ), وقد تكررت خطب أبي بكر في الاعتذار عن تولي الخلافة وطلبه التنحي عنها، فقد قال:«... أيها الناس: هذا أمركم إليكم تولوا من أحببتم على ذلك، وأكون كأحدكم. فأجابه الناس: رضينا بك قسمًا وحظًا، وأنت ثاني اثنين مع رسول الله ×.( ) وقد قام باستبراء نفوس المسلمين من أي معارضة لخلافته، واستحلفهم على ذلك فقال: أيها الناس، أذكركم الله أيما رجل ندم على بيعتي لما قام على رجليه، فقال على بن أبي طالب، ومعه السيف، فدنا منه حتى وضع رجلاً على عتبة المنبر والأخرى على الحصى وقال: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله فمن ذا يؤخرك ( )؟
ولم يكن أبو بكر وحده الزاهد في أمر الخلافة والمسئولية بل إنها روح العصر. ومن هذه النصوص التي تم ذكرها يمكن القول: إن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة لا يخرج عن هذا الاتجاه، بل يؤكد حرص الأنصار على مستقبل الدعوة الإسلامية، واستعدادهم المستمر للتضحية في سبيلها، فما اطمأنوا على ذلك حتى استجابوا سريعا لبيعة أبي بكر الذي قبل البيعة لهذه الأسباب، وإلا فإن نظرة الصحابة مخالفة لرؤية الكثير ممن جاء بعدهم ممن خالفوا المنهج العلمي، والدراسة الموضوعية، بل كانت دراستهم متناقضة مع روح ذلك العصر، وآمال وتطلعات أصحاب رسول الله من الأنصار وغيرهم.
وإذا كان اجتماع السقيفة أدى إلى انشقاق بين المهاجرين والأنصار كما زعمه بعضهم( )، فكيف قبل الأنصار بتلك النتيجة وهم أهل الديار وأهل العدد والعدة؟ وكيف انقادوا لخلافة أبي بكر ونفروا في جيوش الخلافة شرقًا وغربًا مجاهدين لتثبيت أركانها لو لم يكونوا متحمسين لنصرتها؟ ( ).
فالصواب اتضح من حرص الأنصار على تنفيذ سياسة الخلافة والاندفاع لمواجهة المرتدين، وأنه لم يتخلف أحد من الأنصار عن بيعة أبي بكر فضلاً عن غيرهم من
المسلمين، وأن أخوة المهاجرين والأنصار أكبر من تخيلات الذين سطروا الخلاف بينهم في رواياتهم( ) المغرضة.
3- سعد بن عبادة  وموقفه من خلافة الصديق:
إن سعد بن عبادة  قد بايع أبا بكر  بالخلافة في أعقاب النقاش الذي دار في سقيفة بني ساعدة؛ إذ أنه نزل عن مقامة الأول في دعوى الإمارة وأذعن للصديق بالخلافة، وكان ابن عمه بشير بن سعد الأنصاري أول من بايع الصديق  في اجتماع السقيفة، ولم يثبت النقل الصحيح أية أزمات، لا بسيطة ولا خطيرة، ولم يثبت أي انقسام أو فرق لكل منها مرشح يطمع في الخلافة كما زعم بعض كتاب التاريخ، ولكن الأخوة الإسلامية ظلت كما هي، بل ازدادت توثقًا كما يثبت ذلك النقل الصحيح. ولم يثبت النقل الصحيح تآمرًا حدث بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة لاحتكار الحكم بعد وفاة رسول الله × ( )، فهم كانوا أخشى لله وأتقى من أن يفعلوا ذلك.
وقد حاول بعض الكتاب من المؤرخين أصحاب الأهواء أن يجعلوا من سعد بن عبادة  منافسًا للمهاجرين يسعى للخلافة بشرِّه، ويدبر لها المؤامرات، ويستعمل في الوصول إليها كلَّ أساليب التفرقة بين المسلمين. هذا الرجل، إذا راجعنا تاريخه وتتبعنا مسلكه، وجدنا مواقفه مع الرسول × تجعله من الصفوة الأخيار، الذين لم تكن الدنيا أكبر همهم ولا مبلغ علمهم؛ فهو النقيب في بيعة العقبة الثانية، حتى لجأت قريش إلى تعقبه قرب مكة وربطوا يديه إلى عنقه وأدخلوه مكة أسيرًا حتى أنقذه منهم جبير بن مطعم بن عدي، حيث كان يجيرهم في المدينة. وهو من الذين شهدوا بدرا ( ) وحظى بمقام أهل بدر ومنزلتهم عند الله، وكان من بيت جود وكرم وشهد له ذلك رسول الله ×، وكان رسول الله × يعتمد عليه –بعد الله- وعلى سعد بن معاذ كما في غزوة الخندق، عندما استشارهم في إعطاء ثلث ثمار المدينة لعيينة بن حصن الفزاري، فكان رد السعدين يدل على عمق الإيمان وكمال التضحية.( )
فمواقف سعد مشهورة ومعلومة، فهذا الصحابي الجليل صاحب الماضي المجيد في خدمة الإسلام والصحبة الصادقة لرسول الله، لا يعقل ولم يثبت أنه كان يريد أن يُحيي العصبية الجاهلية في مؤتمر السقيفة لكي يحصل في غمارها هذه الفرقة على منصب الخلافة، كما أنه لم يثبت ولم يصح ما ورد في بعض المراجع من أنه –بعد بيعة أبي بكر- كان لا يصلي بصلاتهم ولا يفيض في الحج بإفاضتهم( )؛ كأنما انفصل سعد بن عبادة  عن جماعة المسلمين ( )، فهذا باطل ومحض افتراء، فقد ثبت من خلال الروايات الصحيحة أن سعدًا بايع أبا بكر، فعندما تكلم أبو بكر يوم السقيفة، فذكر فضل الأنصار وقال: ولقد علمتم أن رسول الله قال: «لو سلك الناس واديًا، وسلكت الأنصار واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار» ( )، ثم ذكر سعد بن عبادة بقول فصل وحجة لا ترد، فقال: ولقد علمت يا سعد أن رسول الله × قال وأنت قاعد: «قريش ولاة هذا الأمر، فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم». قال سعد: صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء ( )، فتتابع القوم على البيعة وبايع سعد.( ) وبهذا ثبت بيعة سعد بن عبادة، وبها يتحقق إجماع الأنصار على بيعة الخليفة أبي بكر، ولا يعود أي معنى للترويج لرواية باطلة، بل سيكون ذلك متناقضًا للواقع واتهامًا خطيرًا، أن ينسب لسيد الأنصار العمل على شق عصا المسلمين، والتنكر لكل ما قدمه من نصرة وجهاد وإيثار للمهاجرين، والطعن بإسلامه من خلال ما ينسب إليه من قول: لا أبايعكم حتى أرميكم بما في كنانتي، وأخضب سنان رمحي، وأضرب بسيفي،

فكان لا يصلي بصلاتهم ولا يجمع بجامعتهم، ولا يقضي بقضائهم، ولا يفيض بإفاضتهم ( ) أي: في الحج.
إن هذه الرواية التي استغلت للطعن بوحدة المهاجرين والأنصار وصدق أخوتهم، ما هي إلا رواية باطلة للأسباب التالية:
أن الراوي صاحب هوى وهو «إخباري تالف لا يوثق به» ( ), ولا سيما في المسائل الخلافية.
قال الذهبي عن هذه الرواية: وإسنادها كما ترى ( )؛ أي: في غاية الضعف أما متنها
فهو يناقض سيرة سعد بن عبادة، وما في عنقه من بيعة على السمع والطاعة، ولما روي عنه من فضائل ( ).
4- ما يروى من خلاف بين عمر والحباب بن المنذر:
أما ما يروي عن تنازع في السقيفة بين عمر والحباب بن المنذر السلمي الأنصاري، فالراجح أنه غير صحيح، وأن عمر لم يُغضب الحباب بن المنذر منذ عهد رسول الله ×، فقد روى عن عمر قال: فلما كان الحباب بن المنذر هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلام؛ لأنه كان بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله × فنهاني عنه، فحلفت أن لا أكلمه كلمة تسوؤه أبدًا ( ).
كما أن ما يروى عن الحباب في هذه المنازعة مخالف لما عُهد عنه من حكمة، ومن حسن تأنيه للأمور؛ إذ كان يلقب: «بذي الرأي» ( ) في عهد رسول الله ×؛ وذلك لقبول مشورته في بدر وخيبر.( ) وأما قول الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير، فقد سوغ ذلك وأوضح أنه لا يقصد بذلك الوصول إلى الإمارة، فقال: فإنا والله ما ننفس عليكم هذا الأمر، ولكنا نخاف أن يليه أقوام قتلنا آباءهم وإخوانهم ( )، فقبل المهاجرون قوله وأقروا عذره ولا سيما أنهم شركاء في دماء من قتل من المشركين ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:07 PM
5- حديث الأئمة من قريش وموقف الأنصار منه:
ورد حديث «الأئمة من قريش» في الصحيحين وكتب الحديث الأخرى بألفاظ متعددة؛ ففي صحيح البخاري عن معاوية قال: قال رسول الله ×: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين». ( ) وفي صحيح مسلم: «لا يزال الإسلام عزيزًا بخلفاء كلهم من قريش».( ) وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ×: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان».( ) وقال رسول الله ×: «الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم لمسلهم وكافرهم لكافرهم». ( ) وعن بكير بن وهب الجزري قال: قال لي أنس بن مالك الأنصاري: أحدثك حديثًا ما أحدثه كل أحد، كنا في بيت من الأنصار فجاء النبي × حتى وقف فأخذ بعضادتي الباب ( )، فقال: «الأئمة من قريش، إن لهم عليكم حقًا، ولكم عليهم حقًا مثل ذلك، ما إن استرحموا فرحموا، وإن عاهدوا أوفوا، وإن حكموا عدلوا». ( ) وفي «فتح الباري» أورد ابن حجر أحاديث كثيرة تحت باب: الأمراء من قريش، أسندها إلى كتب السنن والمسانيد والمصنفات.( ) فالأحاديث في هذا الباب كثيرة لا يكاد يخلو منها كتاب من كتب الحديث، وقد رويت بألفاظ متعددة إلا أنها متقاربة، تؤكد جميعها أن الإمرة المشروعة في قريش، ويقصد بالإمرة الخلافة فقط، أما ما سوى ذلك فتساوى فيه جميع المسلمين.( )
وبمثل ما أوضحت الأحاديث النبوية الشريفة أن أمر الخلافة في قريش، فإنها حذرت من الانقياد الأعمى لهم، وأن هذا الأمر فيهم ما أقاموا الدين كما سلف في حديث معاوية، وكما جاء في حديث أنس: إن استرحموا فرحموا، وإن عاهدوا أوفوا، وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ( )، وبهذا حذرت الأحاديث من اتباع قريش إن زاغوا عن الحكم بما أنزل الله، فإن لم يمتثلوا ويطبقوا مثل هذه الشروط، فإنهم سيصبحون خطرًا على الأمة، وحذرت الأحاديث الشريفة من اتباعهم على غير ما أنزل الله، ودعت إلى اجتنابهم والبعد عنهم واعتزالهم؛ لما سيترتب على مؤازرتهم آنذاك من مخاطر على مصير الأمة، قال ×:«إن هلاك أمتي أو فساد أمتي رؤوس أغيلمة سفهاء من قريش» ( )، وعندما سئل ×: فما تأمرنا؟ قال ×:«لو أن الناس اعتزلوهم» ( ).
ومن هذه النصوص تتضح الصورة لمسألة الأئمة من قريش، وأن الأنصار انقادوا لقريش ضمن هذه الضوابط وعلى هذه الأسس، وهذا ما أكدوه في بيعاتهم لرسول الله: «على السمع والطاعة، والصبر على الأثرة، وأن لا ينازعوا الأمر أهله، إلا أن يروا كفرا بواحًا عندهم من الله فيه برهان».( ) فقد كان للأنصار تصور تام عن مسألة الخلافة، وأنها لم تكن مجهولة عندهم، وأن حديث «الأئمة من قريش» كان يرويه كثير منهم، وأن الذين لا يعلمونه سكتوا عندما رواه لهم أبو بكر الصديق، ولهذا لم يراجعه أحد من الأنصار عندما استشهد به، فأمر الخلافة تم بالتشاور والاحتكام إلى النصوص الشرعية والعقلية التي أثبتت أحقية قريش بها، ولم يسمع عن أحد من الأنصار بعد بيعة السقيفة أنه دعا لنفسه بالخلافة، مما يؤكد اقتناع الأنصار وتصديقهم لما تم التوصل إليه من نتائج.( )
وبهذا يتهافت ويسقط قول من قال: إن حديث الأئمة من قريش شعار رفعته قريش لاستلاب الخلافة من الأنصار، أو أنه رأي لأبي بكر وليس حديثًا رواه عن الرسول، وإنما كان فكرًا سياسيًا قرشيًا، كان شائعا في ذلك العصر، يعكس ثقل قريش في المجتمع العربي في ذلك الحين. وعلى هذا فإن نسبة هذه الأحاديث إلى أبي بكر وأنها شعار لقريش، ما هي إلا صورة من صور التشويه التي يتعرض لها تاريخ العصر الراشدي وصدر الإسلام، الذي قام أساسًا على جهود المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان، وعلى روابط الأخوة المتينة بين المهاجرين والأنصار، حتى قال فيهم أبو بكر: نحن والأنصار كما قال القائل:
أبَوْا أن يملونا ولو أن أمنا
تلاقي الذين يلقون منا لملت ( )

6- الأحاديث التي أشارة إلى خلافة أبي بكر :
الأحاديث النبوية التي جاء التنبيه فيها على خلافة أبي بكر  كثيرة شهيرة متواترة ظاهرة الدلالة، إما على وجه التصريح أو الإشارة، ولاشتهارها وتواترها صارت معلومة من الدين بالضرورة بحيث لا يسع أهل البدع إنكارها.( )
ومن تلك الأحاديث:
أ- عن جبير بن مطعم قال: أتت امرأة النبيَّ × فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك –كأنها تقول الموت- قال ×: «إن لم تجديني فأتى أبا بكر» ( ).
قال ابن حجر: وفي الحديث أن مواعيد النبي × كانت على من يتولى الخلافة بعده تنجيزها، وفيه رد على الشيعة في زعمهم أنه نص على استخلاف علي والعباس ( ).
ب- عن حذيفة قال: كنا عند النبي × جلوسًا فقال: «إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا بالذين من بعدي (وأشار إلى أبي بكر وعمر)، وتمسكوا بعهد عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه» ( ).
فقوله ×: «اقتدوا بالذين من بعدي» أي: بالخليفتين الذين يقومان من بعدي وهما أبو بكر وعمر. وحث على الاقتداء بهما لحسن سيرتهما وصدق سريرتهما، وفي الحديث إشارة لأمر الخلافة ( ).
ج- عن أبي هريرة  عن رسول الله × قال: «بينما أنا نائم أريت أني أنزع على حوضي أسقي الناس، فجاءني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليروحني فنزع الدلوين وفي نزعه ضعف والله يغفر له، فجاء ابن الخطاب فأخذ منه فلم أر نزع رجل قط أقوى منه حتى تولى الناس والحوض ملآن يتفجر» ( ).
قال الشافعي -رحمه الله-: رؤيا الأنبياء وحي، وقوله: (وفي نزعة ضعف) قصر
مدته وعجلة موته وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في
طول مدته( ).
د- قالت عائشة: قال لي رسول الله × في مرضه: «ادعي لي أبا بكر, أخاك حتى أكتب كتابًا،فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» ( ).
دل هذا الحديث دلالة واضحة على فضل الصديق ، حيث أخبر النبي × بما سيقع في المستقبل بعد التحاقه بالرفيق الأعلى، وأن المسلمين يأبون عقد الخلافة لغيره ، وفي الحديث إشارة أنه سيحصل نزاع، ووقع كل ذلك كما أخبر عليه الصلاة والسلام، ثم اجتمعوا على أبي بكر  ( ).

هـ- عن عبيد الله بن عبد الله قال: دخلت على عائشة فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ×؟ قالت: بلى، ثقُل النبي × فقال: «أصلى الناس؟» قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله. قال: «ضعوا لي ماء في المخضب» ( )، ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء ( ) فأغمى عليه، ثم أفاق فقال: «أصلى الناس؟». قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله. فقال: «ضعوا لي ماء في المخضب»، ففعلنا فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمى عليه ثم أفاق فقال: «أصلى الناس؟»، قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله! قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله × لصلاة العشاء الآخرة، قالت: فأرسل رسول الله × إلى أبي بكر أن يصلي بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله × يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر وكان رجلاً رقيقًا: يا عمر صل بالناس. قال: فقال عمر: أنت أحق بذلك، قالت: فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله × وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي × أن لا يتأخر، وقال لهما: «أجلساني إلى جنبه» فأجلساه إلى جنب أبي بكر وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي × والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي × قاعد. قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله × فقال: هات، فعرضت حديثها عليه فما أنكر منه شيئًا، غير أنه قال: أسَمَّت لك الرجل الذي كان مع العباس؟ قلت: لا. قال، هو علي ( ).
هذا الحديث اشتمل على فوائد عظيمة، منها: فضيلة أبي بكر الصديق  وترجيحه على جميع الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- وتفضيله، وتنبيه على أنه أحق بخلافة رسول الله × من غيره، ومنها أن الإمام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم، وأنه لا يستخلف إلا أفضلهم، ومنها فضيلة عمر بعد أبي بكر ؛ لأن أبا بكر  لم يعدل إلى غيره ( ).
و- قال عبد الله بن مسعود : لما قبض رسول الله × قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، قال: فأتاهم عمر  فقال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله × قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر ( ).
ز- روى ابن سعد بإسناده إلى الحسن قال: قال علي: لما قبض النبي × نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي × قد قدم أبا بكر في الصلاة فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله × لديننا، فقدمنا أبا بكر ( ).
وقد علق أبو الحسن الأشعري على تقديم رسول الله × لأبي بكر في الصلاة فقال: وتقديمه له أمر معلوم بالضرورة في دين الإسلام. قال: وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم، لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء أن رسول الله × قال: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الهل، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سنًّا، فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم إسلامًا». قال ابن كثير -وهذا من كلام الأشعري رحمه الله مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب-: ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق  وأرضاه ( ).
هذا ولأهل السنة قولان في إمامة أبي بكر  من حيث الإشارة إليها بالنص الخفي أو الجلي، فمنهم من قال: إن إمامة أبي بكر  ثابتة بالنص الخفي والإشارة، وهذا القول ينسب إلى الحسن البصري -رحمه الله تعالى- وجماعة من أهل الحديث ( )، وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل ( ) رحمة الله عليه، واستدل أصحاب هذا القول بتقديم النبي × له في الصلاة وبأمره × بسد الأبواب إلا باب أبي بكر. ومنهم من قال: إن خلافة أبي بكر  ثابتة بالنص الجلي وهذا قول طائفة من أهل الحديث ( )، وبه قال أبو محمد بن حزم الظاهري ( )، واستدل هذا الفريق بحديث المرأة التي قال لها: «إن لم تجديني فأتي أبا بكر» ( )، وبقوله لعائشة -رضي الله عنها-: «ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» ( )، وحديث رؤياه × أنه على حوض يسقي الناس فجاء أبو بكر فنزع الدلو من يده ليروحه ( ).
والذي أميل إليه ويظهر لي من خلال البحث: أن المصطفى × يأمر المسلمين بأن يكون الخليفة عليهم من بعده أبا بكر ، وإنما دلهم عليه لإعلام الله -سبحانه وتعالى- له بأن المسلمين سيختارونه لما له من الفضائل العالية التي ورد بها القرآن والسنة وفاق بها غيره من جميع الأمة المحمدية  وأرضاه ( ).
قال ابن تيمية -رحمه الله-: والتحقيق أن النبي × دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله، وأخبر بخلافته إخبار رضى بذلك حامد له وعزم على أن يكتب بذلك عهدًا، ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك... فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه رسول الله × بيانًا قاطعًا للعذر، ولكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود، ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر... إلى أن قال: فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسوله × له بها، وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختيارًا استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله، فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعًا، لكن النص دل على رضا الله ورسوله بها وأنها حق وأن الله أمر بها وقدرها، وأم المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها؛ لأنه حينئذ كان يكون طريق ثبوتها مجرد العهد، وأما إذا كان المسلمين قد اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه ورضي الله ورسوله بذلك، كان دليلاً على أن الصديق كان فيه من الفضائل التي بان بها عن غيره ما علم المسلمين به أنه أحقهم بالخلافة، فإن ذلك لا يحتاج فيه إلى عهد خاص ( ).
7- انعقاد الإجماع على خلافة الصديق :
أجمع أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا على أن أحق الناس بالخلافة بعد النبي × أبو بكر الصديق ، لفضله وسابقته، ولتقديم النبي × إياه في الصلوات على جميع الصحابة. وقد فهم أصحاب النبي × مراد المصطفى -عليه الصلاة والسلام- من تقديمه في الصلاة، فأجمعوا على تقديمه في الخلافة ومتابعته ولم يتخلف منهم أحد، ولم يكن الرب -جل وعلا- ليجمعهم على ضلالة، فبايعوه طائعين وكانوا لأوامره ممتثلين ولم يعارض أحد في تقديمه.( ) فعندما سئل سعيد بن زيد: متى بويع أبو بكر؟ قال: يوم مات رسول الله × كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة ( )، وقد نقل جماعة من أهل العلم المعتبرين إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة على أن أبا بكر  أولى بالخلافة من كل أحد ( )، وهذه بعض أقوال أهل العلم:
أ- قال الخطيب البغدادي -رحمه الله-: أجمع المهاجرون والأنصار على خلافة أبي بكر، قالوا له: يا خليفة رسول الله ولم يسم أحد بعده خليفة. وقيل: إنه قبض النبي × عن ثلاثين ألف مسلم كلٌّ قال لأبي بكر: يا خليفة رسول الله، ورضوا به من بعده رضي الله عنهم ( ).
ب- وقال أبو الحسن الأشعري: أثنى الله -عز وجل- على المهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإسلام، ونطق القرآن بمدح المهاجرين والأنصار في مواضع كثيرة وأثنى على أهل بيعة الرضوان، فقال عز وجل: +لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ" [الفتح: 18] قد أجمع هؤلاء الذين أثنى عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق ، وسموه خليفة رسول الله وبايعوه وانقادوا له وأقروا له بالفضل، وكان أفضل الجماعة
في جميع الخصال التي يستحق بها الإمامة في العلم والزهد، وقوة الرأي وسياسة الأمة،
وغير ذلك( ).
ج- وقال عبد الملك الجويني: أما إمامة أبي بكر  فقد ثبتت بإجماع الصحابة، فإنهم أطبقوا على بذل الطاعة والانقياد لحكمه. وما تخرص به الروافض من إبداء عليٍّ شراسًا ( )، وشماسًا ( ) في عقد البيعة له كذب صريح، نعم لم يكن  في السقيفة، وكان مستخليًا بنفسه قد استفزه الحزن على رسول الله ×، ثم دخل فيما دخل الناس فيه وبايع أبا بكر على ملأ من الأشهاد( ).
د- وقال أبو بكر الباقلاني في معرض ذكره للإجماع على خلافة الصديق : وكان  مفروض الطاعة لإجماع المسلمين على طاعته وإمامته وانقيادهم له، حتى قال أمير المؤمنين علي  مجيبًا لقوله  لما قال: أقيلوني فلست بخيركم، فقال: لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله × لديننا ألا نرضاك لدنيانا، يعني بذلك حين قدمه للإمامة في الصلاة مع حضوره واستنابته في إمارة الحج، فأمرك علينا. وكان  أفضل الأمة وأرجحهم إيمانًا وأكملهم فهمًا وأوفرهم علمًا ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:08 PM
8- منصب الخلافة والخليفة:
الخلافة الإسلامية هي المنهج الذي اختارته الأمة الإسلامية وأجمعت عليه طريقة وأسلوبًا للحكم تنظم من خلاله أمورها وترعى مصالحها، وقد ارتبطت نشأة الخلافة بحاجة الأمة لها واقتناعها بها، ومن ثم كان إسراع المسلمين في اختيار خليفة لرسول الله ×.
يقول الإمام أبو الحسن الماوردي: إن الله جلت قدرته ندب للأمة زعيمًا خلف به النبوة وحاط به الملة، وفوض إليه السياسة ليصدر التدبير عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة على رأي متبوع، فكانت الإمامة أصلاً عليه استقرت قواعد الملة، وانتظمت به مصالح العامة حتى استثبتت به الأمور العامة، وصدرت عنه الولايات الخاصة ( ).
لقد كان على الأمة الإسلامية أن تواجه الموقف الصعب الذي نشأ عن انتقال
الرسول × إلى الرفيق الأعلى، وأن تحسم أمورها بسرعة وحكمة وألا تدع مجالاً لانقسام قد يتسرب منه الشك إلى نفوس أفرادها، أو للضعف أن يتسلل إلى أركان البناء الذي شيده رسول الله × ( ).
ولما كانت الخلافة هي نظام حكم المسلمين، فقد استمدت أصولها من دستور المسلمين؛ من القرآن الكريم ومن سنة النبي ×.( ) وقد تحدث الفقهاء عن أسس الخلافة الإسلامية فقالوا بالشورى والبيعة وهما –أصلاً- قد أشير إليهما في القرآن الكريم ( )، ومنصب الخلافة أحيانًا يطلق عليه لفظ الإمامة أو الإمارة. وقد أجمع المسلمون على وجوب الخلافة، وأن تعيين الخليفة فرض على المسلمين يرعى شئون الأمة ويقيم الحدود ويعمل على نشر الدعوة الإسلامية وعلى حماية الدين والأمة بالجهاد، وعلى تطبيق الشريعة وحماية حقوق الناس ورفع المظالم وتوفير الحاجات الضرورية لكل فرد، وهذا ثابت بالقرآن والسنة والإجماع ( ).
وقد قال تعالى: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ"
[النساء: 59].
وقال تعالى: +يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ"
[ص: 26].
وقال ×: «من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ( )، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» ( ).
وأما الإجماع فالصحابة -رضوان الله عليهم- لم ينتظروا حتى يتم دفن الرسول ×، وتوافدوا للاتفاق على إمام أو خليفة، وعلل أبو بكر قبول هذه الأمانة وهو خوفه أن تكون فتنة (أي من عدم تعيين خليفة للمسلمين).( ) قال الشهرستاني في ذلك: ما دار في قلبه ولا في قلب أحد أنه يجوز خلو الأرض من إمام، فدل ذلك كله على أن الصحابة وهم الصدر الأول كانوا عن بكرة أبيهم متفقين على أنه لا بد من إمام، فذلك الإجماع على هذا الوجه دليل قاطع على وجوب الإمام ( ).
هذا وليس صحيحًا ما يروجه الحاقدون أن الطمع في الرياسة سبب الانشغال بالخلافة عن دفن النبي × ( ).
هذا وقد عرف ابن خلدون الخلافة: هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارهم بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة هذا الدين وسياسة الدنيا به ( ).
وقد تحدث العلامة أبو الحسن الندوي عن شروط خلافة النبي × ومتطلباتها، وقد أثبت بالأدلة والحجج من خلال سيرة الصديق بأن أبا بكر كانت شروط خلافة النبي × متحققة فيه، ونذكر هذه الشروط بإيجاز وبدون ذكر الشواهد التي ذكرها الندوي وقد بينتها في هذا الكتاب متناثرة، فأهم هذه الشروط:
أ- يمتاز بأنه ظل طوال حياته بعد الإسلام متمتعا بثقة رسول الله × به وشهادته له، واستخلافه إياه في القيام ببعض أركان الدين الأساسية، وفي مهمات الأمور، والصحبة في مناسبات خطرة دقيقة لا يستصحب فيها الإنسان إلا من يثق به كل الثقة، ويعتمد عليه كل الاعتماد.
ب- يمتاز هذا الفرد بالتماسك والصمود في وجه الأعاصير والعواصف التي تكاد تعصف بجوهر الدين ولبه، وتحبط مساعي صاحب رسالته، وتنخلع لها قلوب كثير ممن قوي إيمانهم وطالت صحبتهم، ولكن يثبت هذا الفرد في وجهها ثبوت الجبال الراسيات، ويمثل دور خلفاء الأنبياء الصادقين الراسخين، ويكشف الغطاء عن العيون، وينفض الغبار عن جوهر الدين وعقيدته الصحيحة.
ج- يمتاز هذا الفرد في فهمه الدقيق للإسلام، ومعايشته له في حياة النبي × على اختلاف أطواره وألوانه من سلم وحرب، وخوف وأمن، ووحدة واجتماع، وشدة ورخاء.
د- يمتاز بشدة غيرته على أصالة هذا الدين وبقائه على ما كان عليه في عهد نبيه، غيرة أشد من غيرة الرجال على الأعراض والكرامات، والأزواج والأمهات، والبنين والبنات، لا يحوله عن ذلك خوف أو طمع أو تأويل أو عدم موافقة من أقرب الناس وأحبهم إليه.
هـ- يكون دقيقًا كل الدقة وحريصًا أشد الحرص على تنفيذ رغبات الرسول الذي يخلفه في أمته بعد وفاته، لا يحيد عن ذلك قيد شعرة، ولا يساوم فيه أحدًا، ولا يخاف
لومة لائم.
و- يمتاز بالزهد فمتاع الدنيا والتمتع به، زهدًا لا يتصور فوقه إلا عند إمامه وهاديه سيد الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وأن لا يخطر بباله تأسيس الملك والدولة وتوسيعهما لصالح عشيرته وورثته، كما اعتادت ذلك الأسر الملوكية الحاكمة في أقرب الدول والحكومات من جزيرة العرب؛ كالروم والفرس ( ).
وقد اجتمعت هذه الصفات والشروط كلها في سيدنا أبي بكر ، كما تمثلت في حياته وسيرته في حياة الرسول × قبل الخلافة وبعد الخلافة إلى أن توفاه الله تعالى، بحيث لا يسع منكرا أن ينكره أو مشككا يشكك في صحته، فقد تحقق بطريق البداهة والتواتر( ).
هذا وقد قام أهل الحل والعقد في سقيفة بني ساعدة ببيعة الصديق بيعة خاصة ثم رشحوه للناس في اليوم الثاني، وبايعته الأمة في المسجد البيعة العامة( ).
وقد أفرز ما دار في سقيفة بني ساعدة مجموعة من المبادئ، منها: أن قيادة الأمة لا تقام إلا بالاختيار، وأن البيعة هي أصل من أصول الاختيار وشرعية القيادة، وأن الخلافة لا يتولاها إلا الأصلب دينا والأكفأ إدارة، فاختيار الخليفة يكون وفق مقومات إسلامية وشخصية وأخلاقية، وأن الخلافة لا تدخل ضمن مبدأ الوراثة النَّسَبية أو القبلية، وإن إثارة «قريش» في سقيفة بني ساعدة باعتباره واقعًا يجب أخذه في الحسبان، ويجب اعتبار أي شيء مشابه ما لم يكن متعارضًا مع أصول الإسلام، وأن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة قام على قاعدة الأمن النفسي السائد بين المسلمين؛ حيث لا هرج ولا مرج، ولا تكذيب ولا مؤامرات ولا نقض للاتفاق، ولكن تسليم للنصوص التي تحكمهم حيث المرجعية في الحوار إلى النصوص الشرعية ( ).
وقد استدل الدكتور توفيق الشاوي على بعض الأمثلة التي صدرت بالشورى الجماعية في عهد الراشدين من حادثة السقيفة، حيث قال:
* أول ما قرره اجتماع يوم السقيفة هو أن «نظام الحكم ودستور الدولة» يقرر بالشورى الحرة، تطبيقًا لمبدأ الشورى الذي نص عليه القرآن، ولذلك كان هذا المبدأ محل إجماع، وسند هذا الإجماع النصوص القرآنية التي فرضت الشورى؛ أي أن هذا الإجماع كشف وأكد أول أصل شرعي لنظام الحكم في الإسلام وهو الشورى الملزمة، وهذا أول مبدأ دستوري تقرر بالإجماع بعد وفاة رسولنا ×، ثم إن هذا الإجماع لم يكن إلا تأييدًا وتطبيقًا لنصوص الكتاب والسنة التي أوجبت الشورى.
* تقرر يوم السقيفة أيضا أن اختيار رئيس الدولة أو الحكومة الإسلامية وتحديد سلطاته يجب أن يتم بالشورى؛ أي: بالبيعة الحرة التي تمنحه تفويضًا ليتولى الولاية بالشروط والقيود التي يتضمنها عقد البيعة الاختيارية الحرة –الدستور في النظم المعاصرة- وكان هذا ثاني المبادئ الدستورية التي أقرها الإجماع، وكان قرارًا إجماعيًا كالقرار السابق.
* تطبيقا للمبدأين السابقين، قرر اجتماع السقيفة اختيار أبي بكر ليكون الخليفة الأول للدولة الإسلامية ( ).
ثم إن هذا الترشيح لم يصبح نهائيًا إلا بعد أن تمت له البيعة العامة، أي: موافقة جمهور المسلمين في اليوم التالي بمسجد الرسول ×، ثم قبوله لها بالشروط التي ذكرها في خطابه الذي ألقاه ( )، وسنأتي على ذلك بالتفصيل بإذن الله تعالى.

المبحث الثاني
البيعة العامة وإدارة الشئون الداخلية
أولا: البيعة العامة:
بعد أن تمت بيعة أبي بكر  البيعة الخاصة في سقيفة بني ساعدة، كان لعمر  في اليوم التالي موقف في تأييد أبي بكر، وذلك في اليوم التالي حينما اجتمع المسلمون للبيعة( ) العامة، قال أنس بن مالك: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس، إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت وما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهدًا عهده إليَّ رسول الله ×، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله × سيدبر أمرنا –يقول: يكون آخرنا- وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله رسوله ×، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم؛ صاحب رسول الله ×، وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بعد بيعة السقيفة..
ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم قال: أما بعد: أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.( )
وقال عمر لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر، فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس
عامة( ).
وتعتبر هذه الخطبة الرائعة من عيون الخطب الإسلامية على إيجازها، وقد قرر الصديق فيها قواعد العدل والرحمة في التعامل بين الحاكم والمحكوم، وركز على أن طاعة ولي الأمر مترتبة على طاعة الله ورسوله، ونص على الجهاد في سبيل الله لأهميته في إعزاز الأمة، وعلى اجتناب الفاحشة لأهمية ذلك في حماية المجتمع من الانهيار والفساد.( ) من خلال الخطبة والأحداث التي تمت بعد وفاة الرسول يمكن للباحث أن يستنبط بعض ملامح نظام الحكم في بداية عهد الخلافة الراشدة، والتي من أهمها:
1- مفهوم البيعة:
عرف العلماء البيعة بتعاريف عدة، منها تعريف ابن خلدون: العهد على الطاعة لولي الأمر.( ) وعرفها بعضهم بقوله: البيعة على التعاقد على الإسلام( )، وعرفت كذلك بأنها: أخذ العهد والميثاق والمعاقدة على إحياء ما أحياه الكتاب والسنة، وإقامة ما أقامه.( ) وكان المسلمون إذا بايعوا الأمير جعلوا أيديهم في يده؛ تأكيدًا للعهد والولاء، فأشبه ذلك الفعل البائع والمشتري، فسمي هذا الفعل بيعة ( ).
ونتعلم من مبايعة الأمة للصديق بأن الحاكم في الدولة الإسلامية إذا وصل إلى الحكم عن طريق أهل الحل والعقد، وبايعته الأمة بعد أن توفرت فيه الشروط المعتبرة، فيجب على المسلمين جميعًا مبايعته والاجتماع عليه، ونصرته على من يخرج عليه؛ حفاظًا على وحدة الأمة وتماسك بنيانها أمام الأعداء في داخل الدولة الإسلامية وخارجها ( ).
قال ×: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» ( )، فهذا الحديث فيه حث على وجوب إعطاء البيعة والتوعد على تركها، فمن مات ولم يبايع عاش على الضلال ومات على الضلال ( ).
وقال رسول الله ×: «ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر» ( ).
فالشارع الحكيم قد رتب القتل وأمر به نتيجة الخروج على الإمام، مما يدل على حرمة هذا الفعل؛ لأنه يطلب بيعة أخرى بالبيعة الأولى التي هي فرض على المسلمين ( ).
والذي يأخذ البيعة في حاضرة الدولة هو الخليفة، وأما في الأقاليم فقد يأخذها الإمام وقد يأخذها نواب الإمام، كما حدث في بيعة الصديق ، فبيعة أهل مكة والطائف أخذها نواب الخليفة.
والذي تجب بيعتهم للإمام هم أهل الحل والعقد، وأهل الاختيار من علماء الأمة وقادتها، وأهل الشورى وأمراء الأمصار، وأما سائر الناس وعامتهم فيكفيهم دخولهم تحت بيعة هؤلاء، ولا يمنع العامة من البيعة بعد بيعة أهل الحل والعقد.( ) وهناك من العلماء من قال: لا بد من البيعة العامة؛ لأن الصديق لم يباشر مهامه كخليفة للمسلمين إلا بعد البيعة العامة من المسلمين ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:09 PM
والبيعة بهذا المعنى الخاص الذي تم للصديق لا تعطى إلا للإمام الأعظم في الدولة الإسلامية ولا تعطى لغيره من الأشخاص، سواء في ظل الدولة الإسلامية أو عند فقدها؛ لما يترتب على هذه البيعة من أحكام. ( )
وخلاصة القول: إن البيعة بمعناها الخاص هي إعطاء الولاء والسمع والطاعة للخليفة مقابل الحكم بما أنزل الله تعالى، وأنها في جوهرها وأصلها عقد وميثاق بين طرفين: الإمام من جهة وهو الطرف الأول، والأمة من جهة ثانية وهي الطرف الثاني، فالإمام يبايع على الحكم بالكتاب والسنة والخضوع التام للشريعة الإسلامية عقيدة وشريعة ونظام حياة، والأمة تبايع على الخضوع والسمع والطاعة للإمام في حدود الشريعة.
فالبيعة خصيصة من خصائص نظام الحكم في الإسلام تفرد به عن غيره من النظم الأخرى في القديم والحديث، ومفهومه أن الحاكم والأمة كليهما مقيد بما جاء به الإسلام من الأحكام الشرعية، ولا يحق لأحدهما سواء كان الحاكم أو الأمة ممثلة بأهل الحل والعقد الخروج على أحكام الشريعة أو تشريع الأحكام التي تصادم الكتاب والسنة, أو القواعد العامة في الشريعة، ويعد مثل ذلك خروج على الإسلام؛ بل إعلان الحرب على النظام العام للدولة الإسلامية، بل أبعد من هذا نجد أن القرآن الكريم نفى عنهم صفة الإيمان ( )، قال تعالى: +فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" [النساء: 65].
فهذا مفهوم البيعة من خلال عصر أبي بكر الصديق .
2- مصدر التشريع في دولة الصديق:
قال أبو بكر : أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ( )، فمصدر التشريع عند الصديق:
أ- القرآن الكريم:
قال تعالى: +إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا" [النساء: 105].
فهو المصدر الأول الذي يشتمل على جميع الأحكام الشرعية التي تتعلق بشئون الحياة، كما يتضمن مبادئ أساسية وأحكامًا قاطعة لإصلاح كل شعبة من شعب الحياة، كما بين القرآن الكريم للمسلمين كل ما يحتاجون إليه من أسس تقوم عليها دولتهم.
ب- السنة المطهرة:
هي المصدر الثاني الذي يستمد منه الدستور الإسلامي أصوله، ومن خلالها يمكن معرفة الصيغ التنفيذية والتطبيقية لأحكام القرآن ( ).
إن دولة الصديق خضعت للشريعة، وأصبحت سيادة الشريعة الإسلامية فيها فوق كل تشريع وفوق كل قانون، وأعطيت لنا صورة مضيئة مشرقة على أن الدولة الإسلامية دولة شريعة، خاضعة بكل أجهزتها لأحكام هذه الشريعة، والحاكم فيها مقيد بأحكامها لا يتقدم ولا يتأخر عنها ( ).
ففي دولة الصديق وفي مجتمع الصحابة، الشريعة فوق الجميع يخضع لها
الحاكم والمحكوم، ولهذا قيد الصديق طاعته التي طلبها من الأمة بطاعة الله ورسوله؛
لأن رسول الله × قال: «لا طاعة في المعصية، إنما الطاعة في المعروف» ( ).
3- حق الأمة في مراقبة الحاكم ومحاسبته:
قال أبو بكر : فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني ( ).
فهذا الصديق يقر بحق الأمة وأفرادها في الرقابة على أعماله ومحاسبته عليها؛ بل وفي مقاومته لمنع كل منكر يرتكبه، وإلزامه بما يعتبرونه الطريق الصحيح والسلوك الشرعي,( ) وقد أقر الصديق في بداية خطابه للأمة أن كل حاكم معرض للخطأ والمحاسبة، وأنه لا يستمد سلطته من أي امتياز شخصي يجعل له أفضلية على غيره؛ لأن عهد الرسالات والرسل المعصومين قد انتهى، وأن آخر رسول كان يتلقى الوحي انتقل إلى جوار ربه، وقد كانت له سلطة دينية مستمدة من عصمته كنبي ومن صفته كرسول يتلقى التوجيه من السماء، ولكن هذه العصمة قد انتهت بوفاته ×، وبعد وفاته × أصبح الحكم والسلطة مستمدة من عقد البيعة وتفويض الأمة له ( ).
إن الأمة في فقه أبي بكر لها إدارة حية واعية لها القدرة على المناصرة والمناصحة والمتابعة والتقويم، فالواجب على الرعية نُصرة الإمام الحاكم بما أنزل الله ومعاضدته ومناصرته في أمور الدين والجهاد، ومن نصرة الإمام ألا يهان، ومن معاضدته أن يُحترم وأن يُكرم، فقوامته على الأمة وقيادته لها لإعلاء كلمة الله تستوجب إجلاله وإكرامه وتبجيله، إجلالاً وإكرامًا لشرع الله الذي ينافح عند ويدافع عنه، قال رسول الله ×: «إن من إجلال الله تعالى: إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير المغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط».( ) والأمة واجب عليها أن تناصح ولاة أمورها، قال ×: «الدين النصيحة» -ثلاثا- قال الصحابة: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله -عز وجل- ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».( ) ولقد استقر في مفهوم الصحابة أن بقاء الأمة على الاستقامة رهن باستقامة ولاتها، ولذلك كان من واجبات الرعية تجاه حكامهم نصحهم وتقويمهم.
ولقد أخذت الدولة الحديثة تلك السياسة الرائدة للصديق ، وترجمت ذلك إلى لجان متخصصة ومجالس شورية، تمد الحاكم بالخطط، وتزوده بالمعلومات، وتشير عليه بما يحسن أن يقرره. والشيء المحزن أن كثيرًا من الدول الإسلامية تعرض عن هذا النظام الحكيم، فعظم مصيبتها في تسلط الحكام وجبروتهم، والتخلف الذي يعم معظم ديار المسلمين ما هو إلا نتيجة لتسلط بغيض، «ودكتاتورية» لعينة أماتت في الأمة روح التناصح والشجاعة، وبذرت فيها وزرعت بها الجبن والفزع إلا من رحم ربي، وأما الأمة التي تقوم بدورها في مراقبة الحاكم ومناصحته وتأخذ بأسباب القوة والتمكين في الأرض، فتنطلق إلى آفاق الدنيا تبلغ دعوة الله ( ).
4- إقرار مبدأ العدل والمساواة بين الناس:
قال أبو بكر : الضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله ( ).
إن من أهداف الحكم الإسلامي الحرص على إقامة قواعد النظام الإسلامي التي تساهم في إقامة المجتمع المسلم، ومن أهم هذه القواعد: الشورى والعدل، والمساواة والحريات. ففي خطاب الصديق للأمة أقر هذه المبادئ، فالشورى تظهر في طريقة اختياره وبيعته وفي خطبته في المسجد الجامع, بمحضر من جمهور المسلمين، وأما عدالته فتظهر في نص خطابه، ولا شك أن العدل في فكر أبي بكر هو عدل الإسلام، الذي هو الدعامة الرئيسية في إقامة المجتمع الإسلامي والحكم الإسلامي، فلا وجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولا يعرف العدل.
إن إقامة العدل بين الناس أفرادًا وجماعات ودولاً، ليست من الأمور التطوعية التي تترك لمزاج الحاكم أو الأمير وهواه؛ بل إن إقامة العدل بين الناس في الدين الإسلامي تعد من أقدس الواجبات وأهمها، وقد أجمعت الأمة على وجوب العدل( )، قال الفخر الرازي -رحمه الله-: أجمعوا على أن من كان حاكمًا وجب عليه أن يحكم بالعدل ( ).
وهذا الحكم تؤيده النصوص القرآنية والسنة النبوية. إن من أهداف دولة الإسلام إقامة المجتمع الإسلامي الذي تسود فيه قيم العدل والمساواة ورفع الظلم ومحاربته بجميع أشكاله وأنواعه، وعليها أن تفسح المجال وتيسر السبل أمام كل إنسان يطلب حقه أن يصل إليه بأيسر السبل وأسرعها، دون أن يكلفه ذلك جهدًا أو مالاً، وعليها أن تمنع أي وسيلة من الوسائل من شأنها أن تعيق صاحب الحق من الوصول إلى حقه.
لقد أوجب الإسلام على الحكام أن يقيموا العدل بين الناس دون النظر إلى لغاتهم أو أوطانهم أو أحوالهم الاجتماعية، فهو يعدل بين المتخاصمين ويحكم بالحق، ولا يهمه أن يكون المحكوم لهم أصدقاء أو أعداء، أغنياء أو فقراء، عمالاً أو أصحاب عمل ( )، قال تعالى: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" [المائدة: 8].
لقد كان الصديق  قدوة في عدله، يأسر القلوب ويبهر الألباب، فالعدل في نظره دعوة عملية للإسلام فيه تفتح قلوب الناس للإيمان. لقد عدل بين الناس في العطاء، وطلب منهم أن يكونوا عونًا له في العدل، وعرض القصاص من نفسه في واقعة تدل على العدل والخوف من الله سبحانه ( )، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص : أن أبي بكر الصديق  قام يوم جمعة فقال: إذا كنا بالغداة فأحضروا صدقات الإبل نقسمها، ولا يدخل علينا أحد إلا بإذن، فقالت امرأة لزوجها: خذ هذا الخطام لعل الله يرزقنا جملاً، فأتى الرجل فوجد أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- قد دخلا إلى الإبل فدخل معهما، فالتفت أبو بكر فقال: ما أدخلك علينا؟ ثم أخذ منه الخطام فضربه، فلما فرغ أبو بكر من قسم الإبل دعا الرجل فأعطاه الخطام وقال: استقد، فقال عمر: والله لا يستقد ولا تجعلها سنة، قال أبو بكر: فمن لي من الله يوم القيامة؟ قال عمر: أرضه، فأمر أبو بكر غلامه أن يأتيه براحلة ورحلها وقطيفة وخمسة دنانير فأرضاه بها ( ).
وأما مبدأ المساواة الذي أقره الصديق في بيانه الذي ألقاه على الأمة فيعد أحد المبادئ العامة التي أقرها الإسلام، وهي من المبادئ التي تساهم في بناء المجتمع المسلم، وسبق به تشريعات وقوانين العصر الحاضر، ومما ورد في القرآن الكريم تأكيدًا لمبدأ المساواة قول الله تعالى: +يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" [الحجرات: 13].

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:10 PM
إن الناس جميعًا في نظر الإسلام سواسية؛ الحاكم والمحكوم، الرجال والنساء، العرب والعجم، الأبيض والأسود. لقد ألغى الإسلام الفوارق بين الناس بسبب الجنس أو اللون أو النسب أو الطبقة، والحكام والمحكومون كلهم في نظر الشرع سواء.( ) وجاءت ممارسة الصديق لهذا المبدأ خير شاهد على ذلك؛ حيث يقول: «وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه». ( )
وكان  ينفق من بيت مال المسلمين فيعطي كل ما فيه سواسية بين الناس؛ فقد روى ابن سعد وغيره أن أبا بكر ، كان له بيت مال بالسُّنْح معروف، ليس يحرسه أحد، فقيل له: ألا تجعل على بيت المال من يحرسه؟ فقال: لا يخاف عليه، قيل له: ولِمَ؟ قال: عليه قفل! وكان يعطي ما فيه حتى لا يُبقى فيه شيئًا، فلما تحول إلى المدينة حوله معه فجعله في الدار التي كان فيها، وقدم عليه مال من معدن من معادن جُهينة، فكان كثيرًا، وانفتح معدن بني سُليم في خلافته، فقدم عليه منه بصدقة، فكان يضع ذلك في بيت المال، فيقسمه بين الناس سويًا، بين الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير على السواء، قالت عائشة -رضي الله عنها-: فأعطى أول عام الحرَّ عشرة والمملوك عشرة، وأعطى المرأة عشرة، وأَمَتَها عشرة، ثم قسم في العام الثاني، فأعطاهم عشرين عشرين، فجاء ناس من المسلمين فقالوا: يا خليفة رسول الله: إنك قسمت هذا المال فسويت بين الناس، ومن الناس أناس لهم فضل وسوابق وقدم، فلو فضلت أهل السوابق والقدم والفضل. فقال: أما ما ذكرتم من السوابق والقدم والفضل فما أعرفني بذلك، وإنا ذلك شيء ثوابه على الله جل ثناؤه، وهذا معاش، فالأسوة فيه خير من الأثرة.( ) فقد كان توزيع العطاء في خلافته على التسوية بين الناس، وقد ناظر الفاروق عمر أبا بكر في ذلك فقال: أتسوي بين من هاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين، وبين من أسلم عام الفتح؟ فقال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ للراكب.
ورغم أن عمر  غير في طريقة التوزيع فجعل التفضيل بالسابقة إلى الإسلام
والجهاد إلا أنه في نهاية خلافته قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لرجعت إلى
طريقة أبي بكر فسويت بين الناس ( ).
وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيحمل في سبيل الله، واشترى عامًا قطائف (القطيفة: كساء مخمل) أتى بهما من البادية، ففرقها في أرامل أهل المدينة في الشتاء، وقد بلغ المال الذي ورد على أبي بكر في خلافته مائتي ألف وزعت في أبواب الخير ( ).
لقد اتبع أبو بكر  المنهج الرباني في إقرار العدل، وتحقيق المساواة بين الناس، وراعى حقوق الضعفاء، فرأى أن يضع نفسه في كفة هؤلاء الواهنة أصواتهم فيتبعهم بسمع مرهف وبصر حاد وإرادة واعية لا تستذلها عوامل القوة الأرضية تحت أقدام قومه، ويرفع بالعدل رؤوسهم فيؤمن به كيان دولته، ويحفظ لها دورها في حراسة الملة والأمة( ).
لقد قام الصديق منذ أول لحظة بتطبيق هذه المبادئ السامية؛ فقد كان يدرك أن العدل عز للحاكم والمحكوم، ولهذا وضع الصديق سياسته تلك موضع التنفيذ وهو يردد قوله تعالى: +إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" [النحل: 90].
كان أبو بكر يريد أن يطمئنَ المسلمون إلى دينهم وحرية الدعوة إليه وإنما تتم الطمأنية للمسلمين ما قام الحاكم فيهم على أساس من العدل المجرد عن الهوى.
والحكم على هذا الأساس يقتضي الحاكم أن يسمو فوق كل اعتبار شخصي، وأن يكون العدل والرحمة مجتمعين، وقد كانت نظرية أبي بكر في تولي أمور الدولة قائمة على إنكار الذات، والتجرد لله تجردًا مطلقًا جعله يشعر بضعف الضعيف، وحاجة المجتمع، ويسمو بعدله على كل هوى، وينسى في سبيل ذلك نفسه وأبناءه وأهله، ثم يتبع أمور الدولة جليلها ورقيقها، بكل ما أتاه الله من يقظة وحذر ( ).
وبناء على ما سبق يرفع العدل لواءه بين الناس؛ فالضعيف آمن على حقه، وكله يقين أن ضعفه يزول حينما يحكم العدل، فهو به قوي لا يمنع حقه ولا يضيع، والقوي حين يظلم يردعه الحق، وينتصف منه للمظلوم، فلا يحتمي بجاه أو سلطان أو قرابة لذي سطوة أو مكانة، وذلك هو العز الشامخ، والتمكين الكامل في الأرض ( ).
وما أجمل ما قاله ابن تيمية -رحمه الله-: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت
كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة... بالعدل تستصلح الرجال،
وتستغزر الأموال( ).
5- الصدق أساس التعامل بين الحاكم والمحكوم:
قال أبو بكر :«الصدق أمانة والكذب خيانة».( ) أعلن الصديق  مبدأ أساسيًا تقوم عليه خطته في قيادة الأمة، وهو: أن الصدق بين الحاكم والأمة وهو أساس التعامل، وهذا المبدأ السياسي الحكيم له الأثر الهام في قوة الأمة؛ حيث ترسيخ جسور الثقة بينها وبين حاكمها، إنه خلق سياسي منطلق من دعوة الإسلام إلى الصدق، قال تعالى: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ" [التوبة: 119]، ومن التحذير منه كقول رسول الله ×: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر» ( ).
فهذه الكلمات: «الصدق أمانة» اكتست بالمعاني، فكأن لها روحًا تروح بها وتغدو بين الناس؛ تلهب الحماس، وتصنع الأمل. «والكذب خيانة»، وهكذا يأبى أبو بكر إلا أن يمس المعاني، فيسمي الأشياء بأسمائها، فالحاكم الكذاب هو ذلك الوكيل الخائن الذي يأكل خبز الأمة ثم يخدعها، فما أتعس حاكمًا يتعاطى الكذب فيسميه بغير اسمه، لقد نعته الصديق بالخيانة، وأنه عدو أمته الأول.. وهل بعد الخيانة من عداوة؟ حقًا ما زال الصديق يطل على الدنيا من موقفه هذا فيرفع أقوامًا ويسقط آخرين!!.
وتظل صناعة الرجال أرقى فنون الحكم؛ إذ هم عدة الأمة ورصيدها الذي تدفع به عن نفسها ملمات الأيام، ولا شك أن من تأمل كلمات أبي بكر تلك أصدقه الخبر بأن الرجل كان رائدًا في هذا الفن الرفيع؛ فقد كان يسير على النهج النبوي الكريم.( ) إن شعوب العالم اليوم تحتاج إلى هذا المنهج الرباني في التعامل بين الحاكم والمحكوم، لكي تقاوم أساليب تزوير الانتخابات وتلفيق التهم، واستخدام الإعلام وسيلة لترويج اتهامات باطلة لمن يعارضون الحكام أو ينتقدونهم، ولا بد من إشراف الأمة على التزام الحكام بالصدق والأمانة من خلال مؤسساتها التي تساعدها على تقويم ومحاسبة الحكام إذا انحرفوا ( )، فتمنعهم من سرقة إرادتهم وشرفهم وحريتهم وأموالهم.
6- إعلان التمسك بالجهاد وإعداد الأمة لذلك:
قال أبو بكر : وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل( )، لقد تلقى أبو بكر تربيته الجهادية مباشرة من نبيه وقائده العظيم ×، تلقاها تربية حية في ميادين الصراع بين الشرك والإيمان، والضلال والهدى، والشر والخير، ولقد ذكرت مواقف الصديق في غزوات الرسول ×، ولقد فهم الصديق  من حديث رسول الله ×: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم». ( ) إن الأمة تصاب بالذل إذا تركت الجهاد، فلذلك جعل الصديق الجهاد إحدى حقائق الحكم في دولته ( )، ولذلك حشد طاقات الأمة من أجل الجهاد؛ لكي يرفع الظلم عن المظلومين، ويزيل الغشاوة عن أعين المقهورين، ويعيد الحرية للمحرومين، وينطلق بدعوة الله في آفاق الأرض يزيل كل عائق ضدها.
7- إعلان الحرب على الفواحش:
قال أبو بكر : ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء ( )، والصديق هنا يذكر الأمة بقول النبي ×: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يُعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا...». ( ) إن الفاحشة هي داء المجتمع العضال الذي لا دواء له، وهي سبيل تحلله وضعفه حيث لا قداسة لشيء؛ فالمجتمع الفاحش لا يغار ويقر الدنية ويرضاها، إنه مجتمع الضعف والعار والأوجاع والأسقام وحال الناس أدل شاهد. لقد وقف أبو بكر يحفظ قيم الأمة وأخلاقها ( )، فقد حرص في سياسته على طهر الأمة ونقائها، وبعدها عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وهو  يريد بذلك أمة قوية لا تشغلها شهواتها، ولا يضلها شيطانها، لتعيش أمة منتجة تعطي الخير، وتقدم الفضل لكل الناس.
إن علاقة الأخلاق بقيام الدولة وظهور الحضارة علاقة ظاهرة، فإن فسدت الأخلاق وخربت الذمم ضاعت الأمم، وعمها الفساد والدمار. والدارس لحياة الأمم السابقة والحضارات السالفة بعين البصيرة يدرك كيف قامت حضارات على الأخلاق الكريمة والدين الصحيح؛ كالحضارة التي قامت في زمن داود وسليمان عليهما السلام، والتي قامت في زمن ذي القرنين، وكثير من الأمم التي التزمت بالقيم والأخلاق فظلت قوية طالما حافظت عليها، فلما دب سوس الفواحش إليها استسلمت للشياطين، وبدلت نعمة الله كفرًا، وأحلت قومها دار البوار، فنزلت قوتها، وتلاشت حضارتها.( )
إن الصديق  استوعب سنن الله في المجتمعات وبناء الدول وزوالها، وفهم أن زوال الدول يكون بالترف والفساد، والانغماس في الفواحش والموبقات قال تعالى: +وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا" [الإسراء: 16]، أي: أمرناهم بالأمر الشرعي من فعل الطاعات وترك المعاصي فعصوا وفسقوا فحق عليهم العذاب والتدمير جزاء فسقهم وعصيانهم. وفي قراءة: +أَمَّرْنَا" ( ) بالتشديد أي: جعلناهم أمراء. والترف وإن كان كثرة المال والسلطان من أسبابه، إلا أنه حالة نفسية ترفض الاستقامة على منهج الله وليس كل ثراء ترفًا ( ).
إن سياسية الصديق في حربه للفواحش حري بحكام المسلمين أن يقتدوا به، فالحاكم التقي الذكي العادل هو الذي يربي أمته على الأخلاق القويمة؛ لأنه حينئذ سيقود شعبًا أحس طعم الآدمية، وجرى في عروقه دم الإنسانية، وأما إن سُلب الحاكم الذكاء وصار من الأغبياء.. أشاع الفاحشة في قومه، وعمل على حمايتها بالقوة والقانون، وحارب القيم والأخلاق الحميدة، ودفع بقومه إلى مستنقعات الرذيلة ليصبحوا كالحيوانات الضالة والقطعان الهائمة، لا هم لها إلا المتاع والزينة الخادعة، فيصبحوا بعد ذلك أقزامًا، قد ودعوا الرجولة والشهامة.( ) ويصدق فيهم قول الله تعالى: +وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ" [النحل: 112].
هذه بعض التعليقات التي فتح الله بها بما ترى على البيان الذي ألقاه الصديق للأمة، والذي رسم فيه سياسة الدولة، فحدد مسئولية الحاكم ومدى العلاقة بينه وبين المحكومين، وغير ذلك من القواعد المهمة في بناء الدولة وتربية الشعوب، وهكذا قامت الخلافة الإسلامية، وتحدد مفهوم الحكم تحديدًا عمليًا، وكان حرص الأمة على منصب الخلافة واختيار الخليفة على هذه الصورة، ومسارعة الناس إلى الرضا بذلك, دليلاً على أنهم كانوا يسلمون بأن النظام الذي أنشأه النبي -عليه الصلاة والسلام- واجب البقاء، وأن النبي × وإن مات فإنه خلف فيهم دينًا وكتابًا يسيرون على هديه؛ فرضاء الناس يومئذ يعبر عن إرادة الاستمرار في ظل النظام الذي أنشأه النبي × ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:11 PM
إن حكومة الصديق  تمتع بها المسلمين زمنًا ليس بكثير، وعين أبو بكر حد السلطة العليا فيها بتلك الخطبة الراقية على مستوى أنظمة الحكم في ذلك العصر وفي هذا الزمن؛ فهي حكومة شورية قلَّ أن يجد طلاب الحرية والعدل في كل عصر أحسن لسياسة الأمم منها ( )، قادها التلميذ الأنجب والأذكى والأعلم والأعظم إيمانا للحبيب المصطفى ×، أبو بكر .
وقد بيَّن الإمام مالك بأنه لا يكون أحد إمامًا أبدًا إلا على هذا الشرط ( )؛ يقصد بالمضامين العظيمة التي ألقاها الصديق في بيانه السياسي الأول.
ثانيًا: إدارة الشئون الداخلية:
أراد الصديق  أن ينفذ السياسة التي رسمها لدولته، واتخذ من الصحابة الكرام أعوانًا يساعدونه على ذلك، فجعل أبا عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة (وزير المالية)، فأسند إليه شئون بيت المال، وتولى عمر بن الخطاب القضاء (وزارة العدل)، وباشر الصديق القضاء بنفسه أيضًا، وتولى زيد بن ثابت الكتابة (وزير البريد والمواصلات)( ) وأحيانًا يكتب له من يكون حاضرا من الصحابة؛ كعلي بن أبي طالب أو عثمان بن عفان رضي الله عنهم. وأطلق المسلمون على الصديق لقب خليفة رسول الله، ورأى الصحابة ضرورة تفريغ الصديق للخلافة، فقد كان أبو بكر  رجلاً تاجرًا يغدو كل يوم إلى السوق، فيبيع ويبتاع، فلما استخلف أصبح غاديًا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها، فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا: أين تريد يا خليفة رسول الله؟ قال: السوق. قالا: تصنع ماذا وقد وليت أمور المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ فقالا: انطلق معنا حتى نفرض لك شيئًا، فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شطر شاة.( ) وجاء في «الرياض النضرة» أن رزقه الذي فرضوه له خمسون ومائتا دينار في السنة، وشاة يؤخذ من بطنها ورأسها وأكارعها، فلم يكن يكفيه ذلك ولا عياله، قالوا: وقد كان قد ألقي كل دينار ودرهم عنده في بيت مال المسلمين، فخرج إلى البقيع فتصافق «بايع»، فجاء عمر  فإذا هو بنسوة جلوس، فقال: ما شأنكن؟ قلن: نريد خليفة رسول الله × يقضي بيننا، فانطلق فوجده في السوق فأخذه بيده فقال: تعالَ ها هنا. فقال: لا حاجة لي في إمارتكم( )، رزقتموني ما لا يكفيني ولا عيالي. قال: فإنا نزيدك. قال أبو بكر: ثلاثمائة دينار والشاة كلها. قال عمر: أما هذا فلا، فجاء علي  وهما على حالهما تلك، قال: أكملها له، قال: ترى ذلك؟ قال: نعم، قال: قد فعلنا.( ) وانطلق أبو بكر  فصعد المنبر، واجتمع إليه الناس فقال: أيها الناس، إن رزقي كان خمسين ومائتي دينار وشاة يؤخذ من بطنها ورأسها وأكارعها، وإن عمر وعليا كملا لي ثلاثمائة دينار والشاة، أفرضيتم؟ قال المهاجرون: اللهم نعم، قد رضينا. ( )
وهكذا وقف الصحابة في فهمهم الراقي لولاية الدين وأمانة الحكم يفرضون لإمامهم رزقًا يغتني به عن التجارة، بعد إذ صار عاملاً للأمة تملك منه الوقت والجهد والفكر، ومن ثم يقررون معنى في الإسلام بديعًا يفصل الذمة المالية للأمة عن ذمة الحاكم.
هذا المعنى الذي لم يعرفه الغرب إلا في عهوده القريبة، إذا ظلت راية (ما لقيصر لقيصر) مشرعة خفاقة يقاتل الناس دونها أزمانًا طويلة. إن أصدق تعبير تقف به على دخول الذمة المالية للدولة بأسرها في ذمة الحاكم لهو مقالة لويس الخامس عشر: أنا الدولة والدولة أنا. لقد كان لويس تاجر غلال معروفًا يتجر في قوت أمته، وهي تتضور جوعًا، ثم لا يرى أحد في ذلك شيئًا من العار، أليس هو الأصل والأمة فرع عنه؟. ( )
أين البشرية اليوم من أولئك الصحابة رضوان الله عليهم؟ فإن الخزينة قد أضحت بعدهم بيد أشخاص ينفقون كيف يشاءون، ويتصرفون كما يريدون، كما أصبحت لهم نفقات مستورة لا حصر لها، وفوق هذا فقد تكدست لهم الأموال لكثرتها وأكثرها يعود إلى الحكام وأمراء الشعوب المستضعفة، مع أنه قد ظهر أن هذه الأموال مهما بلغت، والعقارات مهما كثرت، فإنها لا تكفي شيئًا، ولا تغني صاحبها شيئًا، فإن شاه إيران مع ضخامة ما يملك لم يجد أرضا تقبله ليأوي إليها، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فالأمر أشد والحساب عظيم ( ).
فعلى حكام المسلمين أن يقتدوا بهذا الصحابي الجليل الذي أدار دولة الإسلام بعد وفاة الرسول ×، فما أجمل قوله : لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين فيه( ).
إن الصديق يؤكد معاني بديعة، فولاية الدين ليست في حد ذاتها مغنمًا، أما ما يفرض لها من رزق فلما تقضي إليه من اشتغال عامل الأمة عن أمر نفسه ( ).
لقد سطر الصديق والصحابة الكرام صفحات رائعة في جبين الزمن، حتى إن البشرية تسعى في سلم التطور وتسعى، ثم إذا هي قابعة عند أقدامهم ( ).
سار الصديق في بناء دولة الإسلام بجد ونشاط واهتم بالبناء الداخلي، ولم يترك أي ثغرة يمكن أن تؤثر في ذلك البناء الذي تركه رسول الله ×، فاهتم بالرعية وله مواقف مشرفة في هذا الباب، وأعطى للقضاء اهتمامًا خاصًا، وتابع أمر الولاة، وسار على المنهج النبوي الكريم في كل خطواته، وإليك شيء من التفصيل عن تلك السياسة الرشيدة:
1- الصديق في المجتمع:
عاش الصديق  بين المسلمين كخليفة لرسول الله ×، فكان لا يترك فرصة تمر إلا علَّم الناس وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فكانت مواقفه تشع على من حوله من الرعية بالهدى والإيمان والأخلاق، فمن هذه المواقف:
أ- حلبه للأغنام, والعجوز العمياء، وزيارة أم أيمن:
كان قبل الخلافة يحلب للحي فلما بويع له بالخلافة قالت جارية من الحي: الآن لا يحلب لنا «أغنام» دارنا، فسمعها أبو بكر فقال: لعمري لأحلبنها لكم، وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه عن خُلُق كنت عليه، فكان يحلب لهن، وكن إذا أتينه بأغنامهن يقول: أنضح أم ألبد؟ فإن قالت: انضح، باعد الإناء من الضرع حتى تشتد الرغوة، وإن قالت: ألبد، أدناه منه حتى لا تكون له رغوة، فمكث كذلك بالسُّنح ستة أشهر ثم نزل إلى المدينة ( ).
ففي هذا الخبر بيان شيء من أخلاق أبي بكر الصديق ، فهذا تواضع كبير من رجل كبير؛ كبير في سنه، وكبير في منزلته وجاهه، حيث كان خليفة المسلمين، وكان حريصًا على أن لا تغير الخلافة شيئًا من معاملته للناس، وإن كان ذلك سيأخذ منه وقتًا هو بحاجة إليه. كما أن هذا العمل يدلنا على مقدار تقدير الصحابة -رضي الله عنهم- لأعمال البر والإحسان، وإن كلفتهم الجهد والوقت ( ).
هذا أبو بكر  غلب بعزيمته الصادقة وثباته العجيب الجزيرة العربية، وأخضعها لدين الله، ثم بعث بها فقاتلت تحت ألويته الدولتين الكبريين على وجه الأرض وغلبت عليها. أبو بكر.. يحلب لجواري الحي أغنامهن، ويقول: أرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه، وليس الذي دخل فيه بالأمر الهين، بل هو خلافة رسول الله، وسيادة العرب، وقيادة الجيوش التي ذهبت لتقلع من الأرض الجبروت الفارسي، والعظمة الرومانية، وتنشئ مكانهما صرح العدل، والعلم والحضارة، ثم يرجو ألا يغيره هذا كله، ولا يمنعه من حلب أغنام الحي ( ).
إن من ثمار الإيمان بالله تعالى أخلاقًا حميدة، منها خلق التواضع الذي تجسد في شخصية الصديق في هذا الموقف وفي غيره من المواقف، وكان عندما يسقط خطام ناقته ينزل ليأخذه، فيقال له: لو أمرتنا أن نناولكه، فيقول: أمرنا رسول الله × ألا نسأل الناس شيئًا.( ) لقد ترك لنا الصديق مثالاً حيًّا في فهم وتطبيق خلق التواضع المستمد من قوله تعالى: +فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ" [القصص: 40]، ومن قوله ×: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفوٍّ إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».( ) ولقد دفعه هذا الخلق إلى خدمة المسلمين وبخاصة أهل الحاجة منهم والضعفاء؛ فعن أبي صالح الغفاري أن عمر بن الخطاب كان يتعهد عجوزًا كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل، فيسقي لها، ويقوم بأمرها، فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ما أرادت، فجاءها غير مرة كيلا يسبق إليها فرصده عمر، فإذا هو أبو بكر الذي يأتيها، وهو يومئذ خليفة. ( )
وعن أنس بن مالك  قال: قال أبو بكر  بعد وفاة رسول الله × لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله × يزورها، فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله ×، فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله × ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها ( ).
ب- نصحه لامرأة نذرت أن لا تحدث أحدًا:
كان أبو بكر  ينهى عن أعمال الجاهلية، والابتداع في الدين، ويدعو إلى أعمال الإسلام، والتمسك بالسنة ( )، فعن قيس بن أبي حازم: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس( ), يقال لها زينب، فرآها لا تتكلم، فقال أبو بكر: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: نوت حجة مصمتة( ) فقال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل ( )، هذا من عمل الجاهلية، قال: فتكلمت، فقالت: من أنت؟ قال: أنا امرؤ من المهاجرين. قالت: أي المهاجرين؟ قال: من قريش. قالت: من أي قريش أنت؟ قال: إنك لسئول، أنا أبو بكر. قالت: يا خليفة رسول الله، ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ فقال: بقاؤكم عليه ما استقامت به أئمتكم. قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى، قال: فهم أولئك على الناس ( ).
قال الخطابي -رحمه الله-: كان من سنة الجاهلية الصمت، فكان أحدهم يعتكف اليوم والليلة ويصمت، فنهوا عن ذلك وأمروا بالنطق بالخير، وقد استدل بقول أبي بكر هذا من قال بأن من حلف أن لا يتكلم استحب له أن يتكلم ولا كفارة عليه، لأن أبا بكر لم يأمرها بالكفارة، وقياسه أن من نذر أن لا يتكلم لم ينعقد نذره؛ لأن أبا بكر أطلق أن ذلك لا يحل، وأنه من فعل الجاهلية، وأن الإسلام هدم ذلك، ولا يقول مثل هذا إلا عن علم من
النبي ×، فيكون من حكم المرفوع ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:12 PM
وقال ابن حجر: وأما الأحاديث الواردة في الصمت وفضله فلا يعارض لاختلاف المقاصد في ذلك؛ فالصمت المرغب فيه: ترك الكلام بالباطل، وكذا المباح إن جر إلى شيء من ذلك، والصمت المنهي عنه ترك الكلام في الحق لمن يستطيعه، وكذا المباح المستوي الطرفين، والله أعلم ( ).
ج- اهتمامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
كان الصديق  يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويبين للناس ما التبس عليهم من الفهم، فعن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، إني سمعت رسول الله × يقول: «إن القوم إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بعقاب». وفي رواية: يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية، وتضعونها على غير مواضعها، وإنا سمعنا النبي × يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب».( ) قال النووي: وأما قوله تعالى: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ". فليس مخالفًا لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية: أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم، مثل قوله تعالى: +وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" فإذا كان كذلك فمما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعله، ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك على الفاعل لكونه أدى ما عليه.( )
وكان  يحث الناس على الصواب، فعن ميمون بن مهران أن رجلاً سلم على أبي بكر فقال: السلام عليك يا خليفة رسول الله، قال: من بين هؤلاء أجمعين؟ ( ) وكان  يترك السنة مخافة أن يظن من لا علم له أنها فريضة أو واجبة، فعن حذيفة بن أسيد  أنه قال: رأيت أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- وما يضحيان مخافة أن يستن بهما. وفي رواية: كراهية أن يقتدى بهما.( ) وكان يوصي ابنه عبد الرحمن بحسن المعاملة لجيرانه، فقد قال له ذات يوم وهو يخاصم جار له: لا تماظ جارك؛ فإن هذا يبقى ويذهب الناس.( ) وكان بارًا بوالده، فلما اعتمر في رجب سنة اثنتي عشرة من الهجرة، دخل مكة ضحوة فأتى منزله، وأبوه أبو قحافة جالس على باب داره معه فتيان يحوشهم، فقيل له: هذا ابنك فنهض قائمًا، وعجل أبو بكر أن ينيخ ناقته فنزل عنها وهي قائمة –ليقابل أباه في بر وطاعة، وجاء الناس يسلمون عليه، فقال أبو قحافة: يا عتيق، هؤلاء الملأ فأحسنْ صحبتهم، فقال أبو بكر: يا أبة لا حول ولا قوة إلا بالله، طوقت أمرًا عظيمًا لا قدرة لي به، ولا يدان إلا بالله.( )
وكان يهتم بالصلاة والخشوع فيها ويحرص على حسن العبادة، وكان لا يلتفت في صلاته ( )، وكان أهل مكة يقولون: أخذ ابن جريج الصلاة من عطاء، وأخذها عطاء من ابن الزبير، وأخذها ابن الزبير من أبي بكر، وأخذها أبو بكر من النبي ×. وكان عبد الرزاق يقول: ما رأيت أحدًا أحسن صلاة من ابن جريج.( )، وعن أنس  قال: صلى أبو بكر بالناس الفجر فاقترأ البقرة في ركعتيه، فلما انصرف قال له عمر: يا خليفة رسول الله، ما انصرفت حتى رأينا أن الشمس قد طلعت، قال: لو طلعت لم تجدنا غافلين.( )
وكان يحث الناس على الصبر في المصائب، ويقول لمن مات له أحد: ليس مع العزاء مصيبة ولا مع الجزع فائدة، الموت أهون مما قبله وأشد مما بعده، اذكروا فَقْدَ رسول الله تصغر مصيبتكم، وعظم الله أجركم.( ) وعزى عمر  عن طفل أصيب به فقال: عوضك الله منه ما عوضه منك.( ) وكان  يحذر الناس البغي، والنكث، والمكر ويقول: ثلاث من كن فيه كن عليه: البغي، والنكث، والمكر.( )
وكان يعظ الناس ويذكرهم بالله، ومن مواعظه : الظلمات خمس والسُّرُج خمس: حب الدنيا ظلمة والسراج له التقوى، والذنب ظلمة والسراج له التوبة، والقبر ظلمة والسراج له لا إله إلا الله محمد رسول الله، والآخرة ظلمة والسراج لها العمل الصالح، والصراط ظلمة والسراج لها اليقين.( ) وكان  من خلال منبر الجمعة يحث على الصدق والحياء، ويحث على الاعتبار والاستعداد للقدوم على الله ويحذر من الغرور.
فعن أوسط بن إسماعيل -رحمه الله- قال: سمعت أبا بكر الصديق  يخطب بعد وفاة رسول الله × بسنة، فقال: قام فينا رسول الله × مقامي هذا عام أول، ثم بكى أبو بكر ثم قال: (وفي رواية: ثم ذرفت عيناه فلم يستطع من العَبْرَة أن يتكلم)، ثم قال: «أيها الناس: اسألوا لله العافية، فإنه لم يعط أحد خيرًا من العافية بعد اليقين، وعليكم بالصدق فإنه مع البر، وهما في الجنة. وإياكم والكذب، فإنه مع الفجور، وهما في النار. ولا تقاطعوا ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانا.( )
وقال الزبير بن العوام : إن أبا بكر قال وهو يخطب الناس: يا معشر المسلمين: استحيوا من الله عز وجل، فو الذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب الغائط في الفضاء متقنعا بثوبي استحياء من ربي عز وجل ( ).
وعن عبد الله بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر  فقال: أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو له أهل، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاح بالمسألة، فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: +إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ" [الأنبياء: 90]، ثم اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، فاشترى القليل الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه، ولا يطفأ نوره، فصدقوا قوله، وانتصحوا كتابه، واستوضئوا منه ليوم الظلمة؛ فإنما خلقكم للعبادة، ووكل بكم الكرام الكاتبين يعلمون ما تفعلون، ثم اعلموا عباد الله أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غُيب عنكم علمه، فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم في عمل لله فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم قبل أن تنقضي آجالكم، فيردكم إلى أسوأ أعمالكم، فإن أقوامًا جعلوا آجالهم لغيرهم ونسوا
أنفسهم، فأنهاكم أن تكونوا مثلهم، فالوحا الوحا ( )، ثم النجا النجا، فإن وراءكم طلبا حثيثًا مَرُّه ( ) سريع.
وفي رواية أخرى: أين من تعرفون من إخوانكم ومن أصحابكم؟! قد وردوا على ما قدموا، قدموا ما قدموا في أيام سلفهم، وحلوا فيه بالشقوة أو السعادة. أين الجبارون الذين بنوا المدائن، وحففوها بالحوائط؟ قد صاروا تحت الصخر والآبار، أين الوضاءة الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؟ أين الملوك؟ وأين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب؟ قد تضعضع بهم الدهر، فأصبحوا في ظلمات القبور، لا خير في قول لا يراد به وجه الله، ولا خير في مال لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب جهله حلمه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم.
إن الله تعالى ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيرًا، ولا يصرفه عن سوء إلا بطاعته واتباع أمره، وإنه لا خير بخير بعده النار، ولا شر بشر بعده الجنة، واعلموا أنكم ما أخلفتم لله -عز وجل- فربكم أطعتم، وحقكم حفظتم، وأوصيكم بالله لفقركم وفاقتكم أن تتقوه، وأن تثنوا عليه بما هو أهله، وأن تستغفروه إنه كان غفارًا. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ( ).
وهكذا كان الصديق يهتم بالمجتمع فيعظ المسلمين، ويحثهم على الخير، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فهذا غيض من فيض، وقليل من كثير.
2- القضاء في عهد الصديق:
يعتبر عهد الصديق بداية العهد الراشدي الذي تتجلى أهميته بصلته بالعهد النبوي وقربه منه، فكان العهد الراشدي عامة، والجانب القضائي خاصة، امتدادًا للقضاء في العهد النبوي، مع المحافظة الكاملة والتامة على جميع ما ثبت في العهد النبوي، وتطبيقه بحذافيره وتنفيذه بنصه ومعناه.
وتظهر أهمية العهد الراشدي في القضاء بأمرين أساسيين:
1- المحافظة على نصوص العهد النبوي في القضاء، والتقيد بما جاء فيه، والسير في ركابه، والاستمرار في الالتزام به.
2- وضع التنظيمات القضائية الجديدة لترسيخ دعائم الدولة الإسلامية الواسعة، ومواجهة المستجدات المتنوعة ( ).
كان أبو بكر  يقضي بنفسه إذا عرض له قضاء، ولم تفصل ولاية القضاء عن الولاية العامة في عهده، ولم يكن للقضاء ولاية خاصة مستقلة، كما كان الأمر في عهد رسول الله ×؛ إذ كان الناس على مقربة من النبوة، يأخذون أنفسهم بهدى الإسلام، وتقوم حياتهم على شريعته، وقلما توجد بينهم خصومة تذكر؛ ففي المدينة عهد أبو بكر إلى عمر بالقضاء، ليستعين به في بعض الأقضية ولكن هذا لم يعط لعمر صفة الاستقلال بالقضاء.( ) وأقر أبو بكر  معظم القضاة والولاة الذين عينهم رسول الله × واستمروا على ممارسة القضاء والولاية أو أحدهما في عهده ( )، وسوف نأتي على ذكر الولاة وأعمالهم بإذن الله تعالى.
وأما مصادر القضاء في عهد الصديق  هي:
1- القرآن الكريم.
2- السنة النبوية، ويندرج فيها قضاء رسول الله ×.
3- الإجماع، باستشارة أهل العلم والفتوى.
4- الاجتهاد والرأي، وذلك عند عدم وجود ما يحكم به من كتاب أو سنة أو إجماع( ).
فكان أبو بكر  إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى، فإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله ×، فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس، هل علمتم أن رسول الله قضى فيه بقضاء، فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا أو بكذا، فيأخذ بقضاء رسول الله ×، يقول عندئذ: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا. وإن أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به. ( )
ويظهر أن الصديق يرى الشورى ملزمة إذا اجتمع رأي أهل الشورى على أمر؛ إذ لا يجوز للإمام مخالفتهم. وهذا ما حكى عنه في القضاء، فإنه كان إذا اجتمع رأى المستشارين على الأمر قضى به وهذا ما أمر به عمرو بن العاص عندما أرسل إليه خالد ابن الوليد مددًا حيث قال له: شاورهم ولا تخالفهم.( ) وكان  يتثبت في قبول الأخبار، فعن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث فقال: ما أجد لك في كتاب الله تعالى شيئًا، وما علمت أن رسول الله × ذكر لك شيئًا، ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله × يعطيها السدس، فقال أبو بكر: هل معك أحد؟ فشهد ابن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر .( ) كان يرى أن القاضي لا يحكم بعلمه الشخصي، إلا إذا كان معه شاهد آخر يعزز هذا العلم، فقد روى عن أبي بكر  أنه قال: لو رأيت رجلاً على حد، لم أعاقبه حتى تقوم البينة عليه، أو يكون معي شاهد آخر. ( )

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:13 PM
وهذه بعض الأقضية التي صدرت في عهد أبي بكر :
أ- قضية قصاص:
قال علي بن ماجدة السهمي: قاتلت رجلاً، فقطعت بعض أذنه، فقدم أبو بكر حاجًّا، فرفع شأننا إليه، فقال لعمر: انظر هل بلغ أن يتقص منه، قال: نعم، عليَّ بالحجَّام، فلما ذكر الحجام، قال أبو بكر: سمعت رسول الله × يقول: «إني وهبت لخالتي غلامًا، أرجو أن يبارك لها فيه، وإني نهيتها أن تجعله حجامًا، أو قصابًا، أو صانعًا» ( ).
2- نفقة الوالد على الولد:
عن قيس بن حازم قال: حضرت أبا بكر الصديق ، فقال له رجل: يا خليفة رسول الله، هذا يريد أن يأخذ مالي كله ويجتاحه، فقال أبو بكر : إنما لك من ماله ما يكفيك، فقال: يا خليفة رسول الله ×، أليس قال رسول الله ×: «أنت ومالك لأبيك؟» فقال أبو بكر : ارض بما رضي الله به. ورواه غيره عن المنذر بن زياد، وقال فيه: إنما يعني بذلك النفقة ( ).
3- الدفاع المشروع:
عن أبي مليكة عن جده أن رجلاً عض يد رجل فأندر ثنيته (قلع سنه)، فأهدرها
أبو بكر ( ).
4- الحكم بالجلد:
روى الإمام مالك عن نافع أن صفية بنت أبي عبيد أخبرته: أن أبا بكر الصديق أتى برجل قد وقع على جارية بكر فأحبلها، ثم اعترف على نفسه بالزنا، ولم يكن أحصن، فأمر به أبو بكر فجلد الحد، ثم نفى إلى فدك.( )
وفي رواية: بأنه لم يجلد الجارية ولم ينفها لأنها استكرهت، ثم زوجها إياه أبو بكر وأدخله عليها ( ).
5- الحضانة للأم ما لم تتزوج:
طلق عمر بن الخطاب امرأته الأنصارية -أم ابنه عاصم- فلقيها تحمله بِمُحَسِّر( )، ولقيه قد فُطم ومشي، فأخذ بيديه لينتزعه منها، ونازعها إياه حتى أوجع الغلام وبكى، وقال: أنا أحق بابني منك. فاختصما إلى أبي بكر، فقضى لها به، وقال: ريحها وحجرها وفرشها خير له منك حتى يشب ويختار لنفسه( )، وفي رواية: هي أعطف وألطف وأرحم وأحن وأرأف، وهي أحق بولدها ما لم تتزوج( ).
هذه بعض الأقضية والأحكام التي حدثت في عهد الصديق ، هذا وقد تميز القضاء في عهد الصديق بعدة أمور منها:
‌أ- كان القضاء في عهد الصديق امتدادًا لصورة القضاء في العهد النبوي؛ بالالتزام به، والتأسي بمنهجه، وانتشار التربية الدينية، والارتباط بالإيمان والعقيدة والاعتماد على الوازع الديني، والبساطة في سير الدعوى واختصار الإجراءات القضائية، وقلة الدعاوى والخصومات.

‌ب- أصبحت الأحكام القضائية في عصر الصديق موئل الباحثين، ومحط الأنظار للفقهاء، وصارت الأحكام القضائية مصدرًا للأحكام الشرعية، والاجتهادات القضائية، والآراء الفقهية في مختلف العصور.
‌ج- مارس الصديق وبعض ولاته النظر في المنازعات، وتولى القضاء بجانب الولاية.
‌د- ساهمت فترة الصديق في ظهور مصادر جديدة للقضاء في العهد الراشدي، وصارت مصادر الأحكام القضائية هي: القرآن الكريم، والسنة الشريفة، والإجماع، والقياس، والسوابق القضائية، والرأي الاجتهادي مع المشورة ( ).
هـ- كانت آداب القضاء مرعية في حماية الضعيف،ونصرة المظلوم، والمساواة بين الخصوم, وإقامة الحق والشرع على جميع الناس، ولو كان الحكم على الخليفة أو الأمير أو الوالي، وكان القاضي في الغالب يتولى تنفيذ الأحكام، إن لم ينفذها الأطراف طوعًا واختيارًا، وكان التنفيذ عقب صدور الحكم فورًا ( ).
3- الولاية على البلدان:
كان أبو بكر يستعمل الولاة في البلدان المختلفة ويعهد إليهم بالولاية العامة في الإدارة والحكم والإمامة، وجباية الصدقات، وسائر أنواع الولايات، وكان ينظر إلى حسن اختيار الرسول للأمراء والولاة على البلدان، فيقتدي به في هذا العمل، ولهذا نجده قد
أقر جميع عمال الرسول الذين توفي الرسول وهم على ولايتهم، ولم يعزل أحدًا
منهم إلا ليعينه في مكان آخر أكثر أهمية من موقعه الأول, ويرضاه، كما حدث
لعمرو بن العاص.( )
وكانت مسئوليات الولاة في عهد أبي بكر الصديق  بالدرجة الأولى امتدادًا لصلاحياتهم في عصر الرسول ×، خصوصًا الولاة الذين سبق تعيينهم أيام الرسول ×، ويمكن تلخيص أهم مسئوليات الولاة في عصر أبي بكر وهي:
أ- إقامة الصلاة وإمامة الناس، وهي المهمة الرئيسية لدى الولاة نظرًا لما تحمله من معان دينية ودنيوية, سياسية واجتماعية، حيث الولاة يأمون الناس وعلى وجه الخصوص في صلاة الجمعة، والأمراء دائمًا كانت توكل إليهم الصلاة سواء كانوا أمراء على البلدان أم أمراء على الأجناد.
ب- الجهاد كان يقوم به أمراء الأجناد في بلاد الفتوح، فكانوا يتولون أموره وما فيه من مهام مختلفة بأنفسهم، أو ينيبون غيرهم في بعض المهام، كتقسيم الغنائم أو المحافظة على الأسرى، أو غير ذلك، وكذلك ما يتبع هذا الجهاد من مهام أخرى كمفاوضة الأعداء وعقود المصالحة معهم وغيرها، ويتساوى في المهمات الجهادية أمراء الأجناد في الشام والعراق، وكذلك الأمراء في البلاد التي حدثت فيها الردة كاليمن والبحرين ونجد، نظرًا لوجود تشابه في العمليات الجهادية مع اختلاف الأسباب الموجهة لهذه العمليات.
جـ- إدارة شئون البلاد المفتوحة، وتعيين القضاة والعمال عليها من قبل الأمراء أنفسهم، وبإقرار من الخليفة أبي بكر، أو تعيين من أبي بكر  عن طريق هؤلاء العمال( ).
د- أخذ البيعة للخليفة، فقد قام الولاة في اليمن وفي مكة والطائف وغيرها بأخذ البيعة لأبي بكر  من أهل البلاد التي كانوا يتولون عليها.
هـ- كانت هناك أمور مالية توكل إلى الولاة أو إلى من يساعدهم ممن يعينهم الخليفة أو الوالي لأخذ الزكاة من الأغنياء وتوزيعها على الفقراء، أو أخذ الجزية من غير المسلمين وصرفها في محلها الشرعي، وهي امتداد لما قام به ولاة الرسول × في هذا الخصوص.
و- تجديد العهود القائمة من أيام الرسول ×؛ حيث قام والي نجران بتجديد العهد الذي كان بين أهلها وبين الرسول × بناء على طلب نصارى نجران ( ).
ز- كانت من أهم مسئوليات الولاة إقامة الحدود، وتأمين البلاد، هم يجتهدون رأيهم فيما لم يكن فيه نص شرعي، كما فعل المهاجر بن أبي أمية بالمرأتين اللتين تغنتا بذم
الرسول ×، وفرحتا بوفاته، وسيأتي بيان ذلك بإذن الله تعالى في جهاد الصديق
لأهل الردة.
ح- كان للولاة دور رئيسي في تعليم الناس أمور دينهم وفي نشر الإسلام في البلاد التي يتولون عليها، وكان الكثير من هؤلاء الولاة يجلسون في المساجد يعلمون الناس القرآن والأحكام، وذلك عملاً بسنة الرسول ×، وتعتبر هذه المهمة من أعظم المهام وأجلها في نظر الرسول × وخليفته أبي بكر، وقد اشتهر عن ولاة أبي بكر ذلك، حيث يتحدث أحد المؤرخين عن عمل زياد والي أبي بكر على حضرموت فيقول: فلما أصبح زياد غدا يقرئ الناس كما كان يفعل قبل ذلك ( ).
وبهذا التعليم كان للولاة دور كبير في نشر الإسلام في ربوع البلاد التي يتولونها، وبهذا التعليم تثبت أقدام الإسلام سواء في البلاد المفتوحة الحديثة العهد بالإسلام أو في البلاد التي كانت مسلمة وارتدت، وهي حديثة عهد بالردة، جاهلة بأحكام دينها، إضافة إلى البلاد المستقرة كمكة والطائف والمدينة، كان بها من يقرئ الناس بأمر من الولاة أو الخليفة نفسه، أو من يعينه الخليفة على التعليم في هذه البلدان ( ).
وقد كان الوالي هو المسئول مسئولية مباشرة عن إدارة الإقليم الذي يتولاه، وفي حالة سفر هذا الوالي فإنه يتعين عليه أن يستخلف أو ينيب عنه من يقوم بعمله حتى يعود هذا الوالي إلى عمله، ومن ذلك أن المهاجر بن أبي أمية عينه الرسول × على كندة، ثم أقره أبو بكر بعد وفاة الرسول ×، ولم يصل المهاجر إلى اليمن مباشرة وتأخر نظرًا لمرضه, فأرسل إلى «زياد بن لبيد» ليقوم عنه بعمله حتى شفائه وقدومه، وقد أقر أبو بكر ذلك ( )، كذلك كان خالد أثناء ولايته للعراق ينيب عنه في الحيرة من يقوم بعمله حتى عودته.
وكان أبو بكر  يشاور الكثير من الصحابة قبل اختيار أحد من الأمراء سواء على الجند أو على البلدان، ونجد في مقدمة مستشاري أبي بكر في هذا الأمر عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما ( )، كما كان أبو بكر  يشاور الشخص الذي يريد توليته قبل أن يعينه، وعلى وجه الخصوص إذا أراد أن ينقل الشخص من ولاية إلى أخرى، كما حدث حينما أراد أن ينقل عمرو بن العاص من ولايته التي ولاه عليها الرسول × إلى ولاية جند فلسطين، فلم يصدر أبو بكر قراره إلا بعد أن استشاره وأخذ منه موافقة على ذلك ( )، كذلك الحال بالنسبة للمهاجر بن أبي أمية الذي خيرة أبو بكر بين اليمن أو حضرموت، فاختار المهاجر اليمن فعينه أبو بكر عليها ( ).
ومن الأمور التي سار عليها أبو بكر  أنه كان يعمل بسنة النبي × في تولية بعض الناس على قومهم إذا وجد فيهم صلحاء، كالطائف وبعض القبائل، وكان أبو بكر  عندما يريد أن يعين شخصًا على ولاية يكتب للشخص المعين عهدًا له على المنطقة التي ولاه عليها، كما أنه في كثير من الأحيان قد يحدد له طريقه إلى ولايته وما يمر عليه من أماكن، خصوصًا إذا كان التعيين مختصًا بمنطقة لم تفتح بعد، ولم تدخل ضمن سلطات الدولة، ويتضح ذلك في حروب الردة، وفتوح الشام والعراق، وقام الصديق أحيانًا بضم بعض الولايات إلى بعض، خصوصًا بعد الانتهاء من قتال المرتدين؛ فقد ضم أبو بكر كندة إلى زياد ابن لبيد البياضي، وكان واليًا على حضرموت واستمر بعد ذلك واليًا لحضرموت وكندة ( ).
وكانت معاملة أبي بكر للولاة تتسم بالاحترام المتبادل الذي لم تشبه شائبة، وأما عن الاتصالات بين الولاية وبين الخليفة أبي بكر ، فقد كانت تجري بصفة دائمة، وكانت هذه الاتصالات تختص بمصالح الولاية ومهام العمل، فقد كان الولاة كثيرًا ما يكتبون لأبي بكر في مختلف شئونهم يستشيرونه، وكان أبو بكر يكتب لهم الإجابة عن استفساراتهم، أو يوجه لهم أوامره، وكانت الرسل تأتي بالأخبار من الولاة, سواء أخبار الجهاد أو قبل ذلك على جهات حروب المرتدين. كذلك كان الولاة يبعثون بأخبار ولاياتهم من تلقاء أنفسهم ( )، وكان الولاة يتصل بعضهم ببعض عن طريق الرسل أو عن طريق الاتصال المباشر واللقاءات، وتتمثل هذه اللقاءات والاتصالات بالدرجة الأولى بين ولاة اليمن وحضرموت بعضهم مع بعض، وكذلك الحال بالنسبة لولاة الشام، الذين كانوا كثيرًا ما يجتمعون لتدارس أمورهم العسكرية بالدرجة الأولى، وكانت كثير من مراسلات أبي بكر  تختص بحث الولاة على الزهد في الدنيا وطلب الآخرة، وكانت بعض هذه النصائح تصدر على شكل كتب عامة رسمية من الخليفة نفسه إلى مختلف الولاة وأمراء الأجناد. ( )
هذا وقد قسمت الدولة الإسلامية في عهد أبي بكر إلى عدة ولايات، وهذه أسماء الولايات والولاة:
أ- المدينة: عاصمة الدولة وبها الخليفة أبو بكر .
ب- مكة: وأميرها عتاب بن أسيد وهو الذي ولاه الرسول × واستمر مدة حكم أبي بكر.
جـ- الطائف: وأميرها عثمان بن أبي العاص الثقفي، ولاه رسول الله ×، وأقره أبو بكر عليها.
د- صنعاء: وأميرها المهاجر بن أبي أمية، وهو الذي فتحها ووليها بعد انتهاء أمر الردة.
هـ- حضرموت: وليها زياد بن لبيد.
و- زبيد ورقع: ووليها أبو موسى الأشعري.
ز- خولان: ووليها يعلى بن أبي أمية.
ح- الجند: وأميرها معاذ بن جبل.
ط- نجران: ووليها جرير بن عبد الله البجلي.
ي- جرش: ووليها عبد الله بن ثور.
ك- البحرين: ووليها العلاء بن الحضرمي.
ل- العراق والشام: كان أمراء الجند هم ولاة الأمر فيها.
م- عمان: ووليها حذيفة بن محصن.
ن- اليمامة: ووليها سليط بن قيس ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:14 PM
4- موقف علي والزبير رضي الله عنهما من خلافة الصديق:
وردت أخبار كثيرة في شأن تأخر علي عن مبايعة الصديق رضي الله عنهما، وكذا تأخر الزبير بن العوام، وجل هذه الأخبار ليس بصحيح إلا ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما، قال: إن عليًا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله ×( )، فقد كان انشغال جماعة من المهاجرين وعلى رأسهم علي بن أبي طالب بأمر جهاز رسول الله × من تغسيل وتكفين، ويبدو ذلك واضحًا فيما رواه الصحابي سالم بن عبيد  من أن أبا بكر قال لأهل بيت النبي، وعلى رأسهم علي: عندكم صاحبكم، فأمرهم يغسلونه ( ).
وقد بايع الزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- أبا بكر في اليوم التالي لوفاة الرسول × وهو يوم الثلاثاء. قال أبو سعيد الخدري: لما صعد أبو بكر المنبر، نظر في وجوه القوم، فلم ير الزبير بن العوام فدعا بالزبير فجاء، فقال له أبو بكر: يا ابن عمة رسول الله ×، وحواريه، أتريد أن تشق عصا المسلمين؟ فقال الزبير: لا تثريب عليك يا خليفة رسول الله ×، فقام الزبير، فبايع أبا بكر، ثم نظر أبو بكر في وجوه القوم، فلم ير علي بن أبي طالب فدعا بعلي، فجاء، فقال له أبو بكر: يا ابن عم رسول الله ×، وختنه على ابنته، أتريد أن تشق عصا المسلمين؟ فقال علي: لا تثريب عليك يا خليفة رسول الله ×، فقام علي، فبايع أبا بكر ( ).
ومما يدل على أهمية حديث أبي سعيد الخدري الصحيح أن الإمام «مسلم بن الحجاج» صاحب «الجامع الصحيح» الذي هو أصح الكتب الحديثية بعد «صحيح البخاري» ذهب إلى شيخه الإمام الحافظ محمد بن إسحاق بن خزيمة صاحب صحيح ابن خزيمة فسأله عن هذا الحديث، فكتب له ابن خزيمة الحديث، وقرأه عليه، فقال مسلم لشيخه ابن خزيمة:
هذا الحديث يساوي بدنة، فقال ابن خزيمة: هذا الحديث لا يساوي بدنة ( ) فقط،
إنه يساوي بدرة ( ) مال.
وعلق على هذا الحديث ابن كثير -رحمه الله- فقال: هذا إسناد صحيح محفوظ، وفيه فائدة جلية، وهي مبايعة علي بن أبي طالب إما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة، وهذا حق، فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه ( )، وفي رواية حبيب بن أبي ثابت، حيث قال: كان علي بن أبي طالب في بيته، فأتاه رجل، فقال له: قد جلس أبو بكر للبيعة، فخرج علي إلى المسجد في قميص له، ما عليه إزار ولا رداء وهو متعجل، كراهة أن يبطئ عن البيعة، فبايع أبا بكر ثم جلس، وبعث في ردائه، فجاءوه به فلبسه فوق قميصه ( )، وقد سأل عمرو بن حريث سعيد ابن زيد ، فقال له: أَشَهِدْتَ وفاة رسول الله ×؟ قال: نعم، قال له: متى بويع أبو بكر؟ قال سعيد: يوم مات رسول الله ×، كره المسلمون أن يبقوا بعض يوم، وليسوا في جماعة. قال: هل خالف أحد أبا بكر؟ قال سعيد: لا، لم يخالفه إلا مرتد أو كاد أن يرتد، وقد أنقذ الله الأنصار، فجمعهم عليه وبايعوه. قال: هل قعد أحد من المهاجرين عن بيعته؟ قال سعيد: لا. لقد تتابع المهاجرون على بيعته!! ( ).
وأما علي  فلم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع عنه في جماعة من الجماعات، وكان يشاركه في المشورة، وفي تدبير أمور المسلمين ( ).
ويرى ابن كثير وكثير من أهل العلم أن عليًا جدد بيعته بعد ستة أشهر من البيعة الأولى؛ أي بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها، وجاءت في هذه البيعة روايات صحيحة ( ).
وكان علي في خلافة أبي بكر عيبة نصح له، مرجحًا لما فيه مصلحة للإسلام والمسلمين على أي شيء آخر، ومن الدلائل الساطعة على إخلاصه لأبي بكر ونصحه للإسلام والمسلمين، وحرصه على الاحتفاظ ببقاء الخلافة واجتماع شمل المسلمين ما جاء من موقفه من توجه أبي بكر  بنفسه إلى ذي القصة ( )، وعزمه على محاربة المرتدين، وقيادته للتحركات العسكرية ضدهم بنفسه، وما كان في ذلك من مخاطرة وخطر على الوجود الإسلامي ( )، فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: لما برز أبو بكر إلى ذي القصة، واستوى على راحلته أخذ علي بن أبي طالب بزمامها، وقال: إلى أين يا خليفة رسول الله ×؟ أقول لك ما قال رسول الله × يوم أحد: لمَّ سيفك ولا تفجعنا بنفسك، وارجع إلى المدينة، فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدًا، فرجع ( ).
فلو كان علي  -أعاذه الله من ذلك– لم ينشرح صدره لأبي بكر وقد بايعه على رغم من نفسه، فقد كانت هذه فرصة ذهبية ينتهزها علي، فيترك أبا بكر وشأنه، لعله يحدث به حدث فيستريح منه ويصفو الجو له، وإذا كان فوق ذلك –حاشاه عنه- من كراهته له وحرصه على التخلص منه، أغرى به أحدًا يغتاله، كما يفعل الرجال السياسيون بمنافسيهم وأعدائهم ( ).
5- (إنا معشر الأنبياء لا نُورث، ما تركنا صدقة):( )
قالت عائشة -رضي الله عنها-: إن فاطمة والعباس -رضي الله عنهما-: أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله × وهما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك وسهمهما من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله × يقول: «لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال».( ) وفي رواية: قال أبو بكر :«لست تاركًا شيئًا كان رسول الله × يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ( ).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: أن أزواج النبي ×، حين توفي رسول الله ×، أردن أن يبعثن عثمان بن عفان  إلى أبي بكر يسأله ميراثهن، فقالت عائشة: أليس قد قال رسول الله ×: «لا نورث، ما تركنا صدقة» ( )، وعن أبي هريرة  قال رسول الله ×: «لا يقتسم ورثتي دينارًا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة» ( ).
وهذا ما فعله أبو بكر الصديق  مع فاطمة رضي الله عنها، امتثالاً لقوله ×: لذلك قال الصديق: لست تاركًا شيئًا كان رسول الله يعمل به إلا عملت به ( )، وقال: والله لا أدع أمرًا رأيت رسول الله × يصنعه فيه إلا صنعته ( ).
وقد تركت فاطمة -رضي الله عنها- منازعته بعد احتجاجه بالحديث وبيانه لها، وفيه دليل على قبولها الحق وإذعانها لقوله ×. قال ابن قتيبة ( ): وأما منازعة فاطمة أبا بكر -رضي الله عنهما- في ميراث النبي × فليس بمنكر؛ لأنها لم تعلم ما قاله رسول الله ×، وظنت أنها ترثه كما يرث الأولاد آباءهم، فلما أخبرها بقوله كفت.( )
وقال القاضي عياض: وفي ترك فاطمة منازعة أبي بكر بعد احتجاجه عليها بالحديث التسليم للإجماع على قضية، وأنها لما بلغها الحديث وبين لها التأويل تركت رأيها، ثم لم يكن منها ولا من ذريتها بعد ذلك طلب ميراث، ثم ولي عليٌّ الخلافة فلم يعدل بها عما فعله أبو بكر وعمر رضي الله عنهم ( ).
وقال حماد بن إسحاق: والذي جاءت به الروايات الصحيحة فيما طلبه العباس وفاطمة وعلي لها وأزواج النبي × من أبي بكر -رضي الله عنهم جميعًا- إنما هو الميراث، حتى أخبرهم أبو بكر والأكابر من أصحاب رسول الله × أنه قال: «لا نورث ما تركنا صدقة». فقبلوا بذلك وعلموا أنه الحق، ولو لم يقل رسول الله × ذلك كان لأبي بكر وعمر فيه الحظ الوافر بميراث عائشة وحفصة رضي الله عنهما، فآثروا أمر الله وأمر رسوله، ومنعوا عائشة وحفصة، ومن سواهما ذلك، ولو كان رسول يورث، لكان لأبي بكر وعمر أعظم الفخر به أن تكون ابنتاهما وارثتي محمد × ( ).
وأما ما ذكره عدد من الرواة في كون فاطمة -رضي الله عنها- غضبت وهجرت الصديق حتى ماتت، فبعيد جدًا لعدة أدلة، منها:
‌أ- ما رواه البيهقي من طريق الشعبي: أن أبا بكر عاد فاطمة، فقال لها علي: هذا أبي بكر يستأذن عليك، فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له فدخل عليها فترضاها حتى رضيت ( )، وبهذا يزول الإشكال الوارد في تمادي فاطمة -رضي الله عنها- لهجر أبي بكر الصديق ، كيف وهو القائل: والله لقرابة رسول الله ×، أحب إليَّ أن أصل من قرابتي ( )، وما فعل إلا امتثالاً واتباعًا لأمر رسول الله × ( ).
‌ب- لقد انشغلت عن كل شيء يحزنها لفقدها أكرم الخلق، وهي مصيبة تزري بكل المصائب، كما أنها انشغلت بمرضها الذي ألزمها الفراش عن أي مشاركة في أي شأن من الشئون، فضلاً عن لقاء خليفة المسلمين المشغول –في كل لحظة من لحظاته- بشئون الأمة، وحروب الردة وغيرها، كما أنها كانت تعلم بقرب لحوقها بأبيها؛ فقد أخبرها رسول الله × بأنها أول من يلحق به من أهله، ومن كان في مثل علمها لا يخطر بباله أمور الدنيا، وما أحسن قول المهلب الذي نقله العيني: ولم يروِ أحد أنهما التقيا وامتنعا عن التسليم، وإنما لازمت بيتها، فعبر الراوي عن ذلك بالهجران ( ).
هذا ومن الثابت تاريخيًا أن أبا بكر دام أيام خلافته يعطي أهل البيت حقهم في فئ رسول الله × في المدينة، ومن أموال فدك وخمس خيبر، إلا أنه لم ينفذ فيها أحكام الميراث، عملاً بما سمعه من رسول الله ×، وقد روي عن محمد بن علي بن الحسين المشهور بمحمد الباقر، وعن زيد بن علي أنهما قالا: إنه لم يكن من أبي بكر فيما يختص بآبائهم شيء من الجور أو الشطط، أو ما يشكونه من الحيف أو الظلم ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:15 PM
ولما توفيت فاطمة -رضي الله عنها- بعد رسول الله بستة أشهر على الأشهر، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه عهد إليها أنها أول أهله لحوقًا به، وقال لها مع ذلك: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة» ( )، وذلك ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان سنة
إحدى عشرة.
عن مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، علي بن الحسين، قال: ماتت فاطمة بين المغرب والعشاء، فحضرها أبو بكر وعمر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف، فلما وُضعت ليُصلى عليها، قال علي: تقدم يا أبا بكر، قال أبو بكر: وأنت شاهد يا أبا الحسن؟ قال: نعم تقدم، فو الله لا يصلي عليها غيرك، فصلى عليها أبو بكر، ودفنت ليلاً. وجاء في رواية: صلى أبو بكر الصديق على فاطمة بنت رسول الله × فكبر عليها أربعًا ( )، وفي رواية مسلم، صلى عليها علي بن أبي طالب ( ).
هذا وقد كانت صلة سيدنا أبي بكر الصديق خليفة رسول الله × بأعضاء أهل البيت صلة ودية تقديريه تليق به وبهم، وقد كانت هذه المودة والثقة متبادلتين بين أبي بكر وعلي، فقد سمى علي أحد أولاده بأبي بكر ( )، وقد احتضن علي ابن أبي بكر محمدًا بعد وفاة الصديق وكفله بالرعاية ورشحه للولاية في خلافته حتى حسب عليه، وانطلقت الألسنة بانتقاده من أجله ( ).
هذه بعض القضايا الداخلية التي عالجها الصديق ، والتزم فيها بمتابعة الرسول × بكل دقة وحرص، فرضي الله عنه وعن جميع الصحابة الكرام الطيبين الأبرار.
* * *


الفصل الثالث
جيش أسامة وجهاد الصديق لأهل الردة
المبحث الأول
جيــــــش أسامـــــة
أولاً: إنفاذ أبي بكر الصديق جيش أسامة رضي الله عنهما:
كانت الدولة الرومانية إحدى الدولتين المجاورتين للجزيرة العربية في عهد النبي ×، وكانت تحتل أجزاء كبيرة من شمال الجزيرة، وكان أمراء تلك المناطق يُعينون من قبل الدولة الرومانية وينصاعون لأوامرها.
بعث النبي الكريم × الدعاة والبعوث إلى تلك المناطق، وأرسل دحية الكلبي بكتاب إلى هرقل ملك الروم يدعوه فيه إلى الإسلام ( )، ولكنه عاند وأخذته العزة بالإثم، وكانت خطة الرسول × واضحة المعالم لهز هيبة الروم في نفوس العرب، ومن ثم تنطلق جيوش المسلمين لفتح تلك الأراضي، فأرسل × في العام الثامن للهجرة جيشًا واشتبك مع نصارى العرب والروم في معركة مؤتة، واستشهد قادة الجيش على التوالي زيد بن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة ، وتولى قيادة الجيش بعدهم خالد بن الوليد  فعاد بالجيش إلى المدينة النبوية ( ).
وفي العام التاسع للهجرة خرج رسول الله × بجيش عظيم إلى الشام ووصل إلى تبوك( )، ولم يشتبك جيش المسلمين بالروم ولا القبائل العربية وآثر حكام المدن الصلح على الجزية وعاد الجيش إلى المدينة بعدما مكثوا عشرين ليلة بتبوك.( ) وفي العام الحادي عشر ندب النبي × الناس لغزو الروم بالبلقاء وفلسطين وفيهم كبار المهاجرين والأنصار، وأمرَّ عليهم أسامة رضي الله عنهم ( )، قال الحافظ ابن حجر: جاء أنه كان تجهيز جيش أسامة  يوم السبت قبل موت النبي × بيومين، وكان ابتداء ذلك قبل مرض النبي ×، فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر ودعا أسامة  فقال: «سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش» ( ) وطعن بعض الناس في إمارة أسامة  فرد عليهم رسول الله × فقال: «إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده».( )
ومرض النبي × بعد البدء بتجهيز هذا الجيش بيومين واشتد وجعه عليه الصلاة والسلام فلم يخرج هذا الجيش وظل معسكرًا بالجرف ( ) ورجع إلى المدينة بعد وفاة النبي الكريم × ( )، وتغيرت الأحوال مع انتقال الرسول الكريم × إلى رحمة ربه، وصارت كما تصف أم المؤمنين عائشة الصديقة -رضي الله عنها- بقولها: لما قبض رسول الله × ارتدت العرب قاطبة واشرأب ( ) النفاق. والله قد نزل بي ( ) ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها( )، وصار أصحاب محمد × كأنهم معزي ( ) مطيرة في حش ( ) في ليلة مطيرة بأرض مسبعة.( ) ( )
ولما تولى الخلافة الصديق أمَّر  رجلاً في اليوم الثالث من مُتَوَفَّى رسول الله × أن ينادي في الناس: ليتم بعث أسامة ، ألا لا يبقين بالمدينة أحد من جند أسامة  إلا خرج إلى عسكره بالجرف ( )، ثم قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس: إنما أنا مثلكم وإني لا أدري لعلكم تكلفونني ما كان رسول الله × يطيق، إن الله اصطفى محمدًا على العالمين، وعصمه من الآفات، وإنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن استقمت فتابعوني وإن زغت فقوموني، وإن رسول الله × قبض وليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة -ضربة سوط فما دونها – وإن لي شيطانًا يعتريني، فإذا أتاني فاجتنبوني، لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم وأنتم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم ألا يمضي هذا الأجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال، فإن قومًا نسوا آجالهم وجعلوا أعمالهم لغيرهم، فإياكم أن تكونوا أمثالهم، الجد الجد، والوحا الوحا، والنجاء النجاء، فإن وراءكم طالبًا حثيثًا, مَرُّه سريع, احذر الموت واعتبر بالآباء والأبناء والإخوان ولا تغبطوا الأحياء إلا بما تغبطون به الأموات ( ).
وقام أيضًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه، فأريدوا الله بأعمالكم، فإنما أخلصتم لحين فقركم وحاجتكم, اعتبروا عباد الله بمن مات منكم، وتفكروا فيمن كان قبلكم، أين كانوا أمس وأين هم اليوم، أين الجبارون الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب؟ قد تضعضع بهم الدهر وصاروا رميمًا، قد توالت عليهم العالات, الخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات, وأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها؟ قد بعدوا ونسي ذكرهم وصاروا كَلاً شيء إلا أن الله -عز وجل- قد أبقى عليهم التبعات وقطع عنهم الشهوات، ومضوا والأعمال أعمالهم والدنيا دنيا غيرهم، وبعثنا خلقا بعدهم، فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا، وإن انحدرنا كنا مثلهم. أين الوضاءة الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم؟ صاروا ترابًا، وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم. أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط، وجعلوا فيها الأعاجيب؟ قد تركوها لمن خلفهم، فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور: +هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا" [مريم: 98]. أين من تعرفون من آبائكم وإخوانكم؟ قد انتهت بهم آجالهم فوردوا على ما قدموا فحلوا عليه، وأقاموا للشقاوة أو السعادة بعد الموت، ألا إن الله لا شريك له ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرًا ولا يصرف به عنه سوءًا إلا بطاعته واتباع أمره، واعلموا أنكم عبيد مدينون وأن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته، أما آن لأحدكم أن تحسر عنه النار ولا تبعد عنه الجنة ( ).
وفي هذه الخطبة دروس وعبر، منها:
أ- بيان طبيعة خليفة رسول الله × وأنه ليس خليفة عن الله بل عن رسوله ×، وأنه بشر غير معصوم لا يطيق مقام رسول الله × بنبوته ورسالته، ولذلك فهو في سياسته متبع وليس بمبتدع؛ أي أنه على نهج النبي × في الحكم بالعدل والإحسان ( ).
ب- بيان واجب الأمة في مراقبة الحاكم لتعينه في إحسانه وصلاحه, وتقومه وتنصحه في غير ذلك؛ ليظل على الطريق متبعًا غير مبتدع.
ج- بيان أن النبي × عدل بين الأمة فلم يظلم أحدًا، ولذلك ليس لأحد عند النبي × مظلمة صغيرة أو كبيرة، ومعنى هذا أنه سوف يسير على نفس النهج؛ ينشر العدل ويبتعد عن الظلم، ومن ثم على الأمة أن تعينه على ذلك، وإذا رآه أحد غاضبًا فعليه أن يجتنبه حتى لا يؤذي أحدًا فيخالف ما رآه في سياسة الاتباع ( ) للنبي ×. والشيطان الذي يعتري الصديق يعتري جميع بني آدم، فإنه ما من أحد إلا وقد وكل الله به قرينه من الملائكة وقرينه من الجن( )، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فقد قال رسول الله ×: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة» قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: «وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير».( ) وقد جاء في الحديث أيضًا: لما مر به بعض الأنصار وهو يتحدث مع صفية ليلاً فقال: ×: «على رسلكما، إنها صفية بنت حيي» فقالا: سبحان الله يا رسول الله، قال: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف الشيطان في قلوبكما سوءًا» ( )، ومقصود الصديق بذلك: إني لست معصومًا كالرسول ×، وهذا حق ( ).
د- حرص الصديق على وعظ المسلمين وتذكيرهم بالموت وحال الملوك الذين مضوا، وحثهم على العمل الصالح ليستعدوا للقاء الله عز وجل، ويستقيموا في حياتهم على منهج الله تعالى ( )، وهنا نلحظ توظيف الصديق لقوة البيان في خطبه وفي حديثه للأمة، وقد كان  أفصح خطباء النبي ×، يقول عنه الأستاذ العقاد: أما كلامه فهو من أرجح ما قيل في موازين الخلق والحكمة، وله من مواقع الكلم أمثلة نادرة تدل الواحدة منها على ملكة صاحبها، فيغني القليل منها عن الكثير، كما تغني السنبلة الواحدة عن الجرين الحافل، فحسبك أن تعلم معدن القول من نفسه وفكره حين تسمع كلمة كقوله: «احرص على الموت تُوهب لك الحياة» أو قوله: «أصدق الصدق الأمانة، وأكذب الكذب الخيانة». «الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله». فهي كلمات تتسم بالقصد والسداد كما تتسم بالبلاغة وحسن التعبير، وتنبي عن المعدن الذي نجمت منه فتغني عن علامات التثقيف التي يستكثر منها المستكثرون؛ لأن هذا الفهم الأصيل هو اللباب المقصود من التثقيف، وكانت له × لباقة في الخطاب إلى جانب البلاغة في الكلام ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:15 PM
ثانيًا: ما تم بين الصديق والصحابة في أمر إنفاذ الجيش:
اقترح بعض الصحابة على الصديق  بأن يُبقي الجيش فقالوا: إن هؤلاء جل المسلمين، والعرب على ما ترى قد انتقضت بك فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين. ( ) وأرسل أسامة من معسكره من الجرف عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- إلى أبي بكر يستأذنه أن يرجع بالناس وقال: إن معي وجوه المسلمين وجلتهم ولا آمن على خليفة رسول الله × وحرم رسول الله × والمسلمين أن يتخطفهم المشركون( ).
ولكن أبا بكر خالف ذلك وأصر على أن تستمر الحملة العسكرية في تحركها إلى الشام مهما كانت الظروف والأحوال والنتائج، ولم يسترح أسامة وهيئة أركان حربه لإصرار الخليفة على رأيه، وقد بذلوا لدى الخليفة عدة محاولات كي يقنعوه بصواب فكرتهم، وعندما كثر الإلحاح على أبي بكر دعا عامة المهاجرين والأنصار إلى اجتماع في المجلس لمناقشة هذا الأمر معهم، وفي هذا الاجتماع دار نقاش طويل متشعب، وكان أشد المعارضين لاستمرار حملة الشام عمر بن الخطاب، مبديًا تخوفه الشديد على الخليفة وحرم رسول الله وكل المدينة وأهلها من أن تقع في قبضة الأعراب المرتدين المشركين، وعندما أكثر وجوه الصحابة بهذا الصدد على الخليفة وخوفوه مما ستتعرض له المدينة من أخطار جسام إن هو أصر على تحريك جيش أسامة لغزو الروم، أمر بفض الاجتماع الأول ( ) بعد أن سمع الصديق لرأيهم واستوضح منهم إن كان لأحدهم ما يقول، وذلك حتى يعطي إخوانه وأهل الرأي كامل الفرصة لبيان رأيهم ( )، ثم دعاهم إلى اجتماع عام آخر في المسجد، وفي هذا الاجتماع طلب من الصحابة أن ينسوا فكرة إلغاء مشروع وضعه رسول الله × بنفسه، وأبلغهم أنه سينفذ هذا المشروع حتى لو تسبب تنفيذه في احتلال المدينة من قبل الأعراب المرتدين، فقد وقف خطيبًا وخاطب الصحابة ( ) قائلاً: والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله ×، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته ( ).
نعم لقد كان أبو بكر مصيبًا فيما عزم عليه من بعث أسامة مخالفًا بذلك رأي جميع المسلمين؛ لأن في ذلك أمرًا من رسول الله × وقد أثبتت الأيام والأحداث سلامة رأيه وصواب قراره الذي اعتزم تنفيذه ( ).
وطلبت الأنصار رجلاً أقدم سنًّا من أسامة يتولى أمر الجيش، وأرسلوا عمر بن الخطاب ليحدث الصديق في ذلك، فقال عمر : فإن الأنصار تطلب رجلاً أقدم سنًا من أسامة، ، فوثب أبو بكر  وكان جالسًا فأخذ بلحية عمر ، وقال له ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب! استعمله رسول الله × وتأمرني أن أنزعه ( )، فخرج عمر  إلى الناس فقالوا: ما صنعت؟ فقال: امضوا ثكلتكم أمهاتكم! ما لقيت في سببكم من خليفة رسول الله × ( ).
ثم خرج أبو بكر الصديق  حتى أتاهم فأشخصهم وشيعهم وهو ماش وأسامة راكب. وعبد الرحمن بن عوف يقود دابة أبي بكر -رضي الله عنهم- فقال له أسامة : يا خليفة رسول الله ×: والله لتركبن أو لأنزلن، فقال: والله لا تنزل ووالله لا أركب، وما عليَّ أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة ( ).
ثم قال الصديق  لأسامة : إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل. فأذن له( )، ثم توجه الصديق  إلى الجيش فقال: يا أيها الناس، قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني:
لا تخونوا ولا تُغِلوا ولا تغدروا ولا تمثِّلوا ( )، ولا تقتلوا طفلاً صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم منه شيئًا بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها. وتلقون أقوامًا قد فحصوا ( ) أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فأخفقوهم ( ) بالسيف خفقًا. اندفعوا باسم الله ( ).
وأوصى الصديق أسامة -رضي الله عنهما- أن يفعل ما أمر به النبي الكريم × قائلاً: اصنع ما أمرك به نبي الله ×؛ ابدأ ببلاد قضاعة ثم إيت آبل ( ) ولا تقصرن في شيء من أمر رسول الله ×، ولا تعجلن لما خلفت عن عهده.( ) ومضى أسامة  بجيشه، وانتهى إلى ما أمر به النبي × من بث الخيول في قبائل قضاعة والغارة على آبل فسلم وغنم ( )، وكان مسيرة ذاهبًا وقافلاً أربعين يومًا.( )
وقدم بنعي رسول الله على هرقل وإغارة أسامة في ناحية أرضه خبر واحد، فقالت الروم: ما بال هؤلاء يموت صاحبهم ثم أغاروا على أرضنا ( )؟ وقال العرب: لو لم يكن لهم قوة لما أرسلوا هذا الجيش ( )، فكفوا عن كثير مما كانوا يريدون أن يفعلوه ( ).
ثالثًا: أهم الدروس والعبر والفوائد من إنفاذ الصديق جيش أسامة:
1- الأحوال تتغير وتتبدل والشدائد لا تشغل أهل الإيمان عن أمر الدين:
ما أشد التحول وأخطره، وما أسرعه كذلك! سبحان الله الذي يقلب الأحول كيفما يشاء: +فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ" [البروج: 16]، +لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ" [الأنبياء: 23]، تأتي وفود العرب مذعنة منقادة مطيعة وبهذه الكثرة، حتى سمي العام التاسع (عام الوفود)، ثم
تنقلب الأحوال فيخشى من أن تأتي القبائل العربية للإغارة على المدينة المنورة عاصمة الإسلام ( )، بل قد جاءت للإغارة للقضاء على -حسب زعمها الباطل- على الإسلام والمسلمين( )، ولا غرابة في هذا فإن من سنن الله الثابتة في الأمم أن أيامها لا تبقى ثابتة على حالة بل تتغير وتتبدل، وقد أخبر بذلك الذي يقلب الأيام ويصرفها -عز وجل- بقوله: +وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ" [آل عمران: 140].
قال الرازي في تفسيره: والمعنى أن أيام الدنيا هي دول بين الناس لا يدوم مسارها ولا مضارها، فيوم يحصل فيه سرور له والغم لعدوه، ويوم آخر بالعكس من ذلك ولا يبقى شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها ( ).
وجاءت صيغة المضارعة نُداولُها للدلالة على تجدد سنة مداولة الأيام من الأمم واستمرارها، وفي هذا قال القاضي أبو السعود: وصيغة المضارع الدالة على التجدد والاستمرار للإيذان بأن تلك المداولة سنة مسلوكة بين الأمم قاطبة سابقتها ولاحقتها ( ) وقد قيل: الأيام دول والحرب سجال ( ).
وقال الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا
ويوم نُساء ويوم نُسَرُّ ( )

فالصديق يعلِّم الأمة إذا نزلت بها الشدة وألمت بها المصيبة أن تصبر، فالنصر مع الصبر، وأن لا تيأس ولا تقنط من رحمة الله: +إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ" [الأعراف: 56]، وليتذكر المسلم دائمًا أن الشدة مهما عظمت والمصيبة مهما اشتدت وكبرت فإن من سنن الله الثابتة: +فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا  إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" [الانشراح: 5، 6]، وإن المسلم لأمره عجيب في هذه الدنيا، فقد بين رسول الله × ذلك في قوله: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» ( ).
ومن الدروس المستفادة من بعث جيش أسامة: أن الشدائد والمصائب مهما عظمت وكبرت لا تشغل أهل الإيمان عن أمر الدين. إن وفاة الرسول الكريم × لم تشغل الصديق عن أمر الدين، وأمر ببعث أسامة في ظروف حالكة مظلمة بالنسبة للمسلمين، ولكن ما تعلمه الصديق من رسول الله من الاهتمام بأمر الدين مقدم على كل شيء، وبقي هذا الأمر حتى ارتحل من هذه الدنيا ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:17 PM
2- المسيرة الدعوية لا ترتبط بأحد ووجوب اتباع النبي ×:
وفي قضية إنفاذ أبي بكر الصديق جيش أسامة -رضي الله عنهما- نجد أن الصديق  بين بقوله وعمله أن مسيرة الدعوة لم ولن تتوقف حتى بموت سيد الخلق وإمام الأنبياء وقائد المرسلين ×، وأثبت مواصلة العمل الدعوي بالمبادرة إلى إنفاذ هذا الجيش حيث نادى مناديه في اليوم الثالث من وفاة رسول الله × بخروج جند أسامة  إلى عسكره بالجرف، وقد كان الصديق  قبل ذلك قد بين في خطبته التي ألقاها إثر بيعته عن عزمه على مواصلة بذل الجهود لخدمة هذا الدين.( )
وقد جاء في رواية قوله: فاتقوا الله أيها الناس، واعتصموا بدينكم وتوكلوا على ربكم؛ فإن دين الله قائم وإن كلمة الله تامة، وإن الله ناصر من نصره ومعز دينه. والله, لا نبالي من أجلب علينا من خلق الله، إن سيوف الله لمسلولة ما وضعناها بعد، ولنجاهدن من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله × فلا يبغين أحد إلا على نفسه ( ).
ومن الدروس المستفادة من قصة إنفاذ الصديق جيش أسامة -رضي الله عنهما-: أنه يجب على المسلمين اتباع أمر النبي × في السراء والضراء، فقد بين الصديق من فعله أنه عاضُّ على أوامر النبي × بالنواجذ ومنفذها مهما كثرت المخاوف واشتدت المخاطر، وقد تجلى هذا أثناء هذه القصة عدة مرات، منها:
أ- لما طلب المسلمون إيقاف جيش أسامة  نظرًا لتغير الأحوال وتدهورها أجاب  بمقولته الخالدة: والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفتني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله ×، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته ( ).
ب- ولما استأذنه أسامة -رضي الله عنهما- في الرجوع بجيشه من الجرف إلى المدينة خوفًا على الصديق وأهل المدينة لم يأذن له، بل أبدى عزمه وتصميمه على تنفيذ قضاء النبي الكريم × بقوله: لو خطفتني الكلاب والذئاب لم أرد قضاء قضى به رسول الله ( )،
وقدَّم  بموقفه هذا صورة تطبيقية لقول الله -عز وجل-: +وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِينًا"[الأحزاب: 36].
ج- وعندما طُلب منه تعيين رجل أقدم سنًّا من أسامة  أبدى غضبه الشديد على الفاروق  بسبب جرأته على نقل مثل هذا الاقتراح( )، وقال له: ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب! استعمله رسول الله × وتأمرني أن أنزعه ( ).
د- وتجلى اهتمام أبي بكر الصديق  باتباع النبي الكريم × وكذلك في خروجه لتشييع الجيش ومشيه مع أسامة  الذي كان راكبًا( )، ولقد كان الصديق  في عمله هذا مقتديًا بما فعله سيد الأولين والآخرين رسولنا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه مع معاذ ابن جبل  لما بعثه رسول الله × إلى اليمن ( )، فقد روى الإمام أحمد عن معاذ بن جبل  قال: لما بعثه رسول الله × إلى اليمن خرج معه رسول الله × يوصيه ومعاذ  راكب، ورسول الله × يمشي تحت راحلته ( ).
قال الشيخ أحمد البنا تعليقا على هذا الحديث: وقد فعل ذلك أبو بكر  بأسامة بن زيد -رضي الله عنهما- مع صغر سنه، فقد عقد له النبي × قبل وفاته لواء على جيش ولم يسافر إلا بعد وفاة النبي ×، فشيعه أبو بكر  ماشيًا وأسامة  راكبًا، اقتداء بما فعله
النبي × بمعاذ  ( ).
هـ- وظهرت عناية أبي بكر الصديق  بالاقتداء بالرسول الكريم × أيضا في قيامه بتوصية الجيش عند توديعهم؛ حيث كان رسول الله × يوصي الجيوش عند توديعهم، ولم يقتصر الصديق على هذا؛ بل إن معظم ما جاء في وصيته لجيش أسامة كان مقتبسًا من وصايا النبي × للجيوش ( ).
ولم يقف أبو بكر الصديق  في الاقتداء بالرسول الكريم × فيما قاله وفعله فحسب، بل أمر أمير الجيوش أسامة  بتنفيذ أمره ×، ونهاه عن التقصير فيه ( )، فقد قال له -رضي الله عنهما-: اصنع ما أمرك به نبي الله ×، ابدأ ببلاد قضاعة ثم إيت آبل، ولا تقصرن شيئًا من أمر رسول الله × ( )، وفي رواية أخرى أنه قال: امض يا أسامة للوجه الذي أُمرت به، ثم اغز حيث أمرك رسول الله × من ناحية فلسطين وعلى أهل مؤتة، فإن الله سيكفي ما تركت. ( ) وفي رواية عند ابن الأثير: وأوصى أسامة  أن يفعل ما أمر به رسول الله × ( ).
لقد انقاد الصحابة -رضي الله عنهم- لرأي الصديق وشرح الله صدورهم لذلك، وتمسكوا بأمر الرسول الكريم ×، وبذلوا المستطاع لتحقيقه، فنصرهم الله تعالى ورزقهم الغنائم وألقى في قلوب الناس هيبتهم، وكف عنهم كيد الأعداء وشرهم ( ).
وقد تحدث (توماس آرنولد) عن بعث جيش أسامة فقال: بعد وفاة محمد × أرسل أبو بكر  الجيش الذي كان النبي × قد عزم على إرساله إلى مشارف الشام، على الرغم من معارضة بعض المسلمين، بسبب الحالة المضطربة في بلاد العرب إذ ذاك، فأسكت احتجاجهم بقوله: قضاء قضى به رسول الله، ولو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت جيش أسامة  كما أمر النبي × ( )... ثم قال: وكانت هذه هي أولى تلك السلسلة الرائعة من الحملات التي اجتاح العرب فيها سوريا وفارس وإفريقيا الشمالية، فقوضوا دولة فارس القديمة، وجردوا الإمبراطورية الرومانية من أجمل ولاياتها ( ).
وهكذا نرى الله تعالى قد ربط نصر الأمة وعزها باتباع النبي الكريم ×، فمن أطاعه
فله النصر والتمكين ومن عصاه فله الذل والهوان، فسر حياة الأمة في طاعتها لربها
واقتدائها بسنة نبيها × ( ).
3- حدوث الخلاف بين المؤمنين ورده إلى الكتاب والسنة:
ومما نستفيد من هذه القصة أنه قد يحدث الخلاف بين المؤمنين الصادقين حول بعض الأمور؛ فقد اختلفت الآراء حول إنفاذ جيش أسامة  في تلك الظروف الصعبة، وقد تعددت الأقوال حول إمارته، ولم يجرهم الخلاف في الرأي إلى التباغض والتشاجر والتدابر والتقاطع والتقاتل، ولم يصر أحد على رأي بعد وضوح فساده وبطلانه ( )، وعندما رد الصديق الخلاف إلى ما ثبت من أمر النبي × ببعث أسامة وبيَّن  أنه ما كان ليفرط فيما أمر به رسول الله × مهما تغيرت الأحوال وتبدلت، استجاب بقية الصحابة لحكم النبي × بعدما وضحه لهم الصديق، كما أنه لا عبرة لرأي الأغلبية إذا كان مخالفًا للنص؛ فقد رأى عامة الصحابة حبس جيش أسامة وقالوا للصديق: إن العرب قد انتقضت عليك وإنك لا تصنع بتفريق الناس شيئًا ( )، فأولئك الناس لم يكونوا كعامة الناس بل كانوا من الصحابة الذين هم خير البشر وجدوا على الأرض بعد الأنبياء والرسل عليهم السلام، لكن
الصديق  لم يستجب لهم مبينًا أن أمر رسول الله × أجل وأكرم وأوجب وألزم من رأيهم كلهم.( ) وقد تجلت هذه الحقيقة في حادثة وفاة النبي ×؛ حيث رأى عامة الصحابة -رضي الله عنهم- وفيهم عمر  أن النبي × لم يمت، ورأى عدد قليل من الصحابة -رضي الله عنهم- أنه × قد مات؛ منهم أبو بكر ، وقد رأينا أن أبا بكر تمسك بالنص وبيَّن خطأ من قال: إن رسول الله × لم يمت ( ).
قال الحافظ ابن حجر تعليقًا على رأي الأكثرين حول وفاته ×: فيؤخذ منه على أن الأقل عددا في الاجتهاد قد يصيب ويخطئ الأكثرية، فلا يتعين الترجيح بالأكثر ( ).
فخلاصة الكلام أن مما نستفيده من قصة تنفيذ الصديق جيش أسامة -رضي الله عنهما- أن تأييد الكثرة لرأي ليس دليلاً على إصابته ( )، ومما يستفاد من هذه القصة انقياد المؤمنين وخضوعهم للحق إذا اتضح لهم، فعندما ذكرهم الصديق أن النبي × قد أمر بتنفيذ جيش أسامة وهو الذي عين أسامة أميرًا على الجيش، انقاد أولئك الأبرار للأمر
النبوي الكريم ( ).
4- جعل الدعوة مقرونة بالعمل، ومكانة الشباب في خدمة الإسلام:
لما أصر أبو بكر  على إبقاء أسامة بن زيد  أميرا للجيش حرصًا على التمسك بما قرره رسول الله ×، لم يقتصر على الإصرار على إمارته فحسب، بل قدم اعترافًا عمليًا بإمارته وقد تجلى ذلك في أمرين:
أ‌- مشى أبو بكر  مع أسامة  وهو راكب، وقد كان ابن عشرين سنة أو ثماني عشرة سنة، وكان الصديق  قد تجاوز ستين سنة من عمره، وأصر على المشي مع أسامة ، كما أصر على بقاء أسامة  راكبًا لما طلب منه أسامة  إما أن يركب هو أو يأذن له بالنزول، فلم يوافق  لا على هذا ولا على ذاك، وبهذا قدم  باستمراره في مشيه ذلك دعوة لجيش أسامة  إلى الاعتراف بإمرة أسامة  ورفع الحرج عنها من صدورهم، وكأن الصديق  بمشيه ذلك يخاطب الجيش فيقول: انظروا أيها المسلمون أنا أبو بكر رغم كوني خليفة رسول الله × أمشي مع أسامة وهو راكب، إقرارًا وتقديرًا لإمارته؛ حيث أمره رسولنا الكريم -إمامنا الأعظم وقائدنا الأعلى صلوات ربي وسلامه عليه- فكيف تجرأتم أنتم على الانتقاد على إمارته ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:18 PM
ب‌- كان أبو بكر الصديق يرغب في بقاء عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- بالمدينة نظرا لحاجته إليه، لكنه لم يأمر بذلك بل استأذن من أسامه  في تركه إياه بالمدينة إن رأى هو ذلك مناسبًا، وبهذا قدم الصديق  صورة تطبيقية أخرى لاعترافه واحترامه لإمارة أسامة ، وفيها بلا شك دعوة قوية للجيش إلى الإقرار والانقياد لإمارته.
وهذا الذي اهتم به الصديق  من جعل دعوته مقرونة بالعمل هو الذي أمر به الإسلام، ووبخ الرب -عز وجل- أولئك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ( )، قال تعالى: +أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ" [البقرة: 44].
ومما يتجلى في هذه القصة كذلك منزلة الشباب العظيمة في خدمة الإسلام؛ فقد عين رسول الله × الشاب أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- أميرا على الجيش المعد لقتال الروم -القوة العظيمة في زعم الناس في ذلك الوقت- وكان عمره آنذاك عشرين سنة أو ثماني عشرة سنة، وأقره أبو بكر الصديق  على منصبه رغم انتقاد الناس، وعاد الأمير الشاب بفضل الله تعالى من مهمته التي أسندت إليه غانمًا ظافرًا، وفي هذا توجيه للشباب في معرفة مكانتهم في خدمة الإسلام. ولو نعيد النظر في تاريخ الدعوة الإسلامية في المرحلتين المكية والمدنية لوجدنا شواهد كثيرة تدل على ما قام به شباب الإسلام في خدمة القرآن والسنة، وإدارة أمور الدولة، والمشاركة في الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الله تعالى ( ).
5- صورة مشرقة من آداب الجهاد في الإسلام:
ومن فوائد قصة بعث أبي بكر  لجيش أسامة أنها تقدم لنا صورة مشرقة للجهاد الإسلامي، وقد تجلت تلك الصورة في وصية أبي بكر الصديق لجيش أسامة عند توديعه إياهم، ولم يكن أبو بكر الصديق  في وصاياه للجيوش إلا مستنا بسنة المصطفى ×؛ حيث كان عليه الصلاة والسلام يوصي الأمراء والجيوش عند توديعهم ( )، ومن خلال فقرات الوصية التي جاءت في البحث تظهر الغاية من حروب المسلمين فهي دعوة إلى الإسلام،
فإذا ما رأت الشعوب جيشًا يلتزم بهذه الوصايا لا تملك إلا الدخول في دين الله
طواعية واختيارًا:
أ- إنها ترى جيشًا لا يخون، بل يصون الأمانة ويفي بالعهد ولا يسرق مال الناس أو يستولي عليه دون حق.
ب- ترى جيشًا لا يمثل بالآدميين؛ بل هو يحسن القتل كما يحسن العفو، يحترم الطفل ويرحمه، ويبرّ الشيخ الكبير ويكرمه، ويصون المرأة ويحفظها.
ج- ترى جيشًا لا يبدد ثروة البلاد المفتوحة، بل تراه يحفظ النخيل ولا يحرقه، ولا يقطع شجرة مثمرة، ولا يدمر المزروعات أو يخرب الحقول.
د- وإذا ما حافظ على الثروة الآدمية فلم يغدر ولم يخن ولم يغل ولم يمثل بقتيل ولم يقتل طفلاً ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، وحافظ على الثروة الزراعية فلم يعقر نخلاً أو يقطع شجرة مثمرة، فهو يحافظ في نفس الوقت على الثروة الحيوانية فلا يذبح شاة أو بقرة أو بعيرًا إلا للأكل فقط، فهل تحافظ الجيوش المشركة على واحد من هذه الأشياء، أم أنها تحول البلاد التي تحاربها إلى خراب ودمار؟ والمثال قائم في العدوان الشيوعي الملحد على أفغانستان ( )، وفي البوسنة من قبل الصرب وكذلك كوسوفا، وفي كشمير من قبل الهند على المسلمين، وفي الشيشان، وفي فلسطين من قبل اليهود، ألا ما أعظم الفرق بين هداية الله وضلال الملحدين.
هـ- وهو جيش يحترم العقائد والأديان السابقة عليه، فيحافظ على العباد في صوامعهم ولا يتعرض لهم بأذى... وتلك دعوة عملية تدل على سماحة الإسلام وعدالته، أما من يعيثون في الأرض فسادًا ويحاربون الحق فجزاؤهم القتل ليكونوا عبرة لغيرهم ( ).
وما جاء في وصية الصديق  لم يكن كلمات قيلت بل طبقها المسلمون في عصره وبعده ( ) وسنرى ذلك بإذن الله في فتوحاته .
6- أثر جيش أسامة على هيبة الدولة الإسلامية:
عاد جيش أسامة ظافرًا غانمًا بعدما أرهب الروم حتى قال لهم هرقل وهو بحمص بعدما جمع بطارقته: هذا الذي حذرتكم فأبيتم أن تقبلوا مني!! قد صارت العرب تأتي مسيرة شهر فتغير عليكم، ثم تخرج من ساعتها ولم تكْلَمْ. قال أخوه «يناف»: فابعث رباطًا (جندا مرابطين) تكون بالبلقاء، فبعث رباطًا واستعمل عليهم رجلاً من أصحابه، فلم يزل مقيمًا حتى تقدمت البعوث إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ( )، ثم تعجب الروم بأجمعهم وقالوا: ما بال هؤلاء يموت صاحبهم ثم أغاروا على أرضنا؟.( )
وأصاب القبائل العربية في الشمال الرعب والفزع من سطوة الدولة ( )، وعندما بلغ جيش أسامة الظافر إلى المدينة تلقاه أبو بكر وكان قد خرج في جماعة من كبار المهاجرين والأنصار للقائه، وكلهم خرج وتهلل، وتلقاه أهل المدينة بالإعجاب والسرور والتقدير، ودخل أسامة المدينة وقصد مسجد رسول الله × وصلى لله شكرًا على ما أنعم به عليه وعلى المسلمين، وكان لهذه الغزوة أثر في حياة المسلمين وفي حياة العرب الذين فكروا في الثورة عليهم، وفي حياة الروم الذين تمتد بلادهم على حدودهم ( )، فقد فعل هذا الجيش بسمعته ما لم يفعله بقوته وعدده، فأحجم من المرتدين من أقدم، وتفرق من اجتمع، وهادن المسلمين من أوشك أن ينقلب عليهم، وصنعت الهيبة صنيعها قبل أن يصنع الرجال، وقبل أن يصنع السلاح ( ).
حقًا، لقد كان إرسال هذا الجيش نعمة على المسلمين، إذ أمست جبهة الردة في الشمال أضعف الجبهات، ولعل من آثار هذا أن هذه الجبهة في وقت الفتوحات كان كسرها أهون على المسلمين من كسر جبهة العدو في العراق، كل ذلك يؤكد أن أبا بكر  كان في الأزمات من بين جميع الباحثين عن الحل أثقبهم نظرًا وأعمقهم فهمًا ( ).
* * *
المبحث الثاني
جهاد الصديق لأهل الردة
أولاً: الردة اصطلاحًا، وبعض الآيات التي حذرت من الردة:
1- الردة اصطلاحًا:
عرف النووي الردة بأنها: قطع الإسلام بنية أو قول كفر أو فعل، سواء قاله استهزاء أو عنادًا أو اعتقادًا، فمن نفى الصانع أو الرسل أو كذّب رسولاً أو حلل محرمًا بالإجماع كالزنا وعكسه، أو نفى وجوب مجمع عليه أو عكسه، أو عزم على الكفر أو تردد فيه كفر( ).
وعرفها عليش المالكي بأنها: كفر المسلم بقول صريح أو لفظ يقتضيه أو بفعل يتضمنه ( ).
وعرف ابنُ حزم الظاهري (المرتدَ) بأنه: كل من صح عنه أنه كان مسلمًا متبرئًا من كل دين حاشا دين الإسلام، ثم ثبت عنه أنه ارتد عن الإسلام وخرج إلى دين كتابي أو غير كتابي أو إلى غير دين ( ).
وعرفه عثمان الحنبلي: بأنه لغة: الراجع، قال تعالى: +وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ" [المائدة: 21]، وشرعًا: من أتى بما يوجب الكفر بعد إسلامه ( ).
ومعنى هذا أن المرتد هو كل من أنكر معلومًا من الدين بالضرورة كالصلاة والزكاة والنبوة وموالاة المؤمنين، أو أتى بقول أو فعل لا يحتمل تأويلاً غير الكفر.( )
2- بعض الآيات التي أشارت إلى المرتدين:
أطلق الله -سبحانه وتعالى- على المرتدين عن دينه عبارات تشير إلى هذا المرتكس الوبيل الذي تحولوا إليه، منها الردة على الأعقاب أو على الأدبار والانقلاب بالخسران وطمس الوجوه، ورد الأيدي في الأفواه والارتياب والتردد واسوداد الوجوه ( )، قال تعالى: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ" [آل عمران: 149]، وقال تعالى: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولا" [النساء: 47]، وجاء في تفسير ابن كثير: وطمسها أن تعمى وقوله: فنردها على أدبارها أي: تجعل لأحدهم عينين من قفاه، وهذا أبلغ في العقوبة والنكال، وهذا مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبيل الضلالة يهرعون ويمشون القهقري على أدبارهم ( ).
وقال تعالى: +يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ" [آل عمران: 106].
نقل القرطبي فيها جملة آراء منها رأي قتادة أنها في المرتدين، كما نقل حديثًا لأبي هريرة وقال عنه: يستشهد به بأن الآية في الردة وهو: «يرد على الحوض يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض فأقول: يا رب أصحابي! فيقول: إنك لا علم لك ما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري».( ) وفي رواية أخرى لهذا الحديث عن ابن عباس قال: قال رسول الله ×: «يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات اليمين فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم». ( )
ثانيًا: أسباب الردة وأصنافها:
إن الردة التي قامت بها القبائل بعد وفاة رسول الله × لها أسباب، منها: الصدمة بموت رسول الله ×، ورقة الدين والسقم في فهم نصوصه، والحنين إلى الجاهلية ومقارفة موبقاتها، والتفلت من النظام والخروج على السلطة الشرعية، والعصبية القبلية والطمع في الملك، والتكسب بالدين والشح بالمال، والتحاسد، والمؤثرات الأجنبية ( ) كدور اليهود والنصارى والمجوس، وسنتحدث عن كل سبب بإذن الله تعالى

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:19 PM
وأما أصنافها: فمنهم من ترك الإسلام جملة وتفصيلاً وعاد إلى الوثنية وعبادة الأصنام، ومنهم من ادعى النبوة، ومنهم من دعا إلى ترك الصلاة، ومنهم من بقي يعترف بالإسلام ويقيم الصلاة ولكنه امتنع عن أداء زكاته، ومنهم من شمت بموت الرسول وعاد أدراجه يمارس عاداته الجاهلية، ومنهم من تحير وتردد وانتظر على من تكون الدبرة، وكل ذلك وضحه علماء الفقه والسير ( ).
قال الخطابي: إن أهل الردة كانوا صنفين: صنفًا ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعادوا إلى الكفر، وهذه الفرقة طائفتان: إحداهما أصحاب مسيلمة من بني حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على دعواه في النبوة، وأصحاب الأسود العنسي ومن كان من مستجيبيه من أهل اليمن وغيرهم، وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة سيدنا محمد × مدعية النبوة لغيره، والطائفة الأخرى ارتدوا عن الدين وأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها إلى الإمام ( )... وقد كان ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح (بها) ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك، وقبضوا أيديهم على ذلك ( ).
وقريب من هذا التقسيم لأصناف المرتدين تقسيم القاضي عياض غير أنهم عنده ثلاثة: صنف عادوا إلى عبادة الأوثان، وصنف تبعوا مسيلمة والأسود العنسي، وكل منهما ادعى النبوة، وصنف ثالث استمروا على الإسلام ولكنهم جحدوا الزكاة، وتأولوا بأنها خاصة بزمن النبي × ( ).
وقسم الدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود المرتدين إلى أربعة أصناف: صنف عادوا إلى عبادة الأوثان والأصنام، وصنف اتبعوا المتنبئين الكذبة الأسود العنسي ومسيلمة وسجاح، وصنف أنكروا وجوب الزكاة وجحدوها، وصنف لم ينكروا وجوبها ولكنهم أبوا أن يدفعوها إلى أبي بكر ( ).
ثالثًا: الردة أواخر عصر النبوة:
بدأت هذه الردة منذ العام التاسع للهجرة المسمى بعام الوفود، وهو العام الذي أسلمت فيه الجزيرة العربية قيادها للرسول × ممثلة بزعمائها الذين قدموا عليه من أصقاعها المختلفة، وكانت حركة الردة في هذه الأثناء لما تستعلن بشكل واسع، حتى إذا كان أواخر العام العاشر الهجري وهو عام حجة الوداع التي حجها رسول الله ×، ونزل به وجعه الذي مات فيه وتسامع بذلك الناس، بدأ الجمر يتململ من تحت الرماد، وأخذت الأفاعي تطل برؤوسها من جحورها، وتجرأ الذين في قلوبهم مرض على الخروج، فوثب الأسود العنسي باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة، وطليحة الأسدي في بلاد قومه ( )، ولما كان أخطر متمردين على الإسلام وهما الأسود العنسي ومسيلمة وأنهما مصممان كما يبدو على المضي في طريق ردتهما قدما دون أن يفكرا في الرجوع، وأنهما مشايعان بقوى غفيرة وإمكانيات وفيرة فقد أرى الله نبيه × من أمرهما ما تقر به عينه، ومن ثم ما تقر به عيون أمته من بعده، فقد قال يومًا وهو يخطب الناس على منبره: «أيها الناس، إني قد أريت ليلة القدر ثم أنسيتها، ورأيت أن في ذراعي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا، فأولتهما هذين الكذابين: صاحب اليمن وصاحب اليمامة» ( ).
وقد فسر أهل العلم بالتعبير هذه الرؤيا على هذه الصورة فقالوا: إن نفخه × لهما يدل على أنهما يقتلان بريحه لأنه لا يغزوهما بنفسه، وإن وصفه لهما بأنهما من ذهب دلالة على كذبهما لأن شأنهما زخرف وتمويه، كما دل لفظ السوارين على أنهما ملكان؛ لأن الأساورة هم الملوك، ودلا بكونهما يحيطان باليدين أن أمرهما يشتد على المسلمين فترة لكون السوار مضيقًا على الذراع.( )
وعبر الدكتور علي العتوم بقوله:«... بأن طيرانهما بالنفخ دلالة على ضعف كيدهما مهما تضاخم، فشأنهما زبد لا بد أن يؤول إلى جفاء ما دام هذا الكيد مستمدًا من الشيطان فهو واهن لا محالة، إذ أقل هجمة مركزة في سبيل الله تحيلهما أثرًا بعد عين، وكونهما من ذهب دلالة على أنهما يقصدان من عملهما الدنيا؛ لأن الذهب رمز لحطامها الذي يسعى المغترون بها خلفه، وأنها سوارن إشارة إلى محاولتهما الإحاطة بكيان المسلمين عن طريق الإحاطة بهم من كل جانب، تمامًا كما يحيط السوار بالمعصم» ( ).
رابعًا: موقف الصديق من المرتدين:
لما كانت الردة قام أبو بكر  في الناس خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: الحمد لله الذي هدى فكفى، وأعطى فأعفى. إن الله بعث محمدًا × والعلم شريد، والإسلام غريب طريد، قد رث حبله وخَلَق ثوبه وضل أهله منه، ومقت الله أهل الكتاب فلا يعطيهم خيرًا لخير عندهم، ولا يصرف عنهم شرًّا لشر عندهم، وقد غيروا كتابهم وألحقوا فيه ما ليس منه، والعرب الآمنون يحسبون أنهم في منعة من الله لا يعبدونه ولا يدعونه، فأجهدهم عيشًا وأظلهم دينًا, في ظلف من الأرض مع ما فيه من السحاب، فختمهم الله بمحمد وجعلهم الأمة الوسطى، ونصرهم بمن اتبعهم، ونصرهم على غيرهم، حتى قبض الله نبيه فركب منهم الشيطان مركبه الذي أنزل عليه، وأخذ بأيديهم، وبغى هلكتهم: +وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَّضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ" [آل عمران: 144].
إن من حولكم من العرب قد منعوا شاتهم وبعيرهم، ولم يكونوا في دينهم –وإن رجعوا إليه- أزهد منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا على ما قد تقدم من بركة نبيكم، وقد وكلكم إلى المولى الكافي الذي وجده ضالاً فهداه وعائلاً فأغناه: +وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا" [آل عمران: 103].
والله لا أدع أن أقاتل على أمر الله حتى ينجز الله وعده ويوفي لنا عهده، ويقتل من قتل منا شهيدًا من أهل الجنة، ويبقى من بقي منها خليفته وذريته في أرضه، قضاء الله الحق، وقوله الذي لا خلف له: +وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ" ( ) [النور: 55].
وقد أشار بعض الصحابة -ومنهم عمر- على الصديق بأن يترك مانعي الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم، ثم هم بعد ذلك يزكون، فامتنع الصديق عن ذلك وأباه ( ).
فعن أبي هريرة  قال: لما توفي رسول الله × وكان أبو بكر ، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر : كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله ×: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه ( )، وحسابه على الله»؟ فقال: والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا ( ) كانوا يؤدونها إلى رسول الله × لقاتلتهم على منعها. وفي رواية: والله لو منعوني عقالاً ( )، كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر فعرفت أنه الحق ( )، ثم قال عمر بعد ذلك: والله لقد رجح إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة جميعًا في قتال أهل الردة.( )
وبذلك يكون أبو بكر قد كشف لعمر -وهو يناقشه- عن ناحية فقهية مهمة أجلاها له وكانت قد غابت عنه، وهي أن جملة جاءت في الحديث النبوي الشريف الذي احتج به عمر هي الدليل على وجوب محاربة من منع الزكاة حتى إن نطق بالشهادتين، هي قول النبي ×: «فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها».( )، وفعلاً كان رأي أبي بكر في حرب المرتدين رأيًا ملهمًا وهو الرأي الذي تمليه طبيعة الموقف لمصلحة الإسلام والمسلمين، وأي موقف غيره سيكون فيه الفشل والضياع والهزيمة والرجوع إلى الجاهلية، ولولا الله ثم هذا القرار الحاسم من أبي بكر لتغير وجه التاريخ وتحولت مسيرته ورجعت عقارب الساعة إلى الوراء، ولعادت الجاهلية تعيث في الأرض فسادًا ( ).
لقد تجلى فهمه الدقيق للإسلام وشدة غيرته على هذا الدين وبقاؤه على ما كان عليه في عهد نبيه في الكلمة التي فاض بها لسانه ونطق بها جَنَانه، وهي الكلمة التي تساوي خطبة بليغة طويلة وكتابًا حافلاً، وهي قوله عندما امتنع كثير من قبائل العرب أن يدفعوا الزكاة إلى بيت المال أو منعوها مطلقًا وأنكروا فرضيتها: قد انقطع الوحي وتم الدين، أينقص وأنا
حي؟ ( ) وفي رواية: قال عمر: فقلت: يا خليفة رسول الله، تألف الناس وارفق بهم. فقال لي: أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام، قد انقطع الوحي وتم الدين، أينقص وأنا حي؟. ( )
لقد سمع أبو بكر وجهات نظر الصحابة في حرب المرتدين، وما عزم على خوض الحرب إلا بعد أن سمع وجهات النظر بوضوح، إلا أنه كان سريع القرار حاسم الرأي، فلم يتردد لحظة واحدة بعد ظهور الصواب له، وعدم التردد كان سمة بارزة من سمات أبي بكر –هذا الخليفة العظيم- في حياته كلها ( )، ولقد اقتنع المسلمون بصحة رأيه ورجعوا إلى قوله واستصوبوه.
لقد كان أبو بكر  أبعد الصحابة نظرًا وأحقهم فهمًا وأربطهم جنانًا وفي هذه الطامة العظيمة ( )، والمفاجأة المذهلة، ومن هنا أتى قول سعيد بن المسيب -رحمه الله-: وكان أفقههم -يعني الصحابة- وأمثلهم رأيًا ( ).
إن أبا بكر كان أنفذ بصيرة من جميع من حوله؛ لأنه فهم بإيمانه الذي فاق إيمانهم جميعًا أن الزكاة لا تنفصل عن الشهادتين، فمن أقر لله بالوحدانية لا بد أن يقر له بما يفرض من حق في ماله، الذي هو مال الله أصلاً وأن لا إله إلا الله بغير زكاة لا وزن لها في حياة الشعوب، وأن السيف يشرع دفاعًا عن أدائها تمامًا كما يشرع دفاعًا عن لا إله إلا الله، تمامًا هذه كتلك. هذا هو الإسلام وغير هذا ليس من الإسلام.( ) فقد توعد الله أولئك الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، قال تعالى: +أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" [البقرة: 85].
كان موقف أبي بكر  الذي لا هوادة فيه ولا مساومة فيه ولا تنازل موقفًا ملهمًا من الله، يرجع الفضل الأكبر -بعد الله تعالى- في سلامة هذا الدين وبقائه على نقائه وصفائه وأصالته، وقد أقر الجميع وشهد التاريخ بأن أبا بكر قد وقف في مواجهة الردة الطاغية ومحاولة نقض عرى الإسلام عروة عروة، موقفَ الأنبياء والرسل في عصورهم، وهذه خلافة النبوة التي أدى أبو بكر حقها، واستحق بها ثناء المسلمين ودعاءهم إلى أن يرث الله
الأرض وأهلها ( ).
خامسًا: خطة الصديق لحماية المدينة:
انصرفت وفود القبائل المانعة للزكاة من المدينة بعدما رأت عزم الصديق وحزمه وقد خرجت بأمرين:
أ‌- أن قضية منع الزكاة لا تقبل المفاوضة، وأن حكم الإسلام فيها واضح، ولذلك لا أمل في تنازل خليفة المسلمين عن عزمه ورأيه، وخاصة بعدما أيده المسلمون وثبتوا على رأيه بعد وضوح الرؤية وظهور الدليل.
ب‌- أنه لا بد من اغتنام فرصة ضعف المسلمين -كما يظنون- وقلة عددهم لهجوم كاسح على المدينة يسقط الحكم الإسلامي فيها ويقضى على هذا الدين ( ).
قرأ الصديق في وجوه القوم ما فيها من الغدر، ورأى فيها الخسة وتفرس فيها اللؤم، فقال لأصحابه: إن الأرض كافرة وقد رأى وفدهم منكم قلة، وإنكم لا تدرون أليلاً تؤتون أم نهارًا! وأدناهم منكم على بريد، وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم ونوادعهم، وقد أبينا عليهم ونبذنا إليهم عهدهم فاستعدوا وأعدوا( ). ووضع الصديق خطته على
الوجه التالي:
أ- ألزم أهل المدينة بالمبيت في المسجد؛ حتى يكونوا على أكمل استعداد للدفاع.
ب- نظم الحرس الذين يقومون على أنقاب المدينة ويبيتون حولها، حتى يدفعوا أي غارة قادمة.
ج- عين على الحرس أمراءهم: علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام،
وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم ( ).
د- وبعث أبو بكر  إلى من كان حوله من القبائل التي ثبتت على الإسلام من أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وكعب يأمرهم بجهاد أهل الردة فاستجابوا له حتى امتلأت المدينة بهم، وكانت معهم الخيل والجمال التي وضعوها تحت تصرف الصديق( )، ومما يدل على كثرة رجال هذه القبائل وكبر حجم دعمها للصديق أن جهينة وحدها قدمت إلى الصديق في أربعمائة من رجالها ومعهم الظهر والخيل، وساق عمرو بن مرة الجهني مائة بعير لإعانة المسلمين، فوزعها أبو بكر في الناس ( ).
هـ- ومن ابتعد عن المرتدين وأبطأ خطره حاربه بالكتب يبعث بها إلى الولاة المسلمين في أقاليمهم، كما كان رسول الله يفعل، يحرضهم على النهوض لقتال المرتدين ويأمر الناس للقيام معهم في هذا الأمر، ومن أمثلة ذلك رسالته لأهل اليمن حيث المرتدة من جنود الأسود العنسي التي قال فيها: «أما بعد، فأعينوا الأبناء على من ناوأهم وحوطوهم واسمعوا من فيروز، وجدوا معه؛ فإني قد وليته».( ) وقد أثمرت هذه الرسالة وقام المسلمون من أبناء الفرس بزعامة فيروز يعاونهم إخوانهم من العرب بشن غارة شعواء على العصاة المارقين حتى رد الله كيدهم إلى نحورهم، وعادت اليمن بالتدرج إلى جادة الحق ( ).
و- وأما من قرب منهم من المدينة واشتد خطره كبني عبس وذبيان فإنه لم ير بدًّا من محاربتهم على الرغم من الظروف القاسية التي كانت تعيشها مدينة رسول الله ×، فكان أن آوي الذراري والعيال إلى الحصون والشعاب محافظة عليهم من غدر المرتدين( )، واستعد للنزال بنفسه ورجاله.

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:20 PM
سادسًا: فشل أهل الردة في غزو المدينة:
بعد ثلاثة أيام من رجوع وفود المرتدين طرقت بعض قبائل أسد وغطفان وعبس وذبيان وبكر المدينةَ ليلاً وخلفوا بعضهم بذي حُسَي ليكونوا لهم ردءًا، وانتبه حرس الأنقاب لذلك، وأرسلوا للصديق بالخبر، فأرسل إليهم أنِ الزموا أماكنكم ففعلوا، وخرج في أهل المسجد على النواضح إليهم، فانفش العدو فأتبعهم المسلمون على إبلهم، حتى بلغوا ذا حُسَى فخرج عليهم الردء بأنحاء ( ) قد نفخوها وجعلوا فيها الحبال ثم دهدهوها ( ) بأرجلهم في وجوه الإبل فتدهده كل نحي فى طوله ( )، فنفرت إبل المسلمين وهم عليها –ولا تنفر الإبل من شيء نفارها من الأنحاء- فعاجت بهم ما يملكونها حتى دخلت بهم المدينة فلم يُصرع مسلم ولم يُصب.( ) وقال عبد الله الليثي: وكانت بنو عبد مناة من المرتدة –وهم بنو ذبيان- في ذلك الأمر بذي القصة وبذي حسى:
أطعنا رسول الله ما كان بيننا
فيا لعباد الله ما لأبي بكر

أيورثها بكرا إذا مات بعده
وتلك لعمر الله قاصمة الظهر

فهلا رددتم وفدنا بزمانه
وهلا خشيتم حس راغية البكر

وإن التي سالُوكُمُ فمنعتُمُ
لكالتمر أو أحلى إليَّ من التمر ( )

فظن القوم بالمسلمين الوهن، وبعثوا إلى أهل ذي القصة بالخبر، فقدموا عليهم اعتمادًا في الذين أخبرهم وهم لا يشعرون لأمر الله -عز وجل- الذي أراده وأحب أن يبلغه فيهم، فبات أبو بكر ليلته يتهيأ فعبَّى الناس، ثم خرج على تعبية من أعجاز ليلته يمشي، وعلى ميمنته النعمان بن مقرن وعلى ميسرته عبد الله بن مقرن، وعلى الساقة سويد بن مقرن معه الركاب، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد، فما سمعوا للمسلمين همسًا ولا حسًا حتى وضعوا فيهم السيوف فاقتتلوا أعجاز ليلتهم، فما ذر قرن الشمس حتى ولوهم الأدبار، وغلبوهم على عامة ظهرهم، وقتل حبال –أخو طليحة الأسدي- وأتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة -وكان أول الفتح – ووضع بها النعمان بن مُقَرن في عدد، ورجع إلى المدينة فذل بها المشركون، فوثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم من المسلمين فقتلوهم كل قتلة، وفعل من وراءهم فعلهم، وعز المسلمون بوقعة أبي بكر، وحلف أبو بكر ليقتلن في المشركين كل قتلة، وليقتلن في كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة ( ).
وفي ذلك يقول زياد بن حنظلة التميمي:
غداة سعي أبو بكر إليهم
كما يسعى لموتته جلال

أراح على نواهقها عليا
ومج لهن مهجته حبال ( )

وصمم الصديق  على أن ينتقم للمسلمين الشهداء، وأن يؤدب هؤلاء الحاقدين، ونفذ قسمه وازداد المسلمون في بقية القبائل ثباتًا على دينهم، وازداد المشركون ذلاً وضعفًا وهوانًا، وبدأت صدقات القبائل تفد على المدينة فطرقت المدينة صدقات نفر: صفوان ثم الزبرقان، ثم عدي، صفوان في أول الليل والثاني في وسطه، والثالث ( ) في آخره، وفي ليلة واحدة أثرت المدينة بأموال زكاة ستة أحياء من العرب، وكان كلما طلع على المدينة أحد جباة الزكاة قال الناس: «نذير» فيقول أبو بكر: «بل بشير»، وإذا بالقادم يحمل معه صدقات قومه فيقول الناس لأبي بكر: طالما بشرتنا بالخير ( )، وخلال هذه البشائر التي تحمل معها بعض العزاء وشيئًا من الثراء، عاد أسامة بن زيد بجيشه ظافرًا، وصنع كل ما كان الرسول قد أمره به وما أوصاه به أبو بكر الصديق ( )، فاستخلفه أبو بكر على المدينة وقال له ولجنده: أريحوا وأريحوا ظهركم ( )، ثم خرج في الذين خرجوا إلى ذي القصة والذين كانوا على الأنقاب على ذلك الظهر، فقال له المسلمون: ننشدك الله يا خليفة رسول الله أن تُعرض نفسك! فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام، ومقامك أشد على العدو، فابعث رجلاً فإن أصيب أمرت آخر فقال: لا والله لا أفعل، ولأواسينكم بنفسي ( ).
لقد ظهر معدن الصديق النفيس في محنة الردة على أجلى صورة للقائد المؤمن الذي يفتدي قومه بنفسه، فالقائد في فهم المسلمين قدوة في أعماله، فكان من آثاره هذه السياسة الصديقية أن تقوى المسلمون وتشجعوا لحرب عدوهم واستجابوا لتطبيق الأوامر الصادرة إليهم من القيادة ( )، لقد خرج الصديق في تعبيته إلى ذي حس وذي القصة, والنعمان
وعبد الله وسويد على ما كانوا عليه، حتى نزل على أهل الرَّبذة بالأبرق فهزم الله الحارث
وعوفًا وأخذ الحطيئة أسيرًا، فطارت عبس وبنو بكر، وأقام أبو بكر على الأبرق أياما وقد غلب بنو ذبيان على البلاد. وقال: حرام على ذبيان أن يتملكوا هذه البلاد إذ غنمناها الله وأجلاها، فما غُلب أهل الردة ودخلوا في الباب الذي خرجوا منه، وسامح الناس
جاءت بنو ثعلبة، وهي كانت منازلهم لينـزلوها فمنعوا منها فأتوه في المدينة فقالوا:
علام نمنع من نزول بلادنا؟! فقال: كذبتم، ليست لكم ببلاد ولكنها مَوهبى ونَقَذى ( )،
ولم يُعتبهم ( )، وحمى الأبرق لخيول المسلمين، وأرعى سائر بلاد الربذة الناس على بني ثعلبة، ثم حماها كلها لصدقات المسلمين لقتال كان وقع بين الناس وأصحاب الصدقات، وقال في يوم الأبرق زياد بن حنظلة:
ويوم بالأبارق قد شهدنا
على ذبيان يلتهب التهابا

أتيناهم بداهية نَسُوفٍ ( )
مع الصديق إذ ترك العتابا ( )

وهكذا يتعلم المسلمون من سيرة الصديق بأنه لم يكن يرغب بنفسه عن نفوس أتباعه بأي أمر من أمور الدنيا، وما اضطربت أمور المسلمين منذ زمن إلا لأنهم كانوا يعدون الرئاسة وسيلة للجاه وبابًا لجلب المغانم ودرء المغارم، وإيثار للعافية والاكتفاء بالكلمات تزجي من وراء أجهزة الإعلام أو من غرف العمليات، بعيدًا عن المشاركة مشاركة حقيقة في قضايا الأمة المختلفة ( ).
إن خروج الصديق  للجهاد ثلاث مرات متتالية يعتبر تضحية كبيرة وفدائية عالية، فقد ناشده المسلمون أن يبقى في المدينة ويبعث قائدًا على الجيش فلم يقبل؛ بل قال: لا والله لا أفعل ولأواسينكم بنفسي. وهذا يدل على تواضعه الجم واهتمامه الكبير بمصلحة الأمة، وتجرده من حظ النفس، وقد أصبح بذلك قدوة صالحة لغيره، فلا شك أن خروجه للجهاد ثلاث مرات متتاليات وهو الشيخ الذي بلغ الستين من عمره، قد أعطى بقية الصحابة دفعات قوية من النشاط والحيوية ( ).
وقد جاء في إحدى هذه الروايات أن ضرار بن الأزور حينما أخبر أبا بكر الصديق بخبر تجمع طليحة الأسدي قال: فما رأيت أحدًا -ليس رسول الله – أملأ بحرب شعواء من أبي بكر، فجعلنا نخبره ولكأنما نخبر بما له ولا عليه ( ).
وهذا وصف بليغ لما كان يتصف به أبو بكر من اليقين الراسخ والثقة التامة بوعد الله تعالى لأوليائه بالنصر على الأعداء والتمكين في الأرض، فأبو بكر لم يَفُق الصحابة بكبير عمل، وإنما فاقهم بحيازة الدرجات العلى من اليقين، رضي الله عنهم أجمعين ( ).
وقد روى أنه لما قيل له: لقد نزل بك ما لو نزل بالجبال لهاضها وبالبحار لغاضها، وما نراك ضعفت. فقال: ما دخل قلبي رعب بعد ليلة الغار، فإن النبي × لما رأى حزني قال: لا عليك يا أبا بكر، فإن الله قد تكفل لهذا الأمر بالتمام( )، فكان له  مع الشجاعة الطبيعية شجاعة دينية وقوة يقينية في الله عز وجل وثقة بأن الله ينصره والمؤمنين، وهذه الشجاعة لا تحصل إلا لمن كان قوى القلب، وتزيد بزيادة الإيمان وتنقص بنقص ذلك، فقد كان الصديق أقوى قلبًا من جميع الصحابة لا يقاربه في ذلك أحد منهم ( ).
* * *

المبحث الثالث
الهجوم الشامل على المرتدين
تمهيد:
تعددت وسائل وطرق التصدي والمواجهة للمرتدين، فكان للثابتين دور في مواجهة أقوامهم، فوقف بعض الثابتين في وجه أقوامهم واعظين لهم ومنبهين إلى خطورة ما هم مقدمون عليه من نقض ما يؤمنون به، وكانت الخطوة الأولى بالكلمة، ولم تكن الكلمة في يوم من الأيام هي أضعف المواقف وإنما هي أقواها؛ لأنها تستتبع مواقف جادة لتحديد مصداقية الكلمة، وقد تؤدي الكلمة بصاحبها إلى الذبح من أجل الشهادة للكلمة التي قالها؛ ففي كل قبيلة حصلت فيها ردة كانت هناك بعض المواقف للذين انفعلت قلوبهم للحق وتغذت به وعاشت عليه، هي التي رأت باطل ما يفعل كل قوم، ولهذا وقفوا لهم بالمرصاد يحذرون أقوامهم من سوء المصير الذي ينتظرهم، فما كان من قومهم إلا أن وقفوا في وجوههم ساخرين مستهزئين، ثم تمادوا إلى مطاردتهم وإخراجهم؛ بل وقتلهم في بعض الأحيان، ونجح بعضهم بالكلمة كعدي بن حاتم مع قومه، والجارود مع أهل البحرين ( )، وستري تفاصيل ذلك بإذن الله.
وعندما فشل بعض المسلمين في وعظ أقوامهم تحولوا إلى تجمعات مسلمة ثابتة على إسلامها، واتخذت لها المواقف المناسبة ضد أقوامهم المرتدين، وكثير من المواقف بدأت بالكلمة ثم انتهت إلى العمل، كما حصل لمن ثبت من بني سليم؛ فقد حذرهم قومهم فانقسموا إلى قسمين ثابت ومرتد، فتجمع الثابتون وصاروا يجالدون قومهم المرتدين، وقام الأبناء في اليمن سرًا بتدبير قتل الأسود العنسي –كما سيأتي تفصيله- بعد أن كان موقفهم سلبيًّا في بطش الأسود العنسي، ووقف مسعود أو مسروق القيسي ابن عابس الكندي ينصح الأشعث بن قيس ويدعوه لعدم الردة، ودخل بينهما حوار طويل وتحد متبادل، وهكذا صارت بعض المواقف سببًا في إرجاع قومهم عن الردة، أو في تسهيل مهمة جيوش الدولة الإسلامية القادمة للقضاء على الردة ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:21 PM
لقد اعتمدت سياسة الصديق في القضاء على الردة على الله تعالى، ثم على ركائز قوية من القبائل والزعماء والأفراد الذين انبثوا في جميع أنحاء الجزيرة وثبتوا على إسلامهم، وقاموا بأدوار هامة ورئيسية في القضاء على فتنة الردة. ولقد أخطأ بعض الكتاب عندما تناول فتنة الردة بشيء من التعميم أو عدم الدقة أو عدم الموضوعية أو سوء الفرض أو النظرة الجزئية ( ).
إن من الحقائق الأساسية حول هذه الفتنة أنها لم تكن شاملة لكل الناس كشمولها الجغرافي؛ بل إن هناك قادة وقبائل وأفرادًا وجماعات، وأفرادًا تمسكوا بدينهم في كل منطقة من المناطق التي ظهرت فيها الردة( )، ولقد قام الدكتور مهدي رزق الله أحمد بدراسة عميقة وأجاب عن سؤال طرحه وهو: هل كانت الردة في عهد الخليفة أبي بكر  شاملة لكل القبائل العربية والأفراد والزعماء الذين كانوا مسلمين، أم أن هذه الفتنة قد وقعت فيها بعض القبائل وبعض الزعماء وبعض الأفراد في مناطق جغرافية مختلفة؟ وبعد البحث قال: إن أول حقيقة تستخلص من المصادر التي أشرتُ إليها سابقًا: هي أنني لم أجد ما يدل على أن القبائل والزعماء والأفراد قد ارتدوا جميعًا عن الإسلام كما ذكر أولئك النفر الذين جعلناهم مثالا( )، بل وجدت أن الدولة الإسلامية اعتمدت على قاعدة صلبة من الجماعات والقبائل والأفراد الذين ثبتوا على الإسلام، وانبثوا في جميع أنحاء الجزيرة، وكانوا سندًا قويًا للإسلام ودولته في قمع حركة المرتدين منهم ( ).
أولاً: المواجهة الرسمية من الدولة:
1- وسيلة الإحباط من الداخل:
كان رسول الله × قد استعمل هذه الوسيلة، فقام بمراسلة وبعث الرسل إلى قبائل المتنبئين لتجميع الثابتين على الإسلام، وليشكل بهم جماعة تحارب الردة، وسار الصديق  على نفس المنهج، وحاول أن يحجم ويقضي على ما يمكن القضاء عليه من بؤر المرتدين، وقام بالتوعية ضدها والتخذيل منها وتنفير الناس عنها، واستطاع أن يتصل بالثابتين على الإسلام وجعل منهم رصيدًا للجيوش المنظمة؛ فقد كان يعد الأمة لمواجهة منظمة مع المرتدين بعد عودة جيش أسامة؛ فقد راسل الصديق زعماء الردة والثابتين على الإسلام ليحقق بعض الأهداف؛ ككسب الوقت حتى يرجع جيش أسامة، فكتب إلى من كتب إليهم رسولُ الله × باليمن وغيرها ( )؛ ليبذلوا جهدهم لدعوة الثابتين إلى الإسلام، وطلب من الثابتين التجمع في مناطق حددها لهم حتى يأتيهم أمره، وكان هذا الترتيب بداية للخطة العسكرية القادمة ( ), وقد حالف التوفيق بعض الثابتين بالوصول إلى المدينة ومعهم صدقاتهم؛ مثل عدي بن حاتم الطائي، والزبرقان بن بدر التميمي.( )
وتمكن الثابتون من إفشال حركة قيس بن مكشوح المرادي وبعض التجمعات القبلية في تهامة وبلاد السراة ونجران، وقد حققت هذه الوسيلة بعض النتائج، منها:
أ- نجحت خطة الصديق في تحقيق حملات التوعية والدعاية والتعضيد للمسلمين والتخذيل لقوى المرتدين؛ تمهيدًا لاتخاذ الوسيلة الأخرى حينما تتوافر لها الإمكانات، وهي أداة الجيوش المنظمة.
ب- أنها حققت أغراضها من حيث التربية وإعداد الثابتين على الإسلام ليكونوا قوادًا في حركة الفتوح الإسلامية فيما بعد؛ كعدي بن حاتم الطائي أحد قواد فتوح العراق.
ج- تكوين قوى مسلمة مرابطة في بعض المراكز التي حددها لهم الصديق لتنضم بعد ذلك إلى الجيوش القادمة.
د- القضاء على بعض مناطق الردة ولو بمحدودية ضيقة، مثلما حصل في جنوب الجزيرة العربية.
2- إرسال الجيوش المنظمة:
لما وصل جيش أسامة بعد شهرين -وقيل أربعين يومًا- من مسيرهم واستراحوا، خرج أبو بكر الصديق بالصحابة -رضي الله عنهم- إلى ذي القصة، وهي على مرحلة من المدينة؛ وذلك لقتال المرتدين والمتمردين، فعرض عليه الصحابة أن يبعث غيره على القيادة، وأن يرجع إلى المدينة ليتولى إدارة أمور الأمة، وألحوا عليه بذلك. ومما رُوي في هذا الموضوع ما قالته عائشة: خرج أبي شاهرًا سيفه راكبًا راحلته إلى وادي ذي القصة، فجاء علي بن أبي طالب  فأخذ بزمام راحلته، فقال: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ أقول لك ما قال رسول الله × يوم أحد: ( ) شِمْ سيفك ولا تفجعنا بنفسك، فو الله لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدًا، فرجع. ( ) وقد قسم أبو بكر الجيش الإسلامي إلى أحد عشر لواء وجعل على كل لواء أميرًا ( ), وأمر كل أمير جند باستنفار من مر به من المسلمين التابعين من أهل القرى التي يمر بها وهم:
1- جيش خالد بن الوليد إلى بني أسد، ثم إلى تميم، ثم إلى اليمامة.
2- جيش عكرمة بن أبي جهل إلى مسيلمة في بني حنيفة، ثم إلى عمان والمهرة، فحضرموت فاليمن.
3- جيش شُرَحْبيل بن حسنة إلى اليمامة في إثر عكرمة، ثم حضرموت.
4- جيش طُرَيْفة بن حاجر إلى بني سليم من هوازن.
5- جيش عمرو بن العاص إلى قضاعة.
6- جيش خالد بن سعيد بن العاص إلى مشارف الشام.
7- جيش العلاء بن الحضرمي إلى البحرين.
8- جيش حذيفة بن محصن الغلفائي إلى عمان.
9- جيش عرفجة بن هرثمة إلى مهرة.
10- جيش المهاجر بن أبي أمية إلى اليمن «صنعاء ثم حضرموت».
11- جيش سويد بن مقرن إلى تهامة اليمن( ).
وهكذا اتخذت قرية (ذي القَصَّة) مركز انطلاق أو قاعدة تحرك للجيوش المنظمة التي ستقوم بالتحرك إلى مواطن الردة للقضاة عليها. وتنبئ خطة الصديق -رضي الله عنه- عن عبقرية فذة وخبرة جغرافية دقيقة. ( ) ومن خلال تقسيم الألوية وتحديد المواقع يتضح أن الصديق  كان جغرافيًا دقيقًا خبيرًا بالتضاريس والتجمعات البشرية وخطوط مواصلات جزيرة العرب، فكأن الجزيرة العربية صورت مجسمًا واضحًا نصب عينيه في غرفة عمليات مجهزة بأحدث وسائل التقنية، فمن يتمعن تسيير الجيوش ووجهة كل منها واجتماعها بعد تفرقها وتفرقها لتجتمع ثانية، يرى تغطية سليمة رائعة صحيحة مثالية لجميع أرجاء الجزيرة مع دقة في الاتصال مع هذه الجيوش، فأبو بكر في كل ساعة يعلم أين مواقع الجيوش ويعلم دقائق أمورها وتحركاتها وما حققت، وما عليها في غد من واجبات. والمراسلات دقيقة وسريعة تنقل أخبار الجبهات إلى مقر القيادة في المدينة حيث الصديق، وكان على صلة مستمرة مع جيوشه كلها، وبرز من المراسلين العسكريين ما بين الجبهات وبين مقر القيادة: أبو خيثمة النجاري الأنصاري، وسلمة بن سلامة، وأبو برزة الأسلمي، وسلمة بن وقش( ).
وكانت الجيوش التي بعثها الصديق متماسكة، وهي أحد إنجازات الدولة الهامة؛ إذ جمعت تلك الجيوش بين مهارات القيادة وبراعة التنظيم فضلاً عن الخبرة في القتال؛ صهرتها الأعمال العسكرية في حركة السرايا والغزوات التي تعدى بعضها شبه الجزيرة في زمن النبي ×، فقد كان الجهاز العسكري لدى الصديق متفوقًا على كل القوى العسكرية في الجزيرة( )، وكان القائد العام لهذه الجيوش سيف الله المسلول خالد بن الوليد صاحب العبقرية الفذة في حروب الردة والفتوحات الإسلامية. كان هذا التوزيع للجيوش وفق خطة استراتيجية هامة، مفادها أن المرتدين لا زالوا متفرقين، كل في بلده، ولم يحصل منهم تحزب ضد المسلمين بالنسبة للقبائل الكبيرة المتباعدة في الأماكن أولاً؛ لأن الوقت لم يكن كافيًا للقيام بعمل كهذا؛ حيث لم يمضِ على ارتدادهم إلا ما يقرب من ثلاثة شهور، وثانيًا لأنهم لم يدركوا خطر المسلمين عليهم وأنهم باستطاعتهم أن يكتسحوهم جميعا في شهور معدودة، ولذلك أراد الصديق أن يعاجلهم بضربات مفاجئة تقضي على شوكتهم وقوتهم قبل أن يجتمعوا في نصرة باطلهم( )، فعاجلهم قبل استفحال فتنتهم، ولم يترك لهم فرصة يطلون منها برؤوسهم ويمدون ألسنتهم يلذعون بها الجسم الإسلامي، وبذلك طبق الحكمة القائلة:
لا تقطعنْ ذَنَبَ الأفعى وترسلها
إن كنت شهمًا فأتبع رأسها الذنب ( )

فقد أدرك حجم الحدث وأبعاده ومدى خطورته، وعلم أنه إن لم يفعل كذلك فسيوشك الجمر أن ينتفض من تحت الرماد فيحرق الأخضر واليابس، كما قال الأول:
أرى تحت الرماد وميض نار
ويوشك أن يكون لها ضرام ( )

فقد كان  السياسي الماهر والعسكري المحنك الذي يقدر الأمور، ويضع لها الخطط المباشرة.
انطلقت الألوية التي عقدها الصديق ترفرف عليها أعلام التوحيد، مصحوبة بدعوات خالصة من قلوب تعظم المولى عز وجل وتشربت معاني الإيمان، ومن حناجر لم تلهج إلا بذكر الله تعالى، فاستجاب الله -جل وعلا- هذه الدعوات النقية، فأنزل عليهم نصره وأعلى بهم كلمته، وحمى بهم دينه، حتى دانت جزيرة العرب للإسلام في شهور معدودة( ).
هذا وقد كتب أبو بكر الصديق كتابًا واحدًا إلى قبائل العرب من المرتدين والمتمردين فدعاهم للعودة إلى الإسلام وتطبيقه كاملاً كما جاء من عند الله تعالى، ثم حذرهم من سوء العاقبة فيما لو ظلوا على ما هم عليه في الدنيا والآخرة، وكان قويًا في إنذارهم، وهذا هو المناسب لشدة انحرافهم وقوة تصلبهم في التمسك بباطلهم، فكان لا بد من إنذار شديد يتبعه عمل جرئ قوي لإزالة الطغيان الذي عشش في أفكار زعماء تلك القبائل، والعصبية العمياء التي سيطرت على أفكار أتباعهم ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:22 PM
3- نص الخطاب الذي أرسله للمرتدين والعهد الذي كتبه للقادة:
بعد التنظيم الدقيق، وحسن الإعداد للجيوش الإسلامية التي عقد لها الصديق الألوية نجد الدعوة البيانية القولية تطل لتقوم بدورها وتدلي بدلوها؛ فقد حرر الصديق كتابًا عامًا ذا مضمون محدد سعى إلى نشره على أوسع نطاق ممكن في أوساط من ثبتوا على الإسلام ومن ارتدوا عنه جميعًا قبل تسيير قواته لمحاربة الردة، وبعث رجالاً إلى محل القبائل، وأمرهم بقراءة كتابه في كل مجتمع، وناشد من يصله مضمون الكتاب بتبليغه لمن لم يصل إليه، وحدد الجمهور المخاطب به بأنه: العامة والخاصة، من أقام على إسلامه أو رجع عنه. ( ) وهذا نص الكتاب الذي بعثه الصديق:
بسم الله الرحمن الرحيم: من أبي بكر خليفة رسول الله × إلى من بلغه كتابي هذا من عامة وخاصة، أقام على إسلامه أو رجع عنه: سلام على من اتبع الهدى ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والعمى، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، نقر بما جاء به ونكفر من أبى ونجاهده، أما بعد: فإن الله تعالى أرسل محمدًا بالحق من عنده إلى خلقه بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا؛ لينذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين، فهدى الله بالحق من أجاب إليه وضرب رسول الله × بإذنه( ) من أدبر عنه، حتى صار إلى الإسلام طوعًا وكرهًا، ثم توفى اللهُ رسولَه × وقد نفذ لأمر الله ونصح لأمته وقضى الذي عليه، وكان الله قد بين له ذلك ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل، قال: +إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ" [الزمر: 30]، وقال للمؤمنين: +وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَّضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ" [آل عمران: 144]، فمن كان إنما يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله وحده لا شريك له فإن الله له بالمرصاد، ولا تأخذه سنة ولا نوم، حافظ لأمره منتقم من عدوه بحزبه.
وإني أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم من الله، وما جاءكم به نبيكم ×، وأن تهتدوا بهداه وأن تعتصموا بدين الله، فإن كل من لم يهده الله ضال، وكل من لم يعافه ممُبتلى، وكل من لم يعنه الله مخذول، فمن هداه الله كان مهتديًا، ومن أضله كان ضالاً، قال الله تعالى: +مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا" [الكهف: 17]، ولم يقبل منه في الدنيا عمل حتى يقر به، ولم يقبل منه في الآخرة صرف ولا عدل. وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام وعمل به اغترارًا بالله وجهالة بأمره وإجابة للشيطان، قال الله تعالى: +وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً" [الكهف: 50]، وقال تعالى: +إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ" [فاطر: 6].
وإني بعثت إليكم فلانًا في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرته ألا يقاتل أحدًا ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقر وكف وعمل صالحًا قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك ثم لا يبقى على أحد منهم قدر عليه، وأن يحرقهم بالنار ويقتلهم كل قتلة، وأن يسبي النساء والذراري ولا يقبل من أحد إلا الإسلام، فمن تبعه فهو خير له ومن تركه فلن يعجز الله. وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم والداعية الأذان: فإذا أذن المسلمين فأذَّنوا كفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا عاجلوهم، وإن أذنوا اسألوهم ما عليهم، فإن أبوا عاجلوهم، وإن أقروا قبل منهم وحملهم على ما ينبغي لهم ( ).
ونلحظ من خطاب أبي بكر أنه كان يدور حول محورين:
أ- بيان أساس مطالبة المرتدين بالعودة إلى الإسلام.
ب- بيان عاقبة الإصرار على الردة ( ).
وقد أكد الكتاب على عدة حقائق هي:
• أن الكتاب موجه إلى العامة والخاصة ليسمع الجميع دعوة الله.
• بيان أن الله بعث محمدًا بالحق، فمن أقر كان مؤمنًا، ومن أنكر كان كافرًا يجاهد ويقاتل.
• بيان أن محمدًا بشر قد حق عليه قول الله: +إِنَّكَ مَيِّتٌ" وأن المؤمن لا يعبد محمدًا × وإنما يعبد الله الحي الباقي الذي لا يموت أبدًا، ولذلك لا عذر لمرتد ( ).
• إن الرجوع عن الإسلام جهل بالحقيقة واستجابة لأمر الشيطان، وهذا يعني أن يتخذ العدو صديقًا، وهو ظلم عظيم للنفس السوية؛ إذ يقودها صاحبها بذلك إلى النار عن طواعية.
• إن الصفوة المختارة من المسلمين وهم المهاجرون والأنصار وتابعوهم، هم الذين ينهضون لقتال المرتدين غيرة منهم على دينهم وحفاظًا عليه من أن يهان.
• إن من رجع إلى الإسلام، وأقرَّ بضلاله، وكف عن قتال المسلمين، وعمل من الأعمال ما يتطلبه دين الله، فهو من مجتمع المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم.
• إن من يأبى الرجوع إلى صف المسلمين ويثبت على ردته، إنما هو محارب لا بد من شن الغارة عليه، تقتله أو تحرقه، وتسبي نساءه وذراريه، ولن يعجز الله بأية حال؛ لأنه أنى ذهب في ملكه.
• إن الشارة التي ينجو بها المرتدون من غارة المسلمين أن يعلن فيهم الأذان وإلا فالمعالجة بالقتال هي البديل. ( ) وحتى لا يترك الخليفة الأمر للقادة والجند بغير انضباط كتب للقواد جميعًا كتابًا واحدًا يدعوهم فيه إلى الالتزام بمضمون كتابه السابق، هذا نصه:
هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله × لفلان حين بعثه فيمن بعثه لقتال من رجع عن الإسلام، وعهد إليه أن يتقي الله ما استطاع في أمره كله، سره وعلانيته، وأمره بالجد في أمر الله ومجاهدة من تولى عنه ورجع عن الإسلام إلى أماني الشيطان، بعد أن يعذر إليهم فيدعوهم بداعية الإسلام، فإن أجابوه أمسك عنهم، وإن لم يجيبوه شنَّ غارته عليهم حتى يقروا له، ثم ينبئهم بالذي عليهم والذي لهم، فيأخذ ما عليهم ويعطيهم الذي لهم، لا وينظرهم ولا يرد المسلمين عن قتال عدوهم، فمن أجاب إلى أمر الله -عز وجل- وأقر له قبل ذلك منه وأعانه عليه بالمعروف، وإنما يتقبل من كفر بالله على الإقرار بما جاء من عند الله، فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل، وكان الله حسيبه بعد فيما استسر به، ومن لم يُجِب داعية الله قتل وقوتل حيث كان وحيث بلغ مراغَمه، لا يقبل من أحد شيئًا أعطاه إلا الإسلام، فمن أجابه وأقر قبل منه وعلمه ومن أبى قاتله، فإن أظهره الله عليه قتل منهم كل قتلة بالسلاح والنيران، ثم قسم ما أفاء الله عليهم إلا الخمس فإنه يبلغناه، وأن يمنع أصحابه العجلة والفساد وألا يدخل فيهم حشوًا حتى يعرفهم ويعلم ما هم لا يكونوا عيونًا, لئلا يؤتى المسلمين من قبلهم، وأن يقتصد بالمسلمين ويرفق بهم في السير والمنزل ويتفقدهم، ولا يعجل بعضهم عن بعض، ويستوصي بالمسلمين في حسن الصحبة ولين القول ( ).
وفي العهد الذي ألزم به قواده يظهر حرص الصحابة على إلزام أمرائه في حرب الردة بتعليمات أساسية مكتوبة موحدة نصت بوضوح لا يحتمل اللبس على حظر القتال قبل الدعوة إلى الإسلام، والإمساك عن قتال من يجيب، والحرص على إصلاحهم، وحظر مواصلة القتال بعد أن يقروا بالإسلام والتحول عند هذه النقطة من القتال إلى تعليمهم أصول الإسلام وتبصيرهم بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، وحظر المهادنة أو رد الجيش عن محاربة المرتدين ما لم يفيئوا إلى أمر الله.
والتزم الجيش الإسلامي في التنفيذ مبدأ الدعوة قبل القتال والإمساك عن القتال بمجرد إجابة الدعوة؛ باعتبار أن الغاية الوحيدة هي عودة المرتدين إلى الذي خرجوا منه وتلمسًا لتحقيق أقصى درجة من التوافق في صفوف القوات الإسلامية التي نيط بها القضاء على ظاهرة الردة.
أمضى الصديق هذا العهد مع أمراء الجيوش الإسلامية، يطلب من الجيش أن يكون سلوكه ذاته خير دعوة للمهمة المستندة إليه، وأن يتطابق تمامًا مع هدف واحد هو الدفاع عن الإسلام ( ).
إن اقتداء أبي بكر  برسول الله × علمه فن القيادة، ونجاح القائد في قيادته يتوقف على مدى نجاحه في جنديته. ولقد كان أبو بكر نعم الجندي في جيش المسلمين، مخلصًا في ولائه لرسول الله ×، يطبق ما يقوله بحذافيره، مضحيًا في سبيله، لم يفر عنه في معركة قط. ونستطيع أن ندرك دقة آرائه القيادية وبعد مرماها من وصاياه لقواده وخططه العامة التي رسمها لهم أثناء تحركهم لضرب قوات العدو.( )
لقد كانت أول وصية أوصاهم بها تتركز على النقاط التالية:
• أن يلزموا أنفسهم تقوى الله عز وجل ومراقبته في السر والعلن، وهذا عين الصواب في هذه السياسة الرشيدة؛ لأن القائد إذا ألزم نفسه تقوى الله -عز وجل- كان معه: +إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون" [النحل: 128].
• الجد والاجتهاد وإخلاص النية لله سبحانه وتلك أخلاق المنصورين الفائزين ( ) +وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" [العنكبوت: 69].
• أن لا يقبل من المرتدين إلا الإسلام أو القتل؛ إذ لا مهادنة في أمر العقيدة.
• تقسيم الغنائم بين الجند مع الاحتفاظ بحق بيت المال منها، وهو خمسها.
• أن لا يتعجلوا في التصرف حيال القضايا التي تواجههم حتى لا تأتي حلولهم فجة.
• أن يحذروا من أن يدخل بينهم غريب ليس منهم، كيلا يكون جاسوسًا عليهم.
• أن يرفقوا بجندهم ويتفقدوهم في المسير والنزول، وأن لا ينفرط بعضهم عن بعض.
• وأن يستوصوا بهؤلاء الجند خيرًا في الصحبة ( ).
ويمكنا من خلال الدراسة أن نستخلص الخطة العامة بعد أن عقد الصديق الألوية لقادة الجيوش، والتي تتخلص في النقاط الآتية:
أ- ضمنت الخطة إحكام التعاون بين هذه الجيوش جميعها، بحيث لا تعمل كأنها منفصلة تحت قيادة مستقلة، وإنما هي رغم تباعد المكان جهاز واحد، وقد تتلقى -أو يلتقي بعضها ببعض- لتفترق، ثم تفترق لتلتقي، كان ذلك والخليفة بالمدينة يدبر حركة القتال ومعاركه.
ب- احتفظ الصديق بقوة تحمي المدينة –عاصمة الخلافة- واحتفظ بعدد من كبار الصحابة ليستشيرهم وليشاركوه في توجيه سياسة الدولة.
ج- أدرك الصديق أن هناك جيوشًا من المسلمين داخل المناطق التي شملتها حركة العصيان والردة، وقد حرص على هؤلاء المسلمين من أن يتعرضوا لنقمة المشركين، ولذلك فإنه أمر قادته باستنفار من يمرون بهم من أهل القوة من المسلمين من جهة، وبضرورة تخلف بعضهم لمنع بلادهم وحمايتها من جهة أخرى.
د- طبق الخليفة مبدأ الحرب خدعة مع المرتدين، حتى أظهر أن الجيوش تنوي شيئًا، وهي في حقيقة الأمر كانت تستهدف شيئًا آخر؛ زيادة في الحيطة والحذر من اكتشاف خطته( )، وهكذا تظهر الحنكة السياسية والتجربة العملية والعلم الراسخ والفتح الرباني في قيادة الصديق.
ثانيًا: القضاء على فتنة الأسود العنسي وطليحة الأسدي ومقتل مالك بن نويرة:
1-القضاء على الأسود العنسي، وردة اليمن الثانية:
اسمه: عبهلة بن كعب ويكنى بذي الخمار؛ لأنه كان دائما معتمًا متخمرًا بخمار ( ), ويعرف بالأسود العنسي لاسوداد في وجهه، وتكمن قوة الأسود في ضخامة جسمه وقوته وشجاعته، واستخدم الكهانة والسحر والخطابة البليغة، فقد كان كاهنًا مشعوذًا يُرِي قومه الأعاجيب، ويسبي قلوب من سمع منطقه، واستخدم الأموال للتأثير على الناس ( ).
أ- الأسود العنسي في عهد الرسول ×:
وما أن انتشر خبر مرض رسول الله × بعد مقدمه من حجة الوداع حتى ادعى الأسود العنسي النبوة، وقيل: إنه أطلق على نفسه (رحمان اليمن) كما تسمى مسيلمة (رحمان اليمامة)( )، وأنه كان يدعي النبوة ولا ينكر نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، وكان يزعم أن ملكين يأتيانه بالوحي وهما: سحيق وشقيق -أو شريق( ) – وكان قبل أن يظهر مخفيًا أمره يجمع حوله من يراه مناسبًا حتى فاجأ الناس بظهوره ( ) وكان أول من تبعه: أبناء قبيلته وهم «عنس» ( )، ثم كاتب زعماء قبيلة «مذحج» فتبعه العوام منهم ( )، وبعض زعمائهم من طالبي الزعامة، وقد عمل على إثارة العصبية القبلية؛ لأنه من «عنس» وهي بطن من بطون قبيلة «مذحج»، وقد راسله بنو الحارث بن كعب من أهل نجران وهم يومئذ مسلمون، فطلبوا منه أن يأتيهم في بلادهم، فجاءهم فاتبعوه لكونهم لم يسلموا رغبة، وتبعه أناس من «زبيد» و«أود» «مَسْليَة» و«حكم بني سعد العشيرة»، ثم أقام بنجران بعض الوقت، وقوي أمره بعد أن انضم إليه عمرو بن معديكرب الزبيدي وقيس بن مكشوح المرادي، وتمكن من طرد فروة بن مسيك من مراد وعمرو بن حزم من نجران، واستهوته فكرة السيطرة على صنعاء فخرج إليها بست مئة أو سبع مئة فارس معظمهم من بني الحارث بن كعب و«عنس»( ).
فتقابل مع أهل صنعاء وعليهم «شهر بن باذان الفارسي»، وكان قد أسلم مع أبيه في منطقة خارج صنعاء تسمى منطقة «شعوب»، فتقاتلوا قتالاً شديدًا فقتل «شهر بن باذان» وانهزم أهل صنعاء أمام الأسود العنسي، فغلب عليها ونزل قصر «غمدان» بعد خمسة وعشرين يومًا من ظهوره ( ).

وكان له مواقف بشعة في تعذيب المتمسكين بالإسلام، فقد أخذ أحد المسلمين ويسمى النعمان فقطعه عضوًا عضوًا ( )، ولهذا تعامل معه المسلمين الذين كانوا في المناطق التي يديرها بالتقية ( ).
أما بقية المسلمين خارج نطاق سيطرته فقد حاولوا التجمع وإعادة الانتظام إلى صفوفهم، فكان فروة بن مسيك المرادي قد انحاز إلى مكان يسمى «الأحسية» ( )، وانضم إليه من انضم من المسلمين، وكتب إلى رسول الله × بخبر الأسود العنسي، فكان أول من أبلغ الرسول × بذلك، وانحاز كل من أبي موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل إلى حضرموت في جواء «السكاسك والسكون» ( ).
وقد راسل رسولُ الله × الثابتين على الإسلام لمواجهة ردة الأسود، وأمرهم بالسعي للقضاء عليه إما مصادمة أو غيلة، ووجه كتبه ورسله إلى بعض زعماء «حمير» و«همدان» بأن يتكاتفوا ويتوحدوا ويساعدوا «الأبناء» ( ) ضد «الأسود العنسي»، فأرسل «وبر بن يخنس» إلى «فيروز الديلمي وجُشَيش الديلمي وداذويه الإصطخري»، وبعث «جرير البجلي» إلى «ذي الكلاع وذي ظليم» الحميريين، وبعث «الأقرع بن عبد الله الحميري» إلى «ذي زود وذي مران» الهمدانيين، وكذلك كتب إلى أهل نجران من الأعراب وساكني الأرض من غيرهم( )، وبعث «الحارث بن عبد الله الجهني» إلى اليمن قبيل وفاته، فبلغته وفاة الرسول × وهو في اليمن ( )، ولم تبين المصادر إلى أين بعث، إلا أنه من الممكن أنه بعث إلى «معاذ بن جبل»؛ لأنه تلقى كتابًا من رسول الله × يأمره فيه بأن يبعث الرجال لمجاولة ومصاولة «الأسود العنسي» للقضاء عليه ( )، كما تلقى «أبو موسى الأشعري» و«الطاهر بن أبي هالة» كتابًا من رسول الله ليواجهوا «الأسود» بالغيلة أو المصادمة ( )، وكان لهذا العمل من جانب الرسول × أثر كبير، فقد تماسك من بعث إليهم في حياته وبعد موته، فلم يعهد عنهم أنهم ارتدوا أو تزلزلوا، فقد كتب زعماء «حمير» وزعماء «همدان» إلى الأبناء باذلين لهم العون والمساعدة، وفي الوقت نفسه تجمع أهل «نجران» في مكان واحد للتصدي لأي حركة من جانب «الأسود العنسي»، وحينئذ أيقن هذا أنه إلى هلاك ( ).
وظلت المكاتبات تتوالى بين «الهمدانيين» و «الحميريين» وبين «معاذ بن جبل» وبعض الزعماء اليمنيين، ومن المحتمل أن بعض المكاتبات تمت بين «الأبناء» وبين «فروة ابن مسيك»؛ لأنه كان له دور في قتل الأسود العنسي ( )، ولكن كان أول من اعترض على «العنسي» هو «عامر بن شهر الهمداني».
وهكذا تجمعت كل قوى الإسلام في اليمن للقضاء على «الأسود العنسي»، ويظهر أنهم كانوا مجمعين على أن يقوموا بمقتله، لعلمهم أنه بمجرد أن يقتل لن يبقى لأتباعه أي كيان فيسهل التخلص منهم حينئذ، ولهذا وافقوا على خطة «الأبناء» بأن لا يقوموا بأي شيء حتى يبرموا الأمر من داخلهم.
واستطاع «الأبناء» فيروز وداذويه أن يتفقا مع «قيس بن مكشوح المرادي» -وكان قائد جند العنسي- للتخلص من «الأسود العنسي»؛ لأنه كان على خلاف معه، ويخشى أن يتغير عليه ( )، وقد ضموا إلى صفهم زوجة «الأسود العنسي» «آزاد الفارسية» والتي كانت زوج شهر بن باذان وابنة عم فيروز الفارسي، فقد اغتصبها كذاب اليمن بعد أن قتل زوجها، فهبت لإنقاذ دينها من براثن وحوش الجاهلية بكل عزم وتصميم، فدبرت مع المسلمين المناوئين للأسود خطة اغتيال هذا الطاغية المتألِّه ( )، ومهدت لهم السبيل لقتله على فراش نومه ( )، وحينما قتل «الأسود» ألقى برأسه بين أصحابه فانتابهم الرهبة وعمهم الخوف، ففروا هاربين ( ).
وأتى الخبر النبيَّ × من السماء الليلة التي قتل فيها العنسي ليبشرنا فقال: «قتل العنسي البارحة، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين» قيل: ومن هو؟ قال: «فيروز» ( ).
وقد فصل خطة اغتيال الأسود العنسي الدكتور صلاح الخالدي في كتابه: «صور من جهاد الصحابة… عمليات جهادية خاصة تنفذها مجموعة خاصة من الصحابة» ( ). وظل أمر «صنعاء» مشتركا بين «فيروز وداذويه وقيس بن مكشوح» إلى أن جاء معاذ بن جبل إلى صنعاء، فارتضوا أن يكون هو الأمير عليهم، ولكنه لم يمكث إلا ثلاثة أيام بهم حتى بلغهم خبر وفاة رسول الله ×.( )
وكانت تفاصيل مقتل «العنسي» قد خرجت من صنعاء فوصلت إلى الصديق بعد أن خرج جيش أسامة، وكان هذا أول فتح أتى أبا بكر وهو في المدينة ( ).
ب- وعيَّن أبو بكر «فيروز الديلمي» واليًا على صنعاء وكتب إليه بذلك، ولم يولِّ أبو بكر قيسًا؛ لأنه كان ممن مالأ الأسود العنسي وتابعه مخلصًا -عصبية لمذجح أو رغبة في الزعامة- وكان مبدأ أبي بكر عدم الاستعانة بمن ارتد ( )، وجعل كل من داذويه وجشيش وقيس بن مكشوح مساعدين لفيروز، فتغيرت نفس قيس بن مكشوح المرادي فعمل على قتل زعماء الأبناء الثلاثة، وقد تمكن من قتل «داذويه» -سواء بنفسه أو بإيعاز منه – فتنبه لذلك «فيروز» فهرب إلى أخواله في «خولان» ( )، فما كان من قيس إلا أن أثارها عصبية جنسية فحاول جمع زعماء بعض القبائل ضد «الأبناء» مدعيًا أنهم متحكمون فيهم، وأنه يرى قتل رؤسائهم وإجلاء بقيتهم، ولكن أولئك الزعماء وقفوا على الحياد فلم ينحازوا إليه ولا إلى الأبناء، وقالوا له: أنت صاحبهم وهم أصحابك، فلما يئس منهم عاد فكاتب فلول «الأسود العنسي» سواء الذين بقوا متذبذبين بين صنعاء ونجران أو ممن انحاز إلى لحج، فطلب منهم الالتقاء بهم ليكونوا جميعًا على أمر واحد وهو نفي «الأبناء»، فلم يشعر أهل صنعاء إلا وهم محاطون بتلك الفلول، ثم حرص «قيس» على تجميع «الأبناء» تمهيدًا لنفيهم ( ).
وعندما وصل فيروز الديلمي إلى خولان كتب من هناك إلى أبي بكر يخبره بما حصل من قيس، فما كان منه إلا أن كتب إلى الزعماء الذين كتب إليهم رسول الله ×، وكانت صيغة الكتاب واضحة صريحة وهي: «أعينوا الأبناء على من ناوأهم وحوطوهم، واسمعوا من فيروز، وجِدُّوا معه فإني قد وليته» ( ).
كان الصديق في نهجه هذا يستهدف أمرين متلازمين:
• أنه جعله خطة حربية حيث كان جيش أسامة بن زيد قد خرج إلى الشام، وكان الخليفة ينتظر عودته حتى يتسنى له مواجهة أعنف موجات الردة في اليمامة والبحرين وعمان وتميم، وهي أشد وأعنف من موجات الردة في اليمن التي اكتفى بمعالجة بعضها بالرسائل والرسل.
• وأما الهدف الآخر فهو إعطاء الفرصة لمن ثبت على الإسلام لكي يبرهن على صدق إسلامه، ولكي يزداد ثباتًا واستمساكًا بدينه ما دام هو صاحب المسئولية والمتحمل لأمانة إقرار الإسلام فيمن حوله، خاصة أن من راسلهم أبو بكر كانوا هم الذين راسلهم رسول الله × من قبل، وقد ثبتوا وقاموا بما طُلب منهم ( ). وقام فيروز بالاتصال ببعض القبائل يستمدهم ويستنصرهم، وعلى رأس هؤلاء «بنو عقيل بن ربيعة بن عامر بن صعصعة»، ثم أرسل إلى قبيلة «عك» للغرض نفسه. وكان أبو بكر قد أرسل إلى الطاهر بن أبي هالة ( )، وإلى مسروق العكي -وكانا بين عك والأشعريين- أن يمدا الأبناء بالمعونة، فخرج كل من جهته وعملوا جميعًا للحيلولة دون تنفيذ مخطط قيس وهو طرد الأبناء وإخراجهم من اليمن، فأنقذوهم ثم تكتلوا وتوجهوا نحو صنعاء جميعًا فاصطدموا به حتى اضطر إلى ترك صنعاء، وعاد إلى ما كان عليه أصحاب الأسود العنسي وهو التذبذب بين نجران وصنعاء ولحج، إلا أنه انضم إلى عمرو بن معديكرب الزبيدي. وبهذا عادت صنعاء للمرة الثانية إلى الهدوء والاستقرار عن طريق الرسل والكتب ( ).
ج- واستمر الصديق يتابع سياسة الإحباط من الداخل، وهي ما يعبر عنها المؤرخون بقولهم: «ركوب من ارتد بمن لم يرتد وثبت على الإسلام» ( ).
ففي ردة «تهامة اليمن» تم القضاء عليها بدون مجهود يذكر من قبل الخليفة، فقد تولاها المسلمون من أبناء تهامة مثل «مسروق» العكي الذي قاتل المرتدين بقومه من عك، وكان على رأس من قضى على ردة تهامة «الطاهر بن أبي هالة» الذي كان واليًا للرسول × على جزء من تهامة، وهي موطن «عك والأشعريين» ( ) ثم أمر أبو بكر «عكاشة بن ثور» أن يقيم في «تهامة» ليجمع حوله أهلها حتى يأتيه أمره ( )، وأما بجيلة فإن أبا بكر رد جرير بن
عبد الله ( )، وأمره أن يستنفر مِنْ قومه مَنْ ثبت على الإسلام ويقاتل بهم من ارتد عن الإسلام، وأن يأتي خثعم فيقاتل من ارتد منهم، فخرج جرير وفعل ما أمره به الصديق ، فلم يقم له أحد إلا نفر يسير فقتلهم وتتبعهم ( ).
وكان بعض «بني الحارث بن كعب» بنجران قد تابعوا الأسود العنسي، وبعد وفاة رسول الله × بقوا مترددين فخرج إليهم «مسروق العكي» وهو يزعم مقاتلتهم فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا من غير قتال، فأقام فيهم ليعمل على استتباب الأمور فلم يأته «المهاجر بن أبي أمية» إلا وقد ضبط نجران ( ).
وقد نجحت سياسة الإحباط من الداخل، وتوجه الصديق بإرسال الجيوش بعد عودة جيش أسامة.

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:23 PM
د- جيش عكرمة:
بعد أن شارك في القضاء على ردة أهل عمان، توجه نحو مهرة حسب أمر أبي بكر، وكان معه سبع مئة فارس ( )، فوق ما جمع حوله من قبائل عمان، وحينما دخل مهرة وجدها مقسمة بين زعيمين متناحرين: أحدهما يسمى شخريت ويتمركز في السهل الساحلي، وهو أقل الجمعين عددًا وعدة، والآخر يسمى المصبح ونفوذه على المناطق المرتفعة وهو أكبر الجمعين، فدعاهما عكرمة إلى الإسلام فاستجاب صاحب السهل الساحلي وأما الآخر فقد اغتر بجموعه فأبى، فصادمه عكرمة ومعه «شخريت» فلحقته الهزيمة، وقتل ومعه الكثير من أصحابه، ثم أقام عكرمة فيهم يجمعهم ويقيم شئونهم حتى جمعهم على الذي يجب، حيث بايعوا على الإسلام وآمنوا واستقروا ( )، وكان قد تلقى كتابًا من أبي بكر يأمره بالاجتماع مع المهاجر بن أبي أمية القادم من «صنعاء» ليتوجها معا إلى كندة، فخرج من مهرة حتى نزل أبين وبقي هناك ينتظر المهاجر، وعمل وهو هناك على جمع «النخع» وحمير وتثبيتهم على الإسلام ( )، وكان لوصول عكرمة إلى أبين أثر على بقية فلول الأسود العنسي وعلى رأسهم قيس بن المكشوح وعمر بن معد يكرب، فبعد هروب قيس من صنعاء بقي مترددًا بينها وبين نجران، وكان «عمر بن معد يكرب» قد انضوى إلى فلول العنسي التي أطلق عليها الفلول اللحجية؛ لأن وجهتهم كانت إلى لحج، فلما جاء عكرمة انضم قيس إلى عمرو وقد اجتمعا للقتال ولكن ما لبث أن نشب الخلاف بينهما فتعايرا ففارق كل واحد الآخر، فلما جاء المهاجر بن أبي أمية أسرع عمرو لتسليم نفسه ولحقه قيس فأوثقهما المهاجر وبعث بهم إلى أبي بكر، وبعد أن عاتبهما اعتذر كل واحد منهما عن فعله فأطلقهما ورجعا بعد أن تابا وأصلحا ( ).
وهكذا كان لقدوم عكرمة من المشرق دور في القضاء على فلول المرتدين الموجودين في لحج سواء بالمواجهة من هذا الجيش القادم، بينما هم يواجهون جيشا آخر في الشمال
بقيادة المهاجر ( ).
هـ- جيش المهاجر بن أبي أمية للقضاء على ردة حضرموت وكندة:
كان آخر من خرج من المدينة من الجيوش الأحد عشر جيش المهاجر بن أبي أمية وكان معه سرية من المهاجرين والأنصار، فمر على مكة فانضم إليه «خالد بن أسيد» –أخو «عتاب ابن أسيد»- أمير مكة، ومر على الطائف فلحقه عبد الرحمن بن أبي العاص ومن معه، ولما التقى «بجرير بن عبد الله البجلي» بنجران ضمه إليه، وضم عكاشة بن ثور الذي جمع بعض أهل تهامة، ثم دخل في جموعه «فروة بن مسيك المرادي» الذي كان في أطراف بلاد مذحج، ومر على بني الحارث بن كعب بنجران فوجد عليهم مسروق العكي فضمه إليه ( ).
وفي نجران قسم جيشه إلى فرقتين: فرقة تولت القضاء على فلول «الأسود العنسي» المتناثرة بين نجران وصنعاء، وكان المهاجر نفسه على هذه الفرقة، أما الفرقة الأخرى فكان عليها أخوه «عبد الله»، وكانت مهمتها تطهير منطقة تهامة اليمن من بقية المرتدين ( ).
وحينما استقر المهاجر في صنعاء كتب إلى أبي بكر بما قام به وبما استقر عليه وبقي ينتظر الرد منه، وفي الوقت نفسه كتب معاذ بن جبل وبقية عمال اليمن الذين كانوا على عهد رسول الله ×، -ما عدا زياد بن لبيد- إلى أبي بكر يستأذنونه بالعودة إلى المدينة، فجاءت كتب أبي بكر مطلقة حق الاختيار لمعاذ ومن معه من العمال بالبقاء أو العودة، والاستخلاف على عمل كل من رجع فرجعوا جميعًا ( )، وأما المهاجر فقد تلقى الأمر بالتوجه لملاقاة عكرمة وأن يسيرا معًا إلى حضرموت لمعاونة زياد بن لبيد وإقراره على ما هو عليه، وأمره أن يأذن لمن معه من الذين قاتلوا بين مكة واليمن في العودة إلا أن يؤثر قوم الجهاد ( ).
كان زياد بن لبيد الأنصاري واليًا لرسول الله على كندة بحضرموت، وأقره الصديق  على ذلك، وكان حازمًا شديدًا وكان لحزمه وشدته سبب كبير في أن يتمرد عليه حارثة بن سراقة، وخلاصة ذلك -كما يذكر الكلاعي- أن زيادًا أعطى من ضمن الصدقة ناقة معينة لفتى من كندة على سبيل الخطأ، فلما أراد صاحبها استبدالها بأخرى لم يقبل منه ذلك زياد، فاستنجد الفتى بزعيم لهم هو حارثة بن سراقة، وعندما طلب ابن سراقة من زياد استبدال الناقة أصر زياد على موقفه، فغضب ابن سراقة وأطلق الناقة عنوة، فوقعت الفتنة بين أنصار زياد وأنصار ابن سراقة، ودارت الحرب وانهزم ابن سراقة وقتل ملوك كندة الأربعة وأسر زياد عددًا من جماعة ابن سراقة، واستنجد الأسرى وهم في طريقهم إلى المدينة بالأشعث بن قيس فنجدهم حمية وعبية، واتسعت رقعتها وتكاثر جمع الأشعث وحصروا المسلمين ( )، فأرسل زياد إلى المهاجر وعكرمة يستعجلهما النجدة وكانا قد التقيا بمأرب، فما كان من المهاجر إلا أن ترك «عكرمة» إلى الجيش وأخذ أسرع الناس -وغالبا من الفرسان– ليكونا بجانب زياد، وقد استطاع أن يفك الحصار عنه فهربت كندة إلى حصن من حصونها يسمى النجير، وكان لهذا الحصن ثلاث طرق لا رابع لها، فنزل زياد على إحداها والمهاجر على الثانية وبقيت الثالثة تحت تصرف كندة، حتى قدم عكرمة فنزل عليها فحاصروهم من جميع الجهات، ثم بعث «المهاجر» الطلائع إلى قبائل كندة والمتفرقة في السهل والجبل يدعوهم إلى الإسلام ومن أبي قاتلوه، ولم يبق إلا في الحصن المحاصر ( ).
وكان جيشا زياد والمهاجر يزيدان على خمسة آلاف رجل من المهاجرين والأنصار وغيرهم من القبائل، وقد عملا على التضييق على من في الحصن حتى ضجوا بالشكوى إلى زعمائهم متبرمين من الجوع، وفضلوا الموت بالسيف بدلاً من ذلك، فاتفق زعماؤهم على أن يقوم الأشعث بن قيس بطلب الأمان والنزول على حكم المسلمين ( )، وبعد أن فوض الأشعث من قومه لمفاوضة المسلمين لم يوفق؛ لأن الروايات تضافرت على أنه لم يطلب الأمان لجميع من في الحصن، أو أنه لم يصر على ذلك ولم يطلبه إلا لعدد تراوح حسب الروايات بين السبعة والعشرة وكان الشرط هو فتح أبواب حصن «النجير»، وكان من جراء ذلك أن قتل من «كندة» في الحصن سبعمائة قتيل، فأشبه موقفهم موقف يهود بني قريظة ( ).
وتم القضاء على ردة كندة وعاد عكرمة بن أبي جهل ومعه السبايا والأخماس، وبرفقتهم الأشعث بن قيس الذي صار مبغضًا إلى قومه ولا سيما نساؤهم لأنهم عدوه سبب ذلتهم؛ ولأنه عندما صالح المسلمين كان أول ما بدأ به اسمه، فكانت نساء قومه يسمينه عُرف النار، ومعناه بلغتهم: الغادر ( )، ولما قدم الأشعث على أبي بكر قال: ماذا تراني أصنع بك فإنك قد فعلت ما علمت؟! قال: تمنُّ عليَّ فتفكني من الحديد وتزوجني أختك فإني قد راجعت وأسلمت، فقال أبو بكر: قد فعلت فزوجه أم فروة ابنة أبي قحافة، فكان بالمدينة حتى فتح العراق. ( )
وفي رواية جاء فيها: فلما خشي أن يقع به قال: أوتحتسب فيَّ خير فتطلق إساري وتقيلني عثرتي وتقبل إسلامي، وتفعل بي مثل ما فعلته بأمثالي وترد علي زوجتي -وقد كان خطب أم فروة بنت أبي قحافة مقدمه على رسول الله × فزوجه، وأخَّرها إلى أن يقدم الثانية فمات رسول الله ×، وفعل الأشعث ما فعل فخشي ألا ترد عليه- تجدني خير أهل بلادي لدين الله! فتجافى له عن دمه وقبل منه ورد عليه أهله وقال: انطلق فليبلغني عنك خير، وخلي عن القوم، فذهبوا وقسم أبو بكر في الناس الخمس ( ).
و- دروس وعبر وفوائد:
المرأة بين الهدم والبناء:
في حروب الردة باليمن تظهر صورتان مختلفتان للنساء: صورة المرأة الطاهرة العفيفة التي تقف مع الإسلام وتحارب الرذيلة، وتقف مع المسلمين لكبح جماح شياطين الإنس والجن، فهذه «آزاد» الفارسية زوج شهر بن باذان وابنة عم فيروز الفارسي؛ تقف مع الصف الإسلامي بكل عزم وتصميم، وتدبر مع المسلمين خطة محكمة لاغتيال الأسود العنسي كذاب اليمن، فالمسلم في كل عصر يكبر في (آزاد) المسلمة غيرتها على دينها، وينظر باستهجان إلى ما مَجَّه قلم الدكتور محمد حسين هيكل عندما تحدث عن موقف آزاد من كذاب اليمن، وحاول أن يرجع ما قامت به المرأة المسلمة آزاد الفارسية إلى عصبية شهوانية، وذلك في قوله عن الأسود: «ولما استغلظ أمره وأثخن في الأرض استخف بقيس وبفيروز وجعل يرى في الأخيرين وفي سائر الفرس من تنطوي أضلاعهم على المكر به، وعرفت زوجته الفارسية ذلك منه، فثار في عروقها دم قومها، وتحركت في نفسها عوامل الحقد على الكاهن القبيح قاتل زوجها الشاب الفارسي الذي كانت تحبه من أعماق قلبها، ولقد استطاعت بسجيتها النسوية أن تخفي ذلك عنه وأن تسخو في البذل له من أنوثتها سخاء جعله يركن إليها ويطمع في وفائها». ( )
إنه أسلوب فيه لَمْز بالفارسية المؤمنة آزاد، وكأنه يتهمها بالغدر لفارسيتها بالأسود العربي، ويأخذ عليها هذا الصنيع الذي كانت تظهر له فيه ما لا تخفي، إنه توجيه لحدث في غير محله، وهذه المرأة الصالحة المسلمة قتل الأسود زوجَها المسلم وتزوجها غصبًا، وهي التي وصفت الأسود الكذاب بقولها: «والله ما خلق الله شخصا أبغض إليَّ منه، ما يقوم لله على حق ولا ينتهي عن محرم».( ) وهي التي جعلها الله تعالى سببا لهلاك الطاغية الأسود العنسي، فلولا الله ثم جهودها الميمونة ما استطاع فيروز وأصحابه قتل الأسود ( )، فالذي حركها لذلك العمل العظيم الذي فيه حتفها وموتها هو حبها لدينها وعقيدتها وإسلامها، وبغضها للأسود العنسي الكذاب الذي أراد أن يقضي على الإسلام في اليمن، فهذه صورة مشرقة مضيئة لما قامت به المرأة المسلمة في اليمن من الجهاد من أجل دينها.
أما الصورة الكالحة المظلمة التي قامت به بعض بنات اليمن من يهود أو من لف لفهن في حضرموت، فقد طرن فرحا بموت رسول الله × فأقمن الليالي الحمراء مع المجان والفساق يشجعن على الرذيلة ويزرين بالفضيلة، فقد رقص الشيطان فيها معهن وأتباعه طربًا لنكوص الناس على الإسلام والدعوة إلى التمرد عليه وحرب أهله ( )، لقد حنَّت تلك البغايا إلى الجاهلية وما فيها من المنكرات، وانجذبن إليها انجذاب الذباب إلى أكوام من الأقذار، فقد تعودن على الفاحشة في حياتهن الجاهلية، فلما جاء الإسلام حجزتهن نظافته عنها، فشعرن وكأنهن بسجن ضيق يكدن يختنقن فيه، ولذا ما إن سمعن بموته × حتى أظهرن الشماتة فخضبن أيديهن بالحناء، وقمن يضربن بالدفوف ويغنين فرحتهن؛ فقد تحقق لهن ما كن يتمنينه على السلطة الجديدة، وكان معظمهن من علية القوم هناك وبعضهن يهوديات، وقد كان لكلا الطرفين -أشراف القوم من العرب واليهود- مصلحة في الانتقاض على مبادئ الإسلام والانقضاض على كيانه. لقد عرفت هذه الحركة في التاريخ بحركة البغايا وكن نيفا وعشرين بغيًّا متفرقات في قرى حضرموت، وأشهرهن هر بنت يامن اليهودية التي ضرب المثل بها في الزنا، فقيل: «أزنى من هر». ويذكر التاريخ أن الفساق كانوا يتناوبونها لهذا الغرض في الجاهلية، ولكن هؤلاء السواقط لم يتركن وشأنهن يفسدن في المجتمع كما يحلو لهن ( )، فقد وصل الخبر إلى الصديق، وأرسل رجل من أهل اليمن إليه
هذه الأبيات:
أبلغ أبا بكر إذا ما جئته
أن البغايا رُمْنَ أيَّ مرام

أظهرن من موت النبي شماتة
وخضبن أيديهن بالعُلاَّم ( )

فاقطع هديت أكفَّهن بصارم
كالبرق أمضى من متون غمام ( )

فكتب أبو بكر  إلى عامله هناك المهاجر بن أبي أمية كتابًا في منتهى الحزم والصرامة جاء فيه: «فإذا جاءك كتابي هذا فَسِرْ إليهن بخيلك ورجلك حتى تقطع أيديهن، فإن دفعك عنهن دافع، فأعذر إليه باتخاذ الحجة عليه، وأعلمه عظيم ما دخل فيه من الإثم والعدوان، فإن رجع فاقبل منه وإن أبى فنابذه على سواء، إن الله لا يهدي كيد الخائنين…». فلما قرأ المهاجر الكتاب جمع خيله ورجله وسار إليهن، فحال بينه وبينهن رجال من كندة وحضرموت فأعذر إليهم، فأبوا إلا قتاله، ثم رجع عنه عامتهم، فقاتلهم فهزمهم وأخذ النسوة فقطع أيديهن فمات عامتهن وهاجر بعضهن إلى الكوفة. ( ) لقد نلن جزاءهن في محكمة الإسلام العادلة؛ إذ أخذهن عامل أبي بكر على تلك البلاد وطبق عليهن حد الحرابة( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:24 PM
ونقلت الأخبار للخليفة في امرأتين من بلاد حضرموت تغنتا بهجاء رسول الله × والمسلمين، وكان قد عاقبهما المهاجر بن أبي أمية والي تلك البلاد بقطع يديهما ونزع ثنيتيهما، فلم يرضَ أبو بكر، وعدها عقوبة خفيفة في حق هاتين المجرمتين، وقد وجه إليه كتابًا بهذا الخصوص قال فيه بحق الناعقة بشتم صاحب الرسالة: بلغني الذي سرت به في المرأة التي تغنت وزمرت بشتيمة رسول الله ×، فلولا ما قد سبقتني فيها لأمرتك بقتلها؛ لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر. ( ) وقال في الأخرى: بلغني أنك قطعت يد امرأة في أن تغنت بهجاء المسلمين ونزعت ثنيتها، فإن كانت ممن تدعي الإسلام فأدب وتقدمة دون المثلة، وإن كانت ذمية لعمري لما صفحت عنه من الشرك أعظم، ولو كنت تقدمت إليك في مثل هذا لبلغت مكروها فاقبل الدعة وإياك والمثلة في الناس؛ فإنها مأثم ومنفرة إلا في قصاص ( ).
من خطباء الإيمان:
كان بعض أهل اليمن لهم مواقف عظيمة في الثبات على الحق والدعوة إلى الإسلام وتحذير قومهم من خطورة الردة، ومن هؤلاء كان «مران بن ذي عمير الهمداني» أحد ملوك اليمن الذي كان قد أسلم ممن أسلم من أهل اليمن، فلما ارتد الناس هناك وتكلم سفهاؤهم بما لا يليق وقف فيهم خطيبًا وقال لهم: يا معشر همدان إنكم لم تقاتلوا رسول الله × ولم يقاتلكم فأصبتم بذلك الحظ ولبستم به العافية، ولم يعمكم بلعنة تفضح أوائلكم وتقطع دابرهم، وقد سبقكم قوم إلى الإسلام وسبقتم قومًا، فإن تمسكتم لحقتم من سبقكم وإن أضعتموه لحقكم من سبقتموه، فأجابوا إلى ما أحب، وأنشد أبياتا رثى فيها النبي × يقول فيها:
إن حزني على الرسول طويل
ذاك مني على الرسول قليل

بكت الأرض والسماء عليه
وبكاء خديمه جبريل ( )

وقام عبد الله بن مالك الأرحبي وكان من أصحاب النبي ×، له هجرة وفضل في دينه فاجتمع إليه همدان فقال: يا معشر همدان إنكم لم تعبدوا محمدًا إنما عبدتم رب محمد وهو الحي الذي لا يموت، غير أنكم أطعتم رسوله بطاعة الله، واعلموا أنه استنقذكم من النار، ولم يكن الله ليجمع أصحابه على ضلالة، وذكر له خطبة طويلة يقول فيها:
لعمري لئن مات النبي محمد

لما مات يا ابن القَيلِ رب محمد

دعاه إليه ربُّه فأجابه
فيا خير غَوْرِيٍّ( ) ويا خير منجد ( )

ووقف شرحبيل بن السمط وابنه في بني معاوية من كندة عندما أطبقوا كلهم على منع الصدقة وقالا لبني معاوية: إنه لقبيح بالأحرار التنقل، إن الكرام ليلزمون الشبهة فيتكرمون أن يتنقلوا إلى أوضح منها مخافة العار، فكيف الانتقال من الأمر الحسن الجميل والحق إلى الباطل القبيح؟ اللهم إنا لا نمالئ قومنا على ذلك. وانتقل ونزل معه زيد ومعهما امرؤ القيس بن عابس وقالا له: بَيِّتِ القوم فإن أقوامًا من السكاسك والسكون قد انضموا إليهم وكذلك شذاذ من حضرموت، فإن لم تفعل خشينا أن تتفرق الناس عنا إليهم، فأجابهم إلى تبييت القوم فاجتمعوا وطوقوهم في محاجرهم فوجدوهم جلوسًا حول نيرانهم فأكبوا على بني عمرو وبني معاوية وفيهم العدد والشوكة من خمسة أوجه فأصابوا الملوك الأربعة من كندة وأختهم العمرَّدة وقتلوا فأكثروا، وهرب من أطاق الهرب وعاد زياد بن لبيد بالأموال والسبي( )، فهذه بعض النماذج من أهل الإيمان الذين كانت لهم مواقف تدل على عمق إيمانهم وشدة انتمائهم إلى الإسلام فكانوا من خطباء الإيمان.
كرامات الأولياء:
عندما تمكن الأسود العنسي باليمن وتنبأ بالنبوة بعث إلى أبي مسلم الخولاني فلما جاء قال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع. قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم. فردد ذلك عليه، وفي كله يقول مثل قوله الأول قال: فأمر به فألقي في نار عظيمة فلم تضره، فقيل له: انفه عنك وإلا أفسد عليك من اتبعك، قال: فأمر بالرحيل فأتى المدينة وقد قبض رسول الله ×، واستخلف أبو بكر فأناخ أبو مسلم راحلته بباب المسجد، ودخل المسجد فقام يصلي إلى سارية، وبصر به عمر بن الخطاب فقام إليه فقال: ممن الرجل؟ قال: من أهل اليمن، قال: ما فعل الرجل الذي أحرقه الكذاب بالنار؟ قال: ذاك عبد الله بن ثوب، قال: أنشدك الله أنت هو؟ قال: اللهم نعم. فأعتنقه عمر وبكى، ثم ذهب به فأجلسه فيما بينه وبين أبي بكر وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من فعل به ما فعل بإبراهيم خليل الله.( )
فهذه كرامة لهذا العبد الصالح الذي التزم بحدود الله وأحب في الله وأبغض في الله وتوكل على الله في كل شيء، وبذلك وفقه الله في القول والعمل ورزقه الأمن والطمأنينة وأجرى الله على يديه هذه الكرامة، قال تعالى: +أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ  لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" [يونس: 62- 64].
العفو عند الصديق:
كان لأبي بكر بُعْد نظر وبصيرة نافذة ونظر بعواقب الأمور، ولذلك كان يستعمل الحزم في محله والعفو عندما تقتضي إليه الحاجة، فقد كان حريصًا على جمع شتات القبائل تحت راية الإسلام، فكان من سياسته الحكيمة عفوه عن زعماء القبائل المعاندة بعد رجوعهم إلى الحق، فإنه لما استخضع قبائل اليمن المرتدة وأراهم سطوة دولة المسلمين وقوة شكيمتهم ومضاء عزيمتهم، واعترفت القبائل بما أنكرت واستكانت لحكم الإسلام، وأطاعوا خليفة رسول الله رأى أبو بكر أنه من تأليف القلوب ترك استعمال القوة مع زعماء هذه القبائل، بل اللين هنا والرفق أوفق، فرفع العقوبة عنهم وألان القول لهم ووظف نفوذهم في قبائلهم لصالح الإسلام والمسلمين ( )، فعفا عن زلتهم وأحسن إليهم، فقد فعل ذلك مع قيس بن يغوث المرادي وعمرو بن معد يكرب، فقد كانا من صناديد العرب وفرسانهم وأكثرهم شجاعة، فعز على أبي بكر أن يخسرهما وحرص على أن يستخلصهما للإسلام ويستنقذهما من التردد بين الإسلام والردة، فقد قال أبو بكر لعمرو: أما تخزى أنك كل يوم مهزوم أو مأسور؟ لو نصرت هذا الدين لرفعك الله، فقال عمرو: لا جرم لأفعلن ولن أعود. فأطلقه الصديق ولم يرتد عمرو بعدها قط بل أسلم وحسن إسلامه ونصره الله، وأصبح له بلاء عظيم في الفتوحات. وندم قيس على ما فعل، فعفا عنه الصديق، وكان للعفو عن هذين البطلين من أبطال عرب اليمن آثاره العميقة والعريضة، فقد تألف به الصديق قلوب أقوام قد عادوا إلى الإسلام بعد الردة خوفًا أو طمعًا. وعفا عن الأشعث بن قيس، وبذلك أسر الصديق قلوبهم وامتلك أفئدتهم، فكانوا في مستقبل الأيام نصرًا للإسلام وقوة للمسلمين وأصبحت لهم يد عظيمة في هذا المجال ( ).
وصية الصديق لعكرمة ومحاسبته لمعاذ:
كان أبو بكر  حين بعث عكرمة بن أبي جهل إلى مسيلمة وأتبعه شرحبيل بن حسنة عجَّل عكرمة فوافته بنو حنيفة فنكبوه، فكتب عكرمة إلى أبي بكر بالذي كان من أمره، فكتب إليه أبو بكر: يا ابن أم عكرمة لا أرينَّك ولا تراني على حالها، لا ترجع فتوهن الناس، امض على وجهك حتى تساند حذيفة وعرفجة فقاتل معهما أهل عمان ومهرة، وإن شغلا فامضِ أنت ثم تسير وتسيِّر جندك تستبرئون ممن مررتم به، حتى تلتقوا أنتم والمهاجر ابن أبي أمية باليمن وحضرموت ( ).
ونلحظ أن الصديق حينما وجه الجيوش لقتال المرتدين وجه إلى مسيلمة الكذاب جيشين أحدهما بقيادة عكرمة بن أبي جهل والثاني بقيادة شرحبيل بن حسنة، وهذا دليل على خبرة أبي بكر الدقيقة بدرجات القوة عند الأعداء ومقدار مقدرتهم على الصمود، وحينما تعجل عكرمة لحرب مسيلمة فنكب هو وجيشه أرسل إليه أبو بكر يقول له: «لا أرينك ولا تراني على حالها لا ترجع فتوهن الناس» وهذا أيضا من خبرة أبي بكر الحربية فإن الروح المعنوية لها أثر كبير في نتائج المعارك، فإذا قدم هؤلاء المنهزمون فقابلوا الجيش المتوجه لقتال الأعداء, فإن نفوس أفراد الجيش سيكون فيها شيء التخوف والضعف، خصوصًا فيما إذا روى لهم المنهزمون شيئًا عن ضخامة جيش الأعداء وقوته ( )، وقد كان البعد الحربي عند الصديق واضحا فأرسل عكرمة وجيشه إلى مناطق أخرى وحقق نجاحًا باهرًا، فارتفعت معنويته وجيشه.
وعندما رجع معاذ من اليمن إلى المدينة واستقبله الصديق وكان من عاداته مراقبة عماله ومحاسبتهم بعد فراغهم، قال الصديق لمعاذ: ارفع حسابك، فقال: أحسابان: حساب الله وحساب منكم؟ والله لا ألي لكم عملاً أبدًا ( ).
توحيد اليمن ووضوح الإسلام عند أهله وطاعتهم للخليفة:
وبعد انتهاء حروب الردة تجمعت اليمن تحت قيادة مركزية عاصمتها المدينة المنورة، وقسم اليمن إلى أقسام إدارية لا وحدات قبلية، فقد قسم إلى ثلاثة أقسام إدارية: صنعاء والجند وحضرموت، ولم تعد العصبية القبلية أساسًا في الزعامة أو في التولية، ولم تعد القبيلة سوى وحدة عسكرية لا سياسية، وأصبحت المقاييس المعتبرة هي المقاييس الإيمانية؛ التقوى والإخلاص والعمل الصالح ( ).
وتخلصت اليمن من بقايا الشرك ومن جميع مظاهره -شرك في الاعتقاد أو شرك في القول أو شرك في الفعل- تركًا أو إتيانًا، وأدركوا أن النبوة أرفع من أن يدعيها مدع عابث ويتخذها وسيلة إلى غرضه ورغبته.( ) وأيقنوا أن الإيمان لا يلتقي مع المطامع، وأن الإسلام لا يتفق مع الجاهلية، عرفوا ذلك بالدماء والألم والحسرات، فقتل من كلا الطرفين الكثير وتعلم منهم الكثير ( )، ورجع من كان قد ارتد إلى الإسلام يرجو التكفير عما بدر ( )، وأذن لهم بالجهاد في عصر الخليفة عمر بن الخطاب ، وقد برزت قيادات يمنية إسلامية في الفتوحات قد تربت وانصهرت في أحداث الردة، وكانوا من الثابتين على الإسلام؛ كجرير ابن عبد الله البجلي، وذي الكلاع الحميري، ومسعود بن العكي، وجرير بن عبد الله الحميري وغيرهم، وكان لهذه القيادات أدوار بارزة في الفتوحات الإسلامية وفي عمران مدن جديدة في الكوفة وفي البصرة والعراق والفسطاط بمصر، وبرزت أيضًا شخصيات يمنية عينت في اليمن وغير اليمن قضاة وولاة مثل: حشك عبد الحميد، وسعيد بن عبد الله الأعرج، وشرحبيل بن السمط الكندي، وغيرهم ( ).
والتحم أهل اليمن بالدولة الإسلامية وبقيادتها سواء التي عليهم مباشرة أو القيادة العامة «الخليفة» في المدينة، ولهذه حينما دعاهم الخليفة للجهاد سارعوا طواعية ورغبة في الجهاد كما سيأتي تفصيله بإذن الله تعالى. لقد تربوا في أحداث الردة تربية كافية
جعلتهم موصولين بالقيادة واثقين بها، ولذا ساد الهدوء والاستقرار وأصبحوا خير مدد للإسلام والمسلمين ( ).
2- القضاء على فتنة طليحة الأسدي:
طليحة الأسدي هو المتنبئ الثالث من المتنبئة الذين ظهروا في الإسلام أواخر عهد رسول الله × بالحياة، وطليحة هذا هو طليحة بن خويلد بن نوفل بن نضلة الأسدي، ولقد قدم مع وفد قومه أسد على رسول الله × في عام الوفود سنة تسع للهجرة فسلموا عليه، وقالوا له ممتنين: جئناك نشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله ولم تبعث إلينا ونحن لمن وراءنا، فأنزل الله -عز وجل- قوله: +يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ" [الحجرات: 17]، ولما عادوا ارتد طليحة وتنبأ( )، وعسكر في سميراء «منطقة في بلادهم»، واتبعه العوام واستكشف أمره «وأول ما صدر عنه وكان سببًا لضلال الناس أنه كان مع بعض قومه في سفر فأعوزهم الماء وغلب العطش على الناس فقال: اركبوا أعلالا «اسم فرسه» واضربوا أميالاً تجدوا بلالاً. ففعلوا فوجدوا الماء، فكان ذلك سبب وقوع الأعراب في الفتنة» ( ).
ومن خزعبلاته أنه رفع السجود من الصلاة، وكان يزعم أن الوحي يأتيه من السماء، ومن أسجاعه التي ادعى أنه يوحى له بها قوله: «والحمام واليمام والصرد الصوام قد صمن قلبكم بأعوام ليبلغن ملكنا العراق والشام» ( ) وغرته نفسه واشتد أمره وقوت شوكته، فبعث رسول الله × ضرار بن الأزور الأسدي لمقاتلته لما سمع من أمره، ولكن ضرار لم يكن له به قِبَل؛ وذلك لتعاظم قوته مع الزمن، ولا سيما بعد أن آمن به الحليفان:
أسد وغطفان.( )

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:25 PM
وتقول عنه دائرة المعارف الإسلامية: ويروي عنه أنه كان يرتجل الشعر ويخطب عفو الساعة في ميدان القتال... ويبدو أنه كان مثالاً حقا للزعيم القبلي الجاهلي. وقد اجتمعت فيه صفات العراف والشاعر والخطيب والمقاتل.( ) ويشم من هذا النص رائحة المدح المبطن لطليحة من قبل هذه الموسوعة الشهيرة، فهو في نظرها الزعيم القبلي المثال، يرتجل الشعر والخطابة، وهما أهم ما كان يحرص عليه العربي آنذاك، ولا يستغرب هذا الاتجاه من هذه الموسوعة التي جعلت من اللمز في الإسلام ديدنها، سواء أعرفت أن طليحة عاد فأسلم وحسن إسلامه أم لم تعرف.
وتوفي رسول الله ولم يحسم أمر طليحة ( ) وتولى الخلافة الصديق ، وعقد الألوية للجيوش والأمراء للقضاء على المرتدين، وكان من ضمنهم طليحة، ووجه إليه الصديق جيشًا بقيادة خالد بن الوليد.
روى الإمام أحمد: … أن أبا بكر الصديق لما عقد لخالد بن الوليد على قتال أهل الردة قال: سمعت رسول الله يقول: نِعْم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله، سله الله على الكفار والمنافقين»( )، ولما توجه خالد من ذي القصة وفارقه الصديق، واعده أن سيلقاه من ناحية خيبر بمن معه من الأمراء، وأظهروا ذلك ليرعبوا الأعراب، وأمره أن يذهب أولاً إلى طليحة الأسدي، ثم يذهب بعده إلى بني تميم، وكان طليحة بن خويلد في قومه بني أسد وفي غطفان، وانضم إليهم بنو عبس وذبيان، وبعث إلى بني جَديلة والغوث من طيء يستدعيهم إليه، فبعثوا أقوامًا منهم بين أيديهم ليلحقوهم على أثرهم سريعًا. وكان الصديق قد بعث عدي بن حاتم قبل خالد بن الوليد وقال له: أدرك قومك لا يلحقوا بطليحة فيكون دمارهم، فذهب عدي إلى قومه بني طيء فأمرهم أن يبايعوا الصديق ( )، وأن يراجعوا أمر الله فقالوا: لا نبايع أبا الفَصِيل ( ) أبدا -يعنون أبا بكر - فقال: والله ليأتينكم جيشه فلا يزالون يقاتلونكم حتى تعلموا أنه أبو الفحل الأكبر، ولم يزل عدي يفتل لهم في الذروة والغارب حتى لانوا، وجاء خالد في الجنود وعلى مقدمة الأنصار الذين معه: ثابت بن قيس بن شماس، وبعث بين يديه ثابت بن أقرم وعكاشة بن محصن طليعة، فتلقاهما حيال -ابن أخي طليحة- فقتلاه، فبلغ خبره طليحة فخرج هو وأخوه سلمة، فلما وجدوا ثابتًا وعكاشة تبارزوا وحمل طليحة على عكاشة فقتله وقتل سلمة ثابت بن أقرم، وجاء خالد بمن معه فوجدوهما صريعين، فشق ذلك على المسلمين، ومال خالد إلى بني طيء فخرج إليه عدي بن حاتم فقال: أنظرني ثلاثة، فإنهم يخشون إن تابعوك أن يقتل طليحة من سار إليه منهم، وهذا أحب إليك من أن يعجلهم إلى النار، فلما كان بعد ثلاث جاءه عدي في خمسمائة مقاتل ممن راجع الحق، فانضافوا إلى جيش خالد، وقصد خالد بني جديلة فقال له: يا خالد أجلني أيامًا حتى آتيهم فلعل الله أن ينقذهم كما أنقذ الغوث ( ) فأتاهم عدي فلم يزل بهم حتى تابعوه فجاء بإسلامهم ولحق بالمسلمين منهم ألف راكب، فكان عدي خير مولود وأعظمه بركة على قومه  ( ).
أ- معركة بُزَاخَة والقضاء على بني أسد:
ثم سار خالد حتى نزل بأجأ وسلمى وعَبَّي جيشه هنالك، والتقى مع طليحة الأسدي بمكان يقال له: «بزاخة» ووفقت أحياء كثيرة من الأعراب ينظرون على من تكون الدائرة، وجاء طليحة فيمن معه من قومه ومن التف معهم وانضاف إليهم، وقد حضر معه عيينة بن حصن في سبعمائة من قومه بنى فزارة واصطف الناس وجلس طليحة ملتفًا في كساء له يتنبأ لهم ينظر ما يوحى إليه فيما يزعم، وجعل عيينة يقاتل حتى إذا ضجر من القتال جاء إلى طليحة وهو ملتف في كسائه وقال له: أجاءك جبريل؟ فيقول: لا، فيرجع فيقاتل. ثم يرجع فيقول له مثل ذلك ويرد عليه مثل ذلك، فلما كان في الثالثة قال له: هل جاءك جبريل؟ قال: نعم، قال: فما قال لك؟ قال: قال لي: إن لك رحا كرحاه وحديثًا لا تنساه، قال: يقول عيينة: أظن أنه قد علم الله سيكون لك حديث لا تنساه، ثم قال: يا بني فزارة انصرفوا وانهزمَ وانهزم الناس عن طليحة، فلما جاءه المسلمون ركب على فرس كان قد أعدها له وأركب امرأته النوار على بعير له، ثم انهزم بها إلى الشام وتفرق جمعه، وقد قتل الله طائفة ممن كان معه ( ).
وقد كتب أبو بكر الصديق إلى خالد بن الوليد حين جاءه أنه كسر طليحة ومن كان في صفه وقام بنصره فكتب إليه: ليزدك ما أنعم الله به خيرًا واتق الله في أمرك، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. جِدّ في أمرك ولا تلن ولا تظفر بأحد من المشركين قتل من المسلمين إلا نكلت به، فأقام خالد ببزاخة شهر يُصَعد عنها ويصوب ويرجع إليها في طلب الذي وصاه الصديق، فجعل يتردد في طلب هؤلاء شهرًا يأخذ بثأر من قتلوا من المسلمين الذين كانوا بين أظهرهم حين ارتدوا، فمنهم من حرقه بالنار ومنهم من رضخه بالحجارة، ومنهم من رمى به من شواهق الجبال، كل هذا ليعتبر بهم من يسمع بخبرهم من مرتدة العرب ( ).
ب- وفد بني أسد وغطفان إلى الصديق وحكمه عليهم:
لما قدم وفد بزاخة –أسد وغطفان- على أبي بكر يسألونه الصلح خيرهم أبو بكر بين حرب مجلية أو خطة مخزية، فقالوا: يا خليفة رسول الله، أما الحرب المجلية فقد عرفناها فما الخطة المخزية؟ قال: تؤخذ منكم الحلقة والكُرَاع وتتركون أقوامًا تتبعون أذناب الإبل حتى يُرِي الله خليفة نبيه والمؤمنين أمرًا يعذرونكم به، وتودون ما أصبتم منا ولا نودي ما أصبنا منكم، وتشهدون أن قتلانا في الجنة وأن قتلاكم في النار،، وتدون قتلانا ولا ندى قتلاكم، فقال عمر: أما قولك تدون قتلانا فإن قتلانا قتلوا على أمر الله لا ديات لهم، فامتنع عمر، وقال عمر في الثاني: نعم ما رأيت( ).
ج- قصة أم زِمل:
كان قد اجتمع طائفة كثيرة من الضلال من أصحاب طليحة من بني غطفان إلى امرأة يقال لها: أم زمل سلمى بنت مالك بن حذيفة في مكان يسمى ظَفَر ( ) وكانت من سيدات العرب كأمها أم قرفة ( )، وكان يضرب بأمها المثل في الشرف لكثرة أولادها وعزة قبيلتها وبيتها، فلما اجتمعوا إليها ذمرتهم لقتال خالد فهاجوا لذلك، وناشب إليهم آخرون من بني سليم وطيء وهوازن وأسد فصاروا جيشًا كثيفًا، وتفحل أمر هذه المرأة فلما سمع بهم خالد ابن الوليد سار إليهم واقتتلوا قتالاً شديدًا وهي راكبة على جمل أمها الذي كان يقال له: «من نخسه فله مائة من الإبل» وذلك لعزها، فهزمهم خالد وعقر جملها وقتلها، وبعث بالفتح إلى الصديق ( ).
د- دروس وعبر وفوائد:
ثقة الصديق بالله، وخبرته الحربية:
قول الصديق لعدي بن حاتم: أدرك قومك لا يلحقوا بطليحة فيكون دمارهم. فيه مثال على قوة يقين أبي بكر  وثقته بنصر الله، فقد حكم على نتيجة المعركة مع طيء قبل الدخول فيها، وفي أمر أبي بكر خالدًا -رضي الله عنهما- بأن يبدأ بحرب قبيلة طيء مع أنها أبعد من تجمع طليحة خطة حربية ناجحة، وذلك ليحول دون انضمام طيء إلى طليحة، وليضطر من انضم إليها منهم إلى التخلي عنه للدفاع عن قبيلتهم، ثم في إظهار أبي بكر أنه خارج جهة خيبر ليلاقي خالدًا ببلاد طيء تخطيط حربي بارع وذلك لإرهاب تلك القبيلة والقبائل المجاورة، وتظهر براعة الصديق في اختيار الرجال أن اختار لهذه المهمة التي لها ما بعدها أبا سليمان خالد بن الوليد الذي لم تنتكس له راية. ( )
وفي خطاب الصديق لخالد بعد انتهاء معركة بزاخة فوائد منها: الدعاء لخالد الذي يفهم منه الثناء عليه بإحسان، كما يتضمن أمره بتقوى الله وذلك فيه العصمة من الوقوع في الزلل واتباع الهوى، كما أمره بالجد والحزم مع الأعداء؛ لأنهم ما زالوا في فورة طغيانهم، وهذا موقف قوى يدل على حزم الصديق  وبصيرته النافذة، فهناك قبائل لا تزال متحيرة ومترددة بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والخير والشر، والإيمان والكفر، بحاجة إلى تأديب وردع حتى يزول طغيانهم، فالموقف من أبي بكر يقتضي أعلى درجات القوة والحزم والسرعة، فكانت منه القوة في محل القوة، كما كان منه اللين في محل اللين.
قال الشاعر:
ووضع الندى في موضع السيف للندى
مضر كوضع السيف في موضع الندى( )
وفي موقف الصديق في عدم قبول استسلام هؤلاء المحاربين وعدم قبول الصلح إلا بحرب مجلية أو خطة مخزية إظهار عزة الإسلام وهيبة دولته، فكانت شروطه في الصلح قوية وكان من أشدها عليهم مصادرة أسلحتهم وخيولهم، وكان هذا الشرط مؤقتًا بظهور صدق توبتهم وخضوعهم لدولة الإسلام، وقد كان لا بد منه لضمان عدم عودتهم إلى التمرد مرة أخرى ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:26 PM
نصح عدي بن حاتم لقومه والحرب النفسية التي شنها عليهم:
قدم عدي على قومه طئ فدعاهم للرجوع للإسلام فقالوا: لا نبايع أبا الفصيل أبدًا ( )، فقال: لقد أتاكم قوم ليبيحن حريمكم ولتكننه بالفحل الأكبر فشأنكم به، فقالوا له: فاستقبل الجيش فنهنهه ( ) عنا حتى نستخرج من لحق بالبزاخة منا، فإنا إن خالفنا طليحة وهم في يديه قتلهم أو ارتهنهم، فاستقبل عدي خالدًا وهو بالسنح فقال: يا خالد أمسك عني ثلاثًا يجتمع لك خمسمائة مقاتل تضرب بهم عدوك، وذلك خير من أن تعجلهم إلى النار وتتشاغل بهم، ففعل، فعاد عدي بإسلامهم إلى خالد.( ) فهذا موقف استطاع فيه عدي أن يقنع قبيلته بفرعيها بني الغوث وبني جديلة بالتخلي عن معسكر طليحة والانضمام إلى جيش خالد بن الوليد، وهذا تحول مهم في تقرير نتائج معركة بزاخة الحاسمة، فهذا موقف عظيم يسجل لعدي  إلى جانب موقفه الأول حينما قدم على الصديق بصدقات قومه، وكان المسلمون بأمس الحاجة إلى المال آنذاك، ولقد كان إسلامه من أول يوم إسلام رجل العلم والفهم، فكان عن قناعة واختيار، وكان واثقًا من انتصار الإسلام والمسلمين في النهاية، كما بشره بذلك النبي × يوم إسلامه، فكان لإيمانه القوي أثر في إقناع قومه في العدول عما توجهوا إليه من مناصرة أعداء الإسلام، ولم تكن قناعتهم إلى حد الحياد والانتظار حتى يروا لمن تكون الدائرة، بل انضم منهم ألف وخمسمائة إلى جيش المسلمين، مما يدل على مبلغ أثره فيهم.( ) وجاء في رواية: أن قومه طلبوا من خالد بأن يقاتلوا قيسًا لأن بني أسد حلفاؤهم، فقال لهم خالد: والله ما قيس بأوهن الشوكتين، اصمدوا إلى أي القبيلتين أحببتم، فقال عدي: لو ترك هذا الدين أسرتي الأدنى فالأدنى من قومي لجاهدتهم عليه، فأنا أمتنع من جهاد بني أسد لحلفهم! لا لعمر الله لا أفعل. فقال له خالد: إن جهاد الفريقين جميعًا جهاد، لا نخالف رأي أصحابك، امضِ إلى أحد الفريقين وامض بهم إلى القوم الذين هم
لقتالهم أنشط.( )
وفي إنكار عدي على قومه دليل على قوة إيمانه وغزارة علمه؛ حيث والى أولياء الله وإن كانوا بعيدين عنه في النسب، وتبرأ من أعداء الله وإن كانوا من أقاربه.( ) كما تظهر خبرة خالد بن الوليد الحربية حينما أمر عديًا بأن لا يخالف قومه في تمنعهن في مواجهة حلفائهم بني أسد، وأن يوجههم إلى الوجه الجهادي الذي يكونون فيه أنشط على القتال ( ).
لقد كان الدور الذي قام به عدي في دعوة قبيلته إلى الانضمام إلى جيش المسلمين عظيمًا، فكان دخول طئ في جيش خالد أول وهن أصيب به الأعداء؛ لأن قبيلة طئ من أقوى قبائل جزيرة العرب، وممن كانت القبائل تحسب لها حسابًا وتنظر إليها باعتبارها على درجة من القوة بحيث كانت مرهوبة الجانب عزيزة في بلادها، تتقرب إليها جاراتها بالتحالف معها. لقد التقى الجمعان بعد أن دب الوهن في نفوس الأعداء، فكتب الله النصر لجيش المسلمين، فسرعان ما طفقوا يقتلون ويأسرون حتى أبادوا جميع أعدائهم وهرب قائدهم طليحة على فرسه، ولم يسلم منهم إلا من استسلم أو هرب، وبعد هذه الوقعة انتشر الضعف في نفوس المرتدين من قبائل الجزيرة فأصبح الجيش الإسلامي لا يجد عناء في هزيمة من تجمع منهم في أماكن أخرى ( ).
أسباب هزيمة طليحة بن خويلد الأسدي:
كانت هناك مجموعة من الأسباب ساهمت في هزيمة طليحة الأسدي، منها:
إن المسلمين كانوا يقاتلون مدفوعين بعقيدة راسخة ويقين بنصر الله وحب في الشهادة، فكان حب الموت في سبيل الله تعالى سلاحًا معنويًا فتاكًا، فكان خالد يرسل للمرتدين هذه الكلمات القلائل: لقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة.( ) ولقد عرف العدو نفسه من خلال تعامله مع قوات المسلمين في المعارك التي خاضوها معه صدقهم في تنفيذ هذا المبدأ، فقد سأل طليحة الأسدي قومه لما انهزموا في موقعة بزاخة مع جيش خالد بشيء كبير من الحنق والتعجب: «ويلكم ما يهزمكم؟» فقال رجل منهم: أنا أخبركم، إنه ليس رجل «منا» إلا وهو يحب أن يموت قبله صاحبه، وإنا نلقي أقوامًا كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه ( ).
كان لانضمام طئ أثره في تقوية المسلمين وإضعاف أعدائهم، كما كان مقتل الصحابيين عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم قد زاد من غيظ المسلمين ودفعهم إلى قتال أعدائهم، كما كان لتورية أبي بكر الصديق تأثير على طئ في عدم التعاون مع حلفائها وبقائها في مواضعها الأصلية، وأما التورية المشار إليها فإن الصديق أوهم الناس أنه متوجه إلى خيبر بدلاً من الجهة الأصلية التي حددت للجيش، كما كان لإفساح المجال لطئ كي تقاتل قيسًا كما أرادت شجعها على الاستقلال في الحرب؛ إذ لو أصر خالد على أن يقاتلوا حلفاءهم من بني أسد كما أراد عدي بن حاتم لقصرت طئ في حربها أيما تقصير ( )، وغير ذلك من الأسباب.
من نتائج معركة بزاخة:
القضاء على قوة أحد الأدعياء الأقوياء وعودة فريق كبير من العرب إلى حظيرة الإسلام، فقد أقبلت بنو عامر بعد هزيمة بزاخة يقولون: ندخل فيما خرجنا منه، فبايعهم خالد على ما بايع عليه أهل بزاخة من أسد وغطفان وطئ قبلهم، وأعطوه بأيديهم على الإسلام، ولم يقبل أحد من أسد ولا غطفان ولا هوازن ولا سليم ولا طيء إلا أن يأتوه بالذين حرقوا ومثلوا وعدوا على أهل الإسلام في حال ردتهم،، فأتوه بهم… فمثل خالد ابن الوليد بالذين عدوا على الإسلام فأحرقهم بالنيران، ورضخهم بالحجارة ورمى بهم في الجبال ونكسهم في الآبار، وخرقهم بالنبال، وبعث بقرة بن هيبرة والأسارى، وكتب إلى أبي بكر: إن بني عامرة أقبلت بعد إعراض ودخلت في الإسلام بعد تربص، وإني لم أقبل من أحد قاتلني أو سالمني شيئًا حتى يجيئوني بمن عدا على المسلمين فقتلتهم كل قتلة وبعثت إليك بقرة وأصحابه.( )
وكان عيينة بن حصن من بين الأسرى فأمر خالد بشد وثاقه تنكيلا به، وبعثه إلى المدينة ويداه إلى عنقه إزراء عليه وإرهابًا لسواه، فلما دخل المدينة على هيئته تلقاه صبيان المدينة مستهزئين، وأخذوا يلكزونه بأيديهم الصغيرة قائلين: «أي عدو الله، ارتددت عن الإسلام!!» فيقول: والله ما كنت آمنت قط. وجيء به إلى خليفة رسول الله ولقي من الخليفة سماحة لم يصدقها، وأمر بفك يديه ثم استتابه، فأعلن عيينة توبة نصوحًا واعتذر عما كان منه وأسلم وحسن إسلامه ( ).
ومضى طليحة حتى نزل كلب( ) على النقع فأسلم، ولم يزل مقيمًا في كلب حتى مات أبو بكر. وكان إسلامه هنالك حين بلغه أن أسدًا وغطفان وعامرًا قد أسلموا، ثم خرج نحو مكة معتمرا في إمارة أبي بكر ومر بجنبات المدينة فقيل لأبي بكر: هذا طليحة، فقال: ما أصنع به، خلوا عنه فقد هداه الله للإسلام. ( ) وقد جاء عند ابن كثير: وأما طليحة فإنه راجع الإسلام بعد ذلك أيضًا وذهب إلى مكة معتمرًا أيام الصديق، واستحيا أن يواجهه مدة حياته، وقد منع الصديق المرتدين من المشاركة في فتوحاته بالعراق والشام، ويحتمل أن يكون ذلك من باب الاحتياط لأمر الأمة؛ لأن من كان له سوابق في الضلال والكيد للمسلمين لا يؤمن أن يكون رجوعه من باب الاستسلام لقوة المسلمين، فأبو بكر  من الأئمة الذين يرسمون للناس خط سيرهم، ويتأسى بهم الناس بأقوالهم وأفعالهم، فهو لذلك يأخذ بمبدأ الاحتياط لما فيه صالح الأمة وإن كان في ذلك وضع من شأن بعض الأفراد.( ) وهذا درس عظيم تتعلمه الأمة في عدم وضع الثقة بمن كانت لهم سوابق في الإلحاد ثم ظهر منهم العود إلى الالتزام بالدين.
إن وضع الثقة الكاملة بهؤلاء وإسناد الأعمال القيادية لهم قد جر على الأمة أحيانًا ويلات كثيرة، وأوصلها إلى مآزق خطيرة، على أن أخذ الحذر من مثل هؤلاء لا يعني اتهامهم في دينهم ولا نزع الثقة منهم بالكلية، وهذا معلم من سياسة الصديق في التعامل مع أمثال هؤلاء ( ).
هذا وقد حسن إسلام طليحة وأتى إلى عمر للبيعة حين استخلف وقال له عمر: أنت قاتل عكاشة وثابت ( )، والله لا أحبك أبدا، فقال يا أمير المؤمنين، ما تهتم من رجلين أكرمهما الله بيدي ولم يهنِّي بأيديهما! فبايعه عمر ثم قال له: يا خدع ما بقي من كهانتك؟ قال: نفخة أو نفختان بالكير، ثم رجع إلى دار قومه فأقام بها حتى خرج إلى العراق( )، وقد كان إسلامه صحيحًا ولم يغمض ( ) عليه فيه وقال يعتذر ويذكر ما كان منه:
ندمت على ما كان من قتل ثابت
وعكاشة الغنمي ثم ابن معبد

وأعظم من هاتين عندي مصيبة
رجوعي عن الإسلام فعل التعمد

وتركي بلادي والحوادث جَمَّة
طريدًا وقِدْمًا كنت غير مطرَّد

فهل يقبل الصديق أنى مراجع
ومعطٍ بما أحدثت من حدثٍ يدي

وأني من بعد الضلالة شاهد
شهادة حق لست فيها بملحد

بأن إله الناس ربي وأنني
ذليل وأن الدين دين محمد ( )

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:27 PM
هـ- قصة الفجاءة:
واسمه إياس بن عبد الله بن عبد ياليل بن عمير بن خفاف من بني سليم، قاله ابن إسحاق. وقد كان الصديق حرق الفجاءة بالبقيع في المدينة، وكان سببه أنه قدم عليه فزعم أنه أسلم، وسأل منه أن يجهز معه جيشًا يقاتل به أهل الردة فجهز معه جيشًا، فلما سار جعل لا يمر بمسلم ولا مرتد إلا قتله وأخذ ماله، فلما سمع الصديق بعث وراءه جيشًا فرده،
فلما أمكنه الله منه بعث به إلى البقيع، فجمعت يداه إلى قفاه وألقي في النار فحرقه وهو مقموط( ) ( )، وكان الذي ألقى القبض عليه طريفة بن حاجز، وهذا يظهر لنا دور مسلمي سليم في محاربة المفسدين في الأرض والمرتدين ( ).
وهذه العقوبة بسبب غدر الفجاءة، أو لأنه قد يكون ارتكب في ضحاياه من المسلمين جريمة الإحراق مرة أو مرات ( ).
و- ما قاله حسان فيمن قال لا نطيع أبا الفصيل (يعنون أبا بكر):
ما البكر إلا كالفصيل وقد ترى
أن الفصيل عليه ليس بعار

إنا وما حجَّ الحجيج لبيته
ركبان مكة معشر الأنصار

نَفْري جماجمكم بكل مهنَّد
ضرب القُدار ( ) مبادئ الأيسار ( )

حتى تُكَنُّوه بفحل هنيدة ( )
يحمي الطروقة بازل هدَّار ( )

3- سجاح وبنو تميم ومقتل مالك بن نويرة اليربوعي:
كانت بنو تميم قد اختلفت آراؤهم أيام الردة؛ منهم من ارتد ومنع الزكاة، ومنهم من بعث بأموال الصدقات إلى الصديق، ومنهم من توقف لينظر في أمره، فبينما هم كذلك إذ أقبلت سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان التغلبية من الجزيرة وهي من نصارى العرب، وقد ادعت النبوة ومعها جنود من قومها ومن التف بهم، وقد عزموا على غزو أبي بكر الصديق، فلما مرت ببلاد بني تميم دعتهم إلى أمرها فاستجاب لها عامتهم، وكان ممن استجاب لها مالك بن نويرة التميمي وعطارد بن حاجب وجماعة من سادات أمراء بني تميم، وتخلف آخرون منهم عنها، ثم اصطلحوا على أن لا حرب بينهم، إلا أن مالك بن نويرة لما وادعها ثناها عن عزمها وحرضها على بني يربوع، ثم اتفق الجميع على قتال الناس وقالوا: بمن نبدأ؟ فقالت لهم فيما تسجعه: أعدوا الركاب، واستعدوا للنهاب، ثم أغيروا على الرباب ( ) فليس دونها حجاب. ثم استطاع بنو تميم إقناعهم بقصد اليمامة لتأخذها من مسيلمة بن حبيب الكذاب فهابه قومها، وقالوا: إنه قد استفحل أمره وعظم، فقالت لهم فيما تقوله: عليكم باليمامة دفوا دفيف الحمامة، فإنها غزوة صرامة لا تلحقكم بعدها ملامة، فعملوا لحرب مسيلمة فلما سمع بمسيرها إليه خافها على بلاده، وذلك أنه مشغول بمقاتلة ثمامة بن أثال، وقد ساعده عكرمة بن أبي جهل بجنود المسلمين وهم نازلون ببعض بلاده ينتظرون قدوم خالد، فبعث إليها يستأمنها ويضمن لها أن يعطيها نصف الأرض الذي كان لقريش لو عدلت، فقد رده الله عليك فحباك به، وراسلها ليجتمع بها في طائفة من قومه، فركب إليها في أربعين من قومه، وجاء إليها فاجتمعا في خيمة، فلما خلا بها وعرض عليها ما عرض من نصف الأرض وقبلت ذلك، قال مسيلمة: سمع الله لمن سمع، وأطعمه بالخير إذا طمع، ولا يزال أمره في كل ما يسر مجتمع، ثم قال لها: هل لك أن أتزوجك وآكل بقومي وقومك العرب؟ قالت: نعم، وأقامت عنده ثلاثة أيام ثم رجعت إلى قومها، فقالوا: أَصْدَقَك؟ فقالت: لم يصدقني شيئًا، فقالوا: إنه قبيح على مثلك أن تتزوج بغير صَدَاق، فبعثت إليه تسأله صَدَاقًا، فقال: أرسلي إليَّ مؤذنك فبعثته إليه وهو شيث بن ربعي الرياحي، فقال: ناد في قومك أن مسيلمة بن حبيب رسولَ الله قد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد (يعني صلاة الفجر وصلاة العشاء الآخرة) فكان هذا صداقها عليه، ثم انثنت سجاح راجعة إلى بلادها، وذلك حين بلغها دنو خالد من أرض اليمامة فكرت راجعة إلى الجزيرة بعدما قبضت من مسيلمة نصف خراج أرضه، فأقامت في قومها بني تغلب إلى زمان معاوية فأجلاهم منها عام الجماعة.( )
كان مالك قد صانع سجاح حين قدمت من أرض الجزيرة، فلما اتصلت بمسيلمة ثم ترحلت إلى بلادها ندم مالك بن نويرة على ما كان من أمره وتلوم في شأنه وهو نازل بمكان يقال له: البطاح ( )، فقصده خالد بجنوده وتأخرت عنه الأنصار وقالوا: إنا قد قضينا ما أمرنا به الصديق، فقال لهم خالد: إن هذا أمر لا بد من فعله وفرصة لا بد من انتهازها، وإنه لم يأتني فيها كتاب وأنا الأمير وإليَّ ترد الأخبار، ولست بالذي أجبركم على المسير وأنا قاصد البطاح، فسار يومين ثم لحقه رسول الأنصار يطلبون منه الانتظار فلحقوا به، فلما وصل البطاح وعليها مالك بن نويرة بث خالد السرايا في البطاح يدعون الناس، فاستقبله أمراء بني تميم بالسمع والطاعة، وبذلوا الزكوات إلا ما كان من مالك بن نويرة، فإنه متحير في أمره متنح عن الناس، فجاءته السرايا فأسروه وأسروا معه أصحابه، واختلفت السرية فيهم فشهد أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري أنهم أقاموا الصلاة، وقالوا آخرون: إنهم لم يؤذنوا ولا صلوا، فيقال: إن الأسارى باتوا في كبولهم في ليلة شديدة البرد، فنادى منادي خالد: أن أدفئوا أسراكم، فظن القوم أنه أراد القتل فقتلوهم وقتل ضرار بن الأزور مالك بن نويرة، فلما سمع خالد الواعية خرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد الله أمرًا أصابه، ويقال: بل استدعى خالد مالك بن نويرة فأنَّبه على ما صدر منه من متابعة سجاح وعلى منعه الزكاة وقال: ألم تعلم أنها قرينة الصلاة؟ فقال مالك: إن صاحبكم كان يزعم ذلك، فقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟ يا ضرار اضرب عنقه، فضربت عنقه. وقد تكلم أبو قتادة مع خالد فيما صنع وتقاولا في ذلك، حتى ذهب أبو قتادة فشكاه إلى الصديق وتكلم عمر مع أبي قتادة في خالد وقال للصديق: اعزله فإن في سيفه رهقًا، فقال أبو بكر: لا أشيم سيفًا سله الله على الكفار. وجاء متمم بن نويرة فجعل يشكو إلى الصديق خالدًا وعمر يساعده وينشد الصديق ما قال في أخيه من المراثي، فوداه الصديق من عنده ( ).
دروس وعبر وفوائد:
أ- من ثبت على الإسلام من بني تميم:
لم يرتد عن الإسلام كل قبائل أو كل أفراد أو كل رؤساء بني تميم، كما حاول أن يصور ذلك بعض من المؤرخين المحدثين، والحقيقة أنه لقوة إسلام وثبات بعض بطون وأفراد ورؤساء بني تميم، فقد استطاع مالك بن نويرة إقناع سجاح التميمية بقتالهم قبل قتالها أبا بكر الصديق، وعندما واجهت مسلمي تميم تلقت على أيديهم هزيمة نكراء فعدلت بعدها عن الذهاب إلى المدينة، وتوجهت إلى اليمامة، وقد تضافرت الروايات التاريخية لتؤكد هذه الحقيقة التي ذكرناها ( )، بل إن التدقيق في الروايات يبين أن من ثبت على الإسلام من بني تميم كان أكثر من المترددين والمرتدين، وتعكس بعض الروايات دور قبيلة الرباب بصفة خاصة في الوقوف في وجه المرتدين، ولذلك استحقت من سجاح وجماعتها الحرب.
وتشير بعض الروايات إلى المواجهة العظيمة التي وقعت بين الرباب وسجاح وانتهت أخيرًا بالصلح عندما فشلت سجاح في إخضاع مسلمي تميم، وإلى ندم قيس بن عاصم على متابعة المرتدين، وسوقه صدقات قومه إلى المدينة وكانت الدائرة على سجاح وجماعتها ( ).
ب-خالد ومقتل مالك بن نويرة:
اختلفت الآراء في مقتل مالك بن نويرة اختلافًا كثيرًا: أقتل مظلومًا أم مستحقًا؛ أي أكافرًا قتل أم مسلمًا؟ وقام الدكتور على العتوم بتحقيق هذه المسألة في كتابه «حركة الردة» وتعرض الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في كتابه «نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم» لهذه القضية ( )، وقام الشيخ محمد زاهد الكوثري بالدفاع عن خالد في كتابه (مقالات الكوثري) ( )، وغير ذلك من الباحثين، واخترت من بين من بحث هذا الموضوع ما ذهب إليه الدكتور على العتوم؛ لأنه حقق المسألة تحقيقًا علميًا متميزًا، واهتم بأحداث الردة اهتمامًا لم أجده -على حسب اطلاعي- عند أحد من الباحثين المعاصرين، وخرج بنتيجة أوافقه عليها: أن الذي أردى مالكا كبره وتردده؛ فقد بقي للجاهلية في نفسه نصيب وإلا لما ماطل هذه المماطلة في التبعية للقائم بأمر الإسلام بعد رسول الله ×، وفي تأدية حق بيت مال المسلمين المتمثل بالزكاة. وفي تصوري أن الرجل كان يحرص على زعامته ويناكف -في الوقت نفسه- بعض أقربائه من زعماء بني تميم الذين وضعوا عصا الطاعة للدولة الإسلامية، وأدوا ما عليهم لها من واجبات، وقد كانت أفعاله وأقواله على السواء تؤيد هذا التصور، فارتداده ووقوفه بجانب سجاح وتفريقه إبل الصدقة على قومه، بل ومنعهم من أدائها لأبي بكر وعدم إصاخته لنصائح أقربائه المسلمين في تمرده، كل ذلك يدينه ويجعل منه رجلا أقرب إلى الكفر منه إلى الإسلام.
ولو لم يكن مما يحتج به على مالك إلا منعه للزكاة لكفى ذلك مسوغًا لإدانته، وهذا المنع مؤكد عند الأقدمين؛ فقد جاء في «طبقات فحول الشعراء» لابن سلام قوله: والمجمع عليه: أن خالدًا حاوره ورادَّه، وإن مالكا سمح بالصلاة والتوى بالزكاة. ( ) جاء في «شرح النووي لصحيح مسلم» قوله عن المرتدين: كان في ضمن هؤلاء من يسمح بالزكاة ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك، وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع، فإنهم قد جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوها إلى أبي بكر  فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرَّقها ( ).
ج- زواج خالد بأم تميم:
أم تميم هي ليلى بنت سنان المنهال زوج مالك بن نويرة، وهذا الزواج حدث حوله جدل كثير، واتهم من لهم أغراض خالدًا بعدة تهم لا تصح ولا تثبت أمام البحث العلمي النزيه.
وخلاصة القصة: فهناك من اتهم خالدًا بأنه تزوج أم تميم فور وقوعها في يده لعدم صبره على جمالها ولهواه السابق فيها، وبذلك يكون زواجه منها –حاشا لله – سفاحًا، فهذا القول مستحدث لا يعتد به ( )؛ إذ خلت المصادر القديمة من الإشارة إليه، بل هي على خلافه في نصوصها الصريحة، يذكر الماوردي أن الذي جعل خالد يقوم على قتل مالك هو منعه للصدقة التي استحل بها دمه، وبذلك فسد عقد المناكحة بينه وبين أم تميم ( )، وحكم نساء المرتدين إذا لحقن بدار الحرب أن يسبين ولا يقتلن، كما يشير إلى ذلك الإمام السرخسي.( ) فلما صارت أم تميم في السبي اصطفاها خالد لنفسه، فلما حلت بنى بها. ( )
ويعلق الشيخ أحمد شاكر على هذه المسألة بقوله: إن خالدًا أخذها هي وابنها ملك يمين بوصفها سبية؛ إذ أن السبية لا عدة عليها، وإنما يحرم حرمة قطعية أن يقربها مالكها إن كانت حاملاً قبل أن تضع حملها، وإن كانت غير حامل حتى تحيض حيضة واحدة ثم دخل بها، وهو عمل مشروع جائز لا مغمز فيه ولا مطعن إلا أن أعداءه والمخالفين عليه رأوا في هذا العمل فرصتهم فانتهزوها، وذهبوا يزعمون أن مالك بن نويرة مسلم وأن خالدًا قتله من أجل امرأته. ( ) وقد اتهم خالد بأنه في زواجه هذا خالف تقاليد العرب، فقد قال العقاد: قتل خالد مالكَ بن نويرة وبنى بامرأته في ميدان القتال على غير ما تألفه العرب في جاهلية وإسلام، وعلى غير ما يألفه المسلمون وتأمر به الشريعة.( ) فهذا القول بعيد عن الصحة؛ فقد كان يحصل كثيرًا في حياة العرب قبل الإسلام إثر حروبهم وانتصاراتهم على أعدائهم أن يتزوجوا من السبايا، وكانوا يفخرون بذلك، ولذلك كثر فيهم أولاد السبايا، وهذا حاتم الطائي يقول:
وماأنكحونا طائعين بناتهم
ولكن خطبناها بأسيافنا قسرا

وكائن ترى فينا من ابن سبية
إذا لقي الأبطال يطعنهم شزرا

ويأخذ رايات الطعان بكفه
فيوردها بيضاء ويصدرها حمرا( )

وأما من الناحية الشرعية فقد أتى خالد أمرًا مباحًا وسلك إليه سبيلا مشروعة أتاه من هو أفضل منه، فإذا كان قد أخذ عليه زواجه إبان الحرب أو في أعقابها، فإن رسول الله × تزوج بجويرية بنت الحارث المصطلقية إثر غزوة المريسيع، وقد كانت في سبايا بني المصطلق فقضى عنها كتابتها وتزوجها، وكان بها طابع يمن وبركة على قومها؛ إذ أعتق لهذا الزواج مائة رجل من أسراهم لأنهم أصبحوا أصهارًا لرسول الله ×، وكان من آثاره المباركة كذلك إسلام أبيها الحارث بن ضرار.( ) كما أنه عليه الصلاة والسلام تزوج بصفية بنت حيي بن أخطب إثر غزوة خيبر وبنى بها في خيبر أو ببعض الطريق ( )، وإذا كان رسول الله × الأسوة الحسنة فقد توارى العتاب وانقطع الملام. ( )
ودفاع الدكتور محمد حسين هيكل عن خالد اتبع فيه منهجية غير مقبولة؛ لأنه ينبغي لنا أن لا نغض الطرف عن مخالفات خالد على حساب الإسلام، فخالد وغيره محكوم بالشرع الذي يعلو ولا يعلى عليه، وإن تنزيه الأشخاص لا يساوي تشويه المنهج بأية حال، فقد قال الدكتور هيكل: وما التزوج من امرأة على خلاف تقاليد العرب بل ما الدخول بها قبل أن يتم تطهيرها إذا وقع ذلك من فاتح غزا فحق له بحكم الغزو أن تكون له سبايا يصبحن ملك يمينه!! إن التزمت في تطبيق التشريع لا ينبغي أن يتناول النوابغ العظماء من أمثال خالد، وبخاصة إذا كان ذلك يضر بالدولة أو يعرضها للخطر. ( )
ورد الشيخ أحمد شاكر بهذا الخصوص فقال: لشد ما أخشى أن يكون المؤلف تأثر بما قرأ من أخبار نابليون وغيره من ملوك أوربا في مباذلهم وإسفافهم، وبما كتب الكاتبون من الإفرنج في الاعتذار عنهم لتخفيف آثامهم بما كان لهم من عظمة وبما أسدوا إلى أممهم من فتوح وأياد، حتى يظن بالمسلمين الأولين أنهم أمثال هؤلاء فيقول: إن التزمت في تطبيق التشريع لا يجب أن يتناول النوابغ العظماء من أمثال خالد، وهذا قول يهدم كل دين وخلق ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:28 PM
د- دعم الصديق للقيادة الميدانية:
كان بعض رجال من جيش خالد قد شهدوا أن القوم أذنوا حين سمعوا أذان المسلمين، وأنهم بذلك قد حقنوا دماءهم، وأن قتلهم لا يحل، ومن أولئك القوم أبو قتادة ، فأكبر القوم وزاد ذلك عنده أنه رأى خالد بن الوليد قد تزوج امرأة مالك بن نويرة ففارق أبو قتادة خالدًا، وقدم على أبي بكر ليشكو إليه خالدًا فيما خالف فيه، فرأى أبو بكر أن فراق أبي قتادة لخالد خطأ لا ينبغي أن يرخص فيه له ولا لغيره؛ لأنه يكون سببًا للفشل والجيش في أرض العدو، فاشتد على أبي قتادة ورده إلى خالد، ولم يرض منه إلا أن يعود فينخرط تحت لوائه ( )، وعمل أبي بكر من أحكم السياسات الحربية.
وقد قام الصديق بالتحقيق في مقتل ابن نويرة وانتهى إلى براءة ساحة خالد من تهمة قتل مالك بن نويرة ( )، وأبو بكر في هذا الشأن أكثر اطلاعا على حقائق الأمور، وأبعد نظرًا في تصريفها من بقية الصحابة؛ لأنه الخليفة وإليه تصل الأخبار، كما أنه أرجح إيمانًا منهم، وهو في معاملته لخالد يحتذي على سنن رسول الله؛ إذ أنه عليه الصلاة والسلام لم يعزل خالدًا عما ولاه في الوقت الذي كان يقع منه ما قد لا يرتاح له، وكان يعذره إذ يعتذر، ويقول: «لا تؤذوا خالدا؛ فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار» ( ).
إن من كمال الصديق توليته لخالد واستعانته به؛ لأنه كان شديدًا ليعتدل به أمره ويخلط الشدة باللين، فإن مجرد اللين يفسده ومجرد الشدة تفسده، فكان يقوم باستشارة عمر وباستنابة خالد، وهذا من كماله الذي صار به خليفة رسول الله ×، ولهذا اشتد في قتال أهل الردة شدة برز بها على عمر وغيره، فجعل الله فيه من الشدة ما لم يكن فيه قبل ذلك، وأما عمر فكان شديدا في نفسه فكان من كماله –في خلافته- استعانته باللين ليعتدل أمره؛ فكان يستعين بأبي عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيد الثقفي، والنعمان بن مقرن، وسعيد بن عامر، وأمثال هؤلاء من أهل الصلاح والزهد الذين هم أعظم زهدًا وعبادة من خالد بن الوليد وأمثاله، وقد جعل الله في عمر من الرأفة –بعد الخلافة- ما لم يكن فيه قبل ذلك تكميلاً له حتى صار أمير المؤمنين ( ).
وقد ذكر ابن تيمية كلامًا نفيسًا عن ذلك فقال: «… كان أبو بكر خليفة رسول الله × ما زال يستعمل خالدًا في حرب أهل الردة وفي فتوح العراق والشام، وبدت منه هفوات كان له فيها تأويل، وقد ذكر له عنه أنه كان له فيها هوى فلم يعزله من أجلها بل عاتبه عليها؛ لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه، وأن غيره لم يكن يقوم مقامه؛ لأن المتولي الكبير إذا كان خلقه يميل إلى اللين فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة، وإذا كان خلقه يميل إلى الشدة فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى اللين ليعتدل الأمر، ولهذا كان أبو بكر الصديق  يؤثر استنابة خالد، وكان عمر بن الخطاب  يؤثر عزل خالد واستنابة أبي عبيدة بن الجراح ؛ لأن خالدًا كان شديدا كعمر بن الخطاب وأبا عبيدة كان لينًا كأبي بكر، وكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ولاه ليكون أمره معتدلاً، ويكون بذلك من خلفاء رسول الله الذي هو معتدل ( )، وحتى قال النبي ×: «أنا نبي الرحمة، أنا نبي الملحمة» ( ).
4- ردة أهل عمان والبحرين:
أ- ردة أهل عمان:
كان أهل عمان قد استجابوا لدعوة الإسلام، وبعث إليهم رسول الله × عمرو بن العاص، ثم بعد وفاته × نبغ فيهم رجل يقال له: «ذو التاج» لقيط بن مالك الأزدي، وكان يسامي في الجاهلية الجلندي ملك عمان ( )، فادعى النبوة وتابعه الجهلة من أهل عمان، فتغلب عليها، وعليها جيفر وعباد ابنا الجُلَنْدي ( ) وألجأهما إلى أطرافها من نواحي الجبال والبحر فبعث جيفر إلى الصديق فأخبره الخبر واستجاشه، وبعث إليه الصديق بأميرين وهما: حذيفة بن محصن الغلفاني من حمير وعرفجة إلى مهرة، وأمرهما أن يجتمعا ويتفقا ويبدآ بعمان وحذيفة هو الأمير، فإذا ساروا إلى بلاد مهرة فعرفجة الأمير، وأرسل عكرمة بن أبي جهل مددًا لهم وكتب الصديق إلى عرفجة وحذيفة أن ينتهيا إلى رأي عكرمة بعد الفراغ من السير إلى عمان أو المقام بها، فساروا فلما اقتربا من عمان راسلوا جيفرًا وبلغ لقيط بن مالك مجيء الجيش، فخرج في جموعه فعسكر بمكان يقال له: دبار وهي مصر تلك البلاد وسوقها العظمى، وجعل الذراري والأموال وراء ظهورهم ليكون أقوى لحربهم، واجتمع جيفر وعباد بمكان يقال له صحار، فعسكروا فيه وبعثا إلى أمراء الصديق فقدموا على المسلمين، فتقابل الجيشان هناك وتقاتلوا قتالاً شديدًا وابتلي المسلمون وكادوا أن يولوا، فمنَّ الله بكرمه ولطفه أن بعث إليهم مددًا في الساعة الراهنة من بني ناجية وعبد القيس في جماعة من الأمراء، فلما وصلوا إليهم كان الفتح والنصر، فولَّى المشركون مدبرين وركب المسلمون ظهورهم، فقتلوا منهم عشرة آلاف مقاتل وسبوا الذراري وأخذوا الأموال والسوق بحذافيرها، وبعثوا بالخمس إلى الصديق مع أحد الأمراء وهو عرفجة ( )، وكان السبب في هذا النصر العظيم وقوف الجماعة الإسلامية في عمان مع أميرها جيفر وأخيه عباد ضد ذي التاج لقيط بن مالك الأزدي، واعتصامها بالأماكن الحصينة، حتى أدركتها جيوش المسلمين، كما كان لمواقف بني جذيد وبني ناجية وبني عبد القيس في ثبوتهم على الإسلام ودخولهم في المعركة في الوقت المناسب أثر في نصر المسلمين ( ).
ب- ردة أهل اليمن:
أسلم أهل البحرين بعدما أرسل النبي × العلاء بن الحضرمي إلى ملكها وحاكمها المنذر بن ساوي العبدي، وقد أسلم هو وقومه وأقام فيهم الإسلام والعدل، وقد كان رد المنذر بن ساوي: قد نظرت في هذا الأمر الذي في يدي فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت في دينكم فوجدته للآخرة والدنيا فما يمنعني من قبول دين فيه أمنية الحياة وراحة الموت، ولقد عجبت أمس ممن يقبله، وعجبت اليوم ممن يرده، وإن من إعظام ما جاء به أن يعظم( ).
فلما توفي رسول الله × وتوفي المنذر بعده بمدة قصيرة ارتد أهل البحرين وملكوا عليهم المنذر بن النعمان الغرور ( ).
أين هي أرض البحرين؟
أرض البحرين هي شقة ضيقة من الأرض تتشاطئ مع هجر خليج العرب، وتمتد من القطيف إلى عمان والصحراء في بعض أنحائها، تكاد تتصل بماء الخليج وهي تتصل باليمامة في جزئها الأعلى لا يفصل بينهما إلا سلسلة من التلال يهون لانخفاضها اجتيازها ( ). فهي إذا تشمل إمارات الخليج العربي والجزء الشرقي من المملكة العربية السعودية عدا الكويت( ).
هذا وقد كان لمن ثبت على الإسلام في البحرين دور كبير في إخماد هذه الفتنة، وكان للجارود بن المعلى دور متميز، فقد صحب رسول الله × وتفقه في الدين، ثم رجع إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام فأجابوه كلهم، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى مات النبي ×، فقالت عبد القيس: لو كان محمدًا نبيا لما مات، وارتدوا، وبلغه ذلك فبعث فيهم فجمعهم، ثم قام فخطبهم. فقال: يا معشر عبد القيس إني سائلكم عن أمر فأخبروني به إن علمتموه ولا تجيبوني إن لم تعلموا. قالوا: سل عما بدا لك. قال: تعلمون أنه كان لله أنبياء فيما مضى؟ قالوا: نعم، قال: تعلمونه أو ترون؟ قالوا: لا بل نعلمه، قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا، قال: فإن محمدًا × مات كما ماتوا. وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، قالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنك سيدنا وأفضلنا، وثبتوا على إسلامهم. فهذا موقف يذكر للجارود بن المعلى ، فقد ثبت الله به قومه عبد القيس فثبتوا على إسلامهم، وقد ألهمه الله تعالى بضرب المثل بالأنبياء السابقين عليهم السلام، حيث كان نهايتهم الموت، فكذلك رسول الله ×، فاقتنع قومه وزال عنهم الشك، وهذا مما يبين مزية التفقه في الدين وأثر ذلك في توجيه الاعتقاد والسلوك، وخاصة عند حدوث الفتن ( ).
وقد بقيت بلدة (جُواثا) على الإسلام، وكانت أول قرية أقامت الجمعة من أهل الردة كما ثبت ذلك في البخاري عن ابن عباس، وقد حاصرهم المرتدون وضيقوا عليهم ومنعوا عنهم الأقوات وجاعوا جوعًا شديدًا حتى فرج الله عنهم، وقد قال رجل منهم يقال له
عبد الله بن حذف، أحد بني بكر بن كلاب وقد اشتد الجوع:
ألا أبلغ أبا بكر رسولاً
وفتيان المدينة أجمعينا

فهل لكمُ إلى قوم كرام
قعود في جواثا محصرينا

كأن دماءهم في كل فج
شعاع الشمس يُعْشي الناظرينا

توكلنا على الرحمن إنا
وجدنا النصر للمتوكلينا ( )

فهذا موقف يذكر في الثبات على الحق لهؤلاء المسلمين الذين حصرهم الأعداء في (جواثا) حتى كادوا يهلكون من الجوع، وفي الأبيات المذكورة في الرواية التي قالها عبد الله بن حذف دليل على عمق إيمان هؤلاء المحصورين وقوة توكلهم على الله تعالى وثقتهم بنصره ( ).
بعث الصديق بجيش إلى البحرين بقيادة العلاء بن الحضرمي، فلما دنا من البحرين انضم إليه ثمامة بن أثال في محفل كبير من قومه بني سحيم، واستنهض المسلمين في تلك الأنحاء، وأمد الجارود بن المعلى العلاءَ برجال من قومه فاجتمع إليه جيش كبير قاتل به المرتدين ونصر الله به المؤمنين، وكان ممن آزر العلاء لقمع فتنة البحرين قيس بن عاصم المنقري وعقيق بن المنذر والمثنى بن حارثة الشيباني ( ).
كرامة للعلاء بن الحضرمي:
كان العلاء من سادات الصحابة العلماء العُبَّاد مجابي الدعوة، اتفق له في هذه الغزوة أنه نزل منزلاً ( )، فلم يستقر الناس على الأرض حتى نفرت الإبل بما عليها من زاد الجيش وخيامهم وشرابهم، وبقوا على الأرض ليس معهم شيء سوى ثيابهم وذلك ليلاً ولم يقدروا منها على بعير واحد، فركب الناس من الهم والغم ما لا يحد ولا يوصف، وجعل بعضهم يوصي إلى بعض، فنادى العلاء فاجتمع الناس إليه، فقال: أيها الناس ألستم المسلمين؟ ألستم في سبيل الله؟ ألستم أنصار الله؟ قالوا: بلى، قال: فأبشروا فو الله لا يخذل الله من كان في مثل حالكم، ونودي لصلاة الصبح حين طلع الفجر فصلي الناس، فلما قضي الصلاة جثا على ركبتيه وجثا الناس ونصب في الدعاء ورفع يديه، وفعل الناس مثله حتى طلعت الشمس وجعل الناس ينظرون إلى سراب الشمس يلمع مرة بعد أخرى، وهو يجتهد في الدعاء ويكرره، فلما بلغ الثالثة إذا قد خلق الله إلى جانبهم غديرًا عظيمًا من الماء القراح، فمشى ومشى الناس إليه فشربوا واغتسلوا، فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل من كل فج بما عليها، لم يفقد الناس من أمتعتهم سِلْكا، فسقوا الإبل عللا بعد نَهَل ( )، فكان هذا مما عاين الناس من آيات الله بهذه السرية ( ).
هزيمة المرتدين:
ثم لما اقترب من جيوش المرتدة –وقد حشدوا وجمعوا خلقًا عظيمًا- نزل ونزلوا وباتوا مجاورين في المنازل، فبينما المسلمون في الليل إذ سمع العلاء أصواتا عالية في جيش المرتدين، فقال: من رجل يكشف لنا خبر هؤلاء؟ فقام عبد الله بن حذف فدخل فيهم فوجدهم سُكارى لا يعقلون من الشراب فرجع إليه فأخبره، فركب العلاء من فورهم والجيش معه فكبسوا أولئك فقتلوهم قتلاً عظيمًا وقل من هرب منهم، واستولى على جميع أموالهم وحواصلهم وأثقالهم، فكانت غنيمة عظيمة جسيمة، وكان الحطم بن ضبيعة أخو بني قيس ابن ثعلبة من سادات القوم نائمًا فقام دهشًا حين اقتحم المسلمون عليهم، فركب جواده فانقطع ركابه فجعل يقول: من يصلح لي ركابي؟ فجاء رجل من المسلمين في الليل فقال: أنا أصلحها لك ارفع رجلك فلما رفعها ضربه بالسيف فقطعها مع قدمه، فقال: أجهز عليَّ فقال: لا أفعل، فوقع صريعًا، وكلما مر به أحد يسأله أن يقتله فيأبى، حتى مر به قيس بن عاصم فقال له: أنا الحطم فاقتلني فقتله، فلما وجد رجله مقطوعة ندم على قتله، وقال: واسوأتاه لو أعلم ما به لم أحركه، ثم ركب المسلمون في آثار المنهزمين يقتلونهم بكل مرصد وطريق، وذهب من فر منه أو أكثر إلى دارين ( )، ركبوا إليها السفن، ثم شرع العلاء بن الحضرمي في قسمة الغنيمة ونفل الأنفال، ولما فرغ من ذلك قال للمسلمين: اذهبوا بنا إلى دارين لنغزو من بها من الأعداء، فأجابوا إلى ذلك سريعًا، فسار بهم حتى أتى ساحل البحر ليركبوا في السفن، فرأى أن الشقة بعيدة لا يصلون إليهم في السفن حتى يذهب أعداء الله، فاقتحم البحر بفرسه وهو يقول: يا أرحم الراحمين، يا حكيم يا كريم، يا أحد يا صمد، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت يا ربنا.( ) وأمر الجيوش أن يقولوا ذلك ويقتحموا، ففعلوا ذلك فأجاز بهم الخليج بإذن الله على مثل رملة دمثة فوقها ماء لا يغمر أخفاف الإبل، ولا يصل إلى ركب الخيل، ومسيرته بالسفن يوم وليلة فقطعه إلى الجانب الآخر فعاد إلى موضعه الأول وذلك كله في يوم، ولم يترك من العدو مخبرًا، وساق الذراري والأنعام والأموال، ولم يفقد المسلمون في البحر شيئًا إلا عليقة فرس لرجل من المسلمين، ومع هذا رجع العلاء بها ثم قسم غنائم المسلمين فيهم فأصاب الفارس ستة آلاف والراجل ألفين مع كثرة الجيشين، وكتب إلى الصديق فأعلمه بذلك، فبعث الصديق يشكره على ما صنع، وقد قال رجل من المسلمين في مرورهم في البحر وهو عفيف بن المنذر:
ألم تر أن الله ذلل بحره
وأنزل بالكفار إحدى الجلائل ( )

دعونا إلى شق البحار فجاءنا
بأعجب من فلق البحار الأوائل ( )

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:30 PM
وكان مع المسلمين في هذه المواقف والمشاهد التي رأوها من أمر العلاء وما أجرى الله على يديه من الكرامات، رجل من أهل هجر راهب فأسلم حينئذ، فقيل له: ما دعاك إلى الإسلام؟ فقال: خشيت إن لم أفعل أن يمسخني الله لما شاهدت من الآيات، قال: وقد سمعت في الهواء وقت السحر دعاء. قالوا: وما هو؟ قال: اللهم أنت الرحمن الرحيم، لا إله غيرك، والبديع ليس قبلك شيء، والدائم غير الغافل، والذي لا يموت، وخالق ما يرى وما لا يرى، وكل يوم أنت في شأن، وعلمت اللهم كل شيء علمًا. قال: فعلمت أن القوم لم يعانوا بالملائكة إلا وهم على أمر الله، فحسن إسلامه وكان الصحابة يسمعون منه ( ).
وبعد هزيمة المرتدين رجع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين وضرب الإسلام بجرانه، وعز الإسلام وأهله وذل الشرك وأهله ( )، ولولا تدخل بعض العناصر الأجنبية لصالح المرتدين ما تجرأ المرتدون على الموقف في وجه المسلمين مدة طويلة؛ إذ أن الفرس قد أمدوا المرتدين بتسعة آلاف من المقاتلين، وكان عدد المرتدين من العرب ثلاثة آلاف وعدد المسلمين أربعة آلاف ( ) وكان للمثنى بن حارثة دور كبير في إخماد فتنة البحرين والوقوف بقواته بجانب العلاء بن الحضرمي، وقد سار بجنوده من البحرين شمالاً ووضع يده على القطيف وهجر حتى بلغ مصب دجلة، وقضى في سيره هذا على قوات الفرس وعمالهم ممن أعانوا المرتدين بالبحرين، وأنه انضم إلى العلاء بن الحضرمي في مقاتلة المرتدين على رأس من بقي على الإسلام من أهل هذه النواحي، ومنه تابع مسيره مع الساحل شمالاً حتى نزل في قبائل العرب الذين يقيمون بدلتا النهرين، فتحدث إليهم وتعاهد معهم، وعندما سأل الخليفة الصديق عن المثنى قال له قيس بن عاصم المنقري: هذا رجل غير خامل الذكر ولا مجهول النسب، ولا ذليل العماد، هذا المثنى بن حارثة الشيباني. ( )
وقد أصدر الصديق  أمره إلى المثنى بن حارثة أن يتابع دعوته للعرب في العراق إلى الحق، وقد اعتبر أن ما قام به المثنى من قبل ما هو إلا الخطوة الأولى في تحرير العراق، وأما الخطوة الحاسمة فهي توجيه خالد بن الوليد ليتولى قيادة الجيوش الإسلامية هناك ( ).
لقد كان أبو بكر الصديق  يغتنم الفرص ويستنفد الطاقات، ويستحث الهمم ليصل من الأعمال المقدمة إلى أعلى النتائج، وكان يسخِّر الطاقات الكامنة في الرجال ويوجهها لسحق الطغيان الذي عشش في رؤوس زعماء الكفر والطغيان ( ).
* * *

المبحث الرابع
مسيلمة الكذاب وبنو حنيفة
أولاً: التعريف به ومقدمة عنه:
هو مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي أبو شامة، متنبئ من المعمرين وفي الأمثال: «أكذب من مسيلمة». ولد ونشأ باليمامة في القرية المسماة اليوم بالجبلية بقرب العيينة بوادي حنيفة في نجد، وتلقب في الجاهلية بالرحمن وعرف برحمان اليمامة. ( ) وأخذ يطوف في ديار العرب والعجم يتعلم الأساليب التي يستطيع بها استغفال الناس واستجرارهم لجانبه، كجبل السدنة والحوَّاء وأصحاب الرجز والخط ومذاهب الكهان والعياف والسحرة وأصحاب الجن الذين يزعمون أن له تابعات إلى غيرها من الخزعبلات، ومن هذه الشعوذات أنه كان يصل جناح الطائر المقصوص في الظاهر ويدخل البيضة
في القارورة. ( )
وكان مسيلمة يدعي النبوة ورسول الله بمكة، وكان يبعث بأناس إليها ليسمعوا القرآن ويقرؤوه على مسامعه، فينسج على منواله أو يسمعه هو نفسه للناس زاعمًا أنه كلامه ( )، وفي العام التاسع للهجرة الذي عم فيه الإسلام ربوع الجزيرة العربية أقبل وفد بني حنيفة على مدينة الرسول × يعلنون إسلامهم، وكان مسيلمة معهم. فقد ذكر ابن إسحاق: إن مسيلمة كان ضمن المجموعة التي قابلت الرسول ×، ومن وفد بنى حنيفة جاءوا به يسترونه بالثياب، فلما قابله كلمه، وكان مع رسول الله × عسيب من سعف النخل فقال له،
رسول الله ×: «لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه».( ) ويبدو أنه سأله الشركة في النبوة أو الخلافة من بعده.
وفي رواية: إن مسيلمة لم يكن في الوفد الذي قابل رسول الله ×؛ لأنه تخلف يحرس رحال القوم، فلما قسم × الأعطيات أخرج له نصيبًا مثل أنصبائهم، وقال لهم: «إنه ليس بشركم مكانًا»، وذلك لقيامه على حراسة متاعهم. ( )
وفي الرواية الأولى يبدو مسيلمة الكذاب شخصًا مريبًا مما استدعى ستره بهذه الثياب، وكأنه يخفي في نفسه وتقاطيع وجهه شيئًا مدخولاً، وقد كان الرجل كذلك في حياته وفي قوله ×: «ليس بشركم» لا تعني أنه خيرهم بل قد تعني أنهم أشرار وليس هو بأكثر شرًّا منهم بل هو شرير مثلهم، والحقيقة التي كشفتها الأيام أن بني حنيفة كان جلهم أشرار، وكان هو الذي يتولى كبر هذا الشر فيهم.
1- رجوع وفد بني حنيفة:
ولما رجع وفد بني حنيفة إلى اليمامة حيث ديارهم ادعى مسيلمة النبوة، وأعلن شركته لرسول الله × فيها اعتمادًا على قوله ×: «إنه ليس بشركم»، وطفق يتنبأ لقومه ويسجع ويحلل ويحرم كما يشتهي، فكان مما زعم أنه قرآن يأتيه: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشى( ), فمنهم من يموت ويدس إلى الثرى، ومنهم من يبقى إلى أجل مسمى، والله يعلم السر وأخفى ( ).
ومما قاله مسيلمة: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين. ( ) وقد حاول مسيلمة الكذاب أن يسرق أساليب القرآن مع إحالة معانيه بحيث تخرج شوهاء ممسوخة، مثل قوله: فسبحان الله إذا جاء الحياة كيف تحيون؟ وإلى ملك السماء ترقون، فلو أنها حبة خردلة لقام عليها شهيد يعلم ما في الصدور، ولأكثر الناس فيها ثبور. ( ) لقد كان هذا الهراء غير خاف على أحد بمن فيهم هم أنفسهم قبل غيرهم. وقد ذكر ابن كثير أن عمرو بن العاص –قبل إسلامه- قابل مسيلمة الكذاب فسأله هذا ماذا أنزل على محمد من القرآن؟ فقال له عمرو: إن الله أنزل عليه سورة العصر، فقال مسيلمة: وقد أنزل الله عليَّ مثلها، وهو قوله: يا وبر يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائر حفر نقر. ( ) فقال له عمرو بن العاص: والله إنك تعلم أني أعلم أنك تكذب. ( ) وعلق ابن كثير -رحمه الله- على قول عمرو هذا من قرآن مسيلمة المزعوم: فأراد مسيلمة أن يركب من هذا الهذيان ما يعارض به القرآن فلم يرج ذلك على عابد الأوثان في ذلك الزمان ( ).
وقال أبو بكر الباقلاني -رحمه الله-: فأما كلام مسيلمة الكذاب وما زعم أنه قرآن فهو أخس من أن ننشغل به وأسخف من أن نفكر فيه، وإنما نقلنا منه طرفًا ليتعجب القارئ وليتبصر الناظر، فإنه على سخافته قد أضل، وعلى ركاكته قد أزل وميدان الجهل واسع. ( )
2- كتاب مسيلمة إلى رسول الله × والجواب عنه:
وفي العام العاشر للهجرة عندما أصيب رسول الله × بمرض موته، تجرأ الخبيث فكتب رسالة إلى رسول الله × يزعم لنفسه فيها الشركة معه في النبوة كتبها له عمرو بن الجارود الحنفي، وبعثها إليه مع عبادة بن الحارث الحنفي المعروف بابن النواحة هذا نصها: من مسيلمة رسول الله (كذب) إلى محمد رسول الله: أما بعد، فإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ولكن قريشًا لا ينصفون. ( ) فرد عليه رسول الله × برسالة كتبها له أبي بن كعب  نصها: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي إلى مسيلمة الكذاب. أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، والسلام على من اتبع الهدى».( ) وكان مسيلمة قد بعث برسالة إلى الرسول × مع رجلين أحدهما ابن النواحة المذكور، فلما اطلع عليها رسول الله × قال لهما: وماذا تقولان أنتما؟ فقالا: نقول كما قال، فقال ×: أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكم. ( )
3- موقف حبيب بن زيد الأنصاري حامل رسالة رسول الله إلى مسيلمة:
حمل حبيب بن زيد الأنصاري ابن أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية -رضي الله عنهما- رسالة رسول الله × إلى مسيلمة الكذاب، فعندما سلمه الرسالة قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدًا رسول الله، فيقول: نعم، فيقول له: أو تشهد أني رسول الله؟ فيقول: أنا أصم لا أسمع، ففعل ذلك مرارًا وكان في كل مرة لا يجيبه فيها حبيب إلى طلبه يقتطع من جسمه عضوًا ويبقي عضو حبيب محتسبًا صابرًا إلى أن قطعه إربًا إربا فاستشهد  بين يديه.( ) ولننظر إلى رسول الله × كيف كانت سيرته، فلا يقتل الرسل ولو كانوا من قبل أعدائه الألداء الكفار، وحتى ولو كفروا أمامه وما دام لهم هذه الحصانة. أما مسيلمة فيتعامى عن العهود والمواثيق فيقتل السفراء لا قتلاً عاديًّا بل قتل تشويه وتمثيل وتشفٍ. إنه الفارق بين الإسلام الذي يحترم الكلمة ويحترم الإنسان ويخاصم بشرف ورجولة، وبين الجاهلية التي لا تعرف إلا الفساد في الأرض وتحكيم الهوى.( )
4- الرَّجال بن عنفوة الحنفي:
استفحل أمر مسيلمة الكذاب في بني حنيفة، ويبدو أنهم كانوا على استعداد للتجاوب مع زيفه وخداعه، وافتتن به الرجال بن عنفوة الذي هاجر إلى النبي × وأسلم وقرأ القرآن وحفظ بعض سوره، كان قد بعثه رسول الله × إلى مسيلمة ليخذل عنه الأتباع، وليوضح جلية الأمر للناس في هذه الفتنة الغاشية، فما كان منه عندما وصل إليه إلا أن انقلب على وجهه وأخذ يشهد لمسيلمة أمام الناس أن رسول الله أشركه معه في النبوة، فكان هذا الشقي أشد فتنة على الناس من مسيلمة نفسه ( ).
وقد ألمح رسول الله × في حياته إلى سوء منقلب الرجال، فقد روى أبو هريرة  قال: جلست مع النبي × في رهط معنا الرجال بن عنفوة فقال: «إن فيكم لرجلاً ضرسه في النار أعظم من أحد». فهلك القوم وبقيت أنا والرجال فكنت متخوفًا لها، حتى خرج الرجال مع مسيلمة، فشهد له بالنبوة، فكانت فتنة الرجال أعظم من فتنة مسيلمة ( ).
ثانيًا: الثابتون على الإسلام من بني حنيفة:
طغت أخبار ردة مسيلمة الكذاب باليمامة على غيرها من أخبار ثبات جماعات من المسلمين الصادقين باليمامة بصفة عامة، وفي بني حنيفة قوم مسيلمة بصفة خاصة ولم يتعرض كثير من الكتاب المحدثين لذكر المسلمين الذين تمسكوا بإسلامهم في فتنة مسيلمة ووقفوا في وجهه، وساندوا جيوش الخلافة للقضاء على فتنته. وقد وجدت ( ) روايات معتبرة تلقي الضوء على هذه الحقيقة التي غابت عن الكثيرين ( ).
يذكر ابن أعثم أن ممن ثبت على الإسلام في اليمامة ثمامة بن أثال( ) الذي كان من مشاهير بني حنيفة، ولذا اجتمعت إليه عندما علموا بمسير خالد إليهم؛ لأنه كان واحدًا من أكابرهم، وكان ذا عقل وفهم ورأي، وكان مخالفًا لمسيلمة على ما هو عليه من الردة، وكان مما قاله لمن تابع مسيلمة: «… ويحكم يا بني حنيفة، اسمعوا قولي تهتدوا وأطيعوا أمري ترشدوا، واعلموا أن محمدًا × كان نبيًا مرسلاً لا شك في نبوته، ومسيلمة رجل كذاب لا تغتروا بكلامه وكذبه، فإنكم قد سمعتم القرآن الذي أتى به محمد × وآلى عن ربه إذ يقول: +حم  تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ  غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ" [غافر: 1- 3] فأين هذا الكلام من كلام مسيلمة الكذاب؟ فانظروا في أموركم ولا يذهبن هذا عنكم، ألا وإني خارج إلى خالد بن الوليد في ليلتي هذه طالبًا منه الأمان على نفسي ومالي وأهلي وولدي، وكان جواب من هدي إليه من قومه: «نحن معك يا أبا عامر، فكن من ذلك على علم». ثم خرج ثمامة بن أثال في جوف الليل في نفر من بني حنيفة حتى لحق بخالد بن الوليد، واستأذن إليه فأمنه وأمن أصحابه. ( ) وجاء في رواية الكلاعي قوله لهم: بأن لا نبي مع محمد × ولا بعده، وتذكر طرفًا من قرآن مسيلمة للتدليل على سخفه.( ) وتروى شعرا ينسب إلى ثمامة منه قوله:
مسيلمة ارجع ولا تمحك
فإنك في الأمر لم تشرك

كذبت على الله في وحيه
فكان هواك هوى الأنوك ( )

ومناك قومك أن يمنعوك
وإن يأتهم خالد تُترك

فما لك من مصعد في السماء
ولا لك في الأرض مسلك ( )

وقد جاء في رواية: دور ثمامة في حرب مسيلمة، ومساعدة عكرمة بن أبي جهل له
في هذه المهمة ( ).
وقد ساهم ثمامة بن أثال في مساعدة العلاء بن الخضرمي في حربه للمرتدين بالبحرين، وكان معه مسلمو بني حنيفة من بني سحيم ومن أهل القرى من سائر بني حنيفة، وكان ثمامة من أهل البلاء في قتال المرتدين مع العلاء بن الحضرمي ( ).
وممن ثبت على الإسلام في اليمامة معمر بن كلاب الرماني؛ فقد وعظ مسيلمة وبنى حنيفة الذين تابعوه ونهاهم عن الردة، وكان جارًا لثمامة بن أثال وشهد قتال اليمامة مع خالد بن الوليد، ومن سادات اليمامة الذين كانوا يكتمون إسلامهم: ابن عمرو اليشكري الذي كان من أصدقاء الرجال بن عنفوة، وقال شعرًا فشا في اليمامة وأنشده الناس، ومن هذا الشعر قوله:
إن ديني دين النبي وفي القو
م رِجَال على الهدى أمثالي

أهلك القوم محكم بن طفيل
ورجال ليسوا لنا برجال

إن تكن ميتَتِي على فطرة
الله حنيفا فإنني لا أبالي

فبلغ ذلك مسيلمة ومحكمًا وأشراف أهل اليمامة فطلبوه، ولكنه فاتهم ولحق بخالد بن الوليد، وأخبره بحال أهل اليمامة ودله على عوراتهم ( ). وممن ثبت على الإسلام في اليمامة أيضا: عامر بن مسلمة ورهطه ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:31 PM
ولقد أكرم أبو بكر الثابتين على الإسلام من بني حنيفة، وذلك في أشخاص ذوي قرابتهم، ومن ذلك تبعيته لمطرف بن النعمان بن مسلمة ابن أخي كل
من ثمامة بن أثال وعامر بن مسلمة الذين كان لهما ثبات في فتنة الردة، عينه
واليًا على اليمامة ( ).
ثالثًا: تحرك خالد بن الوليد بجيشه إلى مسيلمة الكذاب باليمامة:
كان أبو بكر  قد أمر خالدًا إذا فرغ من أسد وغطفان ومالك بن نويرة أن يقصد اليمامة وأكد عليه في ذلك، قال شريك الفزاري ( ): كنت ممن حضر بزاخة فجئت أبا بكر فأمرني بالمسير إلى خالد وكتب معي إليه: أما بعد، فقد جاءني في كتابك مع رسولك تذكر ما أظفرك الله بأهل بزاخة وما فعلت بأسد وغطفان وأنك سائر إلى اليمامة، وذلك عهدي إليك، فاتق الله وحده لا شريك له، وعليك بالرفق بمن معك من المسلمين، كن لهم كالوالد، وإياك يا خالد بن الوليد ونخوة بني المغيرة؛ فإني قد عصيت فيك من لم أعصه في شيء قط، فانظر إلى بني حنيفة إذا لقيتهم إن شاء الله فإنك لم تلق قومًا يشبهون بني حنيفة كلهم عليك ولهم بلاد واسعة، فإذا قدمت فباشر الأمر بنفسك واجعل على ميمنتك رجلاً وعلى ميسرتك رجلاً ( )، واجعل على خيلك رجلاً، واستشر من معك من الأكابر من أصحاب رسول الله × من المهاجرين والأنصار، واعرف لهم فضلهم، فإذا لقيت القوم وهم على صفوفهم فالقهم -إن شاء الله- وقد أعددت للأمور أقرانها، فالسهم للسهم والرمح للرمح والسيف للسيف وأحمل أسيرهم على السيف ( )، وهول فيهم القتل واحرقهم بالنار،
وإياك أن تخالف أمري والسلام عليك. ( ) فلما انتهى الكتاب إلى خالد وقرأه قال:
سمعًا وطاعة( ).
سار خالد إلى قتال بني حنيفة باليمامة وعبى معه المسلمين، وكان على الأنصار ثابت بن قيس بن شماس، فسار لا يمر بأحد من المرتدين إلا نكل به، وسير الصديق جيشا كثيفًا مجهزًا بأحدث سلاح ليحمي ظهر خالد حتى لا يوقع به أحد من خلفه، وكان خالد في طريقه إلى اليمامة قد لقي أحياء من الأعراب قد ارتدت، فغزاها وردها إلى الإسلام، ولقي مؤخرة جيش سجاح ففتك به ونكبه، ثم زحف إلى اليمامة ( ).
ولما سمع مسيلمة بقدوم خالد عسكر بمكان يقال له: عقرباء ( ) في طرف اليمامة، وندب الناس وحثهم على لقاء خالد، فأتاه أهل اليمامة وجعل على مجنبتي جيشه: المحكم بن الطفيل، والرجال بن عنفوة «شاهد زور».
والتقى خالد بعكرمة وشرحبيل فتقدم وقد جعل على مقدمة الجيش شرحبيل بن حسنة وعلى المجنبتين زيد بن الخطاب وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة ( ).
أ- مجاعة بن مرارة الحنفي يقع في أسر المسلمين:
مرت مقدمة جيش خالد بنحو من أربعين وقيل ستين فارسًا عليهم مجاعة بين مرارة الحنفي، وكان قد ذهب لأخذ ثأر له في بني تميم وبني عامر، وفي طريق عودته إلى قومه أسرهم المسلمون، فلما جيء بهم إلى خالد قال لهم: ماذا تقولون يا بني حنيفة؟ قالوا: نقول منا نبي ومنكم نبي فقتلهم ( )، وفي رواية: سألهم خالد: متى شعرتم بنا؟ قالوا: ما شعرنا بك، إنما خرجنا لنثأر فيمن حولنا من بني عامر وتميم. فلم يصدقهم خالد بل حسبهم جواسيس عليه لمسيلمة الكذاب، فأمر بقتلهم جميعًا فقالوا له: إن ترد بأهل اليمامة غدًا شرًا أو خيرًا فاستبق هذا وأشار إلى رئيسهم مجاعة، فاستبقى مجاعة وقتل الآخرين ( ).
وكان مجاعة بن مرارة سيدًا في بني حنيفة شريفًا مطاعًا، فكان خالد كلما نزل منزلاً واستقر به دعا مجاعة فأكل معه وحدثه، فقال له ذات يوم: أخبرني عن صاحبك –يعني مسيلمة- ما الذي يقرأكم؟ هل تحفظ منه شيئا؟ قال: نعم، فذكر له شيئًا من رجزه، فقال خالد وضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال: يا معشر المسلمين، اسمعوا إلى عدو الله كيف يعارض القرآن، ثم قال: ويحك يا مجاعة، أراك رجلاً سيدًا عاقلاً اسمع إلى كتاب الله عز وجل، ثم انظر كيف عارضه عدو الله، فقرأ عليه خالد: +سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى"، فقال مجاعة: أما إن رجلاً من أهل البحرين كان يكتب، أدناه مسيلمة وقربه حتى لم يكن يعد له في القرب عنده أحد، فكان يخرج إلينا فيقول: ويحكم يا أهل اليمامة، صاحبكم والله كذاب وما أظنكم تتهموني عليه، إنكم لترون منزلتي عنده وحالي، ووالله يكذبكم وبايعكم على الباطل، قال خالد: فما فعل ذلك البحراني؟ قال: هرب منه، كان لا يزال يقول هذا القول حتى بلغه، فخافه على نفسه فهرب فلحق بالبحرين، قال خالد: هات، زدنا من كذب الخبيث، فقال مجاعة بعض رجز مسيلمة، فقال خالد: وهذا كان عندكم حقًا وكنتم تصدقونه؟ قال مجاعة: لو لم يكن عندنا حق لما لقيتك غدًا أكثر من عشرة آلاف سيف يضاربونك فيه حتى يموت الأعجل، قال خالد: إذًا يكفيناكم الله ويعز دينه، ففي سبيله يقاتلون ودينه يريدون. ( ) فهذا رد يدل على عظمة إيمان خالد وثقته بالله، فقد كان إيمانه بالله وثقته المطلقة في نصر الله لدينه هما اللذين فجرا في شخصيته كنوز المواهب الحربية وفنون المهارات القيادية، لقد قاتل يوم بزاخة بسيفين حتى قطعهما، فقد كان يملأ الإيمان قلبه ويعتز بالله وحده، وكان ذلك كفيلاً بإسقاط هيبة عدوه من نفسه وغرس هيبته في قلب عدوه، وذلك أول الطريق لإحراز النصر الحاسم عليه وإلحاق الهزيمة الساحقة به ( ).
ب- شن الحرب النفسية قبل المعركة:
وضع خالد بن الوليد خطته على أساس استخدام الحرب النفسية ثم تحكيم السيف، فبعث زياد بن لبيد وكان صديقًا لمحكم بن طفيل سيد أهل اليمامة بقصد أن يكسبه إلى
جانبه، فقال خالد لزياد: لو لقيت إلى محكم شيئا تكسره به، فكتب زياد إليه أبياتا من
الشعر جاء فيها:
ويل اليمامة ويلاً لا فراق له
إن جالت الخيل فيها بالقنا الصادي

والله لا تنثني عنكم أعنتها
حتى تكونوا كأهل الحجر أو عاد

واتجه خالد كذلك إلى عمير بن صالح اليشكري وكان قد أسلم وكتم إسلامه على قومه، وكان قوي العقيدة راسخ الإيمان، وقال له: تقدم إلى قومك، فأتاهم وقال: أظلكم خالد في المهاجرين والأنصار، إني رأيت قومًا إن غالبتموهم بالصبر غلبوكم بالنصر، وإن غلبتموهم بالعدد غلبوكم بالمدد، ولستم والقوم سواء. الإسلام مقبل والشرك مدبر، وصاحبهم نبي وصاحبكم كذاب، ومعهم السرور ومعكم الغرور، فالآن والسيف في غمده والنبل في جفيره، قبل أن يسل السيف ويرمى بالسهم.( )
ثم باشر خالد المهمة مع ثمامة بن أثال الحنفي، فمشى إلى قومه يدعوهم إلى الاستسلام، ويحطم عندهم روح القتال: «إنه لا يجتمع نبيان بأمر واحد، إن محمدًا × لا نبي بعده ولا نبي مرسل معه، لقد بعث إليكم (يقصد أبا بكر) معه سيوف كثيرة، فانظروا في أمركم. ( ) واهتم خالد بتدبير الخطط المحكمة، وكان  لا يستخف بعدوه، وكان في ميدان المعركة على أهبة وحذر دائمين مخافة أن يفجأه عدوه بغارة غادرة والتفاف مكر، وقد وصف  بأنه: كان لا ينام ولا يبيت إلا على تعبية، ولا يخفى عليه من أمر عدوه شيء. ( ) وفي محاربته لمسيلمة -قبل معركة عقرباء- جعل طليعته مكنف بن زيد الخيل وأخاه حريثًا لجمع المعلومات اللازمة للمعركة، وقد حان ترتيب أمور جيشه فالموقف شديد الخطورة، ولا بد من أخذ الترتيبات اللازمة؛ فقد كان حامل الراية في هذه المعركة عبد الله بن حفص بن غانم، ومن ثم تحولت إلى سالم ( ) مولى أبي حذيفة. ومعلوم أن الناس براياتهم كما قالت العرب فإذا زالت زالوا، وقد قدم خالد في هذه المعركة شرحبيل بن حسنة، وقسم الجيش أخماسًا؛ على المقدمة خالد المخزومي، وعلى الميمنة أبو حذيفة، وعلى الميسرة شجاع، وفي القلب زيد ابن الخطاب، وجعل أسامة بن زيد على الخيالة ووضع الظعن في المؤخرة وفيها الخيام والنساء( )، وهذا الترتيب الأخير قبل المعركة.
رابعًا: المعركة الفاصلة:
ولما تواجه الجيشان قال مسيلمة لأتباعه وقومه قبيل المعركة الفاصلة: اليوم يوم الغيرة، اليوم إن هزمتم تستنكح النساء سبيات وينكحن غير حطيات، فقاتلوا على أحسابكم وامنعوا نساءكم ( ).
وتقدم خالد  بالمسلمين حتى نزل بهم على كثيب يشرف على اليمامة فضرب به عسكره، واصطدم المسلمون والكفار فكانت جولة وانهزمت الأعراب حتى دخلت بنو حنيفة خيمة خالد بن الوليد، وهموا بقتل أم تميم حتى أجارها مجاعة، وقال: نعمت الحرة هذه، وقد قتل الرَّجَّال بن عنفوة لعنه الله في هذه الجولة قتله زيد بن الخطاب، ثم تذامر الصحابة بينهم وقال ثابت بن قيس بن شماس: لبئس ما عودتم أقرانكم ونادوا من كل جانب: أخلصنا يا خالد، فخلصت ثلة من المهاجرين والأنصار وحمى وقاتلت بنو حنيفة قتالاً لم يعهد مثله، وجعلت الصحابة يتواصون بينهم ويقولون: يا أصحاب سورة البقرة بطل السحر اليوم، وحفر ثابت بن قيس لقدميه في الأرض إلى أنصاف ساقيه وهو حامل لواء الأنصار بعدما تحنط وتكفن، فلم يزل ثابتًا حتى قتل هناك. وقال المهاجرون لسالم مولى أبي حذيفة: أتخشى أن تؤتى من قبلك؟ فقال: بئس حامل القرآن أنا إذًا. وقال زيد بن الخطاب: أيها الناس عضوا على أضراسكم واضربوا في عدوكم وامضوا قدمًا. وقال: والله لا أتكلم حتى يهزمهم الله أو ألقى الله فأكلمه بحجتي، فقتل شهيدًا . وقال أبو حذيفة: يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال، وحمل فيهم حتى أبعدهم، وأصيب ، وحمل خالد بن الوليد حتى جاوزهم وسار لقتال مسيلمة وجعل يترقب أن يصل إليه فيقتله، ثم رجع ثم وقف بين الصفين ودعا البراز، وقال: أنا ابن الوليد العود، أنا ابن عامر وزيد، ثم نادى بشعار المسلمين وكان شعارهم يومئذ: يا محمداه، وجعل لا يبرز له أحد إلا قتله ولا يدنو منه شيء إلا أكله، وقد ميز خالد المهاجرين من الأنصار من الأعراب، وكل بنى أب على رايتهم يقاتلون تحتها حتى يعرف الناس من أين يؤتون، وصبر الصحابة في هذه المواطن صبرًا لم يعهد مثله، ولم يزالوا يتقدمون إلى نحور عدوهم حتى فتح الله عليهم وولى الكفار الأدبار واتبعوهم يقتلون في أقفائهم ويضعون السيوف في رقابهم حيث شاءوا، حتى ألجأوهم إلى حديقة الموت، وقد أشار عليهم محكم اليمامة -وهو محكم بن الطفيل لعنه الله- بدخولها فدخلوها وفيها عدو الله مسيلمة لعنه الله، وأدرك عبد الرحمن بن أبي بكر محكم بن الطفيل فرماه بسهم في عنقه وهو يخطب فقتله، وأغلقت بنو حنيفة الحديقة عليهم وأحاط بهم الصحابة.( )
خامسًا: بطولات نادرة.
1- قال البراء بن مالك:
يا معشر المسلمين، ألقوني عليهم في الحديقة، فاحتملوه فوق الجحف ( )، ورفعوها بالرماح حتى ألقوه عليهم، فلم يزل يقاتلهم دون بابها حتى فتحه، ودخل المسلمون الحديقة من الباب الذي فتحه البراء، وفتح الذين دخلوا الأبواب الأخرى وحوصر المرتدون وأدركوا أنها القاضية، وأن الحق جاء وزهق باطلهم.( )
2- مصرع مسيلمة الكذاب:
وخلص المسلمون إلى مسيلمة لعنه الله، وإذا هو واقف في ثلمة جدار كأنه جمل أورق، وهو يريد يتساند لا يعقل من الغيظ، وكان إذا اعتراه شيطانه أزبد حتى يخرج الزبد من شدقيه، فتقدم إليه وحشي بن حرب مولى جبير بن مطعم قاتل حمزة فرماه بحربته فأصابه، وخرجت من الجانب الآخر وسارع إليه أبو دجانة سماك بن خرشة فضربه بالسيف فسقط، فنادت امرأة من القصر: وا أمير الوضاءة قتله العبد الأسود، فكان جملة من قتلوا في الحديقة وفي المعركة قريبًا من عشرة آلاف مقاتل، وقيل: إحدى وعشرون ألفًا، وقتل من المسلمين ستمائة وقيل: خمسمائة فالله أعلم، وفيهم من سادات الصحابة وأعيان الناس من يذكر بعد، وخرج خالد وتبعه مجاعة بن مرارة يرسف في قيوده، فجعل يريه القتلى ليعرفه بمسيلمة، فلما مروا بالرجال بن عنفوة قال له خالد: أهذا هو؟ قال: لا والله هذا خير منه، هذا الرجال بن عنفوة، ثم مروا برجل أصفر أخنس فقال: هذا صاحبكم، فقال خالد: قبحكم الله على اتباعكم هذا، ثم بعث خالد الخيول حول اليمامة يلتقطون ما حول حصونها من مال وسبي.( )
3- أبو عقيل: عبد الرحمن بن عبد الله البلوي الأنصاري الأوسي:
كان أبو عقيل من أول من جرح يوم اليمامة، رُمي بسهم فوقع بين منكبيه وفؤاده فجرح في غير مقتل، فأخرج السهم ووهن شقه الأيسر، فأخذ إلى معسكر المسلمين، فلما حمي القتال وتراجع المسلمون إلى رحالهم ومعسكرهم، وأبو عقيل واهن من جرحه، سمع معن بن عدي يصيح: يا للأنصار، الله الله والكرة على عدوكم. وتقدم معن القوم ونهض أبو عقيل يريد قومه، فقال له بعض المسلمين: يا أبا عقيل ما فيك قتال، قال: قد نوه المنادي باسمي، فقيل له: إنما يقول يا للأنصار لا يعني الجرحى، فقال أبو عقيل: فأنا من الأنصار وأنا أجيب ولو حبوًا، فتحزم أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى مجردا، ثم جعل ينادي: يا للأنصار كثرة كيوم حنين, فاجتمعوا جميعًا وتقدموا بروح معنوية عالية يطلبون الشهادة أو النصر حتى أقحموا عدوهم الحديقة، وفي هذا الهجوم قطعت يد أبي عقيل من المنكب، ووجدت به أربعة عشر جرحًا كلها قد خلصت إلى مقتل، ومر ابن عمر بأبي عقيل وهو صريع بآخر رمق فقال: يا أبا عقيل، فقال: لبيك بلسان ثقيل، ثم قال: لمن الدبرة فقال ابن عمر: أبشر، قد قتل عدو الله، فرفع أبو عقيل إصبعه إلى السماء بحمد الله، قال عنه عمر : رحمه الله، ما زال ينال الشهادة ويطلبها، وإنه لمن خير أصحاب نبينا. ( )
4- نسيبة بنت كعب المازنية الأنصارية:
خرجت في جيوش خالد الذاهبة لليمامة وباشرت القتال بنفسها، وأقسمت أن لا تضع السلاح حتى يُقْتل دجال بني حنيفة، وبرت بفضل الله بقسمها وقتل مسيلمة ورجعت إلى المدينة وبها اثنا عشر جرحًا ما بين طعنة برمح وضربة بسيف، وكلها أوسمة شرف لهذه الصحابية المجاهدة التي ضربت لبنات جنسها مثلاً رائعًا في الدفاع عن الدين والعقيدة، ولو أدى ذلك لأن تتحمل ما لا يتحمله في العادة مثيلاتها من ربات الخدور.( ) وقد قام خالد بن الوليد بعد هذه المعركة برعايتها، فقد قالت نسيبة -رضي الله عنها-: فلما انقطعت الحرب ورجعت إلى منزلي جاءني خالد بن الوليد بطبيب فداواني بالزيت المغلي، وكان والله أشد علي من القطع، وكان خالد كثير التعهد لي، حسن الصحبة لنا، يعرف لنا حقنا ويحفظ فينا وصية نبينا × ( ).
سادسًا: من شهداء معركة اليمامة.
1- ثابت بن قيس بن شماس الذي أجاز الصديق وصيته بعد موته:
هو أبو محمد، خطيب الأنصار، وقد ثبت أن رسول الله × بشره بالشهادة، وقتل يوم اليمامة شهيدًا، وكانت راية الأنصار يومئذ بيده، وقد رأى رجل من المسلمين ثابت بن قيس في منامه فقال: إني لما قتلت بالأمس مر بي رجل من المسلمين فانتزع مني درعًا نفيسة، ومنزله في أقصى العسكر وعند خبائه فرس يستن في طوله، وقد كفأ على الدرع بُرْمَة وفوق البرمة رحل، فأتِ خالدًا فمره أن يبعث إلى درعي فيأخذها، وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله (يعني أبا بكر) فقل له: إن على من الدين كذا وكذا وفلان من رقيقي عتيق، وإياك أن تقول: هذا حلم فتضيعه، قال: فأتى خالدًا فوجهه إلى الدرع فوجدها كما ذكره، وقدم على أبي بكر فأخبره، فأنفذ أبو بكر وصيته بعد موته، فلا يعلم أحد جازت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس بن شماس ( ).
2- زيد بن الخطاب :
هو أخو عمر بن الخطاب لأبيه وكان أكبر من عمر، أسلم قديمًا وشهد بدرًا وما بعدها, قد آخى رسول الله × بينه وبين معن بن عدي الأنصاري وقد قتلا جميعًا باليمامة، وقد كانت راية المهاجرين يومئذ بيده فلم يزل يتقدم بها حتى قتل فسقطت، فأخذها سالم مولى أبي حذيفة وقد قتل زيد يومئذ الرجال بن عنفوة الذي كانت فتنته على بني حنيفة أشد من فتنة مسيلمة فكان مصرعه على يد زيد ، والذي قتل زيد رجل يقال له أبو مريم الحنفي، وقد أسلم بعد ذلك، وقال لعمر: يا أمير المؤمنين إن الله أكرم زيدًا بيدي ولم يهني على يده، وقد قال عمر لما بلغه مقتل زيد بن الخطاب: رحم الله أخي زيد سبقني إلى الحسنيين؛ أسلم قبلي واستشهد قبلي. وقال لمتمم بن نويرة حين جعل يرثي أخاه مالكًا بالأشعار: لو كنت أحسن الشعر لقلت كما قلت، فقال له متمم: لو أن أخي ذهب على ما ذهب عليه أخوك ما حزنت عليه، فقال له: ما عزاني أحد مثل ما عزيتني به، ومع هذا كان عمر يقول: ما هبت الصَّبَا إلا ذكرتني زيدًا  ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:32 PM
3- معن بن عدي البلوي:
شهد العقبة وبدرًا وأحدًا والخندق وسائر المشاهد، وكان قد آخى رسول الله × بينه وبين زيد بن الخطاب فقتلا جميعًا يوم اليمامة رضي الله عنهما. وكان لمعن بن عدي موقف متميز عند وفاة رسول الله ×، فعندما بكى الناس على رسول الله × حين مات، وقالوا: والله وددنا أنَّا متنا قبله ونخشى أن نفتتن بعده، فقال معن بن عدي: لكني والله ما أحب أن أموت قبله، لأصدقه ميتًا كما صدقته حيًا. ( )
4- عبد الله بن سهيل بن عمرو:
أسلم قديمًا وهاجر ثم استضعف بمكة، فلما كان يوم بدر خرج معهم، فلما تواجهوا فر إلى المسلمين فشهدها معهم، وقتل يوم اليمامة، فلما حج أبو بكر عزى أباه فيه، فقال سهيل: بلغني أن رسول الله × قال: «يشفع الشهيد لسبعين من أهله».( ) فأرجو أن يبدأ بي ( )، وقد كان لسهيل بن عمرو  موقف عظيم بمكة حين توفي رسول الله ×، فقد همَّ أكثر أهل مكة بالرجوع عن الإسلام، وأرادوا ذلك حتى خافهم والي مكة عتاب بن أسيد، فتوارى، فقام سهيل بن عمرو فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر وفاة رسول الله × وقال: إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة، فمن رابنا ضربنا عنقه، فتراجع الناس وكفوا عما هموا به، فظهر عتاب بن أسيد. فهذا المقام الذي أراد رسول الله × في قوله لعمر بن الخطاب -يعني حين أشار بقلع ثنيته حين وقع في الأساري يوم بدر-: «إنه عسى أن يقوم مقامًا لا تذمنَّه» ( ).
5- أبو دجانة سماك بن خرشة:
كانت عليه يوم بدر عصابة حمراء، قيل: آخى النبي × بينه وبين عتبة بن غزوان. وثبت أبو دجانة يوم أحد مع النبي × وبايعه على الموت، وهو ممن اشترك في قتل مسيلمة وقُتِل يومئذ. وقال زيد بن أسلم: دُخل على أبي دجانة وهو مريض وكان وجهه يتهلل، فقيل له: ما لوجهك يتهلل؟ فقال: ما لي من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، والأخرى فكان قلبي للمسلمين سليمًا. ( )
وكان أبو دجانة يوم اليمامة من أبطال المسلمين، فقد رمى بنفسه إلى داخل الحديقة فانكسرت رجله فقاتل وهو مكسور الرجل حتى قتل ( ).
6- عبَّاد بن بشر:
من فضلاء الصحابة، عاش خمسًا وأربعين سنة، وهو الذي أضاءت عصاه ليلة حين انقلب إلى منزله، وكان قد سمر عند النبي ×. ( ) أسلم عباد على يد مصعب بن عمير وكان فيمن قتل كعب بن الأشرف ( )، واستعمله النبي × على صدقات مزينة وبني سليم وعلى حرسه بتبوك. وأبلى يوم اليمامة بلاء حسنًا وكان من الشجعان، وعن عائشة قالت: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعتد عليهم فضلاً كلهم من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر. وعن عائشة قالت: تهجَّد رسول الله × في بيتي فسمع صوت عباد يصلي في المسجد فقال: «يا عائشة، هذا صوت عباد؟» قلت: نعم، قال: «اللهم ارحم عبادًا».( ) وقد استشهد باليمامة.
ويحدثنا أبو سعيد الخدري عنه حيث قال: سمعته يقول حين فرغنا من بزاخة: يا أبا سعيد، رأيت الليلة كأن السماء فرجت لي ثم أطبقت علي فهي إن شاء الله الشهادة، قلت: خيرًا والله رأيت.( ) وقد كان له يوم اليمامة مواقف مشهودة، فقد وقف على نشز مرتفع من الأرض، ثم صاح بأعلى صوته: أنا عباد بن بشر، يا للأنصار يا للأنصار، ألا إليَّ ألا إليَّ، فأقبلوا إليه جميعًا وأجابوه: لبيك لبيك، ثم حطم جفن سيفه فألقاه وحطمت الأنصار جفون سيوفهم، ثم قال جملة صادقة: اتبعوني، فخرج حتى ساقوا بني حنيفة منهزمين حتى انتهوا بهم إلى الحديقة فأغلق عليهم.( ) ولما تمكن المسلمون من اقتحام باب الحديقة، ألقى درعه على بابها، ثم دخل بالسيف صلتا يجالدهم حتى قتل شهيدًا باليمامة وهو ابن خمس وأربعين سنة، ولم يعرف إلا بعلامة في جسده لكثرة ما فيه من الجراح .( ) وقد اشتهرت مواقف عباد بن بشر في اليمامة حتى أصبحت مضرب المثل.( ) وبقيت بنو حنيفة تذكر عباد بن بشر، فإذا رأت الجراح بالرجل منهم تقول: هذا ضرب مجرب القوم عباد بن بشر.( )
لقد كان للأنصار مواقف عظيمة وإقدام منقطع النظير في حروب الردة وخصوصًا باليمامة، وقد شهد للأنصار بالإقدام والصبر في ذلك اليوم مجاعة بن مرارة الحنفي عند الخليفة أبو بكر، فقال: يا خليفة رسول الله: لم أرَ قط أصبر لوقع السيوف ولا أصدق كرة من الأنصار؛ فلقد رأيتني وأنا أطوف مع خالد بن الوليد أعرفه قتلى بني حنيفة، وإني لأنظر إلى الأنصار وهم صرعى، فبكى أبو بكر حتى بلَّ حليته. ( )
7- الطفيل بن عمرو الدوسي الأزدي:
استشهد باليمامة، وكان شريفًا شاعرًا لبيبًا، وقد رأى الرؤيا قبل استشهاده حيث قال: خرجت ومعي ابني عمرو فرأيت كأن رأسي حلق وخرج من فمي طائر، وكأن امرأة أدخلتني فرجها فأولتها: حلق رأسي قطعه، وأما الطائر فروحي، وأما المرأة فالأرض أدفن فيها، فاستشهد يوم اليمامة.( ) وقد استشهد كثير من المهاجرين والأنصار في هذه المعركة الفاصلة.
وكانت المدينة على الرغم من فرحها بانتصار المسلمين على المرتدين ما زالت تبكي شهداءها؛ ففي حرب اليمامة وحدها قتل من المسلمين مائتان وألف، منهم عدد من كبار الصحابة وفيهم أكثر حفاظ القرآن؛ نحو أربعين من القراء، وعصرت الأحزان قلب المدينة، وغمرت الدموع ابتسامات الفرح بالنصر، وضاقت الصدور، وثقلت المحنة على
القلوب بقدر ما أضاء انتصار المسلمين غيابات النفوس، وقوى من إيمانهم، وغرس الثقة
في أعماقهم( ).
سابعًا: خدعة مجاعة وزواج خالد من ابنته ورسائل بينه وبين الصديق:
أ- خدعة مجاعة:
بعد انتصار جيش المسلمين في حديقة الموت، بعث خالد  الخيول حول اليمامة يلتقطون ما حول حصونها من مال وسبي، ثم عزم على غزو الحصون، ولم يكن بقي فيها إلا النساء والصبيان والشيوخ الكبار، فخدعه مجاعة فقال: إنها ملأى رجالاً مقاتلة فهلم فصالحني عنها، فصالحه خالد لما رأى بالمسلمين من الجهد وقد كلوا من كثرة الحروب والقتال، فقال: دعني حتى أذهب إليهم ليوافقوني على الصلح، فقال: اذهب، فسار إليهم مجاعة فأمر النساء أن يلبسن الحديد ويبرزن على رؤوس الحصون، فنظر خالد فإذا الشرفات ممتلئة من رؤوس الناس فظنهم كما قال مجاعة، فانتظر الصلح ودعاهم خالد إلى الإسلام فأسلموا عن آخرهم ورجعوا إلى الحق، وردَّ عليهم خالد بعض ما كان من السبي وساق الباقين إلى الصديق، وقد تسرى علي بن أبي طالب بجارية منهم وهي أم ابنه محمد الذي يقال له: محمد ابن الحنفية ( ).
وكانت وقعة اليمامة في سنة إحدى وعشرة، وقال الواقدي وآخرون: كانت في سنة
ثنتي عشرة، والجمع بينهما أن ابتداءها في سنة إحدى عشرة والفراغ منها في سنة
ثنتي عشرة ( ).
ب- زواجه بابنة مجاعة والرسائل بينه وبين الصديق:
طلب خالد بن الوليد من مجاعة بعدما تم الصلح أن يزوجه بابنته، فقال له مجاعة: مهلاً، إنك قاطع ظهرك وظهري معك عند صاحبك. فقال خالد: أيها الرجل زوجني ابنتك، فزوجه مجاعة ابنته ( ).
وكان الصديق قد أرسل سلمة بن وقش إلى خالد إن أظفره الله أن يقتل من جرت عليه الموسى ( ) من بني حنيفة، فوجده قد صالحهم وأتم خالد عقده معهم ووفى لهم ( ).
وكان الصديق يستروح الخبر من اليمامة، وينتظر رسول خالد، فخرج يومًا بالعشي ومعه نفر من المهاجرين والأنصار إلى ظهر الحرة فلقي أبا خيثمة النجاري قد أرسله خالد، فلما رآه أبو بكر قال له: ما وراءك يا أبا خيثمة؟ قال: خير يا خليفة رسول الله، قد فتح الله علينا اليمامة وهذا كتاب خالد، فسجد الصديق شكرًا لله، وقال: أخبرني عن الوقعة كيف كانت؟ فجعل أبو خيثمة يخبره كيف صنع خالد وكيف صف أصحابه ومن استشهد من الصحابة، وقال أبو خيثمة: يا خليفة رسول الله: أتينا من قبل الأعراب، انهزموا بنا وعودونا ما لم نكن نحسن ( ).
ولما علم الصديق بزواج خالد كتب إليه: يا ابن أم خالد إنك لفارغ تنكح النساء وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجف بعد، ثم خدعك مجاعة عن رأيك فصالحك عن قومه وقد أمكن الله منهم.( ) وإزاء هذا التعنيف الذي وصل إلى خالد من الخليفة بسبب مصالحته لمجاعة وزواجه بابنته بعث خالد إليه كتابًا جوابيًا مع أبي برزة الأسلمي يدافع فيه عن موقفه دفاعًا يتسم بوضوح الحجة وقوة المنطق ( )، يقول فيه: أما بعد، فلعمري ما تزوجت النساء حتى تم لي السرور وقرت بي الدار, وما تزوجت إلا إلى أمري لو عملت إليه من المدينة خاطبًا لم أبل، دع أني استثرت خطبتي إليه من تحت قدمي، فإن كنت قد كرهت لي ذلك لدين أو لدنيا أعتبتك، وأما حسن عزائي عن قتلى المسلمين فو الله لو كان الحزن يبقى حيًّا أو يرد ميتًا لأبقي حزني الحي ورد الميت، ولقد اقتحمت حتى أيست من الحياة وأيقنت بالموت، وأما خديعة مجاعة إياي عن رأيي فإني لم أخطئ رأيي يومي ولم يكن لي علم بالغيب، وقد صنع الله للمسلمين خيرًا: أورثهم الأرض والعاقبة للمتقين.( )
فلما قدم الكتاب على أبي بكر  رق بعض الرقة وقام رهط من قريش فيهم أبو برزة الأسلمي فعذروا خالدًا وقال أبو برزة: يا خليفة رسول الله ما يوصف خالد بجبن ولا خيانة، ولقد أقحم في طلب الشهادة حتى أعذر وصبر حتى ظفر، وما صالح القوم إلا على رضاه، وما أخطأ رأيه بصلح القوم إذ هو لا يرى النساء في الحصون إلا رجالاً. فقال أبو بكر: صدقت لكلامك، هذا أولي بعذر خالد من كتابه إلي.( )

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:33 PM
ونلحظ في رسالة خالد إلى أبي بكر بعض النقاط التي دافع بها عن نفسه والتي تمثلت بما يلي:
1- إنه لم يتزوج إلا بعد أن كسب النصر واطمأن به المقام.
2- إنه أصهر إلى رجل من زعماء قومه وأشرافهم.
3- إنه لم يتكلف أدنى مشقة في هذا الإصهار.
4- إن هذا الزواج ليس فيه مخالفة دينية أو دنيوية.
5- إن الامتناع بسبب الحزن على قتلى المسلمين تصرف غير مجد؛ لأن الحزن لا يُبْقي حيًا ولا يرد ميتًا.
6- إنه لم يكن يقدم على الجهاد أي أمر آخر، ولقد أبلى فيه بلاء لم يعد -بسببه- بينه وبين الموت أي حاجز.
7- إنه في مصالحته لمجاعة لم يأل جهدًا في تحقيق الخير للمسلمين، وإذا كان مجاعة لم ينقل له الصورة عن قومه على حقيقتها، فعذره أنه إنسان لا يدري من أمر الغيب شيئًا، وعلى ذلك فالعاقبة كانت في صالح المسلمين؛ إذ استولوا على أرض بني حنيفة ومن ثم فاءت بقيتهم إلى الإسلام دون قتال. وعلى هذا فإن الزواج ببنت مجاعة كان أمرًا طبيعيًا لا على خالد فيه بأس، وليس صحيحًا أنه كان ناشئا عن إعجابه بمجاعة لغيرته على قومه، ولذا: أحب أن يصهر إليه ويوثق الصلة بينه وبينه, وطاب له أن يعزز صلة الدين بصلة البيت والنسب( ) كما يقول العقاد ذلك؛ لأن خالدًا لم يكن ليقدم على رابطة الدين أو يجمع إليها في التعامل مع الناس
رابطة أخرى ( ).
أما أسلوب الدكتور محمد حسين هيكل في الاعتذار لخالد فإنه مرفوض؛ لأنه يتنافى مع أحكام الإسلام، فقد قال هيكل: ومن تكون بنت مجاعة في أعياد النصر التي يجب أن تقام لخالد؟! إنها لن تزيد على قربان يطرح على قدمي هذا العبقري الفاتح الذي روى أرض اليمامة بالدماء لعلها تطهر من رجسها ( ).
فهذه الكلمات تصور خالدًا الصحابي الكريم وكأنه أخيل أو هكتور أو أغاممنون من قادة حرب طروادة الوثنيين، الذين لا يحارب الواحد منهم إلا إذا أشير إليه بالبنان أو أمطر بالقبلات والتوسلات؛ لأنه لا يحارب إلا للزعامة والوجاهة، أو كأنه أحد أصنام العرب الذين تسفح على جنباتهم دماء القرابين تقربًا وتذللاً، أو كأنه إله النيل الذي كان يعتقد المصريون أنه لن يفيض عليهم بالخير إلا إذا قذفوا في بحره أجمل بنات مصر، فحاشا أبا سليمان ثم حاشاه من قبل ومن بعد من مثل هذه الروح وتلك النفسية، فخالد مؤمن موحد لا يحارب إلا لإعلاء كلمة الله لا يبغي عليها جزاء ولا شكورًا من أحد من خلق الله، ومرفوض أيضا ما ذهب إليه الجنرال أكرم في تعليله لما وقع فيه خالد من ملامات من جراء قصص زواجه في حروب الردة، إذ يعيدها إلى لياقته البدنية: التي سببت له كثيرًا من المشاكل بين حسناوات شبه الجزيرة العربية ( ) على حد زعمه، وكأن خالد تحول إلى زير نساء أو (دون جوان)، وهو الذي لم يكن يهوي شيئًا هواه الجهاد في سبيل الله، ولكنها التوجيهات الباطلة التي تفسر الأمور بعيدًا عن طبيعة الظروف ومعطيات المبادئ وشواهد الأخبار.( )
إن خالدًا  كان يقاتل عن دين، ويحتسب الأجر عند الله تعالى، وكان يقتحم المعامع بنفسه، وقد وصف بأنه له أناة القطة ووثوب الأسد( )، وما كان يومًا بالذي يؤثر نفسه عن جنده؛ بل كانوا يجدونه أمامهم في كل معترك؛ ففي معركة بزاخة: ضرَّس في القتال فجعل يقحم فرسه ويقولون له: الله الله! فإنك أمير القوم ولا ينبغي لك أن تقدم، فيقول: والله إني لأعرف ما تقولون، ولكن ما رأيتني أصبر وأخاف هزيمة المسلمين ( ).
وفي معركة اليمامة لما اشتد القتال ولم يزد بني حنيفة ما قتل منهم إلا عنفًا وضراوة، برز حتى إذا كان أمام الصف دعا إلى المبارزة ونادى الناس بشعارهم يومئذ وكان: يا محمداه، فجعل لا يبرز له أحد إلا قتله ولا شيء إلا أكله ( )، فقد كان يرغب في النصر ويتحرى الشهادة، ولنترك لخالد يصف لنا جولة من المصارعة بينه وبين أحد جنود مسيلمة داخل حديقة الموت قال: ولقد رأيتني في الحديقة وعانقني رجل منهم وأنا فارس وهو فارس، فوقعنا عن فرسينا، ثم تعانقنا بالأرض، فأجؤه بخنجر في سيفي وجعل يجؤني بمعول في سيفه، فجرحني سبع جراحات، وقد جرحته جرحًا أثبته به فاسترخى في يدي وما بي حركة من الجراح، وقد نزفت من الدم إلا أنه سبقني بالأجل فالحمد لله على ذلك. ( ) وقد شهد خالد لبني حنيفة على قوتهم وشدة بأسهم فقال: شهدت عشرين زحفًا فلم أر قومًا أصبر لوقع السيوف ولا أضرب بها ولا أثبت أقدامًا من بني جنيفة يوم اليمامة… وما بي حركة من الجراح، ولقد أقحمت حتى أيست من الحياة وتيقنت الموت ( ).
ثامنًا: محاولة قتل خالد بن الوليد وقدوم وفد بني حنيفة للصديق :
1- محاولة قتل خالد بن الوليد:
على الرغم من وضوح باطل الجاهلية وزيفه فإنها لا تتخلى عنه بسهولة لأنه به ديمومة حياتها، ولذا ما إن تواجه بالحقيقة حتى تأخذ في الدفاع عن نفسها بشراسة ولا تلقي سيف القتال من يدها إلا بعد أن يسقط بالقوة ( )، وبعد ذلك تحاول الغدر ما استطاعت إلى ذلك سبيلا؛ فهذا سلمة بن عمير الحنفي يدلل بفعله على صحة ما ذهبت إليه، فقد حاول اغتيال خالد بن الوليد بعد الصلح الذي أجراه خالد مع بني حنيفة بشكل عام، إلا أنه من حقده الناقع للمسلمين فقد دبر خطة اغتيال خالد بن الوليد كجزء من سياسته في رفض التصالح معهم، ولما قبض عليه أول مرة وعاهد بني حنيفة ألا يعود مثلها نكث بعده، إذ أفلت ليلاً من وثاقه الذي أوثقوه به مخافة غدره، فعمد إلى عسكر خالد فصاح به الحرس وفزعت بنو حنيفة فاتبعوه فأدركوه في بعض الحوائط «الحدائق»، فشد عليهم بالسيف فاكتنفوه بالحجارة، وأجال السيف على حلقة فقطع أوداجه «عروق رقبته»، فسقط في بئر فمات( )، فهذا مثال على عناد الجاهلية في الدفاع عن باطلها ( ).
2- قدوم وفد بني حنيفة على الصديق:
ولما قدمت وفود بني حنيفة على الصديق قال لهم: أسمعونا شيئًا من قرآن مسيلمة فقالوا: أو تعفينا يا خليفة رسول الله؟ فقال: لا بد من ذلك، فقالوا: كان يقول: يا ضفدع بنت الضفدعين، نقي لكم تنقين، لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين، رأسك في الماء وذَنَبك في الطين. وكان يقول: والمبذرات زرعًا، والحاصدات حصدًا، والذاريات قمحًا، والطاحنات طحنًا، والخابزات خبزًا، والثاردات ثردًا، واللاقمات لقمًا، إهالة وسمنًا. ويقول: لقد فضلتم على أهل الوبر وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه والمعتر فآووه، والناعي فواسوه. ( ) وذكروا أشياء من هذه الخرافات التي يأنف من قولها الصبيان وهم يلعبون، فيقال: إن الصديق قال لهم: ويحكم أين كان يذهب بعقولكم؟ إن هذا الكلام لم يخرج من إل ( ) ولا بر.
وذكر علماء التاريخ أنه كان يتشبه بالنبي ×، وبلغه أن رسول الله × بصق في بئر فغزر ماؤه، فبصق في بئر فغاض ماؤه بالكلية، وفي أخرى فصار ماؤه أجاجًا وتوضأ فسقي بوضوئه نخلاً فيبست وهلكت، وأتى بولدان يبرك عليهم، فجعل يمسح رؤوسهم فمنهم من قرع رأسه ومنهم من لثغ لسانه، ويقال: إنه دعا لرجل أصابه وجع في عينيه فمسحهما فعمي.( )
تاسعًا: جمع القرآن الكريم.
كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثير من حفاظ القرآن، وقد نتج عن ذلك أن قام أبو بكر  بمشورة عمر بن الخطاب  بجمع القرآن حيث جمع من الرقاع والعظام والسعف ومن صدور الرجال.( ) وأسند الصديق هذا العمل العظيم إلى الصحابي الجليل زيد بن ثابت الأنصاري ، يروي زيد بن ثابت  فيقول: بعث إليَّ أبو بكر  لمقتل أهل اليمامة ( )، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر ( ) يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن( ) كلها فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله × ( )؟! فقال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: وإنك رجل شاب عاقل لا نتهمك ( )، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ×، فتتبع القرآن فاجمعه.( ) قال زيد: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل علي مما كلفني به من جمع القرآن، فتتبعت القرآن من العسب ( )، واللخاف ( )، وصدور الرجال والرقاع ( ) والأكتاف ( ) قال: حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره: +لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنَفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتِّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ" [التوبة: 128]، حتى خاتمة براءة، وكانت الصحف عند
أبي بكر حياته حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم ( ).
وعلق البغوي على هذا الحديث فقال: فيه البيان الواضح؛ فالصحابة -رضي الله عنهم- جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على رسوله × من غير أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه شيئًا، والذي حملهم على جمعه ما جاء في الحديث، وهو أنه كان مفرقًا في العسب واللخاف وصدور الرجال، فخافوا ذهاب بعضه بذهاب حفظته، ففزعوا فيه إلى خليفة رسول الله ودعوه إلى جمعه، فرأى في ذلك رأيهم فأمر بجمعه في موضع واحد باتفاق من جميعهم، فكتبوه كما سمعوه من رسول الله من غير أن قدموا شيئًا أو أخروا، أو وضعوا له ترتيبًا لم يأخذوه من رسول الله ×، وكان رسول الله × يلقي أصحابه ويعلمهم ما ينزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل صلوات الله عليه إياه على ذلك، وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقيب آية كذا في السور التي يذكر فيها كذا.( )
وهكذا يتضح للقارئ الكريم أن من أوليات أبي بكر الصديق : أنه أول من جمع القرآن الكريم. يقول صعصعة بن صوحان -رحمه الله-: أول من جمع بين اللوحين وورث الكلالة ( ) أبو بكر ( ).
وقال علي بن أبي طالب : يرحم الله أبا بكر، هو أول من جمع بين اللوحين ( ).
وقد اختار أبو بكر  زيد بن ثابت لهذه المهمة العظيمة، وذلك لأنه رأى فيه المقومات الأساسية للقيام بها، وهي:
1- كونه شابًا؛ حيث كان عمره 21 سنة فيكون أنشط لما يطلب منه.
2- كونه أكثر تأهيلاً، فيكون أوعى له؛ إذ من وهبه الله عقلاً راجحًا فقد يسر له سبيل الخير.
3- كونه ثقة فليس هو موضعًا للتهمة، فيكون عمله مقبولاً وتركن إليه النفس ويطمئن إليه القلب.
4- كونه كاتبا للوحي، فهو بذلك ذو خبرة سابقة في هذا الأمر وممارسة عملية له، فليس غريبا عن هذا العمل ولا دخيلاً عليه ( ).
هذه الصفات الجليلة جعلت الصديق يرشح زيدًا لجمع القرآن، فكان به جديرًا وبالقيام به خبيرًا.
5- ويضاف لذلك أنه أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي ×، فعن قتادة قال: سألت أنس بن مالك : من جمع القرآن على عهد النبي ×؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد.( )
وأما الطريقة التي اتبعها زيد في جمع القرآن فكان لا يثبت شيئًا من القرآن إلا إذا كان مكتوبا بين يدي النبي × ومحفوظًا من الصحابة، فكان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة خشية أن يكون في الحفظ خطأ أو وهم، وأيضا لم يقبل من أحد شيئًا جاء به إلا إذا أتى معه شاهدان يشهدان أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ×، وأنه من الوجوه التي نزل بها القرآن.( ) وعلى هذا المنهج استمر زيد  في جمع القرآن حذرًا متثبتًا مبالغًا في الدقة والتحري.
كما كان زيد في طليعة من وحد المصاحف في زمن عثمان بن عفان  ( )، وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه.
* * *

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:34 PM
المبحث الخامس
أهم الدروس والعبر والفوائد من حروب الردة
أولاً: تحقيق شروط التمكين وأسبابه وآثار شرع الله وصفات المجاهدين:
1-تحقيق شروط التمكين:
إن الاستخلاف في الأرض والتمكين لدين الله وإبدال الخوف أمنًا، وعد من الله تعالى متى حقق المسلمون شروطه، ولقد أشار القرآن الكريم بكل وضوح إلى شروط التمكين ولوازم الاستمرار فيه، قال تعالى: +وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" [النور: 55، 56]، ولقد أشارت الآيات الكريمة إلى شروط التمكين وهي: الإيمان بكل معانيه وبجميع أركانه، وممارسة العمل الصالح بكل أنواعه، والحرص على كل أنواع الخير وصنوف البر، وتحقيق العبودية الشاملة، ومحاربة الشرك بكل أشكاله وأنواعه وخفاياه.
وأما لوازم التمكين فهي: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول × ( )، وقد تحققت هذه الشروط واللوازم كلها في عهد الصديق والخلفاء الراشدين من بعده، وكان للصديق الفضل بعد الله في تذكير الأمة بهذه الشروط، ولذلك رفض طلب الأعراب في وضع الزكاة عنهم، وأصر على بعث جيش أسامة، والتزم بالشرع كاملاً، ولم يتنازل عن صغيرة ولا كبيرة، قال عبد الله بن مسعود: لقد قمنا بعد رسول الله × مقامًا كدنا نهلك فيه لولا أن مَنَّ علينا بأبي بكر؛ أجمعنا على أن لا نقاتل على ابنة مخاض وابنة لبون وأن نأكل قرى عربية ونعبد الله حتى يأتينا اليقين، فعزم الله بأبي بكر على قتالهم، فوالله ما رضي منهم إلا بالخطة المخزية أو الحرب المجلية ( ).
2- الأخذ بأسباب التمكين:
قال تعالى: +وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ" [الأنفال: 6]، وقد لاحظت أن الصديق  كان إعداده شاملاً؛ معنويًا وماديًا، فجيَّش الجيوش وعقد الألوية واختار القادة لحروب الردة، وراسل المرتدين، وحرض الصحابة على قتالهم وجمع السلاح والخيل والإبل وجهز الغزاة، وحارب البدع والجهل والهوى، وحكّم الشريعة وأخذ بأصول الوحدة والاتحاد والاجتماع، وأخذ بمبدأ التفرغ، وساهم في إحياء مبدأ التخصص؛ فخالد لقيادة الجيوش، وزيد بن ثابت لجمع القرآن، وأبو برزة الأسلمي للمراسلات الحربية وهكذا، واهتم بالجانب الأمني والإعلامي وغير ذلك من الأسباب.
3- آثار تحكيم الشرع:
تظهر آثار تحكيم شرع الله في عصر الصديق في تمكين الله للصحابة، فقد حرصوا على إقامة شعائر الله على أنفسهم وأهليهم، وأخلصوا لله في تحاكمهم إلى شرعه، فالله -سبحانه وتعالى- قواهم وشد أزرهم ونصرهم على المرتدين، ورزقهم الأمن والاستقرار، قال تعالى: +الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ" [الأنعام: 82]،
وتحققت فيهم سنة الله في نصرته لمن ينصره؛ لأن الله ضمن لمن استقام على شرعه أن ينصره على أعدائه بعزته وقوته، قال تعالى: +وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ  الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ" [الحج: 40، 41].
وما حدث قط في تاريخ البشرية أن استقامت مجموعة على هدى الله إلا منحها القوة والمنعة والسيادة في نهاية المطاف …» ( ). وقد انتشرت الفضائل وانحسرت الرذائل في
عهد الصديق .
4- صفات جيل التمكين:
قال تعالى: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" [المائدة: 54]، هذه الصفات المذكورة في هذه الآية الكريمة أول من تنطبق عليه أبو بكر الصديق  وجيوشه من الصحابة الذين قاتلوا المرتدين، فقد مدحهم الله بأكمل الصفات وأعلى الميزات ( )، فهذه الصفات:
أ- +يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ":
مذهب السلف في المحبة المسندة له سبحانه وتعالى أنها ثابتة له تعالى بلا كيف ولا تأويل، ولا مشاركة للمخلوق في شيء من خصائصها.( ) لقد أحب المولى -عز وجل- ذلك الجيل لما بذلوه من أجل دينهم، وبما تطوعوا به بما لم يفرض عليهم فرضًا تقربًا إلى الله وحبًا لرسوله واتخاذهم المندوبات والمستحبات كأنها فروض واجبة التنفيذ ( )، ولقد اتصف هذا الجيل بصفات الإحسان والتقوى والصبر التي ذكر المولى -عز وجل- بأنه يحبها، قال تعالى: +الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" [آل عمران: 76]، وقال تعالى: +بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" [آل عمران: 76]، ولقد أحب الصحابة المولى -عز وجل- حبًّا عظيمًا فقدموا محابه على كل شيء، وبغضوا ما أبغضه، ووالوا ما والاه وعادوا من عاداه، واتبعوا رسوله واقتفوا أثره. لقد أحب الصحابة ربهم وخالقهم ورازقهم؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، وأي إحسان كإحسان من خلق فقدر، وشرع فيسر، وجعل الإنسان في أحسن تقويم، ووعد من أطاعه بجنة الخلد التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لهذا كله ولأكثر منه أحب ذلك الجيل ربهم حبًّا لا مثيل له، فقدموا أنفسهم وأهليهم وأموالهم في سبيل الله بلا تردد أو منَّة، بل اعتبروا ذلك تفضلاً من الله عليهم، أن فتح لهم باب الجهاد والاستشهاد في سبيله ويسر لهم أسبابه، فقاموا بذلك الواجب خير قيام ( ).
ب- قوله تعالى: +أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ":
فهذه صفات المؤمنين الكمل؛ أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه متعززًا على خصمه وعدوه.( ) ولذلك قام الصديق وجنوده الكرام بمناصرة المسلمين وخرج بنفسه يقاتل المرتدين، وسير أحد عشر لواء لرفع الظلم عن المؤمنين وكسر شوكة المرتدين، ولم يقبل من المرتدين الذين عذبوا المستضعفين من مواطنيهم المسلمين إلا أن يأخذ بحقهم منهم فيفعل بهم كما فعلوا بهم، وكذلك فعل قادة جيوشه، وكان  حريصا على مراعاة أحوال الرعية في المجتمع، فقد مر بنا كيف كان يعامل الجواري والعجائز وكبار السن ، لقد سادت هذه الصفات في عصر الصديق وتجسدت في حياة الناس.
ج- +يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ":
وقد ظهرت صفة المجاهدة لأعداء الله في عصر الصديق في حربهم للمرتدين وكسرهم لشوكتهم، ومن بعد في الفتوحات الإسلامية التي سيأتي تفصيلها بإذن الله تعالى، ولقد جاهد الصحابة أعداءهم من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا, وتحقيق عبادة الله وحده، وإقامة حكم الله ونظام الإسلام في الأرض، ودفع عدوان المرتدين، ومنع الظلم بين الناس، وبالجهاد في سبيل الله تحقق إعزاز المسلمين وإذلال المرتدين، ورجع الناس إلى دين الله، واستطاعت القيادة الإسلامية بزعامة الصديق  أن تجعل من الجزيرة العربية قاعدة للانطلاق لفتح العالم أجمع، وأصبحت الجزيرة هي النبع الصافي الذي يتدفق منه الإسلام ليصل إلى أصقاع الأرض، بواسطة رجال عركتهم الحياة وأصبحوا من أهل الخبرات
المتعددة في مجالات التربية والتعليم والجهاد وإقامة شرع الله الشامل لإسعاد بني الإنسان حيثما كان( ).
لقد كان الجهاد الذي خاضه الصحابة في حروب الردة إعداد ربانيًا للفتوحات الإسلامية، حيث تميزت الرايات وظهرت القدرات، وتفجرت الطاقات، واكتشفت قيادات ميدانية، وتفنن القادة في الأساليب والخطط الحربية، وبرزت مؤهلات الجندية الصادقة المطيعة المنضبطة الواعية التي تقاتل وهي تعلم على ماذا تقاتل، وتقدم كل شيء وهي تعلم من أجل ماذا تضحي وتبذل، ولذا كان الأداء فائقا والتفاني عظيمًا ( ).
لقد توحدت شبه الجزيرة العربية بفضل الله ثم جهاد الصحابة مع الصديق تحت راية الإسلام لأول مرة في تاريخها بزوال الرؤوس أو انتظامها ضمن المد الإسلامي، وبسطت عاصمة الإسلام (المدينة) هيمنتها على ربوع الجزيرة، وأصبحت الأمة تسير بمبدأ واحد وبفكرة واحدة، فكان الانتصار انتصارًا للدعوة الإسلامية ولوحدة الأمة بتضامنها وتغلبها على عوامل التفكك والعصبية، كما كنت برهانا على أن الدولة الإسلامية بقيادة الصديق قادرة على التغلب على أعنف الأزمات ( ).
وهكذا كان الصحابة يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة أحد واعتراضه ونقده؛ لصلابتهم في دينهم ولأنهم يعملون لإحقاق الحق وإبطال الباطل ( ).
د- +ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ":
الإشارة إلى ما ذكر من حب الله إياهم وحبهم لله وذلتهم للمؤمنين وعزتهم على الكافرين، وجهادهم في سبيل الله وعدم مبالاتهم للوم اللوام، فالمذكور كله فضل الله الذي فضل به أولياءه، يؤتيه من يشاء؛ أي: ممن يريد به مزيد إكرام من سعة جوده، والله واسع كثير الفواضل جل جلاله ( )، عليم بمن هو أهلها، فهو تعالى واسع الفضل، عليم بمن يستحق ذلك ممن يحرم منه ( ).
ثانيًا: وصف المجتمع في عصر الصديق:
حين ندرس المجتمع المسلم في صدر الخلافة الراشدة تتضح لنا مجموعة من السمات منها:
1- أنه -في عمومه- مجتمع مسلم بكامل معنى الإسلام، عميق الإيمان بالله واليوم الآخر، مطبق لتعاليم الإسلام بجدية واضحة والتزام ظاهر، وبأقل قدر من المعاصي وقع في أي مجتمع في التاريخ، فالدين بالنسبة له هو الحياة وليس شيئًا هامشيًا يفئ إليه بين الحين والحين، إنما هو حياة الناس وروحهم ليس فقط فيما يؤدونه من شعائر تعبدية يحرصون على أدائها على وجهها الصحيح، وإنما من أخلاقياتهم وتصوراتهم واهتماماتهم وقيمهم وروابطهم الاجتماعية، وعلاقات الأسرة وعلاقات الجوار والبيع والشراء والضرب في مناكب الأرض والسعي وراء الأرزاق، وأمانة التعامل وكفالة القادرين لغير القادرين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والرقابة على أعمال الحكام والولاة، ولا يعني هذا بطبيعة الحال أن كل أفراد المجتمع هم على هذا الوصف، فهذا لا يتحقق في الحياة الدنيا ولا في أي مجتمع من البشر. وقد كان في مجتمع الرسول × -كما ورد في كتاب الله- منافقون يتظاهرون بالإسلام، وهم في دخيلة أنفسهم من الأعداء، وكان فيه ضعاف الإيمان والمعوقون والمتثاقلون والمبطئون والخائنون، ولكن هؤلاء جميعًا لم يكن لهم وزن في ذلك المجتمع ولا قدرة على تحويل مجراه؛ لأن التيار الدافق هو تيار أولئك المؤمنين الصادقي الإيمان، المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، الملتزمين بتعالم هذا الدين ( ).
2- أنه المجتمع الذي تحقق فيه أعلى مستويات المعنى الحقيقي (للأمة)، فليست الأمة مجرد مجموعة من البشر جمعتهم وحدة اللغة ووحدة الأرض ووحدة المصالح، فتلك هي الروابط التي تربط البشر في الجاهلية، فإن تكونت منهم أمة فهي أمة جاهلية، أما الأمة بمعناها الرباني، فهي الأمة التي تربط بينها رابطة العقيدة بصرف النظر عن اللغة والجنس واللون ومصالح الأرض القريبة، وهذه لم تتحقق في التاريخ وحده كما تحققت في الأمة الإسلامية، فالأمة الإسلامية هي التي حققت معنى الأمة أطول فترة من الزمن عرفتها الأرض، أمة لا تقوم على عصبية الأرض ولا الجنس ولا اللون ولا المصالح الأرضية، إنما هو رباط العقيدة يربط بين العربي والحبشي والرومي والفارسي، يربط بين البلاد المفتوحة والأمة الفاتحة على أساس الأخوة الكاملة في الدين، ولئن كان معنى الأمة قد حققته هذه الأمة أطول فترة عرفتها الأرض فقد كانت فترة صدر الإسلام أزهى فترة تحققت فيها معاني الإسلام كلها بما فيها معنى الأمة على نحو غير مسبوق. ( )
3- أنه مجتمع أخلاقي يقوم على قاعدة أخلاقية واضحة مستمدة من أوامر الدين وتوجيهاته، وهي قاعدة لا تشمل علاقات الجنسين وحدها، وإن كانت هذه من أبرز سمات هذا المجتمع فهو خال من التبرج ومن فوضى الاختلاط، وخال من كل ما يخدش الحياء من فعل أو قول أو إشارة، وخال من الفاحشة إلا القليل الذي لا يخلو منه مجتمع على الإطلاق، ولكن القاعدة الأخلاقية أوسع بكثير من علاقات الجنسين؛ فهي تشمل السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر والتعبير، فالحكم قائم على أخلاقيات الإسلام, والعلاقات الاقتصادية من بيع وشراء وتبادل واستغلال للمال قائمة على أخلاقيات الإسلام، وعلاقات الناس في المجتمع قائمة على الصدق والأمانة والإخلاص والتعاون والحب، لا غمز ولا لمز ولا نميمة ولا قذف للأعراض.( )
4- أنه مجتمع جاد مشغول بمعالي الأمور لا بسفاسفها، وليس الجد بالضرورة عبوسًا وصرامة، ولكنه روح تبعث الهمة في الناس وتحث على النشاط والعمل والحركة، كما أن اهتمامات الناس هي اهتمامات أعلى وأبعد من واقع الحس القريب، وليست فيه سمات المجتمع الفارغة المترهلة التي تتسكع في البيوت وفي الطرقات تبحث عن وسيلة لقتل الوقت من شدة الفراغ ( ).
5- أنه مجتمع مجند للعمل في كل اتجاه، فيه روح الجندية واضحة لا في القتال في
سبيل الله فحسب، وإن كان القتال في سبيل الله قد شغل حيزًا كبيرًا من حياة هذا المجتمع، ولكن في جميع الاتجاهات؛ فالكل متأهب للعمل في اللحظة التي يطلب منه فيها العمل، ومن ثم لم يكن في حاجة لأي تعبئة عسكرية ولا مدنية، فهو معبأ من تلقاء نفسه بدافع العقيدة وبتأثير شحنتها الدافعة لبذل النشاط في كل اتجاه ( ).
6- أنه مجتمع متعبد، تلمس روح العبادة واضحة في تصرفاته، ليس فقط في أداء الفرائض والتطوع بالنوافل ابتغاء مرضاة الله، ولكن في أداء الأعمال جميعًا؛ فالعمل في حسه عبادة يؤديه بروح العبادة، الحاكم يسوس رعيته بروح العبادة، والمعلم الذي يعلم القرآن ويفقه الناس في الدين يعلم بروح العبادة، والتاجر الذي يراعي الله في بيعه وشرائه يفعل ذلك بروح العبادة، والزوج يرعى بيته بروح العبادة، والزوجة ترعى بيتها بروح العبادة، تحقيقًا لتوجيه رسول الله ×: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:35 PM
هذه من أهم سمات عصر الصديق الذي هو بداية الخلافة الراشدة، وهذه السمات جعلته مجتمعًا مسلمًا في أعلى آفاقه، وهي التي جعلت هذه الفترة هي الفترة الثالثة في تاريخ الإسلام، كما أنها هي التي ساعدت في نشر هذا الدين بالسرعة العجيبة التي انتشر بها، فحركة الفتح ذاتها من أسرع حركات الفتح في التاريخ كله، بحيث شملت في أقل من خمسين عامًا أرضًا تمتد من المحيط غربا إلى الهند شرقا، وهي ظاهرة في ذاتها تستحق التسجيل والإبراز، وكذلك دخول الناس في الإسلام في البلاد المفتوحة بلا قهر ولا ضغط، وقد كانت تلك السمات التي اشتمل عليها المجتمع المسلم هي الرصيد الحقيقي لهذه الظاهرة، فقد أحب الناس الإسلام لما رأووه مطبقًا على هذه الصورة العجيبة الوضاءة، فأحبوا أن يكونوا من بين معتنقيه ( ).
ثالثًا: سياسة الصديق في محاربة التدخل الأجنبي:
أدت حركة الدولة الإسلامية الضاربة في الجزيرة العربية إلى لجوء كثير من القبائل المجاورة لكل من الروم والفرس وأبوا التسليم للدولة الإسلامية، وما إن سمعوا بوفاة رسول الله × حتى سعوا للتقرب من الدولتين، واستغل الفرس والروم هذه القبائل بالحض والتشجيع والدعم لتقف ضد الدولة الإسلامية ( )، فكانت سياسة الصديق للتصدي لهذا الدعم الخارجي بأن أرسل حملة أسامة بن زيد إلى الشام بعد وفاة رسول الله ×، فكانت تلك الحملة بمثابة الضمان لعدم استرسال تلك القبائل على مهاجمة الدولة الإسلامية، وأرسل أبو بكر أيضًا خالد بن سعيد بن العاص على رأس جيش إلى الحمقتين من مشارف الشام، وعمرو بن العاص إلى تبوك ودومة الجندل، وأرسل العلاء بن الحضرمي إلى البحرين «أي: ساحل الخليج العربي كله»، ثم تابع المثنى بن حارثة الشيباني إلى جنوب العراق بعد القضاء على ردة البحرين، واضطرت سجاح التميمية -وقد كانت من نصارى العرب في العراق التي كانت تحت سيطرة الفرس- أن ترتد عائدة إلى العراق لما رأت قوة المسلمين.
لقد كان المسلمون بقيادة أبي بكر على مستوى اليقظة والمسئولية، فحفظوا الحدود الشمالية بدقة، فمن الشرق إلى الغرب على طول الحدود الشمالية المتاخمة للفرس والروم نجد العلاء بن الحضرمي، وخالد بن الوليد شمال نجد، ثم عمرو بن العاص في دومة الجندل، وخالد بن سعيد على مشارف الشام، ناهيك عن جيش أسامة ( ).
كان الفرس يتربصون بالإسلام الدوائر، ولكنهم كمنوا كمون الأفعى، وخاصة أنهم كانوا يرون المد الإسلامي يكتسح من أمامه كل أقزام التاريخ، ويزيح من وجهه جميع قوى الشر والطغيان، وعندما حانت الفرصة بارتداد بعض القبائل عن الإسلام، وتوجهت قبيلة بكر بن وائل إلى كسرى بعد وفاة الرسول × تعرض عليه إمارة البحرين فلاقى العرض قبولاً لديه، وأرسل معهم المنذر بن النعمان على رأس قوة مؤلفة من سبعة آلاف فارس وراجل وعدد من الخيل تقارب في أعدادها المائة لمساعدتهم في مواجهة المسلمين، وهم شرذمة لا يخشى خطرهم كما يقول الكلاعي ( )، وكان مسيلمة الكذاب تتطلع إليه الأعين من بلاط فارس ( )، وقد ذكر الدكتور محمد حسين هيكل: من أن سجاح لم تنحدر من شمالي العراق إلى شبه الجزيرة يتبعها رهطها إلا مدفوعة بتحريض الفرس وعمالهم في العراق، كي يزيدوا الثورة في بلاد العرب اشتعالاً ( ).
هذا عن دور الفرس، أما دور الروم فقد كان أظهر وأخطر؛ ذلك لأن موقف الروم من الإسلام ودولته كان أصلب وأعتى، فهم أمة ذات فكر وعقيدة وذات نظم وقوانين متقدمة، ولهم من العدد والعُدد مدد لا يكاد ينقطع، ومن الحلفاء والأتباع دول ودول، ولذا كانت العلاقات بينهما في أعلى درجات سخونتها وتوترها منذ فترات مبكرة ( )، وقد لجأ الروم ومنذ وقت مبكر بعد وصول كتب رسول الله × إلى محاولة الصدام مع المسلمين، فكان من جراء ذلك غزوتا: مؤتة وتبوك اللتان أثبتتا لهم ماديًا أن الدولة الإسلامية ليس من السهل ابتلاعها أو شراء أصحابها، كما أثبتتا للمسلمين من جهة أخرى إخلاص متنصرة العرب من قبائل الشام لأبناء دينهم من الروم، وعلى الرغم من الاتفاقيات التي عقدها رسول الله × بنفسه إثر غزوة تبوك مع أمراء الشام من أتباع الروم، فإن الروم كانوا لا يكفون عن مناوشة الدولة الإسلامية ومحاولة قص أجنحتها، وبالتالي القضاء عليها، وكان الصديق  متنبها لهذا الأمر جيدًا، وقد تمثل ذلك في إصراره الشديد على إنفاذ جيش أسامة لوجهته، وقد رأى قبائل العرب في شمالي الجزيرة من لخم وغسان وجذام وبلى وقضاعة وعذرة وكلب تعود للانقضاض على عهود رسول الله × التي أبرمها معها، ومَنْ غير الدولة الرومية يمدهم بوقود المعركة من سلاح ورجال ومال ومخططات؟ وكأنه كان يريد أن يقول للروم بلسان الحال: إنه على الرغم من انتقاض العرب داخل بلادي فإن ذلك لن يفت في عضدنا نحن المسلمين، ونحن قادرون أن نصد عن دولتنا أكبر هجمة عالمية ولو كانت من جانبكم ( ).
إن انتقاض الجزيرة العربية جدد الأمل عند الفرس والروم بأن العرب سيقضون على الإسلام، وقدمت الفرس والروم للعرب الثائرين على الحكم الإسلامي كثيرًا من المساعدات, وآوت الفارين منهم، ولذلك لم يكد المسلمون يعيدون الجزيرة العربية إلى وحدتها حتى كان الأوان قد آن للزحف نحو الشمال لمواجهة العدوين الكبيرين اللذين يتربصان بالإسلام( ).
لقد تحرك الصديق من قاعدته الأمينة (المدينة المنورة)، وبعث منها الجيوش وزودها بكل ما من شأنه أن يجعلها ذات هيبة في عيون أعدائها وفي قلوبهم، وقد استطاع الصديق أن يفيض من قاعدته الخير على بقية أرجاء الجزيرة العربية، وما كان له أن ينطلق لفتح بلاد الشام والعراق لولا أنه أمَّن قاعدته الكبرى الجزيرة العربية؛ موالية للإسلام، موحدة على أساسه، وقد تمثل أمن هذه القاعدة في ثلاثة مستويات هي:
أولاً: عزم الخليفة على مواصلة الجهاد وإيمانه الوطيد بصلاحية فكره وتميزه واستعلائه به. وثانيًا: نظافة مجتمعه الأصغر -مجتمع المدينة- من مهاجرين وأنصار. وثالثًا: تطهير مجتمعه الأكبر -وهو المجتمع العربي- من أدران الشرك وعقابيل الردة، وقد أنبتت هذه المستويات بعضها على بعض حتى سما البناء شامخًا قويًا واستطاع أن يرمي به ثغور العراق والشام رميًا زعزع كيانات الروم والفرس زعزعة شديدة في أمد قصير، وما ذلك إلا لأن الجيوش المنطلقة من الجزيرة كانت موحدة الصفوف موحدة الفكر موحدة الراية، محمية الظهر، مؤمنة
مراكز التموين ( ).
رابعًا: من نتائج أحداث الردة:
خلفت حروب الردة آثارًا ونتائج لم تكن محدودة الزمان والمكان، وإنما شملت أجيالاً وآمادًا وتصورات وأفكارًا وسلوكيات وأحكامًا ما زالت تغذي الأجيال من بعدها وتمدها بالكثير، ومن أهم تلك النتائج:
1- تميز الإسلام عما عداه من تصورات وأفكار وسلوك:
بعد وفاة رسول الله × اختلطت الأمور ببعضها، وسارعت الأعراب إلى الردة، فكان منهم المؤلفة قلوبهم أو من المنافقين أو الذين أسلموا رغم أنوفهم، وفي وقت متأخر، أو من الذين لم يسلموا أصلاً، ومن أمثلة الصنفين الأولين إسلام عيينة بن حصن الفزاري الذي أسلم إسلامًا فيه دخن كبير، ولذا ما إن هبت نار الفتنة حتى استجاب لها وباع دينه بدنيا طليحة الأسدي، ولما أسر وبعث إلى أبي بكر مقيدًا بالأغلال كان فتيان المدينة يمرون عليه فينخسونه بالجريد ويقولون: أي عدو الله! أكفرت بعد إيمانك؟! فيقول: والله ما كنت آمنت بالله قط.( ) ومن هؤلاء الذين يقال إنهم لم يسلموا أصلاً قبيلة عنس اليمنية، وهي قبيلة الطاغية الأسود الذي ادعى النبوة وفعل في بلاد اليمن الأفاعيل ونكل بالمسلمين.
ومن أمثلة سوء الفهم لنصوص الإسلام التي أدت بهؤلاء إلى الكفر أن بعضًا منهم أنكر الزكاة محتجًا بمدلول قوله تعالى: +خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" [التوبة: 103].
فقد جاء في التعليق على هذه الآية في تفسير ابن كثير -رحمه الله- قوله: «اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفعها إلى الإمام لا يكون وإنما كان هذا خاصًّا برسول الله ×، وقد احتجوا بقوله تعالى: +خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً" وقد رد عليهم هذا التأول «السقيم» والفهم الفاسد أبو بكر وسائر الصحابة رضوان الله عليهم، وقاتلوهم حتى أدوها إلى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله × ( ).
وظهرت العصبية القبلية بقوة، فهذا مسيلمة الكذاب يقول لبني حنيفة محرضًا إياهم على اتباعه وإنكار حق قريش بالنبوة: أريد أن تخبروني بماذا صارت قريش أحق بالنبوة والإمامة منكم؟ والله ما هم بأكثر منكم ولا أنجد، وإن بلادكم لأوسع من بلادهم وأموالكم أكثر من أموالهم ( ).
وهذا الرَّجَّال بن عنفوة الحنفي الذي أضله الله على علم بعد أن قرأ القرآن وفقه في الدين يقول في حقيقة النبوة بين رسول الله ومسيلمة: كبشان انتطحا فأحبهما إلينا كبشنا. ( ) وهذا طلحة النمري قال لمسيلمة عندما رآه وسمع منه ما عَلِمَ به كذبه: أشهد أنك كذاب، وأن محمدًا صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر. ( )
بل إن مسيلمة يعرف كذب نفسه، فلما كانت معركة اليمامة وبدت الغلبة للمسلمين قال له أصحابه محنقين عليه: أين ما كنت تعدنا به من النصر والآيات؟ فقال: قاتلوا على أحسابكم، فأما الدين فلا دين.( ) واختلطت عليهم التصورات والأفكار والسلوكيات والآمال، وعمل المرتدون على إنهاء الإسلام ومحوه من الوجود، وتكالبت قوى الشر على ذلك، ولكن محاولاتهم باءت بالفشل، وأحبطت جميعها بتوحد المسلمين وتجمعهم وتكتلهم حول القاعدة الصلبة للمجتمع الإسلامي التي تربت على يد رسول الله ×، وأصبحت تشبه القطب المغناطيسي الضخم الذي قام -بحكم طبيعته وخصائصه- بجذب كل من كان مؤهلاً للإسلام ويحمل خاصية الانجذاب إلى هذا القطب المغناطيسي الضخم الفعال، فقد أدى هذا التجمع إلى إظهار قوة الإسلام ليس بكثرة العدد والعدة، وإنما في قوة تفرده تصورًا وفكرًا وسلوكًا في لبانته الصلبة وتربيتها الفذة التي تربت عليها تلك اللبنات مجتمعة، والقوة في وضوح التعامل مع الحدث دون مواربة أو تربيت أو إغماض عين وفتح الأخرى، وإنما كانوا واضحين وضوح عبارة أبي بكر الصديق للمسلمين جميعًا: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:36 PM
من نتائج أحداث الردة حفظ التصور الإسلامي من التحريف والتشويه، وأنْ تجردت الراية الإسلامية من العصبية الجاهلية والولاء المختلط، وصارت خالصة من أية شائبة، وأن التصور الإسلامي لا يقبل المداهنة مهما كانت الظروف المحيطة، وأن القوة الإسلامية لا ترتبط بالعدد ولا العدة ولكن بقوة الإيمان والروح المعنوية، وأن الأصل دعوة الناس إلى الإسلام وليس مقاتلتهم، فالدعوة أولاً، وأن الحرص على الناس هو المقدم على كل شيء ( ).
2- ضرورة وجود قاعدة صلبة للمجتمع:
أظهرت أحداث الردة معادن أصيلة في بنية قاعدة هذه الدولة، وكشفت عن عناصر صلبة، فلم يكونوا أفرادا متناثرين ولكنهم كانوا يشكلون القاعدة لهذا المجتمع ولهذه الدولة، ولم تكن قاعدة رخوة أو هشة أو ساذجة، وإنما كانت قاعدة صلبة واعية، تدرك حقيقة نفسها وحقيقة عدوها وتعي أبعاد المخاطر من حولها، وتخطط بانتباه ويقظة كاملة في مواجهة كل الصعاب، وهي مع هذا وذاك موصولة بالقوي العزيز، ولهذا انتصرت على كل خصومها وأزالت كل العوائق من طريقها؛ فقد حافظت هذه القاعدة على الإسلام ودولته، وساهمت في جمع الحشود لكسر شوكة أهل الردة، وعملت على لَمِّ شمل الناس من حولها، وتم بفضل الله ثم جهود هذه القاعدة الصلبة حفظ كيان الأمة وبقائها وتنميتها. ( )
3- تجهيز الجزيرة كقاعدة للفتوح الإسلامية:
بمجرد وفاة رسول الله × تناثرت التجمعات، وتمردت كثير من القبائل على الخليفة، وقام الصديق  مع الصحابة بعمل شاق عظيم استطاعوا أن يُخضعوا القبائل للدولة، وأشرف الصديق على تنفيذ الخطط التربوية والتعليمية والحربية والإدارية، ونجح نجاحًا باهرًا، والتحمت القبائل العربية مع الدولة الإسلامية وأصبحت جزيرة العرب بسكانها قاعدة الفتوح الإسلامية بعد ذاك، وصارت هي النبع الذي يتدفق منه الإسلام ليصل إلى أصقاع الأرض فاتحًا ومعلمًا ومربيًا ( ).
إن جزيرة العرب هي قاعدة الفتوح، فكيف يتسنى الفتح إذا لم تكن له قاعدة أو كانت هذه القاعدة مضطربة غير مستقرة، أما الآن فقد أصبح ممكنًا, تعبئة كل طاقات شبه الجزيرة وشحذها للأعمال الحربية التي تلت( ).
4- الإعداد القيادي لحركة الفتوح الإسلامية:
ومن خلال أحداث الردة التي ميزت الصفوف وامتحنت الطاقات والقدرات، وكشفت عن الطبقة التي كانت تغطي معادن الأمة، ظهرت المعادن الخسيسة على حقيقتها وأعطيت القيادة للمعادن النفيسة الصلبة المصقولة لتمسك بزمام الأمور في حركة الفتوح، فالمصادر التاريخية تمدنا بمعلومات جمة عن قيادات لم تكن من المهاجرين، ولا من الأنصار ولا من الصحابة، ولكنهم تربوا من خلال كتاب الله مباشرة، ثم صقلتهم أحداث الردة وميزتهم عن غيرهم، ليصلوا إلى صدارة الجيوش الفاتحة وشهد لهم الجميع بالحنكة والأداء المتفاني والإيمان الصادق.
هذا وقد كانت القيادة المركزية في المدينة وميادين القتال تديرها قيادات غاية في التفاهم والتعاون والتحاب على الرغم من بعد المسافات، إلا أن التوازن الرائع بين دور كل من القيادة المركزية وقيادات ميادين القتال كان واضحًا وبارزًا ( ).
5- الفقه الواقعي للردة:
وردت العديد من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تحدثت على الردة كحالة تعتري بعض البشر، وكل ما ورد من النصوص ظلت في إطارها العام النظري الثابت، ولم تكن قد مورست بشكل عام في الواقع، ولما وقعت الردة وعاشها المسلمون عمليًا واستنبطوا لها أحكامًا على ضوء تلك النصوص، كانت تلك الاستنباطات معالم هادية لفقه تلك النصوص، ويتضح هذا من نقاش بين الصحابة حول موقفهم من هؤلاء القوم، فكانوا يعودون إلى النصوص يدرسون ويتحاورون حولها، وسرعان ما يتفقون على صورة واحدة سواء في تقييمهم وتوصيفهم الوصف المنطبق عليهم، أم في طريقة معاملتهم. فهذه الوقفات العملية أمام الحدث والنص أنتجت أبوابًا في كتب التشريع الإسلامي ضمت تفصيلات تشريعية دقيقة عن أحكام الردة، ثم صار عمل الصحابة سابقة فقهية تؤخذ في الاعتبار عند استنباط اجتهاد أو تطبيق حكم فيما بعد( ).
6- +وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ":
إن أية محاولة للتمرد على دين الإسلام سواء أقام بها فرد أم جماعة أم دولة، إنما هي محاولة يائسة مآلها الإخفاق الذريع والخيبة الشنيعة؛ لأن التمرد إنما هو تمرد على أمر الله المتمثل بكتابه الذي تكفل بحفظه وحفظ جماعة تلتف حوله، وتقيمه في نفوسها وواقعها مدى الدهر، وبحكمه القاضي بالعاقبة للمتقين وبالمن على المستضعفين أن يديل لهم من الظالمين.
إن مصير الكائدين لدين الله هو البوار في الدنيا والآخرة، وما أجمل ما قال الشاعر:
كناطح صخرة يومًا ليوهنها
فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل ( )

7- استقرار التنظيم الإداري في الجزيرة:
استقر التقسيم الإداري بعد انتصار الصديق في حروب الردة على نظام الولايات وهي: مكة وكان أميرها عتاب بن أسيد، والطائف وأميرها عثمان بن أبي العاص، وصنعاء وأميرها المهاجر بن أبي أمية، وحضرموت وواليها زياد بن لبيد، وخولان وواليها يعلى بن أمية، وزبيد ورقع وواليهما أبو موسى الأشعري، أما جَنَد اليمن فأميرها معاذ بن جبل، ونجران وواليها جرير بن عبد الله، وجرش وواليها عبد الله بن ثور، والبحرين وواليها العلاء بن الحضرمي، وعمان وواليها حذيفة الغلفاني، واليمامة وواليها سليط بن قيس ( ).
* * *

الفصل الرابع
فتوحات الصديق واستخلافه
لعمر رضي الله عنهما ووفاته
تمهيد:
إن غاية وجود الأمة المسلمة في هذه الدنيا هي توحيد الله وتحقيق عبوديته الشاملة في هذه الحياة، كما قال تعالى: +وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ" [الذاريات: 56]، فإذا كان خلق الجن والإنس الغاية منه عبادة الله وحده سبحانه وتعالى، فكان لزامًا على الأمة المسلمة أن تسعى لتحقيق هذه الغاية وتحمل هذه الأمانة وأعباء تبليغها للناس أجمعين، بالدعوة إلى الله وتعليم الناس وتربيتهم على منهج الله، والعمل على إزالة كل العقبات التي تقف في وجه أداء هذه الأمانة إلى الناس أجمعين، وبذلك يتحقق بسط سيادة الشرع الحكيم على كل بني البشر، ويصبح الجميع يدينون بحاكمية الله سبحانه المطلقة المتمثلة في خضوع الجميع لشرع الله تعالى ( )، ولذلك شرع الله تعالى الجهاد لإزالة الحواجز والعقبات المانعة من سماع دين الفطرة التي فطر الناس عليها.
قال ابن تيمية: وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد بقصد أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن منع قوتل باتفاق المسلمين ( )، وقد قام × بتبليغ واجب الدعوة إلى الله، فأرسل الكتب والرسل إلى القادة والملوك والزعماء، وبعث السرايا والجيوش لإزالة الحواجز البشرية والأعراف الجاهلية والموانع النفسية والعوائق المادية المانعة من سماع الإسلام وتفهمه، بل قاد × بذاته بعض البعوث والغزوات، والتي كان آخرها غزوة تبوك سنة 9 هـ، والناس في كل هذه المعارك والغزوات مخيرون بين ثلاثة: إما أن يدخلوا في الإسلام ويكونوا للمسلمين إخوانًا، وإما أن يختاروا البقاء على كفرهم ويدفعوا الجزية، وإما أن يرفضوا هذا وذاك فيكون السيف فاصلاً بيننا وبينهم.( )
وسار الصديق  على هذا المنهج وشرع إرسال الجيوش لتحقيق بشائر الرسول بفتح كثير من الممالك والبلاد كفتح العراق وغيرها من البلاد، فقد قال × لعدي بن حاتم: «فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز» .( ) وقد وضع رسول الله × الخطوط العريضة لتلك الفتوحات، وأضافت تلك المبشرات رصيدًا ماديًا ومعنويًا وحسيًّا للأمة، وقد حاول المستشرقون وأذنابهم وأعداء الإسلام أن يجردوا الفتوحات الإسلامية من دوافعها الدعوية وأهدافها الربانية ومقاصدها السامية, وألصقوا بحركات الفتوحات تهمًا باطلة لا تقوم أمام الدليل والبرهان والحجة.
إن الهدف الرفيع والمقصد السامي لحركة الفتوحات التي قادها الصديق  كان غرضها نشر دين الله تعالى بين الناس، وإزاحة الطواغيت من على رقاب الناس، وكان الصديق والمسلمون معه على يقين بما أخبر الله ورسوله من النصر والتمكين، وهذا اليقين من أخلاق جيل النصر، فقد كانوا على يقين بقوله تعالى: +هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ" [الصف: 9]، وبقوله تعالى: +إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ" [غافر: 51]. ولنترك الأحداث في حركة الفتوحات تخبرنا عن الحقائق وتوضح الطريق لأبناء الأمة الصالحين.

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:37 PM
المبحث الأول
فتوحات العـــــــراق
أولاً: خطة الصديق لفتح العراق:
ما إن انتهت حرب الردة واستقرت الأمور في الجزيرة العربية التي كانت ميدانًا لها، حتى شرع الصديق في تنفيذ خطة الفتوحات التي وضع معالمها رسول الله ×، فجيَّش الصديق لفتح العراق جيشين:
1- الأول بقيادة خالد بن الوليد وكان يومئذ باليمامة، فكتب إليه يأمره بأن يغزو العراق من جنوبه الغربي، وقال له: سر إلى العراق حتى تدخلها وابدأ «بفرج الهند» أي ثغرها وهي الأبلة. ( ) وأمره بأن يأتي العراق من أعاليها، وأن يتألف الناس ويدعوهم إلى الله عز وجل، فإن أجابوا وإلا أخذ منهم الجزية، فإن امتنعوا عن ذلك قاتلهم, وأمره أن لا يكره أحدًا على المسير معه، ولا يستعين بمن ارتد على الإسلام وإن كان عاد إليه، وأمره أن يستصحب ( ) كل امرئ مر به من المسلمين، وشرع أبو بكر في تجهيز السرايا والبعوث والجيوش إمدادًا لخالد  ( ).
2- الجيش الثاني بقيادة عياض بن غنم وكان بين النباج ( ) والحجاز، فتكب إليه بأن يغزو العراق من شماله الشرقي بادئا بالمصيخ( ) وقال له: سر حتى المصيخ وابدأ بها، ثم ادخل العراق من أعلاها حتى تلقى خالدًا، ثم أردف أمره هذا بقوله: وأذن لمن شاء بالرجوع، ولا تستفتحا بمتكاره، أي: لا تجبرا أحدًا على السير معكما للقتال إكراهًا فمن شاء فليقدم ومن شاء فليحجم ( ).
وكتب الصديق  إلى خالد وعياض: … ثم يستبقان إلى الحيرة، فأيهما سبق إلى الحيرة أمير على صاحبه. وقال: إذا اجتمعتما إلى الحيرة وقد فضضتما مسالح فارس وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم، فليكن أحدكما ردءًا للمسلمين ولصاحبه بالحيرة، وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دارهم ومستقر عزهم، المدائن ( ).
3- وكان المثنى بن حارثة قد قدم على أبي بكر وحث الصديق على محاربة الفرس وقال له: ابعثني على قومي ففعل ذلك أبو بكر، فرجع المثنى وشرع في الجهاد بالعراق ثم إنه بعث أخاه مسعود بن حارثة إلى أبي بكر يستمده، فكتب معه أبو بكر إلى المثنى: أما بعد، فإني قد بعثت إليك خالد بن الوليد إلى أرض العراق فاستقبله بمن معك من قومك، ثم ساعده ووازره وكانفه ولا تعصين له أمرًا ولا تخالفن له رأيًا فإنه من الذين وصف الله -تبارك وتعالى- في كتابه: +مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا" [الفتح: 29]، فما أقام معك فهو الأمير، فإن شخص عنك فأنت على ما كنت عليه( )، وكان من قوم المثنى رجل يدعى مذعور بن عدي، خرج عن المثنى بن حارثة وراسل الصديق وقال له: أما بعد، فإني امرؤ من بني عجل أحلاس الخيل –أي يلزمون ظهورها- وفرسان الصباح –أي يغيرون صباحًا- ومعي رجال من عشيرتي الرجل خير من مئة رجل، ولي علم بالبلد وجراء على الحرب وبصر بالأرض، فولني أمر السواد أكفكه إن شاء الله. ( )
وكتب المثنى بن حارثة  بشأن مذعور بن عدي إلى الصديق فقال له: … فإني أخبر خليفة رسول الله × أن امرءا من قومي يقال له مذعور بن عدي أحد بني عجل في عدد يسير، وإنه أقبل ينازعني ويخالفني، فأحببت إعلامك ذلك لترى رأيك فيما هنالك. ( ) ورد الصديق على مذعور بن عدي فقال له: أما بعد: فقد أتاني كتابك وفهمت ما ذكرت وأنت كما وصفت نفسك وعشيرتك، وقد رأيت لك أن تنضم إلى خالد بن الوليد فتكون معه وتقيم معه ما أقام بالعراق، وتشخص معه إذا شخص. ( ) وكتب إلى المثنى بن حارثة: … فإن صاحبك العجلي كتب إليَّ يسألني أمورًا فكتبت إليه آمره بلزوم خالد حتى أرى رأيي، وهذا كتابي إليك آمرك أن لا تبرح العراق حتى يخرج منه خالد بن الوليد، فإذا خرج منه خالد بن الوليد فالزم مكانك الذي كنت به، وأنت أهل لكل زيادة وجدير بكل فضل.( ) وممن سبق يمكننا أن نستخلص بعض الدروس والعبر والفوائد، فمنها:
1- كان تاريخ بعث خالد إلى العراق في شهر رجب وقيل في المحرم سنة اثنتي عشرة ( ).
2- الحس الاستراتيجي عند الصديق:
إن الأوامر التي وجهها الصديق إلى قائديه خالد وعياض تشير إلى الحس الاستراتيجي المتقدم الذي كان يملكه الصديق ، فقد أعطى جملة تعليمات عسكرية استراتيجية وتكتيكية، فحدد لكل من القائدين المسلمين جغرافيًّا منطقة للدخول على العراق، كأنما هو يمارس القيادة من غرفة العمليات بالحجاز، وقد بسطت أمامه خارطة العراق بكل تضاريسها ومسالكها فيأمر أحدهما «خالدًا» بدخول العراق من أسفلها جنوبًا بغرب «أي الأبلة» ويأمر الثاني «عياضًا» بدخول العراق من أعلاها شمالاً بشرق «أي المصيخ» ويأمر الاثنين معًا أن يلتقيا في وسط العراق، ولا ينسى الخليفة مع ذلك أن يأمرهما بأن لا يكرها الناس على الانخراط في جيشهما وأن لا يجبرا أحدًا على البقاء معهما للقتال، فلم يكن التجنيد في نظره إلزاميًا وإنما كان طوعيًا واختياريًا ( ).
3- تحديد الحيرة كموقع استراتيجي:
كان هدف الخليفة الصديق السيطرة على الحيرة وذلك لأهميتها العسكرية، فالحيرة تقع على بعد ثلاثة أميال جنوب «الكوفة» وتبعد عن «النجف» مسيرة ساعة للفارس إلى الجنوب الشرقي للنجف، والناظر على الخارطة يرى لأول وهلة أهمية هذا الموقع الاستراتيجي؛ فالحيرة كانت «عقد مواصلات» في نقطة تتصل بها الطرق من جميع الاتجاهات؛ فهي تتصل بالمدائن من الشرق عبر نهر الفرات وتتصل شمالاً بـ«هيت» وتتصل بـ «الأنبار» على جسر الأنبار، وتتصل بالشام من الغرب، كما تتصل بـ«الأبلة» في منطقة «البصرة» بالعراق، وفي «كسكر» في «السواد» وفي «النعمانية» على نهر دجلة.
ومن هذا يتضح جليًّا أهمية السيطرة على هذا الموقع المهم، وكان الصديق مصيبًا عندما جعلها هدفًا لجيشين هما جيش خالد وجيش عياض، فالحيرة كانت قلب العراق وأقرب منطقة مهمة إلى المدائن عاصمة الإمبراطورية الفارسية، التي كانت تدرك هذه القيمة الاستراتيجية للحيرة، ولذا كانت ترسل القوات باتجاهها دائمًا لاستعادتها؛ لأن المسيطر على الحيرة يؤمن سيطرته على المنطقة الكائنة غربي الفرات بأجمعها، وهي عدا هذا كانت مهمة للقوات الإسلامية في قتالها الروم في بلاد الشام ( ).
إن تخطيط الصديق للوصول إلى الحيرة في الفتوحات يعرف في الخطط العسكرية للجيوش الحديثة بحركة فكي الكماشة أو عملية الالتفاف الدائري بأكثر من جيش، وهذا يؤكد أن عملية فتح العراق وضم أطراف شبه الجزيرة العربية عن طريق الجهاد لم تكن محض مصادفة أو نتيجة لمجريات الحوادث. ( ) ويظهر للباحث فقه أبي بكر  في التخطيط الجهادي بأنه كان يرتكز على اتخاذ القرارات بتنظيم الجيوش وتوجيهها، وتحديد واجباتها وأهدافها، وتنسيق التعاون فيما بينها، وتحقيق التوازن على مسارح العمليات، غير أنه يترك لقادته حرية العمل العسكري لإدارة العمليات القتالية بالأساليب التي يرونها مناسبة، وبالطرائق التي تستجيب لما يجابهونه من مواقف ( ).
4- نكران الذات عند المثنى بن حارثة:
ومن المواقف التي تذكر في الجهاد في العراق ما كان للمثنى بن حارثة الشيباني وكان يقاتل الأعداء في العراق بقومه، ولما علم بذلك أبو بكر سره ما كان منه فأمَّره على مَنْ بناحيته وذلك قبل مجيء خالد، فلما توجهت همة الصديق لغزو فارس رأى أن خالدًا أجدر القواد بهذه المهمة فوجهه لها، وكتب كتابًا إلى المثنى يأمره بالانضمام إلى خالد وطاعته، فما كان منه إلا أن سارع في الاستجابة ولحق بخالد هو وجيشه، وإن هذا موقف يذكر للمثنى؛ حيث لم يَغُرُّه كثرة جيشه ولا كونه أقدم من خالد في إمرة جيوش العراق، فلم يحمله ذلك على أن يرى أنه أحق بالقيادة من خالد ( ).
5- احتياط الصديق لأمر الجهاد في سبيل الله:
وقد جاء في كتاب أبي بكر لخالد وعياض بن غنم: أن استنفروا من قاتل أهل الردة ومن ثبت على الإسلام بعد رسول الله ×، ولا يغزون معكم أحد ارتد حتى أرى رأيي، فلم يشهد الأيام مرتد.( ) يعني في أول الأمر، وقد شهدوا الأيام بعد ذلك حينما ثبتت استقامتهم كما سيأتي بإذن الله تعالى. وهذا الموقف لأبي بكر مبني على الاحتياط لأمر الجهاد في سبيل الله تعالى، حتى لا يشترك فيه طلاب الدنيا فيكونوا سببًا في فشل المجاهدين واختلال صفوفهم، وهذا درس تربوي من أبي بكر استفاد من الدروس النبوية الغالية وذلك في تنقية الصف الإسلامي من الشوائب وتوحيد هدفه، حتى يكون خالصًا لوجه الله تعالى، في أمن بذلك من الانتكاسات الخطيرة التي تحدث بسبب تعدد الأهداف. ولقد حرص أبو بكر على هذا المبدأ السامي مع شدة احتياج الجيش الإسلامي آنذاك إلى الرجال، مما يدل على قناعته التامة بأن العبرة بسمو الهدف والإخلاص لا بكثرة العدد ( ).
6- الرفق بالناس والتوصية بفلاحي العراق:
وفي قول الصديق لخالد: وتألف أهل فارس ومن كان في ملكهم من الأمم.( ) وهذا القول بين لنا الهدف من الجهاد الإسلامي خارج بلاد الإسلام فهو جهاد دعوي يقصد به دعوة الناس إلى الدخول في الإسلام، ولما كانت الدعوة غير ممكنة مع بقاء الحكومات، فإنه لا بد من إزالتها لتمكين شعوبها من الدخول في الإسلام، وهذا الهدف ظاهر في جميع المعارك التي خاضها الصحابة رضي الله عنهم؛ حيث كانوا يدعون أعداءهم إلى الإسلام فيكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، فإن أبوا فليستسلموا لحكم الإسلام ويدفعوا الجزية مقابل حماية المسلمين لهم، فإن أبوا فلا بد من القتال حتى تكون كلمة الله هي العليا ( )، وقد وصى الصديق  قادة جيوشه بفلاحي العراق وأهل السواد، حرصًا منه على هداية الناس وعلى منابع الثروة وعلمًا منه أن العمران لا تقوم بدونه دولة، كما أن الفلاحة مصدر من مصادر الثروة وهي المتصلة بحياة الناس ومعايشهم ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:39 PM
7- لا يهزم جيش فيهم مثل هذا:
عندما استمد خالد أبا بكر أثناء سيره للعراق أمده الصديق بالقعقاع بن عمرو التميمي فقيل له: أتمد رجلاً قد ارفضَّ عنه جنوده برجل؟ فقال: لا يهزم جيش فيهم مثل هذا.( ) وهذه فراسة من أبي بكر بينتها أحداث العراق بعد ذلك، وقد كان أبو بكر أعلم الناس بالرجال وما يتصفون به من طاقات وكفاءات مختلفة ( ).
ثانيًا: معارك خالد بن الوليد بالعراق:
لم يلبث خالد أن قدم العراق ومعه ألفا رجل ممن قاتل المرتدين وحشد ثمانية آلاف رجل من قبائل ربيعة، وكتب إلى ثلاثة من الأمراء في العراق قد اجتمعت لهم جيوش لغرض الجهاد وهم: مذعور بن عدي العجلي، وسُلمى بن القين التميمي، وحرملة بن مُريطَة التميمي، فاستجابوا وضموا جيوشهم التي بلغ تعدادها مع جيش المثنى ثمانية آلاف، فأصبح جيش المسلمين ثمانية عشر ألفًا.( ) وقد اتفقوا على أن يكون مكان تجمع الجيوش الأبلة( )، وقبل أن يسير خالد إلى العراق كتب إلى هرمز صاحب ثغر الأبلة كتاب إنذار يقول فيه: أما بعد: فأسلم تسلم أو اعتقد لنفسك وقومك الذمة وأقررْ بالجزية، وإلا فلا تلومن إلا نفسك، فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة.( ) وقد لجأ إلى هذا الأسلوب وهو نوع من الحرب النفسية ليدخل الخوف والرعب في قلب هرمز وجنوده، وليوهن من قوتهم ويضعف من عزيمتهم، وحين قارب خالد العدو جعل الجيش ثلاث فرق وأمر أن تسلك كل فرقة طريقًا، ولم يحملهم على طريق واحد؛ تحقيقًا لمبدأ مهم من مبادئ الحرب وهو أمن القطعات، فجعل المثنى على فرقة المقدمة ثم تلتها فرقة عليها عدي بن حاتم الطائي، وخرج خالد بعدهما وواعدهما الحضير ( )، ليجتمعوا به ويصمدوا لعدوهم ( ).
1- معركة ذات السلاسل:
سمع هرمز بمسير خالد وعلم أن المسلمين تواعدوا الحضير، فسبقهم إليه وجعل على مقدمته القائدين قباذ وأنو شجان، ولما بلغ خالد أنهم يمموا الحضير عدل عنها إلى كاظمة فسبقه هرمز إليها، ونزل على الماء واختار المكان الملائم لجيشه، وجاء خالد فنزل على غير ماء، فقال لأصحابه: حطوا أثقالكم ثم جالدوهم على الماء، فلعمري ليصيرن الماء لأصبر الفريقين وأكرم الجندين ( ).
وحط المسلمون أثقالهم والخيل وقوف، وتقدم الراجلون وزحفوا إلى الكفار، ومنَّ الله تعالى بكرمه وفضله على المسلمين بسحابة فأمطرت وراء صفوف المسلمين، ونهلوا من غدرانها فتقوى بذلك المسلمون، وهذا مثل من الأمثلة الكثيرة الشاهدة على معية الله -جل جلاله- لأوليائه المؤمنين بنصره وإمداده.
وواجه المسلمون هرمز وكان مشهورًا بالخبث والسوء حتى ضُرب المثل بخبثه، فعمل مكيدة لخالد وذلك أنه اتفق مع حاميته على أن يبارز خالدًا ثم يغدروا به ويهجموا عليه، فبرز بين الصفين ودعا خالدًا إلى البراز فبرز إليه، والتقيا فاختلفا ضربتين واحتضنه خالد فحملت حامية هرمز على خالد وأحدقوا به، فما شغله ذلك عن قتل هرمز، وما أن لمح ذلك البطل المغور القعقاع بن عمرو حتى حمل بجماعة من الفرسان على حامية هرمز وكان خالد يجالدهم فأناموهم ( )، وحمل المسلمون من وراء القعقاع حتى هزموا الفرس، وهذا هو أول المشاهد التي ظهر فيها صدق فراسة أبي بكر حينما قال عن القعقاع: «لا يهزم جيش فيه مثل هذا».( ) وأما خالد فقد ضرب أروع الأمثال في البطولة ورباطة الجأش، فقد أجهز على قائد الفرس وحاميته من حوله، فلم يستطيعوا تخليصه منه، ثم ظل يجالدهم حتى وصل إليه القعقاع ومن معه فقضى عليهم، وقد كان الفرس ربطوا أنفسهم بالسلاسل حتى لا يفروا فلم تغن عنهم شيئًا أمام الليوث البواسل، وسميت هذه المعركة بذات السلاسل ( ).
وغنم المسلمون من الفرس حمل ألف بعير، وبعث خالد سرايا تفتح ما حول الحيرة من حصون فغنموا أموالاً كثيرة، ولم يعرض خالد لمن لم يقاتلوه من الفلاحين بل أحسن معاملتهم كما أوصاه الصديق، وأبقاهم في الأرض التي يفلحونها ومكنهم من إنتاجها ومتعهم بثمرات عملهم، فمن دخل في الإسلام حدد له نصيب الزكاة ومن بقي على دينه فرض عليه الجزية، وهو أقل بكثير مما كان ينهبه المالكون الفرس. ولم ينتزع الأرض من أيدي أصحابها الفرس، ولكنه أنصف العاملين فيها فأحسوا بأن عنصرًا جديدًا من العدل والإخاء الإنساني يشرف عليهم من خلال هذا الفتح المجيد، وأرسل خالد خمس الغنائم والأموال إلى الصديق ووزع الباقي على المجاهدين، وكان مما أرسله إلى الصديق قلنسوة هرمز ولكن الصديق أهداها إلى خالد مكافأة له على حسن بلائه ( )، وكانت قيمتها مائة ألف وكانت مفصصة بالجوهر، فقد كان أهل فارس يعملون قلانسهم على قدر أحسابهم في عشائرهم، فمن تم شرفه فقيمة قلنسوته مائة ألف، فكان هرمز ممن تم شرفه ( ) في الفرس.
2- معركة المذار «الثنى»:
كان هرمز قد كتب إلى كسرى بكتاب خالد فأمده كسرى بجيش بقيادة (قارن)، ولكن هرمز استخف بجيش المسلمين فسارع إليهم قبل وصول قارن فنكب ونكب جيشه، وهرب فلول المنهزمين فالتقوا بجيش (قارن) وتذامروا فيما بينهم وتشجعوا على قتال المسلمين، وعسكروا بمكان يسمى المذار، وكان خالد قد بعث المثنى بن حارثة وأخاه المعني في آثار القوم ففتحا بعض الحصون، وعلما بمجئ جيش الفرس فأبلغا خالدًا الخبر، وكتب خالد إلى أبي بكر بمسيره إليه، وسار وهو مستعد للقتال حتى لا يفاجأ بهم، والتقى المسلمون معهم في (المذار) فاقتتلوا، والفرس قد أغضبهم وأثار حفيظتهم ما وقع لهم قبل ذلك، وخرج قائدهم (قارن) ودعا إلى البراز، فبرز إليه خالد ولكن سبقه إليه معقل بن الأعمش بن النباش فقتله. وكان قارن وضع على ميمنته «قباذ» وعلى ميسرته (أنوشجان) وهما من القواد الذين حضروا اللقاء الأول وفروا من المعركة، فتصدى لهما بطلان من أبطال المسلمين، فأما قباذ فقتله عدي بن حاتم الطائي، وأما أنوشجان فقتله عاصم بن عمرو التميمي، واشتد القتال بين الفريقين، ولكن الفرس انهزموا بعد مقتل قادتهم وقتل منهم ثلاثون ألفا ولجأ بقيتهم إلى السفن فهربوا عليها، ومنع الماء المسلمين من ملاحقتهم، وأقام خالد بالمذار وسلم الأسلاب لمن سلبها بالغة ما بلغت، وقسم الفئ ونفل من الأخماس أهل البلاء، وبعث ببقية الأخماس( ) إلى المدينة.
3- معركة الولجة:
وصل نبأ نكبة الفرس في المذار إلى كسرى فبعث الأندرزغر على رأس جيش عظيم، وأردفه بجيش آخر عليه بهمن جاذويه، وتحرك الأندرزغر من المدائن حتى انتهى إلى (كسكر) ومنها إلى الولجة، وخرج بهمن جاذويه سالكًا وسط السواد يريد أن يحشر جيش المسلمين بينه وبين الأندرزغر، واستطاع أن يحشر في طريقه عددًا من الأعوان والدهاقين، وتجمعت القوة الفارسية في الولجة، وعندما شعر الأندرزغر أن حشوده أصبحت كبيرة قرر الزحف على خالد، ولما بلغ خالد وهي بالثنى «مكان قرب البصرة ومعناه منعطف النهر والجبل» تجمع الفرس ونزولهم الولجة رأى أن من الأفضل للمسلمين أن يهاجموا هذه الحشود الكبيرة من ثلاث جهات حتى يفرقوا جموعهم، وتكون المفاجأة للفرس مربكة، وأخذ يعد العدة لتنفيذ خطة الهجوم، ولكي يؤمن خطوطه الخلفية أمر سويد بن مقرن بلزوم الحفير، وتحرك بجيشه حتى وصل الولجة وبعد أن قام باستطلاع واف للمنطقة وجد أن ميدان المعركة أرض مستوية وواسطة تصلح للقتال وتسمح بحرية الحركة، ولما كان خالد قد قرر أن يهاجم قوات الفرس من ثلاث جبهات فقد نفذ خطته وبعث بفرقتين لمهاجمة حشود الفرس من الخلف والجانبين، وبدأت المعركة واشتد القتال بين الفريقين وشدد خالد بهجومه من المقدمة، وفي الوقت المناسب انقض الكمينان على مؤخرة جيش العدو فحلت به الهزيمة المنكرة، وفر الأندرزغر مع عدد من رجاله ولكنهم ماتوا عطشًا ( )، وقام خالد في الناس خطيبًا فرغبهم في بلاد الأعاجم وزهدهم في بلاد العرب وقال: ألا ترون ما ها هنا من الأطعمات؟ وبالله لو لم يلزمنها الجهاد في سبيل الله والدعاء إلى الإسلام ولم يكن إلا المعاش لكان الرأي أن نقاتل على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونولي الجوع والإقلال من تولاه ممن اثاقل عما أنتم عليه، ثم خمس الغنيمة وقسم أربعة أخماسها وبعث الخمس إلى الصديق وأسر من أسر من ذراري المقاتلة وأقر الفلاحون بالجزية. ( ) وفي خطبة خالد بن الوليد للناس إشارة إلى أن العرب وهم في جاهليتهم إضافة إلى أنهم ليسوا من طلاب الآخرة فإنهم لم يظفروا بالدنيا لتفرقهم وتناحرهم فيما بينهم، فخالد يقول: نحن طلاب الآخرة ولنا هدف سام نسعى إليه من أجله ندعو ومن أجله نجاهد، ولو فرض أننا لا نحمل هذا الهدف، ولا نجاهد من أجله فإن العقل يقتضي أن نقاتل من أجل أن نصلح أحوالنا المعيشية، وخالد حينما يذكر ذلك لا يجعل هذا الموقف ثنائيا مع الهدف السامي الذي ذكره، وإنما يذكر ذلك على أنه مجرد افتراض يفرض نفسه لو لم يوجد الهدف السامي المذكور، وكأنه يقول: إذا كنا سنقارع هؤلاء من أجل الهدف الدنيوي أفلا نقارعهم من أجل الهدف الأخروي وابتغاء مرضاة الله جل وعلا؟
وهذا الكلام يشحذ الهمم ويقوي العزم ويحيي القلب ويفجر الطاقات، فتنطلق بعد ذلك النفوس المؤمنة مجاهدة في سبيل الله تعالى بكل طاقاتها وإمكاناتها وقدراتها ( ).
وجاء في رواية: أن في يوم الولجة بارز خالد رجلاً من أهل فارس يعدل بألف رجل فقتله، فلما فرغ اتكأ عليه ودعا بغدائه ( )، وهذا التصرف الجليل من سيف الله  فيه إذلال للفرس وتحطيم لجبروتهم وتغطرسهم وإضعاف لعزائمهم ( ).
4- معركة أُلَّيْس وفتح أمغيشيا:
في هذه الموقعة انضم بعض نصارى العرب إلى الأعاجم، وصاروا عونًا للفرس على المسلمين، وكان عليهم عبد الأسود العجلي وعلى الفرس جابان، وكان قد أمره (بهمن جاذويه) ألا ينازل المسلمين إلا أن يعجلوه، وبعد أن بلغ خالد تجمع نصارى العرب وعرب الضاحية من أهل الحيرة سار إليهم، وكان همه متجهًا لمواقعتهم ولا علم له بانضمام الفرس لجموع العرب، فلما أقبلت جنود المسلمين طلب جابان من جنده مهاجمتهم، فأظهروا عدم الاكتراث بخالد والتهاون بأمره وتداعوا إلى الطعام إلا أن خالدًا لم يدعهم يهنأون بطعامهم، واقتتلوا أشد القتال، وقد زاد في كلب الأعداء وشدتهم ما يتوقعون من لحاق بهمن جاذويه بهم في مدد كبير، وصبر المسلمون على هذا القتال العنيف، وقال خالد: اللهم إن لك عليَّ إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقي منهم أحدًا قدرنا عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم. ثم إن الله كشفهم للمسلمين ومنحهم أكتافهم، فأمر خالد مناديه فنادى في الناس: الأسر الأسر لا تقتلوا إلا من امتنع، فأقبلت الخيول بهم أفواجًا مستأسرين يساقون سوقا، وقد وكل بهم رجالاً يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم، يوما وليلة وطلبوهم الغد وبعد الغد حتى انتهوا إلى النهرين، ومقدار ذلك من كل جانب أُليس فضرب أعناقهم، وقال له القعقاع وأشباه له: لو أنك قتلت أهل الأرض لم تجر دماؤهم، إن الدماء لا تزيد على أن ترقرق منذ نهيت عن السيلان ونهيت الأرض عن نشف الدماء، فأرسل عليها الماء تبر يمينك، وقد كان صد الماء عن النهر، فأعاده فجرى دمًا عبيطًا فسمي نهر الدم لذلك الشأن.( )
ولما هُزموا وأجلوا عن عسكرهم ورجع المسلمون من طلبهم ودخلوه وقف خالد على الطعام فقال: فقد نفلتكموه فهو لكم، وقال: كان رسول الله × إذا أتى على طعام مصنوع نفله، فقعد عليه المسلمون لعشائهم بالليل وجعل من لم ير الأرياف ولا يعرف الرقاق يقول: ما هذه الرقاق البيض؟! وجعل من قد عرفها يجيبهم ويقول لهم مازحًا: هل سمعتم برقيق العيش؟ فيقولون: نعم، فيقول: هو هذا، فسمي الرقاق، وكانت العرب تسميه القرَى. ( )
وبعد أن فرغ خالد من (أليس) نهض حتى أتى (أمغيشيا)، وقد جلا عنها أهلها وأعجلوا عما فيها وتفرقوا في السواد، فأمر بهدمها وهدم كل شيء كان في حيزها، وأصابوا بها ما لم يصيبوا مثله، فقد بلغ سهم الفارس ألفًا وخمسمائة درهم سوى أنفال أهل البلاء، ولما وصلت الأخماس وأخبار النصر إلى الصديق  وما صنعه خالد والمسلمون قال: يا معشر قريش –يخبرهم بالذي أتاه- عَدَا أسدكم على الأسد فغلبه على خراذيله ( )، أعجزت النساء أن ينسلن مثل خالد.( ) وكان خالد قد بعث بالخبر مع رجل يدعى جندلاً من بني عجل وكان دليلاً صارمًا، فقدم على أبي بكر بالخبر وبفتح (أليس) وقدر الفيء وبعدة السبي وبما حصل من الأخماس وبأهل البلاء من الناس، فلما قدم على أبي بكر فرأى صرامته وثبات خبره، قال: ما اسمك؟ قال: جندل، قال: ويهًا جندل:
نفس عصام سودت عصاما
وعودته الكر والإقداما

وأمر له بجارية من ذلك السبي فولدت له ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:40 PM
وفي قول الصديق عن خالد: عدا أسدكم على الأسد فغلبه على خراذيله، أعجزت النساء أن ينسلن مثل خالد ( )، وسام شرف لخالد واعتراف بالجميل ورفع لأهل البلاء والفضل والهمم العالية، ودفع لأصحاب الهمم الضعيفة ليضاعفوا من جهودهم وينافسوا على معالي الأمور ومكارمها. ( ) هذا القول من أبي بكر -وكان أعلم بالرجال- أعظم شهادة وأجل تقدير يناله رجل في تاريخ الإسلام، فالصديق هو خليفة المسلمين الأعظم لا يرى لخالد  في الناس عدلاً في عبقريته وشجاعته، ولا نظير في بطولته ومهارته، وحسبك بها لخالد من الصديق.( )
5- فتح الحيرة:
علم مرزبان الحيرة بما صنع خالد بـ(أمغيشيا) فأيقن أنه آتيه، فاستعد لذلك وأرسل جيشًا بقيادة ابنه ثم خرج في إثره، وأمر ابنه بسد الفرات ليعطل سفن المسلمين، وفوجئ المسلمون بذلك واغتموا له، فأرسلوا الفلاحين فأخبروهم بضرورة سد الأنهار حتى يسيل الماء، فماذا فعل خالد؟
نهض خالد في خيل يقصد ابن المرزبان فلقي خيلاً من خيله ففاجأهم فأنامهم بالمقر، ثم نهض قبل أن تصل أخباره إلى المرزبان حتى لقي جندًا لابنه على فم الفرات فقاتلهم وهزمهم، وسد الأنهار وسلك الماء سبيله، ثم طلب خالد عسكره واتجه إلى الحيرة. وعلم المرزبان بموت ابنه وخبر موت أزدشير، فهاله الأمر فعبر الفرات هاربًا من غير قتال، فعسكر خالد مكانه وأهل الحيرة متحصنون وأدخل خالد الخيل من عسكره، وتمت خطته حول قصور الحيرة بمحاصرتها على هذا النحو:
أ- ضرار بن الأزور لمحاصرة القصر الأبيض وفيه إياس بن قبيصة الطائي.
ب- ضرار بن الخطاب لمحاصرة قصر العدسيين، وفيه عدي بن عدي العبادي.
ج- المثنى بن حارثة لمحاصرة قصر ابن بقيلة وفيه عمرو بن عبد المسيح.
وعهد خالد إلى أمرائه أن يدعوا القوم إلى الإسلام، فإن أجابوا قبلوا منهم وإن أبوا أجَّلوهم يومًا وأمرهم أن لا يمكنوا عدوًا منهم بل عليهم أن يناجزوهم، ولا يمنعوا المسلمين من قتال عدوهم ففعلوا، واختار القوم المنابذة وعمدوا لرمى المسلمين بالحذف ( )، فرشقهم المسلمون بالنبل وشنوا غاراتهم وفتحوا الدور والديارات، فنادى القسيسون: يا أهل القصور ما يقتلنا غيركم، فنادى أهل القصور: يا معشر العرب قبلنا واحدة من ثلاث فكفوا عنا، وخرج رؤساء القصور فقابلهم خالد، كل أهل قصر على حدة ولامهم على فعلهم، وتصالحوا مع خالد على الجزية، وصالحوه على مائة وتسعين ألفا، وبعث خالد بالفتح والهدايا إلى أبي بكر فقبل الهدايا وعدها لأهل الحيرة من الجزية تعففًا عما لم يأذن به الشرع، وقطعًا لدابر العادات الأعجمية التي كان يحتال بها على سلب أموال الناس ( ).
وكتب خالد في عهده لأهل الحيرة: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عاهد عليه خالد بن الوليد عديًّا وعمرًا ابني عدي، وعمر بن عبد المسيح وإياس بن قبيصة وحيري بن أكال –وهم نقباء أهل الحيرة- ورضي بذلك أهل الحيرة وأمروهم به وعاهدهم على مائة وتسعين ألف درهم تقبل في كل سنة، جِزَاءً عن أيديهم في الدنيا، رهبانهم وقسيسيهم، إلا من كان منهم على غير ذي يد، حبيسًا عن الدنيا تاركا لها وسائحا تاركا الدنيا، وعلى المنعة فإن لم يمنعهم شيء فلا شيء عليهم حتى يمنعهم، وإن غدروا بفعل أو بقول فالذمة منهم بريئة. وكانت كتابة هذا العهد في شهر ربيع الأول سنة 12 هـ ( )، وقد جاء في رواية: أن خالدا عرض على أهل الحيرة واحدة من ثلاث: أن تدخلوا في ديننا فلكم ما لنا وعليكم ما علينا إن نهضتم وهاجرتم وإن أقمتم في دياركم، أو الجزية أو المنابذة والمناجزة، فقد والله أتيتكم بقوم هم على الموت أحرص منكم على الحياة. فقال: بل نعطيكم الجزية، فقال خالد: تبًّا لكم ويحكم، إن الكفر فلاة مضلَّة، فأحمق العرب من سلكها ( ).
ففي حديث خالد  تنضح بعض الصفات الإيمانية التي تجسدت في جيش فتح العراق، فهذا الجيش يتحرك من أجل هدف سام ألا وهو دعوة الناس إلى الإسلام وتبليغ الهداية للبشرية، وليس التوسع في الممالك وفرض السلطان والتمتع بالحياة الدنيا. كما بَيَّن خالد أهم مقومات نجاح المسلمين في حروبهم؛ ألا وهو الحرص الأكيد على طلب الشهادة وابتغاء ما عند الله تعالى في الآخرة، كما بين النص السابق حرص الصحابة -رضي الله عنهم- على تطبيق سنة النبي × وذلك بالرغبة القلبية في هداية البشرية؛ حيث إن خالدًا وبَّخهم على اختيار البقاء على الكفر مع أن بقاءهم على الكفر ودفع الجزية فيه مصلحة مالية للمسلمين، ولكن خالدًا من قوم هانت عليهم الحياة الدنيا وفضلوا ما عند الله -جل وعلا- في الآخرة، وقد سن رسول الله × لهم هذا المبدأ السامي ( )، في قوله ×: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم» ( ).
وفي قبول الصديق لهدية أهل الحيرة وقد أهدوها طائعين مختارين، فعدها من الجزية عدلاً وتعففًا وخشية أن يظلم أهل ذمته أو يكلفهم شططًا، درس عظيم في إقامة العدل بين الناس، وقد قارن الشيخ على طنطاوي بين فتوح الاستعمار التي أثارتها أوربا وبين فتح المسلمين مقارنة متميزة، ثم استدل بقول الشاعر:
ملكنا فكان العدل منا سجية
فلما ملكتم سال بالدم أبطحُ

وحللتم فكان العدل منا سجية
غدونا على الأسرى نَمُنُّ ونصفح

فحسبكم هذا التفاوت بيننا
فكل إباء بالذي فيه ينضح ( )

الحيرة قاعدة الجيوش الإسلامية:
كان فتح الحيرة عملاً حربيًا عظيم القيمة, وسع أمل المسلمين في فتح بلاد فارس؛ لمكان هذا البلد الجغرافي والأدبي من العراق والمملكة الفارسية، فقد اتخذها القائد العام للجيوش الإسلامية مقرًا لقيادته ومركزًا رئيسيًا تتلقى منه جيوش الإسلام أوامر الهجوم والدفاع والإمداد والنظم، وكذلك جعلها قاعدة عامة للتدبير والسياسة التي يقوم عليها تنظيم من وقع في يد المسلمين، وبث خالد عماله على الولايات لجباية الخراج والجزاء، ووجه أمراءه إلى الثغور لحمايتها، وأقام هو ريثما يتم ما أراده من الاستقرار والنظام، وترامت أخباره إلى الدهاقين والرؤساء فأقبلوا إليه يصالحونه حتى لم يبقَ ما بين قرى سواد العرق إلى أطرافه من ليس مولى للمسلمين أو على عهد منهم ( )، وقد كان من عماله على الأقاليم:
1- عبد الله بن وثيمة النضري الفلاليج.
2- جرير بن عبد الله البجلي على بانقيا.
3- بشير بن الخصاصية على النهرين.
4- سويد بن مقرن المزني على تُستُر.
5- أُطّ بن أبي أُطّ على روذستان.
وكان من قادة الثغور:
1- ضرار بن الأزور الأسدي.
2- المثنى بن حارثة الشيباني.
3- ضرار بن الخطاب الفهري.
4- ضرار بن مقرن المزني.
5- القعقاع بن عمرو التميمي.
6- بُسر بن أبي رهم الجهني.
7- عُتيبة بن النهاس ( ).
الرسائل التي أرسلها خالد إلى خاصة الفرس وعامتهم:
أجمع خالد أمره على منازلة الفرس في ساحات ملكهم بعد أن صفا له الجو في العراق وأمن ظهره بانحسار أمر فارس عن العرب, فيما بين الحيرة ودجلة، وكان أهل فارس في هذه الفترة على خلاف شديد فيمن يولونه عليهم بعد موت كسراهم أزدشير، فانتهز خالد هذه الفرصة وكتب إلى خاصتهم يقول: من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس: أما بعد، فالحمد لله الذي حل نظامكم ووهن كيدكم وفرق كلمتكم وأوهن بأسكم وسلب أموالكم وأزالَّ عزكم، فإذا أتاكم كتابي فأسلموا تسلموا أو اعتقدوا منا الذمة، وأجيبوا إلى الجزية، وإلا والله الذي لا إله إلا هو لأسيرن إليكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة، ويرغبون في الآخرة كما ترغبون في الدنيا.( )
وكتب إلى عامتهم فقال: من خالد بن الوليد إلى مرازبة أهل فارس: الحمد لله الذي فض خدمتكم وفرق جمعكم وأوهن بأسكم وسلب أموالكم وأزال عزكم، فإذا أتاكم كتابي فأسلموا تسلموا أو اعتقدوا منا الذمة وأجيبوا إلى الجزية، وإلا والله الذي لا إله إلا هو لأسيرن إليكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة، ويرغبون في الآخرة كما ترغبون
في الدنيا. ( )
وبفتح الحيرة تحقق شطر من أمل أبي بكر  في فتح العراق وإخضاعه تمهيدًا لغزو فارس في عقر دارهم، وقد قام خالد بن الوليد  بمهمته في ذلك خير قيام، ووصل إلى الحيرة في وقت قياسي؛ حيث بدأ صراعه مع الأعداء في شهر محرم من العام الثاني عشر في معركة الكاظمة وانتهى من فتح الحيرة في شهر ربيع الأول من العام نفسه ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:41 PM
كرامة خالد بن الوليد في فتح الحيرة:
وقد أخرج الإمام الطبري بإسناده… وكان مع ابن بُقَيلة ( )، منصف له ( ) فعلق كيسا في حقوة، فتناول خالد الكيس ونثر ما فيه في راحته فقال: ما هذا يا عمرو؟ قال: هذا وأمانة الله سُمُّ ساعة، قال: لِمَ تَحْتقب السم؟ قال: خشيت أن تكونوا على غير ما رأيت، وقد أتيت على أجلي والموت أحب إليَّ من مكروه أدخله على قومي وأهل قريتي، فقال خالد: إنها لن تموت نفس حتى تأتي على أجلها، وقال: بسم الله خير الأسماء رب الأرض ورب السماء -الذي ليس يضر مع اسمه داء- الرحمن الرحيم، فأهووا إليه يمنعونه منه وبادرهم فابتلعه، فقال عمرو: والله يا معشر العرب لتملكن ما أردتم ما دام منكم أحد أيها القرن.( ) وأقبل على أهل الحيرة فقال: لم أر كاليوم أوضح إقبالاً ( )، وقد ذكر هذه الرواية الحافظ ابن كثير ولم يضعفها ( )، وذكرها الحافظ ابن حجر وقال: رواه أبو يعلى ورواه ابن سعد من طريقين آخرين ولم يضعفها ( )، وذكرها ابن تيمية مثالاً من أمثلة الكرامات.( )
وقد أنكر بعض الكتاب المعاصرين هذا الخبر واعتبروه من نسج خيال بعض الرواة حول شخصية خالد، وقد ثبتت هذه الرواية من ناحية الإسناد؛ فقد ارتضاها الطبري وابن سعد وابن كثير وابن حجر وابن تيمية ولم يضعفوا إسنادها، وهم أعلم وأنصف في علم التاريخ الإسلامي من الكتاب المعاصرين.
إن خالدًا  عندما أقدم على شرب السم، كان في قمة اليقين والإيمان بأن الله -جل جلاله- هو الذي خلق كل شيء وأودع في كل شيء خصائصه، وأنه القادر على أن يلغي مفعول هذه الخصائص إذا أراد لحكمة عالية وهدف عظيم، كما أذهب فعالية النار حينما ألقي فيها إبراهيم  وجعلها عليه بردًا وسلامًا، وقد حصل ذلك لغير الأنبياء عليهم السلام؛ كما حصل لأبي مسلم الخولاني لما رفض أن يقر بنبوة الأسود العنسي الكذاب؛ فألقاه في النار فوجوده فيها قائمًا يصلي ولم تضره. ( ) كما أن خالدًا حينما قدم على ذلك لم يخالج قلبه ذرة من إرادة حظ النفس وكسب السمعة والجاه؛ لأنه لو نوى شيئًا من ذلك لعلم أن الله تعالى سيتخلى عنه، وهو لا حول له ولا قوة على انتزاع أثر السم الضار، وهذه تجربة فذة لا يطلب من أي مسلم أن يخوضها، ولو كان هدفه نفس الهدف الذي رمى إليه
خالد؛ لأنه يندر أن يوجد من يبلغ إيمانه وثقته بالله تعالى إلى المستوى الذي بلغ إليه
خالد  وأرضاه ( ).
6- فتح الأنبار «ذات العيون»
استقام الأمر لخالد في تلك الجهات فاستخلف على الحيرة القعقاع بن عمرو التميمي، واتجه بتعبئة لإغاثة عياض بن غنم الذي أرسله الصديق لفتح العراق من الشمال ويلتقي بخالد، وصل خالد إلى الأنبار فوجد القوم قد تحصنوا وخندقوا على أنفسهم وأشرفوا على أعلى الحصون( )، فضرب المسلمون عليهم الحصار وأمر خالد جنوده أن يصوبوا إلى عيون أهل الأنبار، فلما نشب القتال أصابوا في أول رمية ألف عين من عيونهم، ولذلك سميت هذه الوقعة (ذات العيون).( )
واخترق خالد الخندق الذي حول الأنبار بفطنة وذكاء؛ حيث عمد إلى الضعاف من الإبل بجيشه فنحرها وملأ الخندق في أضيق نقطة فيها بجثث الإبل، واقتحم المسلمون الخندق وجسرهم جثث الإبل، وصاروا مع عدوهم داخل الخندق، فالتجأ العدو إلى الحصن( )، واضطر شيراز قائد جند الفرس إلى قبول الصلح بشروط خالد على أن يخرج من الأنبار في عدد من الفرسان يحرسونه، فقبل خالد منه ذلك بشرط ألا يأخذ معه من المتاع أو من الأموال شيئًا ( ).
وتعلم الصحابة ممن بها من العرب الكتابة العربية، وكان أولئك العرب قد تعلموها من عرب قبلهم وهم بنو إياد، كانوا في زمان بختنصر حين أباح العراق للعرب، وأنشدوا خالدًا قول بعض إياد يمتدح قومه:
قومي إياد إنهم أمم
أولو أقاموا فتهزل النعم

قوم لهم باحة العراق إذا
ساروا جميعا واللوح والقلم ( )

7- عين التمر:
استخلف خالد الزبرقان بن بدر على الأنبار وسار إلى عين التمر، فوجد عقة بن أبي عقة في جمع عظيم من النمر وتغلب وإياد ومن حالفهم، ومعهم من الفرس مهران بقواته( )، وطلب عقة من مهران أن يتركه لقتال خالد وقال له: إن العرب أعلم بقتال العرب، فدعنا وخالدًا، فقال له: دونكم وإياهم، وإن احتجتم إلينا أعنَّاكم فلامت العجم أميرهم على هذا، فقال: دعوهم فإن غلبوا خالدًا فهو لكم وإن غلبوا قاتلنا خالدًا وقد ضعفوا ونحن أقوياء، فاعترفوا له بفضل الرأي عليهم، وسار خالد وتلقاه عقة، فلما تواجهوا قال خالد لمجنبته: احفظوا مكانكم فإني حامل، وأمر حماته أن يكونوا من ورائه، وحمل على عقة وهو يسوي الصفوف فاحتضنه وأسره، وانهزم جيش عقة من غير قتال فأكثروا فيهم الأسر. وقصد خالد حصن عين التمر، فلما بلغ مهران هزيمة عقة وجيشه نزل من الحصن وهرب وتركه، ورجعت فلول نصارى الأعراب إلى الحصن فوجدوه مفتوحًا فدخلوه واحتموا به، فجاء خالد وأحاط بهم وحاصرهم أشد الحصار، واضطر أهل الحصن أن ينزلوا على حكم خالد، فأمر بضرب عنق عقة ومن كان أسر معه والذين نزلوا على حكمه أجمعين، وغنم جميع ما في ذلك الحصين ووجد في الكنيسة التي به أربعين غلامًا يتعلمون الإنجيل وعليهم باب مغلق فكسره خالد وفرقهم في الأمراء وأهل الغناء. وكان (حمران) مولى عثمان بن عفان من ذلك الخمس، ومنهم سيرين والد محمد بن سيرين، أخذه مالك بن أنس، وأرسل خالد الخمس إلى الصديق، ثم أرسل أبو بكر الوليد بن عقبة إلى عياض مددًا له وهو محاصر دومة الجندل، فلما قدم عليه وجده في ناحية من العراق يحاصر قومًا، وهم قد أخذوا عليه الطرق فهو محصور أيضًا، فقال عياض للوليد: إن بعض الرأي خير من جيش كثيف، ماذا ترى فيما نحن فيه؟ فقال له الوليد: اكتب إلى خالد يمدك بجيش من عنده، فكتب إليه يستمده فقدم كتابه على خالد عقب وقعة عين التمر وهو يستغيث به، فكتب إليه: من خالد إلى عياض: إياك أريد، لبِّث قليلاً تأتك الحلائب ( ) يحملن آسادا عليها القشائب ( )، كتائب تتبعها كتائب( ).
8- دومة الجندل:
رحل خالد بجنده من عين التمر بعد أن خلف عليها عويم بن الكاهل الأسلمي، ووصلت أنباؤه إلى أهل دومة الجندل فاستنجدوا بحلفائهم من قبائل بهراء وكلب وغسان وتنوخ ( )، وكان أمر أهل دومة الجندل إلى زعيمين هما: أكيدر بن عبد الملك والجودي بن ربيعة فاختلفا، فقال أكيدر: أنا أعلم الناس بخالد، لا أحد أيمن طائرًا منه، ولا أحدَّ في حرب، ولا يرى وجه خالد قوم أبدًا قلُّوا أو كثروا إلا انهزموا عنه، فأطيعوني وصالحوا القوم، فأبوا عليه فقال: لئن أمالئكم على حرب خالد فشأنكم ( ).
وهذه شهادة خصم في خالد والحق ما شهدت به الأعداء، وقد كان خالد أسره قبل ذلك حينما أرسله إليه رسول الله × في غزوة تبوك، فأخذه وأتى به إلى النبي × فمنَّ عليه وكتب له كتاب عهد، ولكنه خان العهد بعد ذلك. ولقد بقي الرعب في نفسه منذ يوم أسره خالد إلى جانب سمعته الشهيرة في حروبه مع العرب والعجم، وخرج أكيدر مفارقًا قومه، وبلغ خالدًا خبره وهو في طريقه إلى «دومة» فأرسل إليه عاصم بن عمرو معارضًا له فأخذه، فقال: إنما تلقيت الأمير خالدًا، ولكن خيانته السابقة جعلت خالد ينفذ فيه حكم الإعدام، وهكذا قتله الله بخيانته ونقضه العهد ولم يغن الحذر من القدر ( ).
ونزل خالد على دومة الجندل وجعل أهلها ومشايعيهم من بهراء وكلب وتنوخ بين فكي (كماشة) ذراعها الأولى عسكره والثانية عسكر عياض بن غنم ( )، وتقدم الجودي بن ربيعة بجنوده نحو خالد، وتقدم ابن الحدرجان وابن الأيهم بجنودهما ناحية عياض، ودارت المعركة وأنزل خالد الهزيمة بالجودي وأتباعه، وانتزع عياض النصر من ابن الحدرجان ومن معه بصعوبة، وحاولت فلول المنهزمين الاحتماء بالحصن ولكنه كان قد عج بمن فيه فأغلقوه عليهم وتركوا أصحابهم حوله في العراء، ولم يلبث خالد أن هاجم من بداخل الحصن بعد أن اقتلع بابه فقتل منهم جموعًا كثيرة.( )
وبفتح دومة الجندل أصبح للمسلمين موقع استراتيجي ذو أهمية فريدة؛ لأن دومة الجندل تقع على ملتقى الطرق إلى ثلاث جهات؛ فشبه الجزيرة العربية من الجنوب، والعراق من الشمال الشرقي، والشام من الشمال الغربي. ومن الطبيعي أن تنال هذه المدينة مثل هذه العناية من الخليفة أبي بكر الصديق وجنوده التي تقاتل بالعراق وتقف على تخوم الشام، وتلك هي العلة في أن عياضًا لم يبرحها بل ظل مرابطًا أمامها إلى أن خف إليه خالد، ولو أن دومة الجندل لم تذعن للمسلمين لبقي أمرهم في العراق تحفه المخاطر ( ).
وبذلك استطاع خالد أن يعين عياضًا على فتح دومة الجندل، ولئن كانت حروب خالد  في جنوب العراق مثالاً للبراعة في الهجوم السريع واغتنام الفرص وإثارة الرعب لدى الأعداء، فإن ثبات عياض  هذه المدة الطويلة في وجه أعداء قد تكالبوا عليه من كل مكان دليل على تمتع الجيش الإسلامي أيضًا بالصبر والمصابرة وطول الأمل، والثقة بنصر الله تعالى في النهاية.
وكان عياض  من أفاضل المهاجرين ومن سادة قريش، وكان سمحًا جوادًا، وقد وثق به الخلفاء وولاتهم بعد ذلك، فكان أحد قادة اليرموك وكان على مقدمة جيش أبي عبيدة، ثم فتح بعد ذلك الجزيرة بأكملها وهي المناطق التي بين الشام والعراق، واستخلفه أبو عبيدة  على الشام لما حانت وفاته، فأقره عمر  على الشام إلى أن احتاج إليه في الفتوح فوجهه إليها ( ).
9- وقعة الحُصيد( ):
أمر خالد الأقرع بن حابس بالرجوع إلى الأنبار، وأقام بدومة الجندل فكانت إقامته مدعاة لطمع الأعاجم وظنهم به الظنون، وكذلك ظنها عرب المنطقة فرصة، فكاتبوا الأعاجم ليكونوا معهم على خالد غضبًا لـ«عقة» الذي لم ينسوا مصرعه بعد، فخرج زرمهر من بغداد ومعه روزبة يريدان الأنبار، وتواعدا في الحصيد والخنافس، فوصل خبرهم الزبرقان بن بدر وهو على الأنبار، فاستمد القعقاع بن عمرو خليفة خالد على الحيرة، فأمده بـأعبد بن فدكي السعدي «أبو ليلى» وأمره بالحصيد، وبعروة بن الجعد البارقي وأمره بالخنافس. وعندما علم خالد بتحرك بعض القبائل ورغبتهم بالانضمام إلى روزبة في الحصيد جعل القعقاع أميرًا على الناس في الحصيد بعد أن ترك مكانه عياض بن غنم على الحيرة، فلما علم روزبة بتوجه القعقاع إليه استمد زرمهر فانضم إليه، والتقى المسلمون بجموع الفرس وقتلوا منهم مقتلة عظيمة من بينهم زرمهر وروزبة وغنموا غنائم كثيرة ( )، وقد قال القعقاع بن عمرو في هذه المعركة:
ألا أبلغا أسماء أن حليلها
قضى وطرًا من روزمهر الأعاجم

غدا صبحنا في حصيد جموعهم
لهندية تفرى فراخ الجماجم ( )

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:42 PM
10- وقعة المصيَّخ:
بعد أن وصلت أخبار المسلمين في الْحُصَيد إلى خالد واعد قادة جيوشه في ليلة وساعة يجتمعون فيها عند المصيخ قرب حوران، فلما توافوا في موعدهم بيتوا بعض القبائل ومن آوى إليهم من ثلاثة أوجه فأوقع بهم خسائر كبيرة ( )، ثم علم خالد بتحشد بعض القبائل في «الثَّنِي» وهو موضع قرب الرقة «والزُّمَيل» في ديار بكر استعدادًا لقتال المسلمين، فباغتهم في «الثني» من عدة اتجاهات فشتت جموعهم، وكذلك هاجم المتحشدين في «الزميل» فأوقع بهم خسائر هائلة ( ).
يقول عدي بن حاتم: انتهينا في هذه الغارة إلى رجل يقال له حرقوص بن النعمان النمري، وحوله بنوه وبناته وامرأته، وقد وضع لهم جفنة من الخمر، وهم يقولون: أحد يشرب هذه الساعة وهذه جيوش خالد قد أقبلت؟ فقال لهم: اشربوا شرب وداع، فما أرى أن تشربوا خمرًا بعدها، فشربوا وجعل يقول:
ألا فاشربوا من قبل قاصمة الظهر
بعيد انتفاخ القوم بالعكر الدثر

وقبل منايانا المصيبة بالقدر
لحين لعمري لا يزيد ولا يجري ( )

فسبق إليه وهو في ذلك في بعض الخيل فضرب رأسه، فإذا هو في جفنته وأخذنا بناته وقتلنا بنيه ( ).
وقد قتل في هذه المعركة رجلان كانا قد أسلما ومعهما كتاب من الصديق بالأمان، ولم يعلم بذلك المسلمون فلما بلغ خبرهما الصديق وداهما وبعث بالوصاة بأولادهما، وقال فيهما الصديق: كذلك يلقى من يساكن أهل الحرب في ديارهم؛ أي الذنب لهما في مجاورتهما المشركين ( ).
11- وقعة الفِراض:
بعد أن بسط خالد راية الإسلام على العراق، واستسلمت له قبائل العرب قصد الفِرَاض، وهي تخوم الشام والعراق والجزيرة؛ حتى يحفظ ظهره ويأمن من أن تكون وراءه عورة عند اجتيازه أرض السواد إلى فارس، فلما اجتمع المسلمون بالفراض غضب الروم وهاجوا واستعانوا بمن يليهم من مسالح الفرس، فلبسوا سراعًا لأنهم كانوا حانقين على المسلمين الذين أذلوهم وكسروا شوكتهم، كما استمدوا العرب من تغلب وإياد والنمر فأمدوهم؛ لأنهم لم ينسوا بعد مصرع رؤسائهم وأشرافهم. فاجتمعت جيوش الفرس والروم والعرب على المسلمين في تلك الموقعة، فلما بلغوا الفرات قالوا للمسلمين: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم، فقال خالد: بل اعبروا إلينا، قالوا: فتنحوا حتى نعبر، فقال خالد: لا نفعل ولكن اعبروا أسفل منا، وذلك للنصف من ذي القعدة سنة اثنتي عشرة. فقالت الروم وفارس بعضهم لبعض: احتسبوا ملككم، هذا رجل يقاتل على دين وله عقل وعلم، والله ليُنْصرن ولنُخْذَلَن، ثم لم ينتفعوا بذلك، فعبروا أسفل من خالد، فلما تتاموا قالت الروم: امتازوا حتى نعرف اليوم ما كان من حسن أو قبيح من أينا يجيء! ففعلوا فاقتتلوا قتالا شديدًا طويلاً، ثم إن الله -عز وجل- هزمهم، وقال خالد للمسلمين: ألحوا عليهم ولا ترفهوا عنهم، فجعل صاحب الخيل يحشر منهم الزمرة برماح أصحابه فإذا جمعوهم
قتلوه، وقتل من الأعداء عشرات الألوف، وأقام خالد في الفراض عشرة أيام،
ثم أمر بالرجوع للحيرة ( ).
وهكذا واجه المسلمون لأول مرة جيشًا مكونا من الفرس الذين يمثلون دولة المشرق العظمى، والروم الذين يمثلون دولة المغرب العظمى، والعرب الموالين لهؤلاء وهؤلاء، ومع ذلك انتصر المسلمون عليهم انتصارًا ساحقًا، ولا شك أن هذه المعركة تعتبر من المعارك التاريخية الفاصلة، وإن لم تنل من الشهرة ما نالته المعارك الكبرى؛ لأنها حطمت معنويات الكفار على مختلف انتماءاتهم حيث هزموا جميعًا، وهذه المعركة تعتبر خاتمة المعارك التي خاضها سيف الله المسلول خالد بن الوليد  في العراق ( )، وانكسرت شوكة الفرس بعد هذه المعركة، ولم تقم لهم قوة حربية يخشاها الإسلام بعد هذه الموقعة ( ).
ومما قاله القعقاع بعد عمرو في هذه المعركة:
لقينا بالفراض جموع روم
وفرس غَمَّها طول السلام

أَبَدْنَا جمعهم لما التقينا
وبيَّتنا بجمع بني رزام

فما فتئت جنود السلم حتى
رأينا القوم كالغنم السوام ( )

ثالثا: حجة خالد وأمر الصديق له بالخروج إلى الشام، وتسلم المثنى لقيادة جيوش العراق:
1- حجة خالد «12 هـ» وأمر الصديق له بالخروج إلى الشام:
أقام خالد بالفراض عشرة أيام، ثم أذن بالقفول إلى الحيرة لخمس بقين من ذي القعدة، وأمر عاصم بن عمرو أن يسير في المقدمة، وأمر شجرة بن الأعز أن يسير في الساقة، وأظهر خالد أنه يسير في الساقة، ثم انطلق في كوكبة من أصحابه وقصد شطر المسجد الحرام وسار إلى مكة في طريق لم يُسلك قبله قط وتأتى له في ذلك أمر لم يقع لغيره، فجعل يسير معتسفًا على غير جادة حتى انتهى إلى مكة، فأدرك الحج هذه السنة «12 هـ»، ثم عاد فأدرك أمر الساقة قبل أن يصلوا الحيرة، ولم يعلم أبو بكر الصديق بذلك أيضًا إلا بعدما رجع أهل الحج من الموسم، فبعث يعتب عليه في مفارقته الجيش ( )، وأمره بالذهاب إلى الشام، وجاء في خطاب الصديق لخالد: أنْ سِرْ حتى تأتي جمع المسلمين باليرموك؛ فإنهم قد شجوا وأشجوا، وإياك أن تعود لمثل ما فعلت، فإنه لم يشج الجموع من الناس بعون الله شجاك، ولم ينزع الشجى من الناس نزعك، فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة فأتمم يتم الله لك، ولا يدخلنك عُجْب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل؛ فإن الله له المن وهو ولي الجزاء ( ).
هذا الخطاب الجليل من الخليفة الحكيم  يصور مدى حرص الصديق  على القواد الناجحين، فيمدهم بالمشورة والنصائح التي تأخذ بيدهم إلى الفوز والتمكين بفضل الله..
أ- يأمر الصديق  سيف الله خالدًا أن يترك العراق ويتوجه إلى الشام لعل الله يفتح على يديه هذا الموقع.
ب- ينصحه ألا يعود في مثل ما حدث، في حجه بدون إذن من الخليفة.
ج- يأمره أن يسدد ويقارب ويجتهد مخلصًا النية لله وحده.
د- يحذره من العجب بالنفس والزهو والفخر، فذلك حظ النفس الذي يفسد العمل على العامل ويرده في وجهه، كما يحذره أن يدل ويمن على الله بالعمل الذي يعمله؛ فإن الله هو المانُّ به؛ إذ التوفيق بيده سبحانه.( )
هذا وقد ظهرت في معارك العراق مقدرة الجيوش الإسلامية على تطبيق مبادئ الحرب، من مباغتة وصد الهجوم وتثبيت الأعداء، وحشد القوات، وإدامة المعنويات وجمع المعلومات، ورسم الخطط وتنفيذها بكل قوة ودقة واحتياط منقطع النظير، فهو لم يذهب إلى الشام لمجاهدة الروم إلا بعد خبرة واسعة في فتوحات العراق، وكان المرشح للبقاء على جيوش العراق بعد سفر خالد المثنى بن حارثة الشيباني لخبرته الواسعة بأرض العراق، ومهارته الفائقة في حرب الفرس، ويظهر للباحث أن الخطط التي وضعها خالد في حروب العراق كانت تعتمد على الله ثم على جمع المعلومات الدقيقة التي تدل على نشاط مخابراته واستكشافاته في ا لميدان، والذي يبدو أن هذه المخابرات قد قام بتنظيمها القائد الفذ «المثنى ابن حارثة الشيباني»، ليس فقط لألمعيته وقدرته الفائقة على التنظيم، وإنما لمعايشته للمنطقة، فهو ينتمي إلى «بني شيبان» من «بكر بن وائل» الذين كانت منازلهم بتخوم العراق وحوض الفرات التي تمتد شمالاً إلى «هيت»، فكانوا بحكم مساكنهم واتصالاتهم مؤهلين لأن يكونوا عيونًا «مخابرات»، فما وجدنا تحركًا لجيش من جيوش الفرس إلا وكان خبر ذلك التحرك منذ بدئه على لسان «المثنى» في الوقت المناسب، وما من شاردة ولا واردة تحدث في بلاط الفرس إلا وكان «المثنى» على علم بها في حينها ( ).
وكان في خطاب الصديق إلى خالد: دع العراق واخلف فيه أهله الذي قدمت عليهم، ثم امض مخففًا في أهل قوة من أصحابنا الذين قدموا معك العراق من اليمامة، وصحبوك في الطريق وقدموا عليك من الحجاز، ثم تأتي الشام فتلقى أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين، وإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة، والسلام عليك ورحمة الله. ( )
وتهيأ خالد للسير إلى الشام، وقسم خالد الجند نصفين: نصفًا يسير به إلى الشام ونصفًا للمثنى، ولكنه جعل الصحابة جميعًا من نصيبه، فقال له المثنى: والله لا أقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر كله في استصحاب نصف الصحابة وإبقاء النصف، فوالله ما أرجو النصر إلا بهم، فأنت تعريني منهم. وكان خطاب الصديق قد وصل إلى خالد قبل سفره يأمره فيه بمن يأخذ من الجند ومن يدعهم للمثنى، قال: يا خالد لا تأخذ مجدًا إلا خلفت لهم مجدًا، فإذا فتح الله عليك فارددهم إلى العراق وأنت معهم، ثم أنت على عملك ( ).
فما زال خالد يسترضي المثنى ويعوضه عن الصحابة بمقاتلين من سادة أقوامهم من أهل البأس وممن عرفوا بالشجاعة والصبر وشدة المراس، فرضي المثنى آخر الأمر. ( ) وحشد خالد جنوده وانطلق ليعبر إلى الشام صحاري رهيبة غائبة النواحي مترامية الآفاق كأنما هي التيه، وسأل الأدلاء: كيف لي بطريق أخرج فيه من وراء جموع الروم؟ فإني إن استقبلتها حبستني عن غياث المسلمين! قالوا له: لا نعرف إلا طريقًا لا يحمل الجيوش، فوالله إن الراكب المفرد ليخافه على نفسه! إنك لن تطيق ذلك الطريق بالخيل والأثقال، إنها لخمس ليال لا يصاب فيها ماء.
قال خالد: إنه لا بد من ذلك لأخرج من وراء جموع الروم، وعزم خالد على سلوك هذا الطريق مهما تكن مخاطره، فكم فاز باللذة الجسور، فنصحه رافع بن عمير أن يستكثر من الماء حتى يجتاز ذلك الطريق، فأمر خالد جنوده أن يخزنوا الماء في بطون الإبل العطاش، ثم يشدوا مشافرها لكيلا تجتر فتستنزف الماء ( )، وقال لرجاله: إن المسلم لا ينبغي أن يكترث بشيء يقع فيه مع معونة الله له ( ).
وسار به الدليل رافع بن عمير في طريق تمتاز بوعورتها وقلة مائها وضياع معالمها وقلة سكانها ولا سيما الجزء الممتد بين قراقر وسوى ( )، إلا أنها أقصر الطرق، فأوضح خالد لجنده الاعتبارات التي تجعله يفضل سلوك هذا الطريق على غيره، وهي السرعة والسرية والمباغتة. وكان رافع قد طلب من خالد أن يهيئ عشرين ناقة كبيرة، فأعطاه ما أراد، فمنع عنها الماء أيامًا حتى عطشت، ثم أوردها إياه فملأت جوفها فقطع مشافرها وكممها فلا تجتر، ثم قال لخالد: سر الآن بالخيول والأثقال، وكلما نزلت منزلا نحرت من تلك الإبل وشرب الناس مما تزودوا. فسار الجيش من قراقر -وهي آخر قرى العراق على حدود الصحراء- إلى سوى وهي أوائل قرى الشام، والمسافة بينهما خمس ليال يستريحون بالنهار ويسيرون بالليل، واعتمد خالد على رافع بن عمير دليلاً بعد أن وثق به ومن صحة دلالته, واختار محرز المحاربي لحذقه في الدلالة على النجوم، لذلك كان مسيرهم ليلاً وصباحًا مع تحاشي السير عند ارتفاع النهار والظهيرة لقطع مرحلتين في اليوم الواحد، ولم يترك خالد أحدًا من جنده يسير راجلاً وإنما أركب الجند الإبل للمحافظة على قابليتهم البدنية. وسار خالد في الطريق وكلما نزل منزلاً نحر عددًا من النوق فأخذ ما في أكراشها فسقاه الخيل، ثم شرب الناس مما حملوا من الماء، فلما كان اليوم الخامس نفد الماء، فخاف خالد على أصحابه من العطش، وقال لرافع وهو أرمد: ما عندك؟ فطلب رافع من الناس أن يبحثوا عن شجرة عوسج صغيرة في تلك المنطقة فلم يجدوا إلا جزءًا صغيرة من ساقها، فأمر رافع أن يحفروا هناك، فحفروا فظهرت عين للماء فشربوا حتى روى الناس، فاتصلت بعد ذلك لخالد المنازل. ( )
وقد قال بعض العرب لخالد في هذا المسير: إن أنت أصبحت عند الشجرة الفلانية نجوت أنت ومن معك، وإن لم تدركها هلكت أنت ومن معك، فسار خالد بمن معه وسروا سروة عظيمة فأصبحوا عندها، فقال خالد: عند الصباح يحمد القوم السُّرى فأرسلها مثلاً وهو أول من قالها  ( ):
وقد قال رجل من المسلمين في مسيرهم هذا مع خالد:
لله در رافع أنَّي اهتدى
فوَّزَ من قراقر إلى سوى

خمسًا إذا ما سارها الجيش بكى
ما سارها قبلك إنسي يُرَى ( )

وهذه القصة تدل على أن القائد المحنك لا يبالي بالأخطار، وأنه أعمل الحيلة في سبيل الحصول على الماء لقطع الصحراء حتى وصل إلى غرضه، وفي اليوم الخامس وصل جيش خالد إلى سوى -وهو أول تخوم الشام- تاركًا وراءه حاميات الروم على الطرق الرئيسة العامة تواجه العراق، وكانت حركته في قطع الصحراء بخمسة أيام أعجوبة من أعاجيب المخاطر المحسوبة، ذللتها إرادة القائد وإيمانه وإقدامه ( ).
وصل خالد إلى «أدك» وهي أول حدود الشام، فأغار على أهلها وحاصرهم فحررها صلحًا، ثم نزل «تدمر» فامتنع أهلها وتحصنوا، ثم طلبوا الأمان فصالحهم وواصل سيره فأتى «القريتين»، فقاتله أهلها فظفر بهم، ثم قصد «حوارين»، وصار إلى موضع يعرف بالثنية، فنشر رايته وهي كانت لرسول الله × تسمى العُقَاب، فسمي ذلك الموضع بثنية العقاب ( )، ولما مر بعذراء أباحها وغنم لغسان أموالاً عظيمة وخرج من شرقي دمشق، ثم سار حتى وصل إلى قناة بصرى، فوجد الصحابة تحاربها فصالحه صاحبها وسلمها إليه، فكانت أول مدينة فتحت من الشام ولله الحمد. وبعث خالد بأخماس ما غنم من غسان مع بلال بن الحرث المزني إلى الصديق، ثم سار خالد وأبو عبيدة ومرثد وشرحبيل إلى عمرو بن العاص، وقد قصده الروم بأرض العربا من المعور، فكانت واقعة أجنادين ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:43 PM
وهكذا نجح خالد بن الوليد في الوصول إلى الشام لمساندة الجيوش الإسلامية بعد مغامرة ومباغتة فذة في التاريخ العسكري الإنساني، يقول اللواء محمود شيت خطاب عن ذلك: «… وعبور خالد للصحراء من الطريق الخطر مباغتة فذة في التاريخ العسكري لا أعرف لها مثيلاً، ولست أعتقد أن عبور هانيبال للألب، وعبور نابليون للألب أيضًا، ولا تفويز نابليون من صحراء سيناء، أو قطع الجيش البريطاني لهذه الصحراء في الحرب العالمية الأولى، يمكن أن تعتبر شيئًا إلى جانب مغامرة خالد؛ لأن عبور الجبال أسهل بكثير من عبور الصحراء؛ لتيسر الماء في الجبال وعدم تيسره في الصحراء؛ ولأن صحراء سيناء فيها كثير من الآبار والأماكن المأهولة وعدم تيسر ذلك في الصحراء التي قطعها خالد، فكان نجاح خالد في عبور الصحراء مباغتة كاملة للروم لم يكونوا يتوقعونها بتاتًا ( )، مما جعل حاميات المدن والمواقع التي صادفته في طريقه بين العراق وأرض الشام تستسلم لقوته بعد قتال طفيف أو بدون قتال؛ لأنها لم تكن تتوقع أبدًا أن تلاقي قوة جسيمة من المسلمين تظهر عليهم من هذا الاتجاه في هذا الوقت بالذات ( ).
لقد تأثر القادة العسكريون على مر التاريخ وتوالي الأزمان بالعبقرية العسكرية الخالدية حتى قال عنه الجنرال الألماني «فون درغولتيس» مؤلف كتاب «الأمة المسلحة»، قائد إحدى الجبهات التركية الألمانية خلال الحرب العالمية الأولى: «إنه أستاذي في فن الحرب» ( ).
2- خبر المثنى بن حارثة بالعراق بعد ذهاب خالد:
كان المثنى شجاعًا مقدامًا شهمًا غيورًا، وكان ميمون النقيبة حسن الرأي، وكان راسخ العقيدة قوي الإيمان شديد الثقة بالله، بعيد النظر، يؤثر المصلحة العامة على مصلحته الخاصة، وكن يشارك أصحابه في السراء والضراء وكان يمتلك موهبة إعطاء القرارات الصحيحة السريعة، وكان ذا إرادة قوية ثابتة يتحمل المسئولية الكاملة في أخطر الظروف والأحوال، يثق بقواته وتثق به قواته ثقة لا حدود لها، ويحبهم ويحبونه حبًّا لا مزيد عليه، ذا شخصية قوية نافذة، فهو بحق كما يقول عنه عمر بن الخطاب: مؤمر نفسه. ( )
كانت له قابلية فائقة تعينه على أعباء القتال، وله ماض ناصع مجيد، وكان دائمًا أول من يهاجم وآخر من ينسحب، وكان خبيرًا بمناطق العراق، جريئًا على الفرس سريع الحركة واسع الحيلة، وكان أول من اجترأ على الفرس بعد الإسلام وجرأ المسلمين عليهم، وأبلى في حروب العراق بلاء لم يبله أحد، وهو الذي رفع معنويات المسلمين وحطم معنويات الفرس. ( ) وقد وصف المثنى جنود الفرس فقال: قاتلت العرب والعجم في الجاهلية والإسلام والله لمائة من العجم في الجاهلية كانوا أشد عليَّ من ألف من العرب، ولمائة من العرب اليوم أشد عليَّ من ألف من العجم، إن الله أذهب بأسهم وأوهن كيدهم فلا يروعَنَّكم زهاء ترونه ولا سواد ولا قسي فج ولا نبال طوال، فإنهم إذا أعجلوا عنها أو فقدوها كانوا كالبهائم أينما وجَّهتموها اتجهت ( ).
كان تعيين الصديق للمثنى على العراق في محله ويدل على معرفته بأقدار الرجال ومعادنهم، وعندما حان وقت رحيل خالد بجيشه إلى الشام خرج معه المثنى لوداعه، ولما حانت لحظة الفراق قال له خالد: ارجع –رحمك الله- إلى سلطانك غير مقصر ولا وان. ( ) وتسلم المثنى قيادة العراق بعد خالد، وما إن علم كسرى بذهاب خالد حتى حشد آلاف الجنود بقيادة «هرمز جاذويه» وكتب للمثنى يهدد ويتوعد، فقال: إني قد بعثت إليكم جندًا من وحش أهل فارس، وإنما هم رعاة الدجاج والخنازير ولست أقاتلك إلا بهم.( ) وأجابه المثنى بعقل وفطنة، ولم ينس شجاعته في الرد على هذا المجوسي، فكتب يقول في رسالة لكسرى: إنما أنت أحد رجلين: إما باغ فذلك شر لك وخير لنا، وإما كاذب فأعظم الكذابين عقوبة وفضيحة عند الله وعند الناس الملوك، وأما الذي يدلنا عليه الرأي فإنكم إنما اضطررتم إليهم، فالحمد لله الذي ردَّ كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير. ( ) فجزع أهل فارس من هذا الكتاب ولاموا ملكهم على كتابه، واستهجنوا رأيه. وسار المثنى من الحيرة إلى بابل ولما التقى المثنى وجيشهم بمكان عند عدوة الصَّراة الأولى ( ) اقتتلوا قتالاً شديدًا جدًا، وأرسل الفرس فيلا بين صفوف الخيل ليفرق خيول المسلمين، فحمل عليه أمير المسلمين المثنى بن حارثة فقتله، وأمر المسلمين فحملوا، فلم تكن إلا هزيمة الفرس فقتلوهم قتلاً ذريعًا، وغنموا منهم مالاً عظيمًا، وفرت الفرس حتى انتهوا إلى المدائن في شر حالة ووجدوا الملك قد مات. ( )
وعاد الاضطراب إلى بلاد فارس، وطارد المثنى أعداء الله حتى بلغ أبواب المدائن، ثم كتب إلى أبي بكر بانتصاره على الفرس، واستأذنه في الاستعانة بمن تابوا من أهل الردة لكن انتظاره طال وأبطأ عليه أبو بكر في الرد لتشاغله بأهل الشام وما فيه من حروب، فسار المثنى بنفسه إلى الصديق واستناب على العراق بشير بن الخصاصية وعلى المسالح سعيد بن مرة العجلي ( )، فلما وصل المدينة وجدوا أبا بكر  على فراش المرض وقد شارف على الموت، واستقبله أبو بكر واستمع إليه واقتنع برأيه، ثم طلب عمر بن الخطاب فجاءه، فقال له: اسمع يا عمر ما أقول لك ثم اعمل به، إني لأرجو أن أموت من يومي هذا، فإن أنا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى، ولا تشغلنكم مصيبة وإن عظمت عن أمر دينكم ووصية ربكم، وقد رأيتني متوفَّى رسول الله وما صنعت ولم يصب الخلق بمثله، وإن فتح الله على أمراء الشام فاردد أصحاب خالد إلى العراق، فإنهم أهله وولاة أمره وحده، وهم أهل الضراوة بهم والجراءة عليهم ( ).
* * *

المبحث الثاني
فتوحات الصديق بالشـــــــام
تمهيد:
كان اهتمام المسلمين بالشام منذ زمن النبي ×؛ حيث كتب إلى هرقل عظيم الروم كتابًا يدعوه إلى الإسلام، وكتب × إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان بالبلقاء ( ) من أرض الشام، وعامل قيصر على العرب يدعوه إلى الإسلام، فأدركته العزة بالإثم فأراد أن يغزو رسول الله ×، فأتاه أمر من قيصر ينهاه عن ذلك، وأرسل × جيشًا بقيادة زيد بن حارثة فاستشهد في مؤتة هو وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، وتولى بعدهم خالد ابن الوليد الذي قام بمناورة عسكرية ناجحة تركت أثرًا بعيدًا في نفوس أهالي تلك المناطق. ونستطيع أن نقول إن النبي × بتلك الغزوة وضع أسسًا وقطع خطوة نحو القضاء على دولة الروم المتجبرة في بلاد الشام، وهز هيبتها من قلوب العرب، وحمس المسلمين للاستعداد المعنوي والمادي لإتمام بقية الخطوات المباركة، بل قاد غزوة تبوك بنفسه ×.
ومن خلال الاحتكاك الميداني استطاع المسلمون أن يتعرفوا على حقيقة قوات الروم ومعرفة أساليبهم في القتال، وأعطت تلك الغزوات الفرصة لأهالي بلاد الشام على أن يتعرفوا على أصول هذا الدين ومبادئه وأهدافه، فآمن كثير من أهالي تلك البلاد واستمر الصديق على المنهج الذي وضعه رسول الله ×، ولذلك أصر بعد وفاة النبي × على إنفاذ جيش أسامة. ولما عقد الصديق الألوية من ذي القصة عقد منها لواءً لخالد بن سعيد بن العاص ووجهه إلى مشارف الشام، ثم أمره أن يكون ردءًا للمسلمين بتيماء ( )، لا يفارقها إلا بأمره ولا يقاتل إلا من قاتله، فبلغ خبره هرقل ملك الروم فجهز جيشًا من العرب التابعين للروم من بهراء وسليح وكلب ولخم وجذام وغسان، فسار إليهم خالد بن سعيد فلقيهم على منازلهم فافترقوا، وأرسل هو لأبي بكر بالخبر فكتب إليه يأمره بالإقدام، وأن يزحف على الروم قبل تنظيم صفوفهم، ونصحه أن يحافظ على خط رجعته وأن لا يتوغل كثيرًا في بلاد العدو، وجاء في جواب الخليفة له: أن «أقدم ولا تحجم، واستنصر بالله». فتقدم خالد حتى بلغ القسطل في طريق البحر الميت فهزم جيشًا من الروم على الشاطئ الشرقي للبحر، ثم تابع مسيرته، عند ذلك هاج الروم فجمعوا قوات تزيد على ما جمعوا في تيماء، ورأى خالد تجمعهم فكتب إلى الخليفة يستمده ليتابع تقدمه، فبعث إليه عكرمة بن أبي جهل بجيش البدال، ( ) كما بعث إليه الوليد بن عقبة بجموع أخرى، فلما وصلت هذه القوات إلى خالد بن سعيد أمر بالهجوم على الروم وأخذ طريقه إلى مرج الصفر، وانحدر القائد الرومي ماهان بجيشه يستدرج جيوش المسلمين التي اتجهت إلى جنوب البحر الميت، ووصلت إلى مرج الصفر شرقي بحيرة طبرية، واغتنم الروم على المسلمين الفرصة وأوقعوا بهم الهزيمة، وصادف ماهان سعيد بن خالد بن سعيد في كتيبة من العسكر فقتلهم وقتل سعيدًا في مقدمتهم، وبلغ خالد مقتل ابنه، ورأى نفسه قد أحيط به فخرج هاربًا في كتيبة من أصحابه على ظهور الخيل، وقد نجح عكرمة في سحب بقية الجيش إلى حدود الشام ( ).
أولاً: عزم أبي بكر على غزو الروم ومبشرات في الطريق:
كان أبو بكر يفكر في فتح الشام، ويجيل النظر ويقلب الرأي في ذلك، وبينما كان الصديق مشغولاً بذلك الأمر جاء شرحبيل بن حسنة -أحد قواد المسلمين في حروب الردة- فقال: يا خليفة رسول الله، أتحدث نفسك أنك تبعث إلى الشام جندًا؟ فقال: نعم، قد حدثت نفسي بذلك وما أطلعت عليه أحدًا وما سألتني عنه إلا لشيء، قال: أجل إني رأيت يا خليفة رسول الله فيما يرى النائم كأنك تمشي في الناس فوق خَرْشفة من الجبل -يعني مسلكًا وعرًا- حتى صعدت قُنَّة من القنات العالية فأشرفت على الناس ومعك أصحابك، ثم إنك هبطت من تلك القنات إلى أرض سهلة دمثة -يعني لينة- فيها الزرع والقرى والحصون، فقلت للمسلمين: شنوا الغارة على أعداء الله وأنا ضامن لكم بالفتح والغنيمة، وأنا فيهم معي راية، فتوجهت بها إلى أهل قرية فسألوني الأمان فأمنتهم، ثم جئت فأجدك قد انتهيت إلى حصن عظيم ففتح الله لك وألقوا إليك السلم، ووضع الله لك مجلسًا فجلست عليه، ثم قيل لك: يفتح الله عليك وتُنصر فاشكر ربك واعمل بطاعته، ثم قرأ: +إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ  وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا  فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا" [النصر: 1 – 3]، ثم انتبهت. فقال له أبو بكر: نامت عينك، خيرًا رأيت، وخيرا يكون إن شاء الله، ثم قال: بشرت بالفتح ونعيت إليَّ نفسي، ثم دمعت عينا أبي بكر وقال: أما الخرشفة التي رأيتنا فيها حتى صعدنا إلى القنة العالية فأشرفنا على الناس، فإنا نكابد من أمر هذا الجند والعدو مشقة ويكابدونه، ثم نعلو بعد ويعلو أمرنا، وأما نزولنا من القنة العالية إلى الأرض السهلة الدمثة والزرع والعيون والقرى والحصون، فإنا ننزل إلى أمر أسهل مما كنا فيه من الخصب والمعاش، وأما قولي للمسلمين: شنوا على أعداء الله الغارة فإني ضامن لكم الفتح والغنيمة، فإن ذلك دنو المسلمين إلى بلاد المشركين وترغيبي إياهم على الجهاد والأجر والغنيمة التي تقسم لهم وقبولهم، وأما الراية التي كانت معك فتوجهت بها إلى قرية من قراهم ودخلتها فاستأمنوا فأمنتهم، فإنك تكون أحد أمراء المسلمين ويفتح الله على يديك، وأما الحصن الذي فتح الله لي فهو ذلك الوجه الذي يفتح الله لي، وأما العرش الذي رأيتني عليه جالسًا فإن الله يرفعني ويضع المشركين، وقال الله تعالى +وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ"[يوسف: 100]، وأما الذي أمرني بطاعة الله وقرأ عليَّ السورة فإنه نعى إليَّ نفسي، وذلك أن
النبي × نعى الله إليه نفسه حين نزلت هذه السورة، وعلم أن نفسه قد نعيت إليه، ثم سالت عيناه وقال: لآمرن بالمعروف ولأنهين عن المنكر ولأجهدن فيمن ترك أمر الله ولأجهزن الجنود إلى العادلين بالله –يعني المشركين به- في مشارق الأرض ومغاربها حتى يقولوا: الله أحد أحد لا شريك له، أو يؤدوا الجزية عن يد وهو صاغرون، هذا أمر الله وسنة
رسول الله ×، فإذا توفاني الله -عز وجل- لا يجدني الله عاجزًا ولا وانيًا ولا في ثواب المجاهدين زاهدًا. ( )
فهذه الرؤيا الصالحة من المبشرات التي حدث بها رسول الله ×؛ حيث قال: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات». قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة» ( )، فهذه الرؤيا جاءت على قدر لتدفع الصديق إلى العزم على ما همَّ به وإعلان ما أضمره، فدعا إلى عقد مجلس شورى بخصوص غزو الشام، فقد أخذ الصديق بالعزيمة والعمل والتوكل على الله واستأنس بالرؤيا.
ثانيًا: مشورة أبي بكر في جهاد الروم واستنفار أهل اليمن:
1- مشورة أبي بكر في جهاد الروم:
لما أراد أبو بكر  أن يجهز الجنود إلى الشام دعا عمر وعثمان وعليًا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبا عبيدة بن الجراح ووجوه المهاجرين والأنصار من أهل بدر وغيرهم، فدخلوا عليه فقال: إن الله -تبارك وتعالى- لا تحصى نعمه، ولا تبلغ الأعمال جزاءها، فله الحمد كثيرًا على ما اصطنع عندكم من جمع كلمتكم، وأصلح ذات بينكم، وهداكم إلى الإسلام، ونفى عنكم الشيطان، فليس يطمع أن تشركوا بالله ولا أن تتخذوا إلهًا غيره، فالعرب أمة واحدة، بنو أب وأم، وقد أردت أن أستنفركم إلى الروم بالشام، فمن هلك هلك شهيدًا وما عند الله خير للأبرار، ومن عاش عاش مدافعا عن الدين، مستوجبًا على الله -عز وجل- ثواب المجاهدين. هذا رأيي الذي رأيت، فليشر عليَّ كل امرئ بمبلغ رأيه، فقام عمر بن الخطاب  فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي × ثم قال: الحمد لله الذي يخص بالخير من يشاء من خلقه، والله ما استبقنا إلى شيء من الخير إلا سبقتنا إليه؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، قد والله أردت لقاءك لهذا الرأي الذي ذكرت، فما قضى الله أن يكون ذلك حتى ذكرته الآن، فقد أصبت، أصاب الله بك سبل الرشاد. سرِّب إليهم الخيل في إثر الخيل، وابعث الرجال تتبعها الرجال، والجنود تتلوها الجنود، فإن الله -عز وجل- ناصر دينه ومعز الإسلام وأهله، ومنجز ما وعد رسوله. ثم إن عبد الرحمن بن عوف قام فقال: يا خليفة رسول الله، إنها الروم وبنو الأصفر، حد حديد وركن شديد، والله ما أرى أن تقحم الخيل عليهم إقحامًا، ولكن تبعث الخيل فتغير في أدنى أرضهم، ثم تبعثها فتغير، ثم ترجع إليك، فإذا فعلوا ذلك مرارا أضروا بعدوهم وغنموا من أرضهم، فقووا بذلك على قتالهم، ثم تبعث إلى أقاصي أهل اليمن وإلى ربيعة ومضر فتجمعهم إليك، فإن شئت عند ذلك غزوتهم بنفسك، وإن شئت بعثت على غزوهم غيرك، ثم جلس وسكت الناس. فقال لهم أبو بكر: ماذا ترون رحمكم الله؟ فقام عثمان بن عفان -رضوان الله عليه- فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبي ×، ثم قال: رأيي أنك ناصح لأهل هذا الدين، عليهم شفيق، فإذا رأيت رأيًا علمته رشدًا وصلاحًا وخيرًا، فاعزم على إمضائه غير ظنين ولا متهم. ( ) فقال طلحة والزبير وسعد وأبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد وجميع من حضر ذلك المجلس من المهاجرين والأنصار: صدق عثمان فيما قال، ما رأيت من رأي فامضه فإنا سامعون لك مطيعون لا نخالف أمرك، ولا نتهم رأيك ولا نتخلف عن دعوتك، فذكروا هذا وشبهه، وعلي بن أبي طالب  في القوم لا يتكلم، فقال له أبو بكر: ما ترى يا أبا الحسن؟
فقال: أرى أنك مبارك الأمر، ميمون النقيبة ( )، وإنك إن سرت إليهم بنفسك أو بعثت إليهم نصرت إن شاء الله. فقال أبو بكر: بشرك الله بخير، فمن أين علمت هذا؟ قال: سمعت رسول الله × يقول: «لا يزال هذا الدين ظاهرًا على كل من ناوأه حتى يقوم الدين وأهله ظاهرون» ( ) فقال أبو بكر: سبحان الله ما أحسن هذا الحديث! لقد سررتني سرك الله في الدنيا والآخرة.

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:44 PM
ثم إن أبا بكر  قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه وذكره بما هو أهله، وصلى على النبي × ثم قال: أيها الناس، إن الله قد أنعم عليكم بالإسلام وأعزكم بالجهاد، وفضلكم بهذا الدين على أهل كل دين، فتجهزوا عباد الله إلى غزو الروم بالشام، فإنني مؤمر عليكم أمراء وعاقد لهم عليكم، فأطيعوا ربكم ولا تخالفوا أمراءكم، ولتحسن نيتكم وسيرتكم وطعمتكم؛ فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. ( ) وأمر أبو بكر بلالاً فنادى في الناس: أن انفروا إلى جهاد عدوكم الروم بالشام ( ).
من هذه المشورة تبين لنا منهج أبي بكر  في مواجهة الأمور الكبيرة، حيث لم يكن يبتُّ فيها برأي حتى يجمع أهل الحل والعقد فيستشيرهم، ثم يصدر بعد ذلك عن رأي ممحص مدروس، وهذه هي سنة رسول الله × كما مر معنا في السيرة النبوية، وحينما نتأمل في تفاصيل هذه المحاورة نجد أن الصحابة -رضي الله عنهم- قد أجمعوا على موافقة أبي بكر في غزو الروم، وإنما تنوعت وجهات نظر بعضهم في كيفية هذا الغزو؛ فكان رأي عمر إرسال الجيوش تلو الجيوش حتى تتجمع في الشام فتكون قوة كبيرة تستطيع أن تصدر للأعداء، وكان رأي عبد الرحمن بن عوف أن يبدأ الغزو بقوات صغيرة تغير على أطراف الشام ثم تعود إلى المدينة، حتى إذا تم إرهاب العدو وإضعافه تبعث الجيوش الكبيرة، وقد أخذ أبو بكر برأي عمر في هذا الأمر، واستفاد من رأي عبد الرحمن بن عوف فيما يتعلق بطلب المدد بالجيوش من قبائل العرب، وخاصة أهل اليمن ( ).
2- استنفار أهل اليمن:
كتب الصديق إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله، وهذا هو نص الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، من خليفة رسول الله إلى من قرئ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين من أهل اليمن: سلام عليكم. فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإن الله تعالى كتب على المؤمنين الجهاد وأمرهم أن ينفروا خفافًا وثقالاً، وقال: جاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله، والجهاد فريضة مفروضة، وثوابه عند الله عظيم، وقد استنفرنا مَن قِبَلَنا من المسلمين إلى جهاد الروم بالشام، وقد سارعوا إلى ذلك، وعسكروا وخرجوا وحسنت بذلك نيتهم وعظمت في الخير حسبتهم، فسارعوا عباد الله إلى ما سارعوا إليه ولتحسن نيتكم فيه؛ فإنكم إلى إحدى الحسنيين إما الشهادة وإما الفتح والغنيمة، فإن الله -تبارك وتعالى- لم يرضَ من عباده بالقول دون العمل، ولا يزال الجهاد لأهل عداوته حتى يدينوا بدين الحق ويقروا لحكم الكتاب. حفظ الله دينكم وهدى قلوبكم وزكَّى أعمالكم، ورزقكم أجر المجاهدين الصابرين. ( ) وبعث الصديق هذا الكتاب مع أنس بن مالك ، وفي هذا الكتاب يظهر دور أبي بكر  في حث المسلمين وجمعهم للجهاد في سبيل الله وهو ما يمكن أن يسمى بـ(التعبئة العامة) ( ).
ومن خطاب الصديق لأهل اليمن يتضح أن الجهاد من أجل تحقيق غرضين: تحقيق إسلام المسلمين؛ لأن الله لا يرضى لعباده بالقول دون العمل، ومقاتلة غير المسلمين حتى يدينوا بدين الحق ويقروا لحكم كتاب الله، وهذا هو السبب الذي جعل أهل اليمن ينساحون من جميع أرجاء اليمن بأعداد هائلة، ولم يصل إلى علمنا أن أحدًا منهم خرج مستكرهًا بل خرجوا طواعية، وأقبلت جموعهم بنسائهم وأولادهم وكانوا من أسرع المستجيبين للنداء حبًّا ورغبة في الجهاد. ويعبر عن هذا أنس بن مالك حامل رسالة الصديق إلى أهل اليمن، والذي تنقل بين أحيائهم قبيلة قبيلة وجناحًا جناحًا يقرأ عليهم كتاب أبي بكر ويحثهم على الإسراع، فقال: فكان كل من أقرأ عليه ذلك الكتاب ويسمع هذا القول يحسن الرد عليَّ ويقول: نحن سائرون وكأنا قد فعلنا، حتى انتهيت إلى ذي الكلاع، فلما قرأت عليه الكتاب وقلت هذا المقال دعا بفرسه وسلاحه ونهض في قومه من ساعته ولم يؤخر ذلك، وأمر بالعسكر، فما برحنا حتى عسكر وعسكر معه جموع كثيرة من أهل اليمن، وقد قام فيهم خطيبًا فقال فيما قاله: ثم قد دعاكم إخوانكم الصالحون إلى جهاد المشركين واكتساب الأجر العظيم، فلينفر من أراد النفير معي الساعة. ( ) فعاد أنس بن مالك في حوالي 11 رجب 12هـ وبشر أبا بكر بقدوم القوم، فقال: قد أتوك شعثًا غبرًا أبطال اليمن وشجعانها وفرسانها، وقد ساروا إليك بالذراري والحرم والأموال ( )، وما لبث إلا أيامًا حتى قدم ذو الكلاع الحميري وقومه في حوالي 16 رجب 12 هـ ( )، ولم تكن هذه الاستجابة الفورية الراغبة خاصة بأهل «حمير»؛ بل كل من جاء من اليمن كان على نفس المستوى؛ وعلى سبيل المثال فقد قدم من «همدان» أكثر من ألفي رجل وعليهم حمزة بن مالك الهمداني ( )، وعندما قدم أهل اليمن على المدينة ودخلوا المسجد على أبي بكر فلما سمعوا القرآن اقشعرت جلودهم من خشية الله وجاشت أنفسهم، وجعلوا يبكون خاشعين، فبكى أبو بكر وقال: هكذا كنا، ثم قست القلوب. ( ) وعندما رأى ذو الكلاع الحميري الصديق وجده شيخًا نحيلاً معروق الوجه وعليه ثوب خشن ولا شيء يسطع من ثيابه! لا شيء على الإطلاق غير الورع يضيء وجهه الأبيض، وكان ذو الكلاع قدم على الصديق من اليمن ومن خلفه ومن حوله ألف عبد من الفرسان، وعلى رأسه التاج وعلى حلته الجواهر المتلألئة وبردته تسطع بخيوط الذهب المرصع باللآلي والياقوت والمرجان، فلما شاهد ما عليه الصديق من اللباس والزهد والتواضع والنسك، وما هو عليه من الوقار والهيبة، تأثر ذو الكلاع ومن معه من السادة فذهبوا مذهب الصديق ونزعوا ما كان عليهم. ( ) وقد تأثر ذو الكلاع بالصديق وتَزيَّا بزيه حتى إنه رئي يومًا في سوق من أسواق المدينة على كتفيه جلد شاة ففزعت عشيرته،
وقالوا له: فضحتنا بين المهاجرين والأنصار! قال: فأردتم أن أكون جبارًا في الجاهلية
جبارًا في الإسلام؟ لا ها الله (أي لا والله) لا تكون طاعة الرب إلا بالتواضع والزهد في هذه الدنيا( ).
وصنعت ملوك اليمن كما صنع ذو الكلاع الحميري، فتخلوا عن التيجان المثقلة بالجواهر، وتركوا حلل المخمل الموشى بخيوط الذهب والياقوت والدر والمرجان، واشتروا من سوق المدينة ثيابًا خشنة، ووضع الصديق في بيت المال ما تخلوا عنه جميعًا من نفائس ( ).
كان أبو بكر  خير من تمثل بالإسلام في حياته بعد رسول الله، وكان لسان حاله دعوة إلى الله تعالى، وأبلغ نصيحة تلك التي يشاهدها الناس من طريق العين لا من طريق الأذن، وخير الناصحين من ينصح بأفعاله لا بأقواله، فلما رأى ملوك اليمن أن أبا بكر خليفة رسول الله وصاحب الأمر والنهي في الجزيرة العربية يمشي في الأسواق ويلبس العباءة والشملة، علموا أن هناك شيئًا أعظم من الثياب المزركشة والذهب واللآلئ؛ هو النفس العظيمة فسعوا ليتشبهوا بأبي بكر، واستحيوا من الله والناس أن يقابلوا خليفة رسول الله بالتاج والبرود والحلي وهو بعباءة، فقد صغرت عليهم نفوسهم وهانت وهدأت ثورتها وانطفأت سورتها كما ينطفي النجم الصغير إذا واجه الشمس! رحم الله أبا بكر؛ فقد كان عظيمًا في تواضعه، متواضعا في عظمته ( ).
ثالثًا: عقد الصديق الألوية للقادة وتوجيه الجيوش:
عزم الصديق على تسيير الجيوش لبلاد الشام فدعا الناس إلى الجهاد، وعقد الألوية لأربعة جيوش أرسلها لفتح الشام، وهي:
1- جيش يزيد بن أبي سفيان:
وهو أول الجيوش التي تقدمت إلى بلاد الشام، وكانت مهمته الوصول إلى دمشق وفتحها ومساعدة الجيوش الأربعة عند الضرورة، وكان جيش يزيد أول الأمر ثلاثة آلاف، ثم عززه الخليفة بالإمدادات حتى صار معه بحدود السبعة آلاف رجل، وقبل رحيل جيش يزيد أوصاه الخليفة أبو بكر وصية بليغة عالية المستوى تشتمل على حِكَم باهرة في مجالي الحرب والسلم، وشيَّعه ماشيًا وأوصاه بما يأتي: إني قد وليتك لأبلونك وأجربك وأخرِّجك، فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك، وإن أسأت عزلتك. فعليك بتقوى الله، فإنه يرى من باطنك مثل الذي من ظاهرك، وإن أولى الناس بالله أشدهم توليًا له، وأقرب الناس من الله أشدهم تقربا إليه بعمله، وقد وليتك عمل خالد ( )، فإياك وعِبِّيَّة الجاهلية ( ) فإن الله يبغضها ويبغض أهلها. إذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم، وابدأهم بالخير وعدهم إياه، وإذا وعظتهم فأوجز؛ فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضًا، وأصلح نفسك يصلح لك الناس، وصلِّ الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها، وإذا قدم عليكم رسل عدوك فأكرمهم، وأقلل لُبْثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به ولا ترينهم فيروا خللك ( )، ويعلموا علمك، وأنزلهم في ثروة عسكرك ( )، وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت المتولي لكلامهم، ولا تجعل سرك لعلانيتك فيخلط أمرك، وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة، ولا تَخْزُن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك، واسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار، وتنكشف عندك الأستار، وأكثر حرسك وبددهم في عسكرك، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك، فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه، وعاقبه في غير إفراط، وأعقب بينهم بالليل واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة، فإنها أيسرهما لقربها من النهار، ولا تخف من عقوبة المستحق ولا تلجَّنَّ فيها، ولا تسرع إليها ولا تتخذ لها مدفعًا، ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده، ولا تجسس عليهم فتفضحهم، ولا تكشف الناس عن أسرارهم واكتفِ بعلانيتهم، ولا تجالس العبَّاثين وجالس أهل الصدق والوفاء، واصدق اللقاء، ولا تجبن فيجبن الناس، واجتنب الغلول؛ فإنه يقرب الفقر ويدفع النصر، وستجدون أقوامًا حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما حبسوا أنفسهم له. قال ابن الأثير: وهذه من أحسن الوصايا وأكثرها نفعا لولاة الأمر ( ).
من فوائد هذه الوصية:
* أن الولايات والمناصب ليست حقًّا ثابتًا لأصحابها، وإنما بقاؤهم فيها مرهون بالإحسان والنجاح في العمل، ومن واجب المسئول الأعلى أن يعزلهم إذا أساءوا، وإن هذا الشعور يدفع صاحب العمل إلى مضاعفة الجهد في بذل الطاعة ليصل إلى مستوى أعلى من النجاح في العمل، أما إذا ضمن البقاء فإنه قد يميل إلى الكسل والاشتغال بمتاع الدنيا فيخل بمسئوليته ويعرض من تحت ولايته إلى أنواع من الفساد والفوضى والنزاع.
* إن تقوى الله -عز وجل- هي أهم عوامل النجاح في العمل؛ لأن الله تعالى مطلع على ظاهر أعمال الناس وباطنهم، فإذا اتقوه في باطنهم فحري بهم أن يتقوه في ظاهرهم، وبذلك يتجنب الوالي كل مظاهر الفساد والإفساد، التي تكون عادة من الاستجابة للعواطف الجامحة التي لا تلتزم بتقوى الله تعالى.
* التحذير من التعصب للآباء والأجداد والأقوام، فإن التعصب لذلك قد يحمل الإنسان على الانحراف عن الطريق المستقيم، إذا كان ما عليه الآباء والأجداد مخالفًا للاستقامة، إضافة إلى أنه يضعف من الانتماء للرابطة الإسلامية الوحيدة وهي الأخوة في الله تعالى.
* الإيجاز في الموعظة؛ فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضًا فيضيع المقصود، ويغلب على السامع الإعجاب ببلاغة المتكلم إن كان بليغًا عن استيعاب ما يقول، والاستفادة من مواعظه، وإن لم يكن بليغا فإن الملل يأخذ بالسامع فلا يعي ما يقول المتكلم.
* إذا أصلح المسئول نفسه وتفقد عيوبه وجعل من نفسه نموذجًا صالحًا للقدوة الحسنة، فإن ذلك يكون سببا في صلاح مَنْ هم تحت رعايته.
* الاهتمام بإقامة الصلاة كاملة مظهرًا ومخبرًا، مظهرًا من ناحية إكمال أقوالها وأفعالها، ومخبرًا من ناحية الخشوع فيها وحضور القلب مع الله تعالى، فإن هذه الصلاة الكاملة يقام بها ذكر الله في الأرض، وتهذب السلوك وتقوي القلوب، وتبعث على ارتياح النفوس، وتعتبر ملاذًا للمسلم عند الشدائد.
* إكرام رسل العدو إذا قدموا، مع الاحتراس منهم وتمكينهم من معرفة واقع الجيش الإسلامي، فإكرامهم نوع من الدعوة إلى الإسلام فيما إذا عرف العالم ما يتحلى به المسلمون من مكارم الأخلاق، ولكن لا يصل هذا الإكرام إلى حد إطلاعهم على بطانة أمور المسلمين؛ بل ينبغي إطلاعهم على قوة جيش المسلمين ليرهبوا بذلك أقوامهم.
* الاحتفاظ بالأسرار وعدم التهاون بإفشائها، خاصة فيها يتعلق بأمور المسلمين العامة، فإن الحكيم يستطيع التصرف في الأمور وإن تغيرت وجوهها ما دام سره حبيسًا في ضميره، فإذا أفشاه اختلطت عليه الأمور ولم يستطع التحكم فيها.
* إتقان المشورة أهم من النظر في نتائجها، فإن المستشار وإن كان حصيف الرأي ثاقب الفكر فإنه لا يستطيع أن يفيد مَنْ استشاره حتى ينكشف له أمره بغاية الوضوح،
فإذا أخفى المستشير بعض تفاصيل القضية، فإنه يكون قد جنى على نفسه؛ حيث قد يتضرر بهذه المشورة.
* أن على القائد وكل مسئول أن يكون مخالطًا لمن ولي أمرهم على مختلف طبقاتهم؛ ليكون دقيق الخبرة بأمورهم، وفي هذا أكبر العون له على تصور مشكلاتهم والمبادرة بإيجاد الحلول لها، أما المسئول الذي يعيش في عزلة ولا يختلط إلا بأفراد من كبار رعيته، فإنه لا يصل إليه من المعلومات إلا ما كان من طريق هؤلاء، وقد لا يكشفون له الأمور على غير وجهها الصحيح.
* الاهتمام بأمر حراسة المسلمين خاصة في مكامن الخطر، واختبار الحراس الأمناء من ذوي النباهة، وعدم وضع الثقة الكاملة بهم؛ بل لا بد من الرقابة عليهم حتى لا يؤتى المسلمون من قبلهم.
* أن يسلك المسئول في عقاب المخالف مسلكًا وسطًا فلا يتهاون فيترك عقوبة المستحق، فإن ذلك يجرئه على مزيد من المخالفة ويجرئ غيره على ارتكاب المخالفات، فتسود الفوضى وينفلت الأمر، ولا يشتد في العقوبة فينفر الرعية، ويدفعهم إلى التسخط والتحزب؛ بل تكون عقوبته بحكمة واتزان وبعد النظر والتروي؛ بحيث تؤدي غرضها التربوي بدون إثارة ضجة ولا دفع إلى النقد والتسخط.
* أن يكون لدى المسئول يقظة وانتباه لكل ما يجري في حدود المسئولية المناطة به؛ حتى يشعر أفراد الرعية بأن هناك اهتمامًا بأمورهم فيزيد المحسن إحسانًا ويقتصر المسيء عن الإساءة، ولكن بدون تجسس عليهم؛ فإن ذلك يعتبر فضيحة لهم، وقد ينقطع بذلك خيط العلاقة الذي يربط المسئول بأفراد رعيته، من المودة والإعجاب والشكر على الجميل، وهذا الخيط ما دام قائمًا فإنه يمنع أصحاب الجنوح من ارتكاب المخالفات التي تفسد المجتمع وتحدث الفوضى، فإذا انقطع ولم يكن هناك عاصم من تقوى الله تعالى، فإن أهم الحواجز التي تحول دون الانطلاق وراء الشهوات تكون قد تحطمت، ويصعب بعد ذلك علاج الأمور؛ لأنها تحتاج إلى قوة رادعة، وهذه لها سلبياتها المعروفة.
* أن يحرص المسئول على مجالسة أهل الصدق والوفاء والعقول الراجحة، وإن سمع منهم ما يكره أحيانًا من النقد والتوجيه؛ فإن ذلك يعود عليه وعلى من استرعاه الله أمرهم بالنفع. وأن لا يجالس أصحاب اللهو والأهداف الدنيوية، فإن هؤلاء وإن أنس بكلامهم وثنائهم، فإنهم يحولون بينه وبين التفكير في الأمور الجادة، فلا يستفيق بعد ذلك إلا والنكبات قد حلت به وبمن ولي أمورهم.
* أن يصدق القائد في لقاء الأعداء وأن لا يجبن؛ فإن جبنه يسري على جنده، فيقع بذلك الفشل والهزيمة، وفي غير الحرب أن يكون المسئول شجاعًا في مواجهة المواقف، وأن لا يضعف فيسري ضعفه على من هم تحت إدارته من العاملين، فيقل بذلك مستوى الأداء ويضعف الإنتاج.
* أن يتجنب القائد الغلول (وهو الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها)، هذا في مجال الحرب، وفي مجالات السلم أن يتجنب المسئول أية استفادة دنيوية من عمله لا تحل له شرعًا؛ مثل: أخذ الهدايا التي يقصد بها من دفعها الاستفادة من المسئول في مجانبة الحق، فإن ذلك من الغلول، والغلول كما جاء في هذه الوصية يقرب إلى الفقر ويدفع النصر.
* ومن هذه الفوائد تبين لنا عظمة هذه الوصية التي أوصى بها أبو بكر أحد قواده، وهي تبين لنا أنه كان يعيش بفكره مع قضايا المسلمين، وأنه كان يتصور ما قد يواجهه قواده، فيحاول تزويدهم بما ينفعهم في تلافي الوقوع في المشكلات وحلها إذا وقعت، وهذه الوصية وأمثالها تسجل إضافة جديدة لمواقف أبي بكر المتعددة الأنواع، فإذا تأملت إدارته للحكم وجدت رجلاً بارعًا في أمور السياسة، وإذا رأيت توجيهه للقادة العسكريين تجده رجلاً بارعًا في شئون الحرب وكأنه مع القادة في الميادين، وإذا رأيت رحمته وتأليفه للقلوب رأيت رجلاً بارعًا في الدعوة إلى الله تعالى، فهو الرجل الرحيم بالمؤمنين، الرافع لشأن أهل البلاء والصدق منهم، الخبير بأهل الكفاءة والقدرة، القوي الحازم على أعداء الله من المنافقين والكافرين ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:45 PM
2- جيش شرحبيل بن حسنة:
حدد أبو بكر الصديق لمسير شرحبيل ثلاثة أيام بعد مسير يزيد بن أبي سفيان، فلما مضى اليوم الثالث ودع أبو بكر شرحبيل وقال له: يا شرحبيل ألم تسمع وصيتي ليزيد بن أبي سفيان؟ قال: بلى، قال: فإني أوصيك بمثلها وأوصيك بخصال أغفلت ذكرهن ليزيد: أوصيك بالصلاة في وقتها، وبالصبر يوم البأس حتى تظفر أو تقتل، وبعيادة المرضى وبحضور الجنائز وذكر الله كثيرًا على كل حال. فقال شرحبيل: الله المستعان، وما شاء الله أن يكون كان. ( ) وكان جيش شرحبيل ما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف، وأمره أن يسير إلى تبوك والبلقاء ثم بصرى، وهي آخر مرحلة. وتقدم شرحبيل نحو البلقاء حيث لم يلق مقاومة تذكر وكان يسير على الجناح الأيسر لجيش أبي عبيدة والجناح الأيمن لجيش عمرو بن العاص في فلسطين، فأوغل في البلقاء حتى بلغ بصرى فأخذ يحاصرها، فلم يوفق في فتحها لأنها كانت من المراكز الحصينة ( ).
3- جيش أبي عبيدة بن الجراح:
لما عزم الصديق على بعث أبي عبيدة بن الجراح بجيشه دعاه فودعه، ثم قال له: اسمع سماع من يريد أن يفهم ما قيل له ثم يعمل بما أمر به، إنك تخرج في أشراف الناس وبيوتات العرب وصلحاء المسلمين وفرسان الجاهلية، كانوا يقاتلون إذ ذاك على الحمية، وهم اليوم يقاتلون على الحسبة والنية الحسنة. أحسن صحبة من صحبك، وليكن الناس عندك في الحق سواء، واستعن بالله وكفى بالله معينًا، وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً، اخرج من غد إن شاء الله. ( ) وكان جيشه يتراوح ما بين ثلاثة إلى أربعة آلاف مجاهد، وهدف ذلك الجيش حمص، سار أبو عبيدة من المدينة مارًّا بوادي القرى، ثم اطلع إلى الحجر «مدن صالح»، ثم إلى ذات منار، ثم إلى زيزا، ومنها إلى مأمؤاب، فالتقى بقوة للعدو فقاتلهم، ثم صالحوه فكان أول صلح عقد في الشام، ثم واصل تقدمه نحو الجابية ( )، وكان هذا الجيش الجناح الأيسر للجيش الأول والجناح الأيمن للجيش الثاني( )، وكان في صحبة أبي عبيدة بن الجراح فارس من فرسان العرب المشهورين، قيس بن هبيرة بن مسعود المرادي فأوصى به الصديق أبا عبيدة قبل سفره وقال له: إنه قد صحبك رجل عظيم الشرف، فارس من فرسان العرب ليس بالمسلمين غناء عن رأيه ومشورته وبأسه في الحرب، فأدنه وألطفه وأره أنك غير مستغن عنه ولا مستهين بأمره، فإنك تستخرج بذلك نصيحته لك وجهده وجدَّه على عدوك. ودعا أبو بكر قيس بن هبيرة فقال: إني بعثتك مع أبي عبيدة الأمين الذي إذا ظُلم لم يظلم، وإذا أُسيء إليه غفر، وإذا قطع وصل، رحيم بالمؤمنين شديد على الكافرين، فلا تعصين له أمرًا، ولا تخالفن له رأيا، فإنه لن يأمرك إلا بخير، وقد أمرته أن يسمع منك فلا تأمره إلا بتقوى الله، قد كنا نسمع أنك شريف ذو بأس سيد مجرب في زمان الجاهلية الجهلاء؛ إذ ليس فيهم إلا الإثم، فاجعل بأسك وشدتك ونجدتك في الإسلام على المشركين وعلى من كفر بالله وعبد معه غيره، فقد جعل الله في ذلك الأجر العظيم والثواب الجزيل والعز للمسلمين. فقال قيس بن هبيرة: إن بقيت وأبقاك الله فسيبلغك عني من حيطتي عن المسلم وجهدي على الكافر ما تحب ويسرك ويرضيك، فقال له أبو بكر : افعل ذلك رحمك الله. قال: فلما بلغ أبا بكر مبارزة قيس بن هبيرة البطرقين بالجابية وقتله إياهما قال: صدق قيس وبر ووفى ( ).
ونلحظ أن أبا بكر  شحذ همة قيس بن هبيرة وفجر طاقاته الكامنة في نفسه، واستخرج منه أعلى ما أمكن من طاقة وصرفها في حماية الإسلام والجهاد في سبيله، ولا شك أن الثناء على العظماء والنبلاء بذكر فضائلهم يرفع من معنوياتهم ويمنحهم قوة عالية تدفعهم إلى التضحية والفداء ( ).
4- جيش عمرو بن العاص:
وجه الصديق عمرو بن العاص بجيش إلى فلسطين، وكان الصديق قد خيره بين البقاء في عمله الذي أسنده إليه رسول الله ×، وبين أن يختار له ما هو خير له في الدنيا والآخرة إلا أن يكون الذي هو فيه أحب إليه، فكتب إليه عمرو بن العاص: إني سهم من سهام الإسلام وأنت بعد الله الرامي بها والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم به. ( ) فلما قدم المدينة أمره أبو بكر  أن يخرج من المدينة وأن يعسكر حتى يندب معه الناس، وقد خرج معه عدد من أشراف قريش، منهم: الحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل. فلما أراد المسير خرج معه أبو بكر يشيعه وقال: يا عمرو إنك ذو رأي وتجربة بالأمور وبصر بالحرب، وقد خرجت مع أشراف قومك ورجال من صلحاء المسلمين، وأنت قادم على إخوانك فلا تألهم نصيحة، ولا تدخر عنهم صالح مشورة، فرب رأي لك محمود في الحرب مبارك في عواقب الأمور. فقال عمرو بن العاص: ما أخلقني أن أصدِّق ظنك، وأن لا أفَيِّل رأيك. ( )
وخرج عمرو بقواته وكان تعداده يتراوح من ستة إلى سبعة آلاف مجاهد وهدفها فلسطين، وسلكت طريقًا لساحل البحر الأحمر حتى وادي عربة في البحر الميت، ونظم عمرو ابن العاص قوة استطلاع مؤلفة من ألف مجاهد ودفعها باتجاه محور تقدم الروم، ووضع على قيادتها عبد الله بن عمر بن الخطاب ، واصطدمت هذه القوة بقوات الروم، واستطاعت انتزاع النصر وتمزيق قوة العدو، وعادت ببعض الأسرى فاستنطقهم عمرو بن العاص، وعلم منهم أن جيش العدو بقيادة «رويس» يحاول مباغتة المسلمين بالقيام بالهجوم، وعلى ضوء المعلومات الجديدة نظم عمرو قواته. وشن الروم هجومهم، واستطاع المسلمون صده ونجحوا في رد قوات الروم، وبعد ذلك شنوا هجومهم المضاد ودمروا قوة العدو
وأرغموهم على الفرار وترك ميدان المعركة، وتابع الفرسان المطاردة وانتهت بسقوط الألوف القتلى من الروم ( ).
وأمر الصديق  كل أمير أن يسلك طريقا غير طريق الآخر، لما لحظ في ذلك من المصالح، وكأن الصديق اقتدى في ذلك بنبي الله يعقوب ( ) حين قال لبنيه: +وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ" [يوسف: 67].
رابعًا: تأزم الموقف في بلاد الشام:
كانت الجيوش المكلفة بفتح بلاد الشام تلاقي صعوبة في تنفيذ المهمات الموكلة إليها؛ فقد كانت تواجه جيوش الإمبراطورية الرومانية التي تمتاز بقوتها وكثرة عددها، وقد بنت الحصون والقلاع للدفاع عن مراكز المدن، واستخدمت أسلوب الكراديس في تنظيم جيوشها. لقد كان للروم في الشام جيشان كبيران أحدهما في فلسطين والآخر في أنطاكية، وتمركز هذان الجيشان في ستة مواضع على الشكل الآتي:
أ- أنطاكية: وهي عاصمة الشام في العهد الرومي.
ب- قنسرين: وتقع بين حماة وحلب على مسافة خمسة وعشرين كيلو مترا جنوبي غربي حلب، وهي حدود بلاد الشام التي تحاذي فارس في الشمال الغربي.
ج- حمص: ويمتد نفوذها العسكري حتى تدمر وصحراء الشام، وهي حدود بلاد الشام التي تحاذي فارس من الشمال الشرقي.
د- عمان: قاعدة البلقاء، وفيها قلعة محصنة.
هـ- أجنادين: قاعدة الروم العسكرية في جنوب فلسطين وعلى حدود بلاد العرب الشرقية والغربية، وعلى حدود مصر.
و- قيسارية: في شمال فلسطين، وتبعد عن حيفا ثلاثة عشر كيلو مترًا ولا تزال أنقاضها قائمة.
أما مقر القيادة العامة فهو أنطاكية أو حمص، وعندما شهد قائد الروم هرقل الذي كان يشرف على الموقف بنفسه في «إيليا» توغلَ الجيوش الإسلامية، أصدر أوامره إلى قواته بالتوجه لتدمير هذه الجيوش، وكانت خطة مواجهة الجيوش الإسلامية كالآتي:
- يتراجع الروم أمام المسلمين ويتخلون لهم عن الحدود الشامية الحجازية.
- تتجمع وحدات الجيش الأول في فلسطين بعد تقريرها بقيادة سرجون.
- تتجمع وحدات الجيش الثاني في أنطاكية بقيادة تيدور.
- تتحرك هذه الجيوش وتهاجم أمراء الإسلام الأربعة الواحد بعد الآخر؛ وذلك لتسهيل تصفية جيوش الإسلام على انفراد. وعلى أساس هذه الخطة التي وضعها هرقل تحركت جيوش الروم وحسب الترتيب الآتي ( ):
- توجيه أخيه تذارق في تسعين ألفا للقضاء على جيش عمرو بن العاص.
- توجيه بن توذر إلى يزيد بن أبي سفيان.
- توجيه القبقار بن ننطوس في ستين ألفا إلى جيش أبي عبيدة.
- توجيه الدارقص نحو شرحبيل بن حسنة ( ).
استطاع المسلمون الحصول على المعلومات الدقيقة عن هذه الجيوش ونواياهم بكل تفاصيلها، وعن تفاصيل الخطة الرومية التي كان قد وضعها هرقل لتدمير الجيوش الإسلامية كل على انفراد، وراسل قادة المسلمين الخليفة بالمدينة، فكتب أبو عبيدة إلى أبي بكر -رضي الله عنهما- يخبره بما بلغه مما جمع هرقل ملك الروم من الجموع، وهذا نص كتاب أمين الأمة إلى الصديق: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله أبي بكر خليفة رسول الله × من أبي عبيدة ابن الجراح، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد: فإنا نسأل الله أن يعز الإسلام وأهله عزا متينا، وأن يفتح لهم فتحا يسيرا، فإنه بلغني أن هرقل ملك الروم نزل قرية من قرى الشام تدعى أنطاكية، وأنه بعث إلى أهل مملكته فحشرهم إليه، وأنهم نفروا إليه على الصعب والذلول ( )، وقد رأيت أن أعلمك ذلك فترى فيه رأيك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:46 PM
فكتب إليه أبو بكر : بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من أمر هرقل ملك الروم، فأما منزله بأنطاكية فهزيمة له ولأصحابه وفتح من الله عليك وعلى المسلمين، وأما ما ذكرت من حشره لكم أهل مملكته وجمعه لكم الجموع، فإن ذلك ما قد كنا وكنتم تعلمون أنه سيكون منهم، وما كان قوم ليدعوا سلطانهم ويخرجوا من ملكهم بغير قتال، وقد علمت والحمد لله، قد غزاهم رجال كثير من المسلمين يحبون الموت حب عدوهم للحياة، ويرجون من الله في قتالهم الأجر العظيم، ويحبون الجهاد في سبيل الله أشد من حبهم أبكار نسائهم وعقائل أموالهم، الرجل منهم عند الفتح خير من ألف رجل من المشركين، فالقهم بجندك ولا تستوحش لمن غاب عنك من المسلمين، فإن الله معك، وأنا مع ذلك ممدك بالرجال، حتى تكتفي ولا تريد أن تزداد إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ( ).
وكتب يزيد بن أبي سفيان إلى أبي بكر  بنفس مضمون كتاب أبي عبيدة بن الجراح ورد الصديق على يزيد رضي الله عنهم جميعا، وهذا نص الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فقد بلغني كتابك تذكر فيه تحول ملك الروم إلى أنطاكية، وأن الله ألقى الرعب في قلبه من جموع المسلمين، فإن الله -وله الحمد- قد نصرنا ونحن مع رسول الله × بالرعب وأمدنا بملائكته الكرام، وإن ذلك الدين الذي نصرنا الله به بالرعب هو هذا الدين الذي ندعو الناس إليه اليوم، فوربك لا يجعل الله المسلمين كالمجرمين، ولا من يشهد أن لا إله إلا الله كمن يعبد معه آلهة آخرين ويدين بعبادة آلهة شتى، فإذا لقيتموهم فانهد إليهم بمن معك وقاتلهم فإن الله لن يخذلك، وقد نبأنا الله -تبارك وتعالى- أن الفئة القليلة منا تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله، وأنا مع ذلك ممدك بالرجال في إثر الرجال حتى تكتفوا ولا تحتاجوا إلى زيادة إنسان إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله. وبعث الصديق بهذا الكتاب مع عبد الله بن قرط الثمالي، حتى قدم على يزيد فقرأه على المسلمين ففرحوا به وسُرُّوا ( ).
وجاء كتاب من عمرو بن العاص بخصوص جموع الروم، ورد عليه الصديق فقال: سلام عليك، أما بعد: فقد جاءني كتابك تذكر ما جمعت الروم من الجموع، وإن الله لم ينصرنا مع نبيه × بكثرة جنود، وقد كنا نغزو مع رسول الله × وما معنا إلا فَرَسان، وإن نحن إلا نتعاقب الإبل، وكنا يوم أحد مع رسول الله × وما معنا إلا فرس واحد كان رسول الله يركبه، ولقد كان يظهرنا ويعيننا على من خالفنا. واعلم يا عمرو أن أطوع الناس لله أشدهم بغضًا للمعاصي، فأطع الله ومر أصحابك بطاعته ( ).
خروج هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى الشام:
وشرع الصديق في إمداد الجيوش الإسلامية ببلاد الشام بالرجال والسلاح والخيول وما يحتاجونه، ودعا هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وقال له: يا هاشم، إن من سعادة جَدِّك ووفاء حظك أنك أصبحت ممن تستعين به الأمة على جهاد عدوها من المشركين، وممن يثق الوالي بنصيحته ووفائه وعفافه وبأسه، وقد بعث إليَّ المسلمون يستنصرون على عدوهم من الكفار، فسر إليهم فيمن تبعك، فإنني نادب الناس معك، فاخرج حتى تقدم على أبي عبيدة أو يزيد قال: لا، بل على أبي عبيدة! قال: فاقدم على أبي عبيدة. وقام أبو بكر  في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فإن إخوانكم من المسلمين معافون مدفوع عنهم مصنوع لهم، وقد ألقى الله الرعب في قلوب عدوهم منهم، وقد اعتصموا بحصونهم وأغلقوا أبوابها دونهم عليهم، وقد جاءتني رسلهم يخبرونني بهرب هرقل ملك الروم من بين أيديهم حتى نزل قرية من قرى الشام في أقصى الشام وقد بعثوا إلي يخبرونني أنه قد وجه إليهم هرقل جندًا من مكانه ذلك، فرأيت أن أمد إخوانكم المسلمين بجند منكم يشدد الله بهم ظهورهم، ويكبت بهم عدوهم، ويلقي بهم الرعب في قلوبهم، فانتدبوا رحمكم الله مع هاشم ابن عتبة بن أبي وقاص واحتسبوا في ذلك الأجر والخير؛ فإنكم إن نصرتم فهو الفتح والغنيمة، وإن تهلكوا فهي الشهادة والكرامة، ثم انصرف أبو بكر  إلى منزله ومال الناس على هاشم حتى كثروا عليه، فلما أتموا ألفًا أمره أبو بكر أن يسير فجاء فسلم عليه، وودعه، فقال له أبو بكر : يا هاشم، إنما كنا ننتفع من الشيخ الكبير برأيه ومشورته وحسن تدبيره، وكنا ننتفع من الشباب بصبره وبأسه ونجدته، وإن الله -عز وجل- قد جمع لك الخصال كلها وأنت حديث السن مستقبل الخير، فإذا لقيت عدوك فاصبر وصابر، واعلم أنك لا تخطو خطوة ولا تنفق نفقة ولا يصيبك ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله إلا كتب الله به عملاً صالحًا، إن الله لا يضيع أجر المحسنين.
فقال هاشم: إن يرد الله بي خيرًا يجعلني كذلك وأنا أفعل ولا قوة إلا بالله، وأنا أرجو إن أنا لم أقتل أن أَقْتل ثم أُقْتَل إن شاء الله، فقال له عمه سعد بن أبي وقاص : يا ابن أخي، لا تطعنن طعنة، ولا تضربن ضربة إلا وأنت تريد بها وجه الله، واعلم أنك خارج من الدنيا رشيدًا وراجع إلى الله قريبًا، ولن يصحبك من الدنيا إلى الآخرة إلا قدم صدق قدمته أو عمل صالح أسلفته، فقال: أي عم، لا تخافن مني غير هذا، إني إذا لمن الخاسرين إن جعلت حلي وارتحالي وغدوي ورواحي وسيفي وطعني برمحي وضربي بسيفي رياء للناس. ثم خرج من عند أبي بكر  فلزم طريق أبي عبيدة، حتى قدم عليه فتباشر بمقدمه المسلمون وسرُّوا به ( ).
خروج سعيد بن عامر إلى الشام:
وبعد ذهاب هاشم بن عتبة بمدة أمر أبو بكر بلالاً فنادى في الناس ألا انتدبوا أيها المسلمون مع سعيد بن عامر بن حذيم إلى الشام فانتدب معه سبعمائة رجل في أيام يسيرة، فلما أراد سعيد بن عامر الشخوص بالناس أتى بلال أبا بكر، فقال: يا خليفة رسول الله، إن كنت إنما أعتقتني لأقيم معك وتمنعني مما أرجو لنفسي فيه الخير أقمت معك, وإن كنت إنما أعتقتني لله لأملك نفسي وأضرب فيما ينفعني فخلِّ سبيلي حتى أجاهد في سبيل ربي؛ فإن الجهاد أحب إليَّ من المقام. فقال له أبو بكر: أما إذا كان هواك في الجهاد فلم أكن لآمرك بالمقام، إنما كنت أريدك للأذان وإني لأجد لفراقك وحشة يا بلال، فما بد من التفرق, فرقة لا لقاء بعدها أبدًا حتى يوم البعث، فاعمل عملاً صالحًا يا بلال يكن زادك من الدنيا ويذكرك الله به ما حييت، ويحسن لك به الثواب إذا توفيت. فقال بلال: جزاك الله من ولي نعمة وأخ في الإسلام خيرًا، فوالله ما أمرك لنا بالصبر على طاعة الله والمداومة على الحق والعمل الصالح ببدع، وما أريد أؤذن لأحد بعد رسول الله ×. ثم خرج بلال مع سعيد بن عامر بن حذيم، وكان أبو بكر قد أمر سعيد بن عامر أن يسير حتى يلحق بيزيد بن أبي سفيان فسار حتى لحقه فشهد معه وقعة العَرَبة والداثنة ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:47 PM
وكانت وفود الجهاد تتوافد على المدينة، ويقوم الصديق بتوجيهها إلى الجهات، وكانت بعض الوفود من أهل القرى فيهم جهل وجفاء، فكان أهل المدينة من صحابة وتابعين يحتملون أذى بعض الوفود الذين لم يتلقوا تربية إسلامية كافية، ويرفعون أمر ما يلاقونه منهم إلى خليفة رسول الله، ولم يذكر أنه حصل نزاع بينهم مع كثرة الوفود التي وفدت على المدينة. وكان أبو بكر الصديق قد ناشد المجتمع المدني، ( ) وقال لهم: نشدتك الله أمرًا مسلمًا سمع نشدي لما كف عن هؤلاء القوم، ومن رأي لي عليه حقا فليحتمل ذرب ( ) ألسنتهم، وعجلة يكرهها منهم ما لم يبلغ ذلك الحد، فإن الله مهلك بهؤلاء أعداءنا جموع هرقل والروم، وإنما هم إخوانكم، فإن كانت منهم عجلة على أحد منكم فليحتمل ذلك، ألم يكن ذلك أصوب في الرأي وخيرًا في المعاد من أن يُنْتصر منهم؟
قال المسلمون: بلى.
قال: فإنهم إخوانكم في الدين وأنصاركم على الأعداء، ولهم عليكم حق فاحتملوا ذلك لهم، ثم نزل من على المنبر ( ).
خامسًا: توجيه خالد إلى الشام ومعركة أجنادين واليرموك:
كانت قيادة الجيوش الإسلامية بالشام تتابع تطور حركة الجيوش الرومانية، وشعر القادة بخطورة الموقف فعقدوا مؤتمرًا بالجولان، وكتب أبو عبيدة إلى الخليفة يشرح له الموقف، وفي الوقت نفسه قرروا الانسحاب من جميع الأراضي التي تم فتحها وتجمعوا في مكان واحد ليتمكنوا من إحباط خطة الرومان وإجبارهم على خوض معركة فاصلة تخوضها كل الجيوش الإسلامية. وكان عمرو بن العاص أشار على القادة أن يكون التجمع باليرموك، وجاء رأي الصديق مطابقًا لرأي عمرو بن العاص ( ) في اختيار مكان التجمع، واتفقوا أن يتم الانسحاب مع تجنب الاشتباك مع العدو، فانسحب أبو عبيدة من حمص، وانسحب شرحبيل بن حسنة من الأردن، وانسحب يزيد بن أبي سفيان من دمشق، وأخذ عمرو بن العاص في الانسحاب تدريجيًا من فلسطين ( )، ولكنه لم يستطع الانسحاب منها حتى نجده خالد بن الوليد قبل اليرموك، فظل يناور في بئر السبع لمتابعة الروم له، وبذلك شن المسلمون هجومًا مضادًا فكانت معركة أجنادين ( ).
عندما تسلم الصديق رسالة أبي عبيدة وشرح له فيها الموقف أمره بالانسحاب إلى اليرموك والتجمع هناك، وقال له: بث خيلك في القرى والسواد وضيق عليهم بقطع الميرة والمادة، ولا تحاصروا المدائن حتى يأتيك أمري فإن ناهضوك فانهد لهم واستعن بالله عليهم، فإنه ليس يأتيهم مدد إلا أمددناك بمثلهم ( )، وجاء في رواية: إن مثلكم لا يؤتى من قلة إنما يؤتى العشرة الآلاف إذا أوتوا من تلقاء الذنوب، فاحترسوا من الذنوب واجتمعوا باليرموك متساندين، وليصل كل رجل منكم بأصحابه. ( ) وكان توجيه الصديق للجيوش بأنه يجتمعوا ويكونوا عسكرا واحدا، وأن يلقوا زحوف المشركين بزحف المسلمين، وقال لهم: بأنكم أعوان الله، والله ناصر من نصره وخاذل من خذله ( ).
ونرى من خلال رسائل الصديق بأنه وضع أساس النصر للجيوش بطاعتها لله أولاً، فالخذلان يأتي بالمعاصي والذنوب. وعمل الصديق على تجميع الجيوش في مكان واحد حتى لا يستغل العدو فترة انتشارهم في البلاد لينهك قواهم الواحد بعد الآخر، كما أن تعيينه لليرموك دال على دراسة الصديق لجغرافية الأرض في عصره وإدراكه لمواقعها، وهذا فقه حربي عظيم وفقه الله -عز وجل- له. وقرر الصديق أن ينقل خالد بن الوليد بجيشه إلى الشام وأن يتولى قيادة الجيوش بها، فالأمر بالشام يحتاج إلى قائد يجمع بين قدرة أبي عبيدة ودهاء عمرو وحنكة عكرمة وإقدام يزيد، وأن يكون صاحب قدرة عسكرية فائقة مع قدرة على حسم الأمور وصاحب دهاء وحيلة وإقدام، وصاحب حنكة ودراية مع دقة في تقدير المواقف، وصاحب تجربة طويلة في المعارك ( )، فوقع اختيار الصديق على خالد بن الوليد فكتب إليه بالعراق ونفذ ابن الوليد تعاليم الخليفة، ووصل بجيشه إلى الشام بعد رحلة عبر الصحراء لم يذكر التاريخ شبيهًا لها، وقد بينت ذلك, فكانت إمدادات الصديق تتواصل على الشام، ويضع الخطط المتطورة ويرد على أساليب الأعداء التكتيكية والمعنوية والمادية التي كان هدفها إشغال الصديق عن هدفه حتى قال قادة الروم: والله لنشغلن أبا بكر عن أن يورد الخيول إلى أرضنا ( )، وكان رد الصديق: والله لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد. ( ) وقد حققت توجيهات الصديق عدة أمور، منها: توحيد جيش المسلمين في الشام، وتوحيد قيادة هذا الجيش بإمرة خالد، وتحديد موقع اللقاء، وهذا يؤكد وضوح الرؤية عند الخليفة أبي بكر في تحريك الجيوش، فكان عندما أرسلها من المدينة خرجت في طرق متباعدة نسبيًا فكانت على شكل رؤوس حراب أو على شكل مروحة، وهو عادة ما يعرف بحركة الانتشار في الجيوش الحديثة، وعندما حان وقت الاشتباك واللقاء الفاصل جمعها مع بعضها في موقع اختاره لها، فقد ظهرت قدرته البارعة في استعمال الجيوش وهو ما اتفق على تسميته «بالاستراتيجية» في العلم العسكري الحديث ( )، وكان الصديق كقائد عام للجيوش الإسلامية يحرص على حضوره المعنوي في ميدان القتال بالأوامر، مع ما كانت تتميز به تلك الأوامر من تبصر وبعد نظر، ونفاذ في البصيرة وبداهة في فهم الوضع العسكري على أرض المعركة، وبالتالي سرعته في تحريك القوى وفقا لهذا الوضع وبما يلائمه تمام الملاءمة، وحسن اختياره للقادة الذين كانوا بفعل الثقة المتبادلة بينه وبينهم يقرءون أفكاره ويحسون برغباته ونواياه، فتتجسد في مخيلتهم فكرة المناورة التي يعتزم تنفيذها ويقومون بتنفيذها كما لو كان الخليفة ينفذها، وبواسطة هذه الوسائل كان الخليفة يدير المعارك على الجبهات المختلفة كأنما هو حاضر في كل منها، بحيث يحس الجيش قادة وجنودًا كأن الخليفة نفسه معهم يقودهم ويوجههم، فيأتي عملهم مطابقًا تمام المطابقة لما يريد ويرغب، ووفقا لأوامره وتوجيهاته ( ).
وعندما أرسل الصديق إلى خالد يأمره بالتوجه إلى الشام وتولي الجيوش هناك، قام الصديق بإرسال رسالة إلى أبي عبيدة يخبره فيها بتولية خالد عليه ويأمره فيها بالسمع والطاعة، وبيَّن فيها سبب تولية خالد: أما بعد، فإني قد وليت خالدًا قتال الروم بالشام، فلا تخالفه واسمع له وأطع أمره، فإني وليته عليك وأنا أعلم أنك خير منه، ولكن ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك، أراد الله بنا وبك سبيل الرشاد، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. ( ) وكانت رسالة خالد إلى أخيه أبي عبيدة قد قطعت المسافات من العراق إلى الشام واستقرت في قلبه الغني بالإيمان والزهد في هذه الدنيا الفانية، وهذا نصها:
لأبي عبيدة بن الجراح من خالد بن الوليد، سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإني أسأل الله لنا ولك الأمن يوم الخوف والعصمة في دار الدنيا، فقد أتاني كتاب خليفة رسول الله يأمر فيه بالمسير إلى الشام وبالمقام على جندها والتولي على أمرها، والله ما طلبت ذلك ولا أردته ولا كتبت إليه فيه، وأنت رحمك الله على حالك الذي كنت به: لا تُعْصى في أمرك ولا يخالف رأيك ولا يقطع أمر دونك، فأنت سيد من سادات المسلمين لا ينكر فضلك ولا يستغنى عن رأيك، تمم الله ما بنا وبك من نعمة الإحسان، ورحمنا وإياك من عذاب النار، والسلام عليك ورحمة الله. ( )
وكان مع حامل الرسالة خطاب من خالد موجها إلى المسلمين بالشام، جاء فيه: … أما بعد: فإني أسأل الله الذي أعزنا بالإسلام وشرفنا بدينه وأكرمنا بنبيه محمد × وفضلنا بالإيمان رحمة من ربنا لنا واسعة، ونعمة منه علينا سابغة أن يتمم ما بنا وبكم من نعمته، واحمدوا الله عباد الله يزدكم، وارغبوا إليه في تمام العافية يدمها لكم، وكونوا له على نعمة من الشاكرين. وإن كتاب خليفة رسول الله أتاني يأمرني بالمسير إليكم، وقد شمرت وانكمشت وكأن خيلي قد أطلت عليكم في رجال، فأبشروا بإنجاز موعود الله وحسن ثوابه. عصمنا الله وإياكم بالإيمان، وثبتنا وإياكم على الإسلام، ورزقنا وإياكم حسن ثواب المجاهدين، والسلام عليكم ( ).
فلما قدم حامل الرسالتين عمرو بن الطفيل بن عمرو الأزدي على المسلمين وقرأ عليهم خطاب خالد بن الوليد وهم بالجابية دفع إلى أبي عبيدة كتابه، فلما قرأه قال: بارك الله لخليفة رسول الله فيما رأى، وحيا الله خالدًا بالسلام. ( ) إن هذا التعامل الرفيع بين هذين العظيمين يكشف لنا عن معاني الأخوة المنبثقة عن التوحيد الصحيح، والمحفوفة بسياج الأخلاق الحميدة التي كان يتصف بها صحابة رسول الله، فإن خالد لم تتغير نفسه أو يشعر بعلو على إخوانه بسبب فتوحاته في العراق وثقة الخليفة به، بل يعترف بالفضل لأهله ويعلن طاعته لأبي عبيدة بن الجراح الذي ولي الأمر من بعده، وفي مقابل ذلك نجد أبا عبيدة بن الجراح الذي يبارك هذا الأمر ويحيي خالدًا، وهذا يدل على تجرد خالد وأبي عبيدة من حظوظ النفس وإيثارهم لمصلحة الأمة، وإرادتهم وجه الله في أعمالهم.( ) وفي هذا درس عظيم لأبناء الأمة على مستوى الحكومات والحركات والشيوخ والدعاة والقادة والزعماء في التعامل فيما بينهم عند التعيين أو العزل أو الفصل

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:48 PM
1- معركة أجنادين:
وصل خالد إلى الشام وفتح بصرى واجتمع بقيادة المسلمين أبي عبيدة وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان، ودرس الموقف العسكري واطلع على أدق تفاصيله، كما اطلع على موقف عمرو بن العاص الذي كان ينسحب محاذاة ضفة نهر الأردن لكي يلتقي بجيوش المسلمين الأخرى، ومحاذرًا للاشتباك معه في معركة فاصلة، إلا أن عَمْرًا كان في تمام اليقظة والحذر وعلى علم تام بأنه ليس من مصلحته الاشتباك في مثل هذه المعركة؛ لأن جيشه لم يكن يتجاوز السبعة آلاف بينما كان جيش الروم يقارب السبعين ألف، وبعد أن درس خالد الموقف العسكري رأى أن أمامه خيارين، فإما أن يسرع وينضم إلى جيش عمرو ويخوض وإياه معركة فاصلة فيقضي على قوة الروم الكبيرة فيتعزز الموقف العسكري للجيش الإسلامي ويصون خط رجعته ويحمي جناحه الأيسر ويثبت أقدام المسلمين في فلسطين، وإما أن يقف مكانه ويوعز إلى عمرو بالانضمام إليه، ثم ينتظر قوات الروم التي كانت تزحف نحوه من دمشق ليخوض معها معركة فاصلة، وقد فضل خالد أن يأخذ الخيار الأول؛ لأن التغلب على جيش الروم في فلسطين وتشتيته يحفظ للمسلمين خط رجعتهم ويعزز مركزهم، ويجعلهم في موقف يستطيعون معه تهديد الجيش الرومي، ويجعلونه يتوقع حصول حركة التفاف من خلفه، فيضطر للأخذ بتدابير خاصة للحماية تشغل جانبًا من قواته، فيصبح بذلك مدافعًا بعد أن كان مهاجمًا.
فانحدر من اليرموك إلى سهل فلسطين بعدما أصدر أمره إلى عمرو بأن ينسحب متدرجًا جيش الروم حتى يصل جيش خالد فيطبقان عليه فارتد عمرو إلى أجنادين ( )، وعندما وصلت قوات خالد أصبح جيش المسلمين بحدود ثلاثين ألف مقاتل، وكان وصول خالد في الوقت المناسب، فما أن اصطدمت قوات عمرو بالروم حتى انقض خالد بقواته الرئيسة، وجرت معركة عنيفة، وكان لمهارة القائدين خالد وعمرو العسكرية دور كبير في تحقيق النصر الحاسم؛ حيث تم توجيه قوة اقتحامية اخترقت صفوف العدو حتى وصلت إلى قائد الروم فقتلوه، وبمقتل القائد انهارت مقاومة الروم وهربوا في اتجاهات مختلفة ( ).
وقد كانت أجنادين أولى المعارك الكبيرة في بلاد الشام بين المسلمين والروم، فلما انتهى خبر الهزيمة إلى قيصر الروم هرقل وهو في حمص شعر بمدى الكارثة ( ).
وكتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر  بفتح الله -عز وجل- عليه وعلى المسلمين: لعبد الله أبي بكر خليفة رسول الله من خالد بن الوليد سيف الله المصوَّب على المشركين، أما بعد: سلام عليكم، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإني أخبرك أيها الصديق أنا التقينا نحن والمشركون وقد جمعوا لنا جموعًا جمة كثيرة بأجنادين، وقد رفعوا صُلُبهم ونشروا كتبهم وتقاسموا بالله لا يفرون حتى يصيبونا أو يخرجونا من بلادهم، فخرجنا إليهم واثقين بالله متوكلين على الله فطاعناهم بالرماح ثم صرنا إلى السيوف فقارعناهم في كل فج وشعب وغائط، فأحمد الله على إعزاز دينه وإذلال عدوه، وحسن الصنع لأوليائه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فلما وصل الكتاب إلى أبي بكر -رحمة الله عليه- فرح به وأعجبه، وقال: الحمد لله الذي نصر المسلمين وأقر عيني بذلك ( ).
2- اليرموك:
عادت بواكير النصر من وقعة أجنادين بعد الانتصار الكبير الذي حققه المسلمون في هذه الموقعة وهزيمة الروم، واطمأن المسلمون إلى ما حققوه من نصر في أجنادين، واجتمعت جيوش المسلمين في اليرموك تنفيذًا لأمر الخليفة الصديق، وتحركت جيوش الروم بقيادة تيدور ونزلت في منزل واسع الطعن واسع المطرد ضيق المهرب، فسارت حشود الروم حتى نزلوا الواقوصة قريبًا من اليرموك.
قوات الطرفين:
المسلمون أربعون ألف مقاتل وقيل: خمسة وأربعون ألفًا بقيادة خالد بن الوليد.
الروم: يقدر عدد الروم بمائتين وأربعين ألفا بقيادة تيدور.
قبل المعركة:
المسلمون: وصل المسلمون بقيادة خالد بن الوليد اليرموك فعسكروا بها حتى اجتمعت الروم مع أمرائها على الضفة الجنوبية للنهر، وقال عمرو بن العاص: «أبشروا أيها الناس، فقد حصرت والله الروم وقلما جاء محصور بخير» ( ).
وخرج خالد بن الوليد بأسلوب جديد لم يستخدمه العرب من قبل ذلك ( )، فاستخدم أسلوبا جديدا وهو الكراديس، فخرج في ستة وثلاثين كردوسا إلى أربعين ورتب جيشه الترتيب الآتي:
- فرقًا، وفيها من عشرة إلى عشرين كردوسًا ولها قائد وأمير.
- كراديس: ألف مقاتل، وله قائد وأمير ( ).
- وقسم جيشه إلى أربعين كردوسا كما يلي:
فرقة القلب: مؤلفة من ثمانية عشر كردوسًا بقيادة أبي عبيدة بن الجراح ومعه عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو.
فرقة الميمنة: مؤلفة من عشرة كراديس بقيادة عمرو بن العاص ومعه شرحبيل بن حسنة.
فرقة الميسرة: مؤلفة من عشرة كراديس بقيادة يزيد بن أبي سفيان.
فرقة الطليعة «المقدمة» من الخيالة والمخافر الأمامية ومهمتها المراقبة والاستطلاع والاحتفاظ على التماس مع العدو، ولذلك تكون فرقة صغيرة وخفيفة.
فرقة المؤخرة: مؤلفة من خمسة آلاف مقاتل (خمسة كراديس) بقيادة سعيد بن يزيد، ومهمتها قيادة الظعن «الأمور الإدارية»، وكان القاضي «أبو الدرداء»، وعلى الأقباض
عبد الله بن مسعود ومهمته تأمين الأمور الإدارية والإعاشة وجمع الغنائم، والقارئ المقداد بن الأسود وكان يدور على الناس ويقرأ سورة الأنفال وآيات الجهاد لرفع المعنويات، وخطيب الجيش أبو سفيان بن حرب وهو يطوف على الصفوف( ) يحث الجند على القتال، والقائد العام خالد بن الوليد في الوسط وحوله كبار الصحابة، وأعد الجيش الإسلامي بقيادة خالد بن الوليد في الوسط لكل شيء عدته، وأخذ كل قائد من القواد يمر على جنده ويحثهم على الجهاد والصبر والمصابرة، ورأى قادة المسلمين أن هذه المعركة هي معركة يتوقف عليها نتائج كبرى وأنها الحاسمة، وكان خالد يعلم أنه إن رد الروم إلى خندقهم فسيظل يردهم وإن هزموه فلن يفلح بعدها؛ أي أن هزيمة الروم في هذه المعركة تعني هزيمتهم في أرض الشام كلها وتفتح أبواب الشام على مصراعيها للمسلمين دون حواجز ولا عراقيل، والانطلاق منها إلى مصر, فآسيا وأوربا ( ).
التعبئة الإيمانية:
ولما تراءى الجمعان وتبارز الفريقان وعظ أبو عبيدة المسلمين، فقال: عباد الله،
انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، فإن وعد الله حق. يا معشر المسلمين: اصبروا، فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار، ولا تبرحوا مصافكم ولا تخطوا إليهم خطوة ولا تبدءوهم بالقتال وأشرعوا الرماح واستتروا بالدرق والزموا الصمت إلا من ذكر الله في أنفسكم، حتى آمركم إن شاء الله تعالى. وخرج معاذ بن جبل على الناس فجعل يذكرهم ويقول: يا أهل القرآن ومستحفظي الكتاب، وأنصار الهدى، وأولياء الحق: إن رحمة الله لا تنال وجنته لا تُدخل بالأماني, ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادق المصدق، ألم تسمعوا لقوله تعالى: +وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ" [النور: 55]، فاستحيوا رحمكم الله من ربكم أن يراكم فرارًا من عدوكم وأنتم في قبضته، وليس لكم ملتحد من دونه ولا عز بغيره.
وقال عمرو بن العاص: يا أيها المسلمون: غضوا الأبصار واجثوا على الركب وأشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا إليهم وثبة الأسد، فوالذي يرضى الصدق ويثيب عليه ويمقت الكذب ويعاقب عليه ويجزي بالإحسان إحسانًا، لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرًا كفرًا وقصرًا قصرًا، فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشَّدة تطايروا تطاير أولاد الحجل. وقال أبو سفيان: يا معشر المسلمين، إنكم قد أصبحتم في دار العجم منقطعين عن الأهل، نائين عن أمير المؤمنين وأمداد المسلمين، وقد والله أصبحتم بإزاء عدو كثير عدده شديد عليكم حنقه، وقد وترتموهم في أنفسهم وأولادهم ونسائهم وأموالهم وديارهم. والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم ولا يبلغ بكم رضوان الله غدا إلا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة، فامتنعوا بسيوفكم وتعاونوا، ولتكن هي الحصون. ثم ذهب إلى النساء فوصاهن،( ) ثم عاد فنادى: يا معشر أهل الإسلام: حضر ما ترون، فهذا رسول الله والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم، ثم سار إلى موقفه ( ) رحمه الله.
وقد وعظ الناسَ أبو هريرة فجعل يقول: سارعوا إلى الحور العين وجوار ربكم -عز وجل- في جنات النعيم، ما أنتم إلى ربكم من موطن بأحب إليه منكم في مثل هذا الموطن، لا وإن للصابرين فضلهم. وجعل أبو سفيان يقف على كل كردوس ويقول: الله الله، إنكم ذادة العرب وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الروم وأنصار الشرك. اللهم إن هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك. ( ) قال رجل من نصارى العرب لخالد بن الوليد: ما أكثر الروم وأقل المسلمين!! فقال خالد: ويلك، أتخوفني بالروم؟ إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الأشقر برأ من توجِّيه وأنهم أضعفوا في العدد، وكان فرسه قد حفيَ واشتكى في مجيئه من العراق ( ).
وجعل معاذ بن جبل كلما سمع أصوات القسيسين والرهبان يقول: اللهم زلزل أقدامهم وأرعب قلوبهم وأنزل علينا السكينة، وألزمنا كلمة التقوى، وحبب إلينا اللقاء وأرضنا بالقضاء ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:49 PM
5- الروم:
أقبلت الروم في خيلائها وفخرها وقد سدت أقطار تلك البقعة سهلها ووعرها، كأنهم غمامة سوداء يصيحون بأصوات مرتفعة ورهبانهم يتلون الإنجيل ويحثونهم على القتال. ( ) ونزلت الروم الواقوصة قريبًا من اليرموك، وصار الوادي خندقا عليهم، وتعبأ الروم باستخدام أسلوب الكراديس في خطين، كل خمسة في دائرة يفصل بينهما وبين الخمسة الأخرى فاصل، ثم يأتي الخط الثاني وراء فرجات الخط الأول، واتبع الروم في قتالهم الترتيب التالي:
- الرماة في المقدمة، واجبهم أن ينشبوا القتال ثم الانسحاب إلى الوراء والأجنحة.
- الخيالة بالجناحين، واجبهم حماية الرماة حتى انسحابهم من الخلف.
- الكراديس «المشاة»، واجبهم الاقتحام.
- قائد المقدمة جرجه.
- قائد الجناحين: ماهان والدارقص ( ).
المفاوضات قبل القتال:
ولما تقارب الناس تقدم أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان نحو جيش الروم، ومعهما ضرار ابن الأزور، والحارث بن هشام، ونادوا: إنما نريد أميركم لنجتمع به، فأذن لهم في الدخول على تذارق، وإذا هو جالس في خيمة من حرير، فقال الصحابة: لا نستحل دخولها، فأمر لهم بفراش بسط من حرير، فقالوا: ولا نجلس على هذه، فجلس معهم حيث أحبوا، وتفاوضوا على الصلح ورجع عنهم الصحابة بعدما دعوهم إلى الله -عز وجل- فلم يتم ذلك ( ).
وذكر الوليد بن مسلم: أن ماهان طلب خالد ليبرز إليه فيما بين الصفوف فيجتمعا في مصلحة لهم، فقال ماهان: إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم إلا الْجَهْد والجوع، فهلموا إليَّ أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعامًا وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها، فقال خالد: إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غير أنا قوم نشرب الدماء، وأنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم، فجئنا لذلك. فقال أصحاب ماهان: هذا والله ما كنا نحدث به عن العرب ( ).
إنشاب القتال:
لما تكامل الاستعداد ولم تنجح المفاوضات تقدم خالد إلى عكرمة بن أبي جهل والقعقاع ابن عمر، وهما على مجنبتي القلب أن ينشبا القتال، فبدرا يرتجزان ودعوا إلى البراز، وتنازل الأبطال وتجاولوا وحميت الحرب وقامت على ساق.
هذا وخالد مع كردوس من الحماة الشجعان الأبطال بين يدي الصفوف، والأبطال يتصاولون بين يديه وهو ينظر ويبعث إلى كل قوم من أصحابه بما يعتمدونه من الأفاعيل، ويدبر أمر الحرب أتم التدبير ( ).
إسلام أحد قادة الروم في ميدان المعركة:
وخرج جرجة -أحد الأمراء الكبار- من الصف واستدعى خالد بن الوليد، فجاء إليه حتى اختلفت أعناق فرسيهما فقال جرجة: يا خالد، أخبرني فاصدقني ولا تكذبني فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله، هل أنزل الله على نبيكم سيفًا من السماء فأعطاكه فلا تسله على أحد إلا هزمتهم؟ قال: لا. قال: فبم سميت سيف الله؟ قال: إن الله بعث فينا نبيه فدعانا فنفرنا منه ونأينا عنه جميعًا، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه وبعضنا كذبه وباعده، فكنت فيمن كذبه وباعده، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه، فقال لي: «أنت سيف من سيوف الله سله على المشركين» ( ). ودعا لي بالنصر، فسميت سيف الله بذلك، فأنا أشد المسلمين على المشركين، فقال جرجة: يا خالد، إلى ما تدعون؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به من عند الله عز وجل، قال: فمن لم يجبكم؟ قال: فالجزية ونمنعهم. قال: فإن لم يعطها؟ قال: نؤذنه بالحرب ثم نقاتله، قال: فما منزلة من يجيبكم ويدخل في هذا الأمر اليوم؟ قال: منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا. قال جرجة: فلمن دخل فيكم اليوم من الأجر مثل ما لكم من الأجر والذخر؟ قال: نعم وأفضل. قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟ فقال خالد: إن قبلنا هذا الأمر عنوة وبايعنا نبينا وهو حي بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتاب ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا. فقال جرجة: بالله لقد صدقتني ولم تخادعني؟ قال: تالله لقد صدقتك، وأن الله وليُّ ما سألت عنه، فعند ذلك قلب جرجة الترس ومال مع خالد، وقال: علمني الإسلام فمال به خالد إلى فسطاطه فَسَنَّ عليه قربة من ماء ثم صلى به ركعتين، وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد وهم يرون أنها منه حملة فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية عليهم عكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام ( ).
ميسرة الروم تحمل على ميمنة المسلمين:
تقدمت صفوف الروم وأقبلت كقطع الليل للقيام بهجوم عام على الجيش الإسلامي، وحملت ميسرتهم على ميمنة المسلمين فانكشف قلب الجيش الإسلامي من ناحية الميمنة، واستطاع الروم إحداث ثغرة في صفوف المسلمين والتسلل إلى مؤخرتهم، فصاح معاذ بن جبل: يا عباد الله المسلمين إن هؤلاء شدوا للشد عليكم، ولا والله لا يردهم إلا صدق اللقاء والصبر في البلاء، ثم نزل عن فرسه وقال: من أراد أن يأخذ فرسي ويقاتل عليه فليأخذه، وآثر بذلك أن يقاتل راجلاً مع المشاة. ( ) وثبتت قبائل الأزد ومذحج وحضرموت وخولان حتى صدوا أعداء الله، ثم ركبهم من الروم أمثال الجبال فزال المسلمون من الميمنة إلى القلب، وانكشف طائفة من الناس إلى العسكر، وثبت سور من المسلمين عظيم يقاتلون تحت راياتهم، ثم تنادوا فتراجعوا حتى نهنهوا من أمامهم من الروم وأشغلوهم عن اتباع من انكشف من الناس، واستقبل النساء من انهزم من سَرعان الناس يضربنهم بالخشب والحجارة، فتراجعوا إلى مواقفهم ( ).
فقال عكرمة بن أبي جهل: قاتلت رسول الله في مواطن وأفر منكم اليوم؟ ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه عمُّه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أُثْبِتوا جميعا جراحا، وقتل منهم خلق، منهم ضرار بن الأزور  ( ).
وقد ذكر الواقدي وغيره أنهم لما صرعوا من الجراح استسقوا ماء فجئ إليهم بشربة ماء فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعًا، ولم يشربها أحد منهم رضي الله عنهم أجمعين.
ويقال: إن أول من قتل من المسلمين يومئذ شهيدا رجل جاء إلى أبي عبيدة فقال: إني قد تهيأت لأمر فهل لك حاجة إلى رسول الله ×؟ قال: نعم تقرئه عني السلام، وتقول: يا رسول الله، إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا. قال: فتقدم هذا الرجل حتى قتل رحمه الله. وثبت كل قوم على رايتهم حتى صارت الروم تدور كأنها الرحا، فلم تر يوم اليرموك إلا مُخًّا ساقطا ومعصما نادرا، وكفا طائرة من ذلك الموطن ( ).
ميمنة الروم تحمل على ميسرة المسلمين:
حملت ميمنة الروم بقيادة قناطر على ميسرة المسلمين حملة شديدة، وكانت في ميسرة المسلمين قبائل كنانة وقيس وخثعم وجذام وقضاعة وعاملة وغسان، فأزيلت عن مواضعها، فانكشف قلب المسلمين من ناحية الميسرة وركب الروم أكتاف من انهرم من المسلمين، وتبعوهم حتى دخلوا معسكر المسلمين، فاستقبلتهم نساء المسلمين بالحجارة وأعمدة الخيام يضربنهم على وجوههم ويقلن لهم: أين عز الإسلام والأمهات والأزواج، أين تفرون وتدعوننا للعلوج؟ فإذا زجرنهم خجل أحدهم من نفسه ورجع إلى القتال، وقتلوا من الروم خلقًا كثيرًا، واستشهد في هذه المرحلة سعيد بن زيد. وحاولت ميسرة الروم مرة أخرى بشن الهجوم على ميمنة المسلمين، فشدوا على عمرو بن العاص وجنده في محاولة اختراق الصفوف لكي يقوموا بعملية التطويق، وقاتل عمرو وجنده عن مواضعهم إلا أن الروم تمكنوا من دخول معسكرهم، ونزلت المسلمات من التل وأخذن يضربن وجوه الرجال المراجعين، وقالت ابنة عمرو: قبح الله رجلاً يفر عن حليلته، وقبح الله رجلاً يفر عن كريمته. وقالت أخريات: لستم بعولتنا إن لم تمنعونا، وبذلك ارتدت إلى المسلمين عزائمهم،
ودخلوا للقتال مرة أخرى، وحمل المسلمون على الروم من جديد حتى أزاحوهم عن المواضع التي كسبوها ( ).
الحركة الإفراجية والقضاء على مشاة الروم:
حمل خالد بمن معه من الخيالة على الميسرة التي حملت على ميمنة المسلمين فأزالوهم إلى القلب، فقتل من الروم في حملته هذه ستة آلاف، ثم قال: والذي نفسي بيده لم يبق عندهم من الصبر والجلد غير ما رأيتم، وإني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم. ثم اعترضهم فحمل بمائة فارس معه على نحو من مائة ألف، فما وصل إليهم حتى انقض جميعهم، وحمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد فانكشفوا، وتبعهم المسلمون لا يمتنعون منهم. ( ) وقامت ميمنة المسلمين بإغلاق المنافذ والثغرات في وجوه الروم وحصروا بين وادي اليرموك ونهر الزرقاء، ودارت رحى المعركة وأبلى المسلمون بها بلاء حسنا، واستطاع المسلمون أن يفصلوا فرسان الروم عن مشاتهم، فحملوا على الروم وركبوا أكتافهم حتى أرهقوهم، وبذلك أراد فرسان الروم مخرجًا لهم للفرار منه، وبذلك أمر خالد عمرو بن العاص بفسح المجال لهم في طريق الهرب، وفعل ذلك وهرب فرسان الروم، وبذلك تحرك مشاة الروم دون غطاء من خيالتهم، فجاء المشاة إلى الخنادق وهم مقيدون بالسلاسل حتى صاروا كأنهم حائط وقد هدم، وجاءهم المسلمون إلى خندقهم في ظلال الليل وأخذ معظمهم ينهار بالوادي، فإذا منهم شخص قتل سقط معه الجميع الذين كانوا مقيدين معه، وقتل منهم المسلمون في هذه المرحلة خلقًا كثيرًا قدر عددهم بمائة ألف وعشرين ألفا، والناجون منهم قد انسحب قسم منهم إلى فحل، والقسم الآخر إلى دمشق داخل بلاد الشام ( ).
وثبت يومئذ يزيد بن أبي سفيان وقاتل قتالاً شديدًا، وذلك أن أباه مر به فقال له: يا بني، عليك بتقوى الله والصبر فإنه ليس رجل بهذا الوادي من المسلمين إلا محفوفا بالقتال، فكيف بك وبأشباهك الذين ولوا المسلمون؟ أولئك أحق الناس بالصبر والنصيحة،

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:50 PM
فاتق الله يا بني ولا يكونن أحد من أصحابك بأرغب في الأجر والصبر في الحرب، ولا أجرأ على عدو الإسلام منك. فقال: أفعل إن شاء الله. فقاتل يومئذ قتالاً شديدًا وكان من ناحية القلب . ( )
وقال سعيد بن المسيب عن أبيه، قال: هدأت الأصوات يوم اليرموك فسمعنا صوتًا يكاد يملأ المعسكر يقول: يا نصر الله اقترب، الثبات الثبات يا معشر المسلمين. قال: فنظرنا فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد. ( ) وأخر الناس صلاتي العشاء حتى استقر الفتح ( )، وأكمل خالد ليلته في خيمة تذارق أخي هرقل وهو أمير الروم كلهم يومئذ ( )، وهرب فيمن هرب، وباتت الخيول تجول حول خيمة خالد يقتلون من مر بهم من الروم حتى أصبحوا، وقتل تذارق وكان له ثلاثون سرادقا وثلاثون رواقا من ديباج بما فيها من الفرش والحرير، فلما كان الصباح حازوا ما كان هنالك من الغنائم ( )، وكان عدد شهداء المسلمين ثلاثة آلاف بينهم من صحابة النبي × وشيوخ المسلمين وأقطابهم، وممن استشهد من هؤلاء: عكرمة بن أبي جهل وابنه عمرو، وسلمة بن هشام، وعمرو بن سعيد، وأبان بن سعيد، وغيرهم. ( ) وكان عدد قتلى الروم مائة وعشرين ألفا، منهم ثمانون ألفا مقيدون بالسلاسل وأربعون ألفا مطلقون سقطوا جميعهم في الوادي. ( )
لقد فرح المسلمون بهذا النصر العظيم، وعكر ذلك الفرح وصول خبر وفاة الصديق؛ حيث حزنوا عليه حزنًا شديدًا، وعوضهم الله تعالى بالفاروق رضي الله عنهم أجمعين. ( ) وقد كان البريد قد قدم بموت الصديق والمسلمون مصافو الروم، فكتم خالد ذلك عن المسلمين لئلا يقع في صفوفهم وهن أو ضعف، فلما تم النصر وأصبحوا أجلى لهم الأمر، وكان الفاروق قد عين أبا عبيدة بن الجراح بدلاً من خالد بن الوليد جيوش الشام، وتقبل خالد أمر الفاروق برحابة صدر ( )، وعزى المسلمين في خليفة رسول الله، وقال لهم: الحمد لله الذي قضى على أبي بكر بالموت وكان أحب إليَّ من عمر، والحمد لله الذي ولى عمر كان أبغض إليَّ من أبي بكر وألزمني حبه.( ) وتولى أبو عبيدة القيادة العامة لجيوش الشام.
ومما قيل من الشعر في يوم اليرموك قول القعقاع بن عمرو:
ألم ترنا على اليرموك فزنا
كما فزنا بأيام العراق

وعذراء المدائن قد فتحنا
ومرج الصفر بالجراد العتاق ( )

فتحنا قبلها بصرى وكانت
محرمة الجناب لدى النعاق ( )

قتلنا من أقام لنا وفينا
نهابُهُمُ بأسياف رقاق

قتلنا الروم حتى ما تساوى
على اليرموك معروق الوراق

فضضنا جمعهم لما استجالوا
على الواقوص بالبتر الرقاق ( )

غداة تهافتوا فيها فصاروا
إلى أمر يعضِّل بالذواق ( )

وقد أصاب هرقل هم وحزم لما أصاب جيشه في اليرموك، ولما قدمت على أنطاكية فلول جيشه قال هرقل: ويلكم، أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم، أليسوا بشرًا مثلكم؟ قالوا: بلى، قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافًا في كل موطن. قال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل، ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغصب ونظلم، ونأمر بالسخط وننهى عما يرضى الله، ونفسد في الأرض، فقال: أنت صدقتني ( ).
* * *

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:51 PM
المبحث الثالث
أهم الدروس والعبر والفوائد
أولاً: من معالم السياسة الخارجية في دولة الصديق:
رسمت خلافة الصديق  أهدافًا في السياسة الخارجية للدولة الإسلامية، والتي كان من أهمها:
1- بذر هيبة الدولة في نفوس الأمم الأخرى:
فقد حقت سياسة الصديق هذا الهدف بطرق عديدة، منها:
أ- وصول أخبار الانتصارات التي أيد الله بها الأمة المسلمة في حروب الردة، مما ساعد على وأد هذه الفتنة وتثبيت أركان الدولة، ومثل هذه الأخبار تصل إلى الدول المجاورة، وبخاصة إذا كانت تتابع أنباء الدول الإسلامية وترقب حركتها وترى فيها خطرًا جديدًا، وللفرس والروم في ذلك الوقت قدرة على معرفة الحوادث والأمور، فلما وصلت أنباء المرتدين وثبات الناس على الدين أدركت الدولتان أن بنيان هذه الأمة الجديدة يستعصي على المؤامرات ويتجاوز المحن والابتلاءات، وهذا له وقعه في نشر هيبة دولة الإسلام.
ب- جيش أسامة: ظهر لجيش أسامة الذي أنفذه الصديق أثر بالغ في نشر هيبة الدولة الإسلامية، وقد جعل الروم يتساءلون عن الجيش الذي حاربهم وعاد منتصرا إلى عاصمة دولته، فامتلأت قلوبهم فزعًا حتى حشد هرقل عشرات الألوف من جيشه على الحدود، فقد نقلت تلك الأخبار إلى بلاد كسرى وتناقلها الناس، مما كان له الأثر في نشر هيبة المسلمين في قلوب هذه الدول ( ).
2- مواصلة الجهاد الذي أمر به النبي ×:
قام الصديق بمواصلة الجهاد لتأمين الدعوة ووصولها للناس، فجهز الجيوش وندب الناس للخروج إلى الجهاد في سبيل الله لنشر دعوة الحق وإزاحة الطواغيت الذين رفضوا دعوة النبي × لهم بالإسلام، وصمموا على حجب نور الحق عن شعوبهم، وقد خرج الناس يلبون هذه الدعوة الحبيبة إلى النفوس تحت لواء قادة أصحاب بلاء وجهاد في
سبيل الله، أمثال: خالد وأبي عبيدة وشرحبيل ويزيد ، اختارهم خليفة محنك مجرب ذو ملكة عسكرية صقلتها الظروف التي أحاطت به والأزمات الخطيرة التي أحدقت بأمته، مما دفعه إلى العناية بهذه الناحية، فاختار القواد أحسن اختيار وأمدهم بتوجيهاته وإرشاداته، ففتحوا الشام والعراق في أقصر وقت ممكن وبأقل كلفة متاحة ( ).
3- العدل بين الأمم المفتوحة والرفق بأهلها:
كانت السياسة الخارجية للصديق قائمة على بسط لواء العدل على الديار المفتوحة ونشر الأمن بين أهلها؛ حتى يحس الناس بالفرق بين دولة الحق ودولة الباطل، وحتى لا يظن الناس أنه قد ذهب جبار ظالم ليحل مكانه من هو أشد منه أو مثله في ظلمه وجبروته. ووصى أبو بكر قواده بالرحمة والعدل والإحسان إلى الناس، فإن المغلوب يحتاج إلى الرأفة وتجنب ما يثير فيه حمية القتال. وحافظ المسلمون الفاتحون على الإنسان والعمران، فشاهدت الشعوب المفتوحة خُلُقا جديدًا في ذوق رفيع وإنسانية صادقة، فقام ميزان الشريعة بين الأمم المغلوبة بالقسط، وانتشر نور الإسلام فأخذ يعد له مجامع القلوب فسارعت الشعوب إلى اعتناق هذا الدين والانضواء تحت لوائه. وكان جند الأعاجم من الفرس أو الروم إذا وطئوا أرضا دنسوها ونشروا فيها الرعب والفزع وانتهكوا الحرمات، مما قاسى منه الناس الويل والثبور، وتناقلت الأجيال قصصه المرعبة والمفزعة جيلاً بعد جيل وقبيلاً إثر قبيل، فلما جاء الإسلام ودخل جنده هذه الديار فإذا بالناس يجدون العدل يبسط رداءه فوق رؤوسهم، ويعيد إليهم آدميتهم التي انتزعها الظلم والطغيان. وقد حرص الصديق على هذه السياسة حرصًا عظيمًا، وكان يقوِّم أي عوج يظهر أو خطأ يقع.

روى البيهقي: أن الأعاجم كانوا إذا انتصروا على عدو استباحوا كل شيء من ملك أو أمير، وكانوا يحملون رؤوس البشر إلى ملوكهم كبشائر للنصر وإعلان للفخر، فرأى أمراء المسلمين في حروب الروم أن يعاملوهم بنفس معاملتهم فبعث عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة برأس «بنان» أحد بطارقة الشام إلى أبي بكر مع عقبة بن عامر، فلما قدم عليه أنكر ذلك، فقال له عقبة: يا خليفة رسول الله، إنهم يصنعون ذلك بنا، فقال: أفَنَسْتَنُّ بفارس والروم؟ لا يحمل إليَّ رأس، إنما يكفي الكتاب والخبر ( ).
4- رفع الإكراه عن الأمم المفتوحة:
من معالم السياسة الخارجية عند الصديق  رفع الإكراه عن الأمم المفتوحة، فلم يُكْره أحد من الأمم أو الشعوب على دينه بالقوة، وهو في هذا ينطلق من قول الله تعالى: +أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" [يونس: 99]. والمسلمون أرادوا من الفتوحات إزالة الطغاة وفتح الأبواب أمام الشعوب لترى نور الإسلام، أما وقد أزيل كابوس الظلم عن الناس فليتركوا أحرارًا ولا يكرهوا على شيء طالما حافظوا على عهدهم مع المسلمين، والذي كان يشمل في بنوده:
أ- أن يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
ب- أن لا يكون لهم مكان في بعض الوظائف كالجيش.
ج- أن لا يكونوا جهة معادية للإسلام في شعائره أو عبادته أو شريعته.
د- إذا غير أحدهم دينه السابق فلا يقبل منه إلا الإسلام.
وتقوم دولة الإسلام بتفسير الإسلام لهم عمليًّا ونظريًّا، بحيث يؤدي ذلك إلى اقتناعهم بهذا الدين؛ ليدخلوا فيه عن رغبة، فإن العقائد لا تستقر بالإكراه ( ).
ثانيًا: من معالم التخطيط الحربي عند الصديق:
إن المطالع للفتوحات في عهد الصديق  يمكن له أن يستنتج خطوطًا رئيسة للخطة الحربية التي سار عليها، وكيف تعامل هذا الخليفة العظيم مع سنة الأخذ بالأسباب؟ وكيف كانت هذه الخطة المحكمة عاملاً من عوامل نزول النصر والتمكين من الله -عز وجل- للمسلمين، ومن هذه الخطوط ما يلي:
1- عدم الإيغال في بلاد العدو حتى تدين للمسلمين:
كان الصديق  حريصًا أشد الحرص على عدم الإيغال في بلاد العدو حتى تدين للمسلمين، وقد كان ذلك واضحًا تمام الوضوح في جبهات العراق والشام؛ ففي فتوح العراق أرسل الصديق  إلى خالد وعياض بتكليفهما بغزو العراق من جنوبه وشماله، وجاء في الكتاب: وأيكما سبق إلى الحيرة فهو أمير على الحيرة، فإذا اجتمعتما بالحيرة -إن شاء الله- وقد فضضتما مسالح ما بين العرب وفارس ( )، وأمِنْتُما أن يؤتى المسلمون من خلفهم فليقم بالحيرة أحدكما وليقتحم الآخر على القوم، وجالدوهم عما في أيديهم واستعينوا بالله واتقوه، وآثروا أمر الآخرة على الدنيا يجتمعا لكم، ولا تؤثروا الدنيا فتسلبوهما، واحذروا ما حذركم الله بترك المعاصي ومعاجلة التوبة، وإياكم والإصرار وتأخير التوبة. ( ) وهذا الكتاب الجليل يدل على فكر أبي بكر العالي وتخطيطه الدقيق، وقبل ذلك توفيق الله له، فقد جاء تخطيطه الحربي موافقًا تمامًا لما اقتضته مصلحة الجيوش الإسلامية أثناء تطبيق هذه الخطة الحكيمة، وقد شهد ببراعة أبي بكر في التخطيط الحربي أخْبَر الناس بالحروب آنذاك وهو خالد بن الوليد، فإنه لما نهض للقيام بمهمة عياض في فتح شمال العراق ونزل بكربلاء، واشتكى إليه المسلمون ما وقعوا فيه من التأذي بذبابها الكثيف، قال لعبد الله بن وثيمة: اصبر، فإني إنما أريد أن أستفرغ المسالح التي أمر بها عياض فنُسكنها العرب فنأمن جنود المسلمين أن يؤتوا من خلفهم، وتجيئنا العرب آمنة غير متعتعة، وبذلك أمرنا الخليفة ورأيه يعدل نجدة الأمة.( )

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:52 PM
وقد سار على هذه الخطة بالعراق المثنى بن حارثة؛ حيث يقول ذلك القائد الفذ: قاتلوا الفرس على حدود أرضهم على أدنى حجر من أرض العرب، ولا تقاتلوهم بعقر دارهم، فإن يظهر الله المسلمين فلهم ما وراءهم، وإن كانت الأخرى رجعوا إلى فئة، ثم يكونوا أعلم بسبيلهم وأجرأ على أرضهم، إلى أن يرد الله الكرة عليهم. ( ) وأما في فتوحات الشام فقد كانت الصحراء من خلف المسلمين حماية لهم، ومع هذا كان المسلمون يتأكدون أولاً من أن عدوهم قد انقطع أمله في مفاجأتهم من خلف ظهورهم، وأن يستولوا على ما يقع بيمينهم وشمالهم من المدن والبلاد، وسد كل ثغر بالمقاتلة، وقد كانت تلك القاعدة مرعية عندهم يحرصون عليها أشد الحرص ( ).
2- التعبئة وحشد القوات:
عندما تولى الصديق الخلافة وضع من خطوط الإعداد الحربي: التعبئة وحشد القوات، وقد نادى المسلمين لحروب الردة، ثم استنفرهم بعدها للفتوحات، وأرسل إلى أهل اليمن كتابه المعروف في ذلك ( ).
3- تنظيم عملية الإمداد للجيوش:
حينما تطورت معارك الجبهة الشمالية ووجد قائدا الجبهة –خالد والمثنى- أنهما في حاجة إلى مدد بشري؛ لأن الطاقة التي معهما لا تستطيع تلبية المعركة في متطلباتها وواجباتها، فكتبا إلى الصديق  يلتمسان المدد فقال لهما: استنفرا من قاتل أهل الردة، ومن بقي على الإسلام بعد رسول الله ×، ولا يغزون أحد ارتد حتى أرى رأيي.( ) وشرع في إمداد جبهات العراق والشام حتى اللحظات الأخيرة من حياته.
4- تحديد الهدف من الحرب:
وضعت هذه النقطة في خطة الحرب الإسلامية في الفتوحات، لتكون هدف العمليات الذي يسعى إليه الجميع، وقد وضع الصديق خطته في هذه القضية على أساس أن يعلم كل فرد مقاتل أن هدف المسلمين من هذه الفتوحات: نشر الإسلام وتبليغه إلى الشعوب؛ بإزالة الطواغيت الذين يحرمون شعوبهم من هذا الخير العميم، فقد كان القادة يعرضون على عدوهم قبل المعركة واحدة من ثلاثة: الإسلام أو الجزية أو الحرب.( )
5- إعطاء الأفضلية لمسارح العمليات:
قاد الصديق  بنفسه أولى العمليات الحربية ضد المرتدين، ونظم الجيوش لحربهم، ولم يهمل بقية المسارح، فوجَّه أسامه إلى الشام، والمثنى إلى العراق، وكرس جهود المسلمين في السنة الأولى للقضاء على الردة، وعندما تمت عملية إعادة توحيد الجزيرة وأصبح بالإمكان الانطلاق من قاعدة قوية ومأمونة، وجه ثقل العمليات إلى الجبهتين العراقية والشامية، وعندما احتاجت الجبهة الشامية إلى المدد نقل الصديق محور ثقل الهجوم إلى الشام، ووجه خالدًا إليه، وترك المثنى في الجبهة العراقية.
6- عزل ميدان المعركة:
عندما بدأ الصديق  باستنفار القوات لحرب الروم والفرس أرسل خالد بن سعيد إلى تبوك بمهمة إلى مناطق الحشد ومحاور التقدم، وأمره أن يكون ردءًا للمسلمين، وعندما فشل في هذا الواجب وتجاوزه قام عكرمة بن أبي جهل به ( ).
7- التطور في أساليب القتال:
كتب الصديق إلى أبي عبيدة عندما بلغه تقدم جيوش الروم وانضمام أهل دمشق إليهم ما يلي: بث خيولك في القرى والسواد، وضيق عليهم الميرة والمادة، ولا تحاصرن المدائن حتى يأتيك أمري. ( ) وعندما دعمه بقوات كافية كتب له: فإن ناهضوك فانهد لهم واستعن بالله عليهم، فإنه ليس يأتيهم مدد إلا أمددناك بمثلهم ( ).
8- سلامة خطوط الاتصال مع القادة:
كانت خطوط الاتصال بين الصديق وقادة المعارك منظمة ومنتظمة بحيث تصل المكاتبات من القادة في أمان، وتصل ردود الخليفة في سرية وسرعة متقدمة لا تسمح للعدو أن يفاجأ المسلمين بشيء لا يتوقعونه. وهكذا كانت الخطط الحربية عند المسلمين
محكمة دقيقة، بما كان عاملاً من عوامل دحر الأعداء والتغلب عليهم بفضل الله في
حركة الفتوح( ).
9- ذكاء الخليفة وفطنته:
امتازت الخطط الحربية الإسلامية في بداية الفتوحات بوجود العقل المدبر ذي الفطنة والذكاء والكياسة والفراسة، وهو الصديق، وقد ساعد أبو بكر على فهمه الواسع للتخطيط العسكري طول ملازمته للنبي ×، وفقد تربى على تعليمه وتوجيهاته فكسب علومًا شتى وخبرات متنوعة، فقام بعد رحيل رسول الله × في مقام الخلافة خير قيام، فحمل البصيرة الواعية وزود الجيش بالنصائح الغالية، وأرسل الإمدادات في أوقاتها تسعف المجاهدين وتمدهم بالهمة والعزيمة الماضية ( ).
ثالثًا: حقوق الله والقادة والجنود من خلال وصايا الصديق:
1- حقوق الله:
بيَّن الخليفة في توجيهاته للقادة والجنود حقوق الله تعالى؛ كمصابرة العدو، وإخلاص قتالهم لله، وأداء الأمانة وعدم الممالاة والمحاباة في نصرة دين الله.
أ- مصابرة العدو:
حين وجه أبو بكر  عكرمة بن أبي جهل  إلى عمان كان مما أوصاه به قوله:
واتق الله، فإذا لقيت العدو فاصبر.( ) كما قال الصديق  لهاشم بن عتبة بن أبي وقاص عندما وجهه مددًا لجند الشام: إذا لقيت عدوك فاصبر وصابر، واعلم أنك لا تخطو خطوة ولا تنفق نفقة ولا يصيبك ظمأ ولا مخمصة في سبيل الله إلا كتب الله لك به عملاً صالحًا، إن الله لا يضيع أجر المحسنين ( ).
ب- أن يقصدوا بقتالهم نصرة دين الله:
فقد جاء في خطاب الصديق لخالد حين أمره بالذهاب للشام ما يفيد هذا المعنى؛ حيث ذكره بأن يجتهد ويخلص النية لله وحده، وحذره من العجب بالنفس والزهو والفخر؛ فذلك حظ النفس الذي يفسد العمل على العامل، ويرده في وجهه. كما حذره أن يدل ويمنَّ
على الله بالعمل الذي يعمله، فإن الله هو المانُّ به؛ إذ التوفيق بيده سبحانه. ( ) وهذا بعض ما جاء في تلك الرسالة: «… فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة، فاتمم يتم الله لك، ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل فإن الله له المن وهو ولي الجزاء». ( )
ج- أداء الأمانة:
وقد كانت توجيهات الصديق لأمرائه وجنوده واضحة في وجوب أن يؤدوا الأمانة فيما حازوه من الغنائم، ولا يغل أحد منهم شيئًا، بل يحمل جميعه إلى المغنم ليقسم بين جميع الغانمين ممن شهدوا الواقعة، وكانوا على العدو يدًا واحدة. ( ) وعلى سبيل المثال ما جاء في وصية الصديق ليزيد بن أبي سفيان في النهي عن الغلول ( )، هذه بعض توجيهات الصديق مما يتعلق ببعض حقوق الله على القادة والجنود.
2- حقوق القائد:
وقد بين الخليفة الصديق حقوق القادة على الجنود والرعية؛ كالتزام طاعته، والمسارعة إلى امتثال أمره، وعدم منازعته في شيء من قسمة الغنائم، وغير ذلك.
أ- التزام طاعته:
فعندما تولى أبو بكر  الخلافة كان أول شيء نبه المسلمين إليه في خطاب التولية أنه سائر على نهج رسول الله ×، كما ذكَّر بالطاعة؛ حيث قال: واعلموا أن ما أخلفتم لله من أعمالكم فطاعة أتيتموها. ( ) وألزم قادته بالطاعة لبعضهم، فمن ذلك ما كتبه إلى المثنى بن حارثة الشيباني بقوله: إني قد بعثت إليك خالد بن الوليد إلى أرض العراق فاستقبله بمن معك من قومك، ثم ساعده ووازره وكاتفه، لا تعصين له أمرًا ولا تخالفوا له رأيا، فإنه من الذين وصف الله -تبارك وتعالى- في كتابه فقال: +مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا"( ) [الفتح: 29]. كذلك أخذ أبو بكر  يوصي في خلافته جيوش المسلمين المتجهة لفتح بلاد الشام بالطاعة، فقال لهم: أيها الناس إن الله قد أنعم عليكم بالإسلام وأكرمكم بالجهاد وفضلكم بهذا الدين عن كل دين، فتجهزوا عباد الله إلى غزو الروم بالشام، فإني مؤمر عليكم أمراء وعاقد لكم ألوية، فأطيعوا ربكم ولا تخالفوا أمراءكم، لتحسن نيتكم وأشربتكم وأطعمتكم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون( )، فكان جوابهم له بقولهم: أنت أميرنا ونحن رعيتك، فمنك الأمر ومنا الطاعة، فنحن مطيعون لأمرك وحيثما تُوجِّهنا نتوجه.( ) وعندما عين الصديق خالد بن الوليد لفطنته وعلمه بالحرب، ولما وصل خالد بن الوليد للشام طلب من أبي عبيدة بن الجراح بأن يبعث إلى أهل كل راية ويأمرهم أن يطيعوه، فدعا أبو عبيدة الضحاك بن قيس، فأمره بذلك فخرج الضحاك يسير في الناس طالبًا منهم طاعة القائد الجديد لجيوش الشام خالد بن الوليد فيما يأمرهم به، فأجاب الناس بالسمع والطاعة ( ).
ب- أن يفوضوا أمرهم إلى رأيه:
قول تعالى +وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً" [النساء: 83]، جعل الله تفويض الرعية الأمر إلى ولي الأمر سببًا لحصول العلم وسداد الرأي، فإن ظهر لهم صواب خفي عليه بيَّنوه له وأشاروا به عليه، ولذلك ندب إلى المشاورة ليرجع بها إلى الصواب. ( ) وفي خلافة الصديق نرى أبا بكر  كلف أمراء وقادة جيوشه بالتوجه إلى الشام، وفوض لهم أمر الجيوش حيث قال لهم: يا أبا عبيدة ويا معاذ ويا شرحبيل ويا يزيد: أنتم من حماة هذا الدين وقد فوضت إليكم أمر هذه الجيوش فاجتهدوا في الأمر واثبتوا، وكونوا يدًا واحدة في مواجهة عدوكم.( ) ثم أمر القادة بمراعاة أحوال الجنود وتقديم الإخلاص والاتحاد حتى لا تختلف آراؤهم.( ) وأضاف الصديق قائلا: فإذا قدمتم البلد ولقيتم العدو واجتمعتم على قتالهم فأميركم أبو عبيدة بن الجراح، وإن لم يلقكم أبو عبيدة، وجمعتكم حرب فأميركم يزيد بن أبي سفيان ( )، وهكذا فوض خليفة رسول الله × إدارة العسكر إلى رأي أحد قادته ووكله إلى تدبيره، حتى لا تختلف آراؤهم، وأكد على ذلك عندما قال لعمرو بن العاص: أنت أحد أمرائنا هناك، فإن جمعتكم حرب فأميركم أبو عبيدة بن الجراح.( ) وكان ذلك رأيه أيضا مع قادة العراق؛ حيث قال للمثنى بن حارثة: إني بعثت إليك خالد بن الوليد إلى أرض العراق… فما أقام معك فهو الأمير، فإن شخص عنك فأنت على ما كنت عليه، والسلام عليك. ( )

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:53 PM
ج- المسارعة إلى امتثال أمره:
ففي حروب الردة كتب أبو بكر الصديق  إلى خالد بن الوليد في أمر مسيلمة الكذاب، فقد أمره بالمسير إليه، فجمع خالد بن الوليد أصحابه وقرأ عليهم الكتاب وسألهم الرأي فأجابوه بقولهم: الرأي رأيك، وليس فينا أحد يخالف أوامرك. ( ) كما كتب الصديق  لخالد بن الوليد أثناء مقامه بالعراق بالخروج في شطر الناس إلى الشام، وأن يخلف على الشطر الباقي المثنى بن حارثة، وقال له: لا تأخذ نجدًا إلا خلفت له نجدًا، فامتثل خالد للأمر وقسم الجند نصفين. ( ) وكتب إلى عمرو بن العاص بالسير من بلاد قضاعة إلى اليرموك ففعل، وبعث بأبي عبيدة ويزيد وأمرهما بالإغارة وألا يوغلوا في بلاد الشام حتى لا يكون وراءهم أحد من العدو، وقد استجاب القادة والجنود لتوجيهات وأوامر الصديق .( )
د- عدم منازعته في شيء من قسمة الغنائم:
سار أبو بكر  في خلافته على نهج الرسول × في تقسيم الغنائم؛ فبعد انتهاء خالد ابن الوليد  من معركة اليمامة كتب إلى الصديق  يخبره بما فتح الله عليه وما أغنمه منهم، فكتب إليه أبو بكر قائلاً: اجمع الغنائم والسبي وما أفاء الله عليك من مال بني حنيفة، فأخرج من ذلك الخمس ووجه به إلينا ليقسم فيمن يحضرنا من المسلمين، وادفع إلى كل ذي حق حقه، والسلام. وهذا ما كان يفعله جميع قادة أبي بكر  في إدارتهم العسكرية في قسمة الغنائم ولم ينازعهم الجند في شيء من قسمتها والتسوية بينهم فيها ( ).
3- حقوق الجند:
بيَّن الصديق  من خلال وصاياه ورسائله حقوق الجند؛ كاستعراضهم، وتفقد أحوالهم، والرفق بهم في السير، وأن يقيم عليهم العرفاء والنقباء، واختيار مواضع نزولهم لمحاربة العدو، وإعداد ما يحتاج إليه الجند من زاد وعلوفة، والتعرف على أخبار العدو بالجواسيس الثقات لسلامة الجند، وتحريضهم على الجهاد، وتذكيرهم بثواب الله وفضل الشهادة، ومشاورة ذوي الرأي منهم، وأن يلزمهم بما أوجبه الله من حقوق، وأن ينهاهم عن الاشتغال عن الجهاد بتجارة وزراعة ونحوهما.( ) وإليك تفصيل بعض هذه النقاط:
أ- استعراضهم وتفقد أحوالهم:
فقد رأينا أبا بكر الصديق  عندما طرق المرتدين المدينة المنورة أخذ أهلها بحضور المسجد وقال لهم: إن الأرض كافرة، وقد رأى وفدهم منكم قلة، وإنكم لا تدرون أليلاً تؤتون أم نهارًا، وأدناهم منكم على بريد. ( ) وأخذ  يعرض أصحابه، ثم يعين منهم على أنقاب المدينة نفرًا للحراسة.( ) وعندما اجتمع جيش فتوح الشام صعد أبو بكر  على دابته حتى أشرف على الجيش فنظر إليهم وقد ملأوا الأرض، فتهلل وجهه وأخذ يعرضهم قبل سيرهم ويوصيهم ويدعو لهم، وعقد لهم الألوية، ومشى معهم نحوًا من ميلين. ( )
ب- الرفق بالجند في السير:
فقد أوصى أبو بكر خالد بن الوليد في حروب الردة بالرفق بمن معه وأن يتخذ الأدلاء في مسيره ( )، وأوصى سائر أمراء الردة بذلك. ( ) وفي فتوح العراق عندما عقد خالد بن الوليد معاهدة الصلح مع أهل أُليس( ) وغيرهم، كان من ضمن شروط المعاهدة أن يبذرقوا( ) المسلمين، ويكونوا أدلاء وأعوانا لهم على الفرس؛ لأنهم أعرف وأعلم بطرق بلادهم من غيرهم. ( ) وحين كلف أبو بكر  خالد بن الوليد بالتوجه من العراق إلى الشام مددًا وعونًا لهم دعا خالد الأدلاء وتشاور معهم حول سيرهم في طريق المفازة إلى الشام؛ لأنه أسرع الطرق وأسرعها لنجدة إخوانه، ثم رافقه منهم رافع بن عميرة الطائي دليلاً( )، وأوصى الصديق  يزيد بن أبي سفيان عندما وجهه إلى الشام بقوله: إذا سرت فلا تضيق على نفسك ولا على أصحابك في مسيرك ( )، وعندما جد الجند في السير ذكر أحدهم يزيد بوصية أبي بكر له بالرفق بهم في السير وأن يلتزم بها. ( ) كما أوصى الصديق عمرو بن العاص عندما وجهه إلى فلسطين بقوله له: وكن والدًا لمن معك وارفق بهم في السير، فإن فيهم أهل ضعف. ( ) وقد امتثل قادة الصديق × لأمره بالرفق بالجند في مسيرهم، وأصبحوا لا يسيرون إلى قتال الأعداء إلا ومعهم أدلاء يدلونهم على أسهل الطرق وأوفرها ماء وعشبًا، حتى يتمكنوا من مواصلة سيرهم نحو العدو ومن غير إهدار لقوتهم أو تحطيم لمعنوياتهم ( ).
ج- أن يجعل لكل طائفة شعارًا يتداعون به:
ففي بعثه جيش أسامة لقتال الروم كان شعارهم: يا منصور أمت ( )، وفي حرب الردة عند مسير خالد بن الوليد نحو مسيلمة الكذاب باليمامة، كان شعارهم يومئذ: يا محمداه.. يا محمداه ( )، وشعار تنوخ في فتوح العراق: يا آل عباد الله ( )، وفي فتوح الشام باليرموك نجد أن لكل قائد وقبيلة شعارًا مميزًا يميزها عن غيرها اتخذته ليستدل به عليها، وكانوا يجهزون به عند القتال ويتعارفون به، فكان شعار أبي عبيدة: أمت.. أمت، وشعار خالد بن الوليد ومن معه: يا حزب الله، وشعار قبيلة عبس: يا لعبس، وشعار اليمن من أخلاط الناس: يا
أنصار الله، وشعار حمير: الفتح، وشعار دارم والسكاسك: الصبر.. الصبر، وشعار بني مراد: يا نصر الله انزل، فهذه كانت أبرز الشعارات في معركة اليرموك. ( )
د- أن يتصفحهم عند مسيرهم:
ومن وصايا أبي بكر الصديق  لقواده حين بعث بهم في حروب الردة: وأن يمنع أصحابه العجلة والفساد، وألا يدخل فيهم حشوًا حتى يعرفهم ويعلم ما هم؛ لئلا يكونوا عيونًا، ولئلا يؤتى المسلمون من قبلهم.( ) كما أمر قادته بعدم الاستعانة بالمرتدين في جهاد العدو؛ وذلك احتراسًا وحرصًا على سلامة جند المسلمين ( )، كذلك أوصى الصديق  قادة فتوح الشام بالحذر والحيطة والتيقظ من رسل العدو حتى لا يتعرفوا على ما بجيشهم من ثغرات ومكامن ضعف، وأمرهم بأن لا يخالطوا العسكر ولا يحدثوهم، فمن ذلك قوله ليزيد بن أبي سفيان: وإذا قدمت عليك رسل عدوك فأكرم منزلتهم، فإنه أول خبرك إليهم، وأقلل لبثهم حتى يخرجوا وهم جاهلون بما عندك، وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت الذي تلي كلامهم، ولا تجعل سرك مع علانيتك فيمرج ( ) عملك. ( )
هـ- حراستهم من غرة يظفر بها العدو في مقامهم ومسيرهم:
وظهر ذلك عندما وضع الصديق الحرس على أنقاب المدينة خشية أن تطرقها بعض القبائل المرتدة. وحين وجه  خالد بن الوليد إلى حرب أهل الردة حذره من البيات والغرة، وقال له: واحترس من البيات، فإنه من العرب غرة. ( ) كما أوصى أمراء وقادة فتوح الشام بالاحتراس ونشر الحرس على العسكر لحفظهم من الأعداء، وأن يقوموا بالتفتيش المفاجئ على الحرس حتى يتأكدوا من قيامهم بمهامهم المعدين لها، فمن ذلك ما قاله ليزيد بن أبي سفيان: وأكثر حرسك وأكثر مفاجأتهم في ليلك ونهارك( )، وقال لعمرو ابن العاص: وأمر أصحابك بالحرس، ولتكن أنت بعد ذلك مطلعًا عليهم، وأطل الجلوس بالليل على أصحابك وأقم بينهم واجلس معهم. ( ) وحذا قادة الصديق  حذوه في اتخاذ الحرس على العسكر في مقامهم وسيرهم ( ).
و- إعداد ما يحتاج إليه العسكر من زاد وعلوفة:
فقد كان الصديق  يشتري الإبل والخيل والسلاح فيجعلها في سبيل الله ( ) إلى جانب ما يكسبه ويغنمه العسكر من العدو. ( ) وحينما كلف الصديق خالد بن الوليد بمحاربة المرتدين، كان مما أوصاه به إذا دخل على أرض العدو أن لا يسير إليهم إلا وهو مستظهر بالزاد. ( ) وكان قادة الصديق أثناء مصالحتهم للعدو يشترطون عليهم أن يضيفوا من مر بهم من المسلمين، بما يحل من طعامهم وشرابهم. ( ) وقد سمح أبو بكر لجند الشام أثناء ما أوصاهم بأنهم إذا عقروا شاة أو بعيرًا للعدو لا يعقرونها إلا للأكل ( ).
ز- ترتيب الجند في مصاف الحرب:
استعمل قادة الصديق في معاركهم الحربية نظام الصف، والصفوف تزيد وتنقص بحسب ما يقتضيه الموقف، ويراه القائد في ميدان القتال ( )، إلا أن خالد بن الوليد في معركة اليرموك أدخل نظام الكراديس في أعينهم؛ وذلك لأن نظام الكراديس عبارة عن مجموعة من الجند تقف في صفوف لا تكون منفصلة عن الأخرى، بينها مسافات متباعدة مما يسهل ذلك عليها عملية الحركة وزيادة الانتشار، فمن قول خالد للجند لاستخدامه لنظام الكراديس: إن عدوكم قد كثر وطغى وليس من التعبئة تعبئة أكثر من رأى العين من الكراديس ( )، فجعل القلب كراديس وأقام فيه أبا عبيدة، وجعل الميمنة كراديس وعليها عمرو بن العاص وفيها شرحبيل بن حسنة، وجعل الميسرة وعليها يزيد بن أبي سفيان، وهكذا خرج في ستة وثلاثين كردوسًا إلى الأربعين، وخرج في تعبئة لم تعبئها العرب قبل ذلك، ووزع المهام الإدارية بين القيادة ( )، إلا أن نظام الصف ظل قائمًا ومعمولاً به في النظام الحربي الإسلامي بعد اليرموك ( ).
ح- تحريضهم على القتال:
كان الصديق  يحرض المجاهدين على القتال، ويقوي نفوسهم بما يشعرهم من الظفر، ويذكر لهم أسباب النصر ليقل العدو في أعينهم فيكونوا عليه أجرأ وبالجرأة يسهل الظفر ( )؛ فقد حرص وحض أبو بكر خالد بن الوليد على القتال بقوله: احرص على الموت توهب لك الحياة.( ) وعندما عقد الألوية لجيوش الشام أخذ يحرضهم ويحضهم على الجهاد في سبيل الله ويوصيهم، ويدعو لهم بالنصر على الأعداء ( ).
ط- أن يذكرهم بثواب الله وفضل الشهادة:
فمما قاله أبو بكر الصديق  في تلك الجيوش المتوجهة إلى الشام قال: ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله، لما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به, هي التجارة التي دل عليها، ونجى بها من الخزي، وألحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة ( ).
ي- أن يشاور ذوي الرأي منهم:
وهذا ما فعله الصديق في حروب الردة وفتوحات الشام وكثير من القضايا الفقهية والمستجدات التي تحدث في المجتمع المسلم، وقد طلب من القادة أن يتناصحوا ويتشاوروا. ( ) وقد كان الصديق قدوة في ذلك؛ ففي حروب الردة دعا عمرو بن العاص وقال له: يا عمرو، إنك ذو رأي في قريش وقد تنبأ طليحة، فما ترى؟ واستشاره ثم سأله عن خالد بن الوليد عند اختياره لقيادة الجند فأجابه: يسوس للحرب، يصبر للموت، له أناة القطاة ووثوب الأسد، فعقد له. ( ) وسار خالد بن الوليد لما كلف به، وأخذ يستشير من معه لإعداد الخطة لمحاربة المرتدين ويخبر القيادة العليا بما استقر عليه رأي الجند ( )، وحين أراد أبو بكر  أن يغزو الروم ويعد الجيوش لفتح بلاد الشام، شاور في ذلك جماعة من أصحاب رسول الله، وبعد أن أخذ رأيهم وما أجمعوا عليه أمر الجند بالتجهيز للتوجه لما أمروا به ( )، وكان مما أوصي به الصديق  أمراء وقادة جند الشام بأن يعملوا بالمشورة، فمن ذلك ما قاله ليزيد ابن أبي سفيان: هذا ربيعة بن عامر ( ) من ذوي العلاء والمفاخر، قد علمت صولته وقد ضممته إليك وأمرتك عليه، فاجعله في مقدمتك، وشاوره في أمرك ولا تخالفه. ( ) قال يزيد: حبًا وكرامة. وأضاف أبو بكر  قائلا: إذا سرت فلا تضيق على نفسك ولا على أصحابك في مسيرك، ولا تغضب على قومك ولا على أصحابك، وشاورهم في الأمر، واستعمل العدل. ( ) كما قال ليزيد: وإذا استشرت فاصدق الخبر تصدق لك المشورة، ولا تكتم المستشار فتؤتى من قبل نفسك. ( ) إلى غير ذلك مما قاله ليزيد بن أبي سفيان حول مبدأ الشورى والالتزام بها. وقد أوصى أمراء جند الشام بما لا يخرج عن ذلك ( )، وامتثل قادة الصديق بما أمروا به من إجراء المشورة فيما بينهم، فقد قال أبو عبيدة بن الجراح لعمرو بن العاص: يا عمرو، لرب يوم لك قد شهدته فبورك فيه للمسلمين برأيك ومحضرك، وإنما أنا رجل منكم ولست -وإن كنت الوالي عليكم- بقاطع أمر دونكم، فأحضرني رأيك في كل يوم بما ترى، فإنه ليس بي عنك غنى. ( ) هذا بالإضافة إلى طلب القادة في أرض المعركة من القيادة العليا المركزية المشورة فيما أشكل عليهم من أمور الإدارة العسكرية لمرحلة وضع الخطط الحربية والتنفيذ ومعاملة الأسرى ( ).
ك- أن يلزمهم بما أوجبه الله من حقوق:
فقد كان أبو بكر  يوصي قادته بذلك؛ فحين بعث عمرو بن العاص إلى أرض فلسطين قال له: اتق الله في سرك وعلانيتك، واستحيه في خلوتك؛ فإنه يراك في عملك. قد رأيت تقدمي لك على من هو أقدم منك سابقة وأقدم حرمة، فكن من عمال الآخرة، وأرد بعملك وجه الله، وكن والدًا لمن معك. والصلاة ثم الصلاة، أذن بها إذا دخل وقتها، ولا تصلِّ صلاة إلا بأذان يسمعه أهل العسكر. واتق الله إذا لقيت العدو، وألزم أصحابك قراءة القرآن، وانههم عن ذكر الجاهلية وما كان منها، فإن ذلك يورث العداوة بينهم، وأعرض عن زهرة الدنيا حتى تلتقي بمن مضى من سلفك، وكن من الأئمة الممدوحين في القرآن، إذ يقول الله تعالى: +وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ" [الأنبياء: 73] ( ).
هذه أهم حقوق الله والقادة والجند التي تحدث عنها الصديق في وصاياه ورسائله لقادته.

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:55 PM
رابعًا: السر في اكتساح المسلمين لقوات الفرس والروم:
إن المتأمل في حركة الفتح الإسلامي يرى توفيق الله تعالى لجيوش الخليفة أبي بكر ، فقد اندفعت تلك الجيوش المظفرة نحو العراق والشام، واستطاعت أن تكسر شوكة الرومان والفرس، وتفتح تلك الديار في وقت قياسي في تاريخ الحروب، والسبب في سرعة هذا الفتح عوامل تتعلق بالمسلمين الفاتحين، وأخرى ترجع إلى الأمم التي فتح المسلمون ديارهم، فمن العوامل التي تتعلق بالمسلمين:
1- إيمان المسلمين بالحق الذي يقاتلون من أجله.
2- يقين المسلمين بربهم في قضيتي الرزق والأجل، والقضاء والقدر.
3- تأصل الصفات الحربية في المسلمين.
4- سماحة المسلمين وعدالتهم مع الشعوب.
5- رحمة المسلمين في تقدير الجزية والخراج، ووفائهم بعهودهم.
6- ثروة المسلمين الواسعة من الرجال والقواد العظام.
7- إحكام الخطة الحربية الإسلامية ( ).
وأما الأسباب التي تتعلق بالبلاد المفتوحة فأهمها: ضعف الروم والفرس، فقد ضعفوا وانتشر بينهم الظلم وعم الفساد، ودب فيهم سوء الأخلاق، وأصابت حضارتهم الشيخوخة، وقضى عليها إسراف ملوكها، وانحرافهم عن منهج الله، ومضت فيهم سنته التي لا ترحم ولا تجامل ولا تتبدل. وأما المسلمون فقد أكرمهم الله بمنهجه فساروا عليه، وأخذوا بأسباب التمكين وحققوا شروطه، وتعاملوا مع سنن الله في الشعوب وبناء الدول وإصلاح المجتمعات. ولا يفهم من كلامي أن ضعف الروم والفرس سهل السبيل أمام المسلمين بشكل كبير، فرغم ضعف الدولتين بسبب العوامل السابقة، إلا أنه لم يمنعهما من الإعداد الهائل لملاقاة المسلمين، فجهزتا مئات الآلاف من الجند المدربين الذين يفوقون جند المسلمين عددًا وعدة، كما أنهما أبرزتا أسلحة غير معهودة عند المسلمين كالفيلة والكلاليب المحماة، التي كانوا يرسلونها من خلف الحصون يصطادون بها من تقع عليه من المسلمين، كما أن الظن بأن الروم استهانوا بالمسلمين ولم يستعدوا لهم يدفعه الكلام السابق وترده رواية ابن عساكر: أن هرقل جمع بطارقته وهو بحمص وقال لهم: هذا الذي حذرتكم فأبيتم أن تقبلوه مني!! قد صارت العرب تأتي مسيرة شهر فتغير عليكم ثم تخرج من ساعتها ولم تكلم. قال أخوه: ابعث رباطًا إلى البلقاء، فبعث رباطًا واستعمل عليه رجلاً من أصحابه، فلم يزل حتى تقدمت الجيوش إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ( ).
* * *

المبحث الرابع
استخلاف الصديق لعمر بن الخطاب ووفاته
أولا: استخلافه لعمر.
في شهر جمادى الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة النبوية، مرض الخليفة أبو بكر  واشتد به المرض ( )، فلما ثقل واستبان له من نفسه، جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظنني إلا ميتًا لما بي، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم في حياة مني كان أجدر أن لا
تختلفوا بعدي ( ).
وقد قام أبو بكر  بعدة إجراءات لتتم عملية اختيار الخليفة القادم:
1- استشارة أبي بكر الصحابة من المهاجرين والأنصار:
وتشاور الصحابة رضي الله عنهم، وكل يحاول أن يدفع الأمر عن نفسه ويطلبه لأخيه؛ إذ يرى فيه الصلاح والأهلية، لذا رجعوا إليه فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله رأيك، قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده، فدعا أبو بكر عبد الرحمن بن عوف فقال له: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال له: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني، فقال أبو بكر: وإن، فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم دعا عثمان بن عفان، فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب، فقال: أنت أخبرنا به، فقال: على ذلك يا أبا عبد الله، فقال عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر: يرحمك الله، والله لو تركته ما عدتك. ثم دعا أسيد بن حضير فقال له مثل ذلك، فقال أسيد: اللهم أعلمه الخيرة بعدك؛ يرضى للرضا ويسخط للسخط، والذي يُسِرُّ خير من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه. وكذلك استشار سعيد بن زيد وعددًا من الأنصار والمهاجرين، وكلهم تقريبًا كانوا برأي واحد في عمر إلا طلحة بن عبيد الله خاف من شدته فقد قال لأبي بكر: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني، أبا الله تخوفونني؟ خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول: اللهم استخلفت عليهم خيرَ أهلك ( ). وبيَّن لمن نبهه إلى غلظة عمر وشدته فقال: ذلك لأنه يراني رقيقًا، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيرًا مما هو عليه ( ).
2- ثم كتب عهدًا مكتوبًا يقرأ على الناس في المدينة وفي الأنصار عن طريق أمراء الأجناد، فكان نص العهد:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آلُ الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرًا، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت ولا أعلم الغيب: +وَسَيَعْلَمْ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ" [الشعراء: 227] ( ).
إن عمر هو نصح أبي بكر الأخير للأمة، فقد أبصر الدنيا مقبلة تتهادى، وفي قومه فاقة قديمة يعرفها، فإذا ما أطلوا لها استشرفتهم شهواتها فنكلت بهم واستبدت، وذاك ما حذرهم رسول الله × إياه ( )، وقال رسول الله ×: «فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم». ( ) لقد أبصر أبو بكر الداء فأتى لهم  بدواء ناجع.. جبل شاهق إذا ما رأته الدنيا أيست وولت عنهم مدبرة، إنه الرجل الذي قال فيه النبي ×: «والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا قط إلا سلك فجًا غير فجك» ( ).
إن الأحداث الجسام التي مرت بالأمة قد بدأت بقتل عمر، هذه القواصم خير شاهد على فراسة أبي بكر وصدق رؤيته في العهد لعمر، فعن عبد الله بن مسعود  قال: أفرس الناس ثلاثة: صاحبة موسى التي قالت: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، وصاحب يوسف حيث قال: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا، وأبو بكر حين استخلف عمر. ( ) فقال: كان عمر هو سد الأمة المنيع الذي حال بينها وبين
أمواج الفتن ( ).
3- أنه أخبر عمر بن الخطاب بخطواته القادمة: فقد دخل عليه عمر فعرفه أبو بكر بما عزم فأبى أن يقبل، فتهدده أبو بكر بالسيف فما كان أمام عمر إلا أن قبل ( ).
4- أنه أراد إبلاغ الناس بلسانه، واعيًا مدركًا حتى لا يحصل أي لبس، فأشرف أبو بكر على الناس وقال لهم: أترضون بما أستخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي ولا وليت ذات قرابة، وإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، فقالوا: سمعنا وأطعنا ( ).
5- أنه توجه بالدعاء إلى الله يناجيه ويبثه كوامن نفسه وهو يقول: اللهم وليته بغير أمر نبيك ولم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة واجتهدت لهم رأيي فوليت عليهم خيرهم وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر فاخلفني فيهم، فهم عبادك ( ).
6- أنه كلف عثمان بن عفان أن يتولى قراءة العهد على الناس، وأخذ البيعة لعمر قبل موت أبي بكر، بعد أن ختمه بخاتمه لمزيد من التوثيق والحرص على إمضاء الأمر دون أي آثار سلبية، وقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم، فأقروا بذلك جميعًا ورضوا به.( )
7- البيعة لعمر بن الخطاب قبل أن يتوفى أبو بكر الصديق: بعد أن قرئ العهد على الناس ورضوا به أقبلوا عليه وبايعوه ( )، ولم تتم بيعة بعد الوفاة بل باشر عمر بن الخطاب أعماله بصفته خليفة للمسلمين فور وفاة أبي بكر . ( ) ويلحظ الباحث أن عمر ولي الخلافة باتفاق أصحاب الحل والعقد وإرادتهم، فهم الذين فوضوا لأبي بكر انتخاب الخليفة، وجعلوه نائبًا عنهم في ذلك، فشاور ثم عين الخليفة، ثم عرض هذا التعيين على الناس فأقروه وأمضوه ووافقوا عليه، وأصحاب الحل والعقد في الأمة هم النواب «الطبيعيون» عن هذه الأمة، وإذن فلم يكن استخلاف عمر  إلا على أصح الأساليب الشورية وأعدلها ( ).
إن الخطوات التي سار عليها أبو بكر الصديق في اختيار خليفته من بعده لا تتجاوز الشورى بأي حال من الأحوال، وإن كانت الإجراءات المتبعة فيها غير الإجراءات المتبعة في تولية أبي بكر نفسه ( )، وهكذا تم عقد الخلافة لعمر  بالشورى، ولم يورد التاريخ أي خلاف وقع حول خلافته بعد ذلك، ولا أن أحد نهض طوال عهده لينازعه الأمر، بل كان هناك إجماع على خلافته وعلى طاعته في أثناء حكمه، فكان الجميع وحدة واحدة ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:56 PM
8- وصية الصديق لعمر بن الخطاب:
فقد اختلى الصديق بالفاروق وأوصاه بمجموعة من التوصيات لإخلاء ذمته من أي شيء، حتى يمضي إلى ربه خاليًا من أي تبعة، بعد أن بذل قصارى جهده واجتهاده ( )، وقد جاء في الوصية: اتق الله يا عمر، واعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا وثقله عليهم، وحُقَّ لميزان يوضع فيه الحق غدًا أن يكون ثقيلاً. وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في دار الدنيا وخفته عليهم، وحُقَّ لميزان يوضع فيه الباطل غدًا أن يكون خفيفًا. وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئه، فإذا ذكرتهم قلت: إني أخاف أن لا ألحق بهم. وإن الله تعالى ذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم ورد عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم قلت: إني لأرجو أن لا أكون من هؤلاء، ليكون العبد راغبًا راهبًا لا يتمنى على الله ولا يقنط من رحمة الله، فإن أنت حفظت وصيتي فلا يك غائب أبغض إليك من الموت
ولست تعجزه ( ).
ثانيًا: وحان وقت الرحيل.
قالت عائشة -رضي الله عنها-: أول ما بدئ مرض أبي بكر أنه اغتسل وكان يومًا باردًا فحم خمسة عشر يومًا لا يخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر بالصلاة وكانوا يعودونه، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه( )، ولما اشتد به المرض قيل له: ألا تدعو لك الطبيب؟ فقال: قد رآني فقال: إني فعال لما أريد.( ) وقالت عائشة -رضي الله عنها-: قال أبو بكر: انظروا ماذا زاد في مالي منذ دخلت في الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة بعدي، فنظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه، وإذا ناضح( ) كان يسقي بستانًا له، فبعثنا بهما إلى عمر، فبكى عمر، وقال: رحمة الله على أبي بكر لقد أتعب من بعده تعبًا شديدًا ( ).
وقالت عائشة -رضي الله عنها-: لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه، دخلت عليه وهو يعالج ما يعالج الميت ونفسه في صدره، فتمثلت هذا البيت:
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى
إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر

فنظر إليَّ كالغضبان ثم قال: ليس كذلك يا أم المؤمنين، ولكن قول الله أصدق: +وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ"[ق: 19]، ثم قال: يا عائشة، إنه ليس أحد من أهلي أحب إليَّ منك، وقد كنت نحلتك حائطًا ( )، وإن في نفسي منه شيئًا فرديه إلى الميراث، قالت: نعم، فرددته. وقال : أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارًا ولا درهمًا، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر وابرئي منهن ففعلت، فلما جاء الرسول إلى عمر بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض، ويقول: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده، رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده. ( )
وقد جاء في رواية: أن أبا بكر لما حضرته الوفاة قال: إن عمر لم يدعني حتى أصبت من بيت المال ستة آلاف درهم، وإن حائطي الذي بمكان كذا فيها، فلما توفي ذكر ذلك لعمر فقال: يرحم الله أبا بكر، لقد أحب أن لا يدع لأحد بعده مقالاً( ).
ويظهر من هذه المواقف ورع الصديق في المال العام؛ فقد ترك هذا الخليفة العظيم تجارته، وتخلى عن ذرائع كسبه اشتغالاً عنها بأمور المسلمين، وقيامًا بوظائف الخلافة، فيضطر إلى أخذ نفقته من بيت المال بما لا يزيد عن الحاجة إلى سد الجوع وستر العورة، ثم هو يؤدي للمسلمين خدمة هيهات أن تؤدي حقها الخزائن، ولما أشرف على وفاته وعنده فضلة من مال المسلمين، وهي ذلك المتاع الحقير يأمر بردها إلى المسلمين ليلقي ربه آمنا مطمئنا، نزيه القلب طاهر النفس، خفيف الحمل إلا من التقوى، فارغ اليدين إلا من الإيمان، إن في هذا لبلاغا، وإنها لموعظة لقوم يعقلون.( ) كما أن ما قام به من الوصية بتعويض بيت مال المسلمين بأرضه المذكورة مقابل ما أنفق على نفسه وعياله منه، وكان ورعًا منه ورغبة في أن يكون عمله في الولاية تطوعًا وخالصًا لله تعالى، بعيدًا عن أي حظ من حظوظ الدنيا.
وقد استمر مرض أبي بكر مدة خمسة عشر يوما، حتى كان يوم الاثنين (ليلة الثلاثاء) في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة للهجرة، قالت عائشة -رضي الله عنها-: إن أبا بكر قال لها: في أي يوم مات رسول الله ×؟ قالت: في يوم الاثنين قال: إني لأرجو فيما بيني وبين الليل، ففيم كفنتموه؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة، فقال أبو بكر: انظري ثوبي هذا فيه ردع زعفران أو مشق فاغسليه واجعلي معه ثوبين آخرين. ( ) فقيل له: قد رزق الله وأحسن، نكفنك في جديد. قال:
إن الحي هو أحوج إلى الجديد ليصون به نفسه عن الميت، إنما يصير الميت إلى الصديد وإلى البلى. ( ) وقد أوصى أن تغسله زوجه أسماء بنت عميس، وأن يدفن بجانب رسول الله ×، وكان آخر ما تكلم به الصديق في هذه الدنيا قول الله تعالى: +تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ" ( ) [يوسف: 101].
وارتجت المدينة لوفاة أبي بكر الصديق، ولم تر المدينة منذ وفاة الرسول يومًا أكثر باكيًا وباكية من ذلك المساء الحزين، وأقبل علي بن أبي طالب مسرعًا باكيًا مسترجعًا ووقف على البيت الذي فيه أبو بكر، فقال: رحمك الله يا أبا بكر، كنت إلف
رسول الله × وأنيسه ومستراحه وثقته وموضع سره ومشاورته، وكنت أول القوم إسلامًا وأخلصهم يقينًا، وأشدهم لله يقينًا، وأخوفهم له، وأعظمهم غناء في دين الله عز وجل، وأحوطهم على رسول الله ×، وأحدبهم على الإسلام، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفعهم عنده، وأكرمهم عليه، فجزاك الله عن رسول الله وعن الإسلام أفضل الجزاء. صدَّقت رسول الله × حين كذبه الناس، وكنت عنده بمنزلة السمع والبصر، سماك الله في تنزيله صديقًا فقال: +وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ"[الزمر: 33]. واسيته حين بخلوا، وقمت معه على المكاره حين قعدوا، وصحبته في الشدة أكرم الصحبة، ثاني اثنين صاحبه في الغار، والمنزل عليه السكينة، ورفيقه في الهجرة، وخليفته في دين الله وأمته، أحسن الخلافة حين ارتدوا، فقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي، ونهضت حين وهن أصحابه، وبرزت حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، ولزمت منهاج رسول الله إذ وهنوا، وكنت كما قال رسول الله: ضعيفًا في بدنك قويًّا في أمر الله تعالى، متواضعًا في نفسك، عظيمًا عند الله تعالى، جليلاً في أعين الناس، كبيرًا في أنفسهم، لم يكن لأحدهم فيك مغمز ولا لقائل فيك مهمز، ولا لمخلوق عندك هوادة. الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ بحقه، القريب والبعيد عنك في ذاك سواء، وأقرب الناس عندك أطوعهم لله -عز وجل- وأتقاهم، … شأنك الحق والصدق والرفق، قولك حكم وحتم، وأمرك حلم وحزم، ورأيك علم وعزم. اعتدل بك الدين، وقوي بك الإيمان، وظهر أمر الله، فسبقت –والله- سبقًا بعيدًا وأتعبت من بعدك إتعابًا شديدًا، وفزت بالخير فوزًا مبينًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله -عز وجل- قضاءه، وسلمنا له أمره. والله لن يصاب المسلمين بعد رسول الله بمثلك أبدًا، كنت للدين عزًا وحرزًا وكهفًا، فألحقك الله -عز وجل- بنبيك محمد ×، ولا حرمنا أجرك ولا أضلنا بعدك. فسكت الناس حتى قضى كلامه، ثم بكوا حتى علت أصواتهم، وقالوا: صدقت. ( ) وجاء في رواية: إن عليًّا قال عندما دخل على أبي بكر بعدما سجي أنه قال: ما أحد ألقى الله بصحيفته أحب إليَّ من هذا المسَجَّى. ( )
هذا وقد توفي الصديق -رحمه الله- وهو ابن ثلاث وستين سنة، مجمع على ذلك في الروايات كلها، استوفى سن رسول الله ×، وغسلته زوجه أسماء بنت عميس، وكان قد أوصى بذلك ( )، ودفن جانب رسول الله، وقد جعل رأسه عند كتفي رسول الله ( )، وصلى عليه خليفته عمر بن الخطاب، ونزل قبره عمر وعثمان وطلحة وابنه عبد الرحمن، وألصق اللحد بقبر رسول الله × ( ).

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:57 PM
وهكذا خرج أبو بكر الصديق من الدنيا بعد جهاد عظيم، في سبيل نشر دين الله في الآفاق، وستظل الحضارة الإنسانية مدينة لهذا الشيخ الجليل الذي حمل لواء دعوة الرسول بعد وفاته، وحمى غرسه عليه الصلاة والسلام، وقام برعاية بذور العدل والحرية، وسقاها أزكى دماء الشهداء، فأتت من كل الثمرات عطاء جزيلاً. حقق عبر التاريخ تقدما عظيمًا في العلوم والثقافة والفكر، وستظل الحضارة مدينة للصديق؛ لأنه بجهاده الرائع وبصبره العظيم حمى الله به دين الإسلام في ثباته في الردة، ونشر الله به الإسلام في الأمم والدول والشعوب بحركة الفتوحات العظيمة، التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.
وأختم هذا الكتاب بقول أبي محمد عبد الله القحطاني الأندلسي:
قل إن خير الأنبياء محمد
وأجَلَّ من يمشي على الكُثبان

وأجَلُّ صَحْبِ الرسل صحب محمدٍ
وكذاك أفضل صحبه العُمَران ( )

رجلان قد خلقا لنصر محمد
بدمي ونفسي ذانك الرجلان

فهما اللذان تظاهرا لنبينا
في نصره وهما له صهران

بنتاهما أسنى نساء نبينا
وهما له بالوحي صاحبتان

أبواهما أسنى صحابة أحمد
يا حبذا الأبوان والبنتان

وهما وزيراه اللذان هما هما
لفضائل الأعمال مستبقان

وهما لأحمد ناظراه وسمعه
وبقربه في القبر مضطجعان

كانا على الإسلام أشفق أهله
وهما لدين محمد جبلان

أصفاهما أقواهما أخشاهما
أتقاهما في السر والإعلان

أسناهما أزكاها أعلاهما
أوفاهما في الوزن والرجحان

صِدِّيق أحمد صاحب الغار الذي
هو في المغارة والنبي اثنان

أعني أبا بكر الذي لم يختلف
من شرعنا في فضله رجلان

هو شيخ أصحاب النبي وخيرهم
وإمامهم حقا بلا بطلان

وأبو المطهرة التي تنزيهها
قد جاءنا في النور والفرقان ( )

«وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين»
«سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت،
أستغفرك وأتوب إليك»
* * *

الخلاصـــــــة
1- إن سيرة الخلفاء الراشدين وتاريخهم المجيد من أقوى مصادر الإيمان والعاطفة الإسلامية الصحيحة، التي لا تزال هذه الأمة تقتبس منها شعلة الإيمان وتحمل زاد الدعوة، فتشعل أنوار الحق في قلوب الناس حتى لا تنطفئ بريح الهدم التي يوجهها أعداء الأمة ضد دعوتها وتاريخها.
2- إن المسلمين –بل الإنسانية كلها- أشد ما كانوا اليوم في حاجة إلى معرفة فضائل أصحاب رسول الله × وكرم معدنهم، وأثر تربية رسول الله فيهم، وما كانوا عليه من علو المنزلة التي صاروا بها الجيل المثالي الفذ في تاريخ البشر.
3- لقد تعرض التاريخ الإسلامي في عمومه وتاريخ صدر الإسلام على الخصوص للتزوير والتشكيك والتحريف والبتر والزيادة وسوء التأويل، من الروافض والمستشرقين والنصارى واليهود والعلمانيين، ولذلك أصبح من الفروض الكفائية على الأمة تصحيح الحقائق، فعلى كل من يستطيع تصحيح تاريخ صدر الإسلام أن يعتبر ذلك من أفضل العبادات، وأن يبادر له ويجتهد فيه ما استطاع؛ حتى يكون أمام أبناء الأمة مثالاً صالحًا من سلفهم، يقتدون به ويجددون عهده ويصلحون من سيرتهم بالسير على منهجهم.
4- إن سيرة الصديق مليئة بالدروس والعبر؛ فهو أعظم شخصية في الإسلام بعد النبي ×، فقد كان هذا الصحابي الجليل قد اتصف بمكارم الأخلاق والصفات الحميدة منذ الجاهلية، فلم يعرف عنه أنه سجد لصنم أو شرب الخمر.
5- كان الصديق  عالمًا بالأنساب، وكانت له مزية حببته إلى قلوب العرب وهي أنه لم يكن يعيب الأنساب ولا يذكر المثالب، بخلاف غيره، فقد كان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها وبما فيها من خير وشر، وقد اشتهر بالتجارة، وكان ينفق من ماله بسخاء وكرم عرف به في الجاهلية.
6- كان أبو بكر كنزًا من الكنوز ادخره الله تعالى لنبيه، وكان من أحب قريش لقريش، فذلك الخلق السمح الذي وهبه الله إياه، جعله من الموطئين أكنافًا، من الذين يألفون ويؤلفون.
7- كان تحرك الصديق  في الدعوة إلى الله يوضح صورة من صور الإيمان بهذا الدين، والاستجابة لله ورسوله، صورة المؤمن الذي لا يقر له قرار ولا يهدأ له بال حتى يحقق في دنيا الناس ما آمن به.
8- تعرض الصديق للابتلاء؛ فقد أوذي أبو بكر الصديق وحثي على رأسه التراب، وضرب في المسجد الحرام بالنعال حتى ما يعرف وجهه من أنفه وحمل إلى بيته.
9- من صفات الصديق التي تميز بها: الجرأة والشجاعة، فقد كان لا يهاب أحدًا في الحق، ولا تأخذه لومة لائم في نصرة دين الله والعمل له والدفاع عن رسول الله ×.
10- ساهم الصديق في سياسة فك رقاب المسلمين المعذبين، وأصبح هذا المنهج من ضمن الخطة التي تبنتها القيادة الإسلامية لمقاومة التعذيب الذي نزل بالمستضعفين، فدعم الدعوة بالمال والرجال والأفراد، فراح يشتري العبيد والإماء المملوكين من المؤمنين والمؤمنات وأعتقهم لوجه الله.
11- استخدم الصديق  علم الأنساب كوسيلة من وسائل الدعوة، ولذلك كان مرافقًا لرسول الله × أثناء دعوته للقبائل في أسواق العرب في المواسم.
12- رافق الصديق  رسول الله في هجرته إلى المدينة، فكان الساعد الأيمن لرسول الله منذ بزوغ الدعوة حتى وفاته ×، فكان  ينهل بصمت وعمق من ينابيع النبوة حكمة وإيمانًا ويقينًا وعزيمة وتقوى وإخلاصًا، فأثمرت هذه الصحبة صلاحًا وصديقية، ذكرًا ويقظة، حبًا وصفاء، عزيمة وتصميمًا، وإخلاصًا وفهمًا، فوقف مواقفه المشهورة بعد وفاة رسول الله × في سقيفة بني ساعدة، وغيرها من المواقف؛ كبعث جيش أسامة وحروب الردة، فأصلح ما فسد وبنى ما هدم، وجمع ما تفرق، وقوَّم ما انحرف.
13- شهد أبو بكر مع النبي × المشاهد كلها ولم يفته منها مشهد، وثبت مع رسول الله يوم أحد حين انهزم الناس، ودفع إليه النبي × رايته العظمى يوم تبوك وكانت سوداء.
14- كانت حياة الصديق في المجتمع المدني مليئة بالدروس والعبر، وتركت لنا نموذجًا حيًّا لفهم الإسلام وتطبيقه في دنيا الناس. وقد تميزت شخصية الصديق بصفات عظيمة ومدحه رسول الله × في أحاديث كثيرة وبيَّن فضله وتقدمه على كثير من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
15- كان إيمان الصديق بالله عظيمًا، فقد فهم حقيقة الإيمان وتغلغلت كلمة التوحيد في نفسه وقلبه، وانعكست آثارها على جوارحه، وعاش بتلك الآثار في حياته فتحلى بالأخلاق الرفيعة، وتطهر من الأخلاق الوضيعة، وحرص على التمسك بشرع الله والاقتداء بهديه ×، وكان إيمانه بالله باعثًا له على الحركة والهمة والنشاط والسعي والجهد والمجاهدة والجهاد والتربية والاستعلاء والعزة، وكان في قلبه من اليقين والإيمان شيء عظيم لا يساويه فيه أحد من الصحابة.
16- كان الصديق من أعلم الناس بالله وأخوفهم له، وقد اتفق أهل السنة على أن أبا بكر أعلم الأمة، وحكى الإجماع على ذلك غير واحد، وسبب تقدمه على كل الصحابة في العلم والفضل ملازمته للنبي ×؛ فقد كان أدوم اجتماعًا به ليلاً ونهارًا وسفرًا وحضرًا، وكان يسمر عند النبي × بعد العشاء يتحدث معه في أمور المسلمين، وقد استعمله النبي × على أول حجة حجت من مدينة النبي ×، وعلم المناسك أدق ما في العبادات، ولولا علمه لم يستخلفه، ولم يستخلف غيره لا في حج ولا في صلاة، وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله أخذه أنس من أبي بكر، وهو أصح ما روي فيها، وعليه اعتمد الفقهاء وغيرهم في كتابة ما هو متقدم منسوخ، فدل على أنه أعلم بالسنة الناسخة والمنسوخة، ولم يحفظ له قول يخالف فيه نصًا، وهذا يدل على غاية البراعة والعلم.
17- لما مات رسول الله × اضطرب الناس، فثبت الله الأمة بالصديق، فوقف موقفه العظيم وقال: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. وظهر موقفه العظيم في سقيفة بني ساعدة حيث استطاع أن يقنع الأنصار بما رآه وهو الحق، من غير أن يعرض المسلمين للفتنة، فأثنى على الأنصار ببيان فضلهم من الكتاب والسنة والثناء.
18- بايع سعد بن عبادة الصديقَ بالخلافة في أعقاب النقاش الذي دار في سقيفة بني ساعدة؛ إذ أنه نزل عن مقامه الأول في دعوى الإمارة وأذعن للصديق بالخلافة، وكان ابن عمه بشير بن سعد الأنصاري أول من بايع الصديق بالخلافة في اجتماع السقيفة، ولم يثبت النقل الصحيح أية أزمات لا بسيطة ولا خطيرة ولم يثبت أي انقسام أو فرق لكل منها مرشح يطمع في الخلافة، كما زعم بعض كتاب التاريخ، ولكن الأخوة الإسلامية ظلت كما هي بل ازدادت توثقًا، كما يثبت النقل الصحيح.
19- وردت أحاديث نبوية شريفة أشارت إلى خلافة الصديق، وأجمع أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا على أن أحق الناس بالخلافة بعد النبي × أبو بكر الصديق، لفضله وسابقته ولتقديم النبي × إياه في الصلوات على جميع الصحابة، وقد فهم أصحاب النبي × مراد المصطفى -عليه الصلاة والسلام- من تقديمه في الصلاة، فأجمعوا على تقديمه في الخلافة

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:58 PM
20- الخلافة الإسلامية هي المنهج الذي اختارته الأمة الإسلامية وأجمعت عليه طريقة وأسلوبًا للحكم، تنظم من خلاله أمورها وترعى مصالحها، وقد ارتبطت نشأة الخلافة بحاجة الأمة لها واقتناعها بها، ومن ثم كان إسراع المسلمين في اختيار خليفة
لرسول الله ×، فالخلافة هي نظام حكم المسلمين، وقد استمدت أصولها من دستور المسلمين في القرآن الكريم ومن سنة النبي ×، وقد تحدث الفقهاء عن أسس الخلافة الإسلامية فقالوا بالشورى والبيعة، وهما أصلان قد أشير إليهما في القرآن الكريم.
21- تحدث العلامة أبو الحسن الندوي عن شروط خلافة النبي × ومتطلباتها، وقد أثبت بالأدلة والحجج من خلال سيرة الصديق بأن أبا بكر كان شروط خلافة النبي × متحققة فيه.
22- بعد البيعة العامة للصديق ألقى خطبة على الأمة تعتبر من عيون الخطب الإسلامية على إيجازها، فقد بيَّن فيها منهجه لقيادة الدولة وقرر فيها قواعد العدل والرحمة في التعامل بين الحاكم والمحكوم، وركز على أن طاعة ولي الأمر مترتبة على طاعة الله ورسوله، ونص على الجهاد في سبيل الله لأهميته في إعزاز الأمة، وعلى اجتناب الفاحشة لأهمية ذلك في حماية المجتمع من الانهيار والفساد.
23- أراد الصديق  أن ينفذ السياسة التي رسمها لدولته واتخذ من الصحابة الكرام أعوانًا يساعدونه على ذلك، فجعل أبا عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة «وزير المالية»، فأسند إليه شئون بيت المال، وتولى عمر بن الخطاب القضاء «وزير العدل»، وباشر الصديق القضاء بنفسه أيضًا، وتولى زيد بن ثابت الكتابة «وزير البريد والمواصلات»، وأحيانًا يكتب له من يكون حاضرًا من الصحابة كعلي بن أبي طالب أو عثمان بن عفان رضي الله عنهم. وأطلق المسلمون على الصديق لقب خليفة رسول الله، ورأى الصحابة ضرورة تفريغ الصديق لمنصب الخلافة وتكفلت الأمة بنفقاته الخاصة.
24- عاش الصديق بين المسلمين كخليفة لرسول الله، فكان لا يترك فرصة تمر إلا علَّم الناس وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فكانت مواقفه تشع على مَنْ حوله مِنَ الرعية بالهدى والإيمان والأخلاق.
25- يعتبر عهد الصديق بداية العهد الراشدي الذي تتجلى أهميته بصلته بالعهد النبوي وقربه منه، فكان العهد الراشدي عامة والجانب القضائي خاصة امتدادًا للقضاء في العهد النبوي، مع المحافظة الكاملة والتامة على جميع ما ثبت في العهد النبوي بحذافيره وتنفيذه بنصه ومعناه.
26- كان أبو بكر يستعمل الولاة في البلدان المختلفة ويعهد إليهم بالولاية العامة في الإدارة والحكم والإمامة وجباية الصدقات وسائر أنواع الولايات، وكان ينظر إلى حسن اختيار الرسول للأمراء والولاة على البلدان فيقتدي به في هذا العمل، ولهذا نجده قد أقر جميع عمال الرسول الذين توفي الرسول × وهم على ولايته، ولم يعزل أحدا منهم إلا ليعينه في مكان آخر أكثر أهمية من موقعه الأول ويرضاه، كما حدث لعمرو بن العاص، وكانت مسئوليات الولاة في عهد أبي بكر الصديق بالدرجة الأولى
امتدادا لصلاحيتهم في عصر الرسول ×، خصوصا الولاة الذين سبق تعيينهم أيام الرسول ×.
27- وردت أخبار كثيرة في شأن تأخر علي عن مبايعة الصديق رضي الله عنهما، وكذلك تأخير الزبير بن العوام، وجل هذه الأخبار ليس بصحيح إلا ما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: إن عليًّا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله، فقد كان انشغال جماعة من المهاجرين وعلى رأسهم علي بن أبي طالب بأمر جهاز رسول الله، من تغسيل وتكفين، وقد بايع الزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- أبا بكر في اليوم التالي لوفاة الرسول، وهو يوم الثلاثاء.
28- عندما سئل الصديق عن ميراث رسول الله، قال للسيدة فاطمة والعباس عم النبي ×: سمعت رسول الله يقول: «لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال». وفي رواية قال أبو بكر : «… لست تاركًا شيئًا كان رسول الله × يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ». ومن الثابت تاريخيا أن أبا بكر دام أيام خلافته يعطي أهل البيت حقهم في فيء رسول الله × في المدينة، ومن أموال فدك وخمس خيبر، إلا أنه لم ينفذ فيهما أحكام الميراث عملا بما سمعه من
رسول الله.
29- بيَّن الصديق  في خطبته طبيعة خليفة رسول الله ×، وأنه ليس خليفة عن الله بل عن رسول الله ×، وأنه بشر غير معصوم لا يطيق ما كان رسول الله × يطيقه بنبوته ورسالته، فهو في سياسته متبع وليس بمبتدع.
30- من الدروس والعِبَر في بعث جيش أسامة : أن الأحوال تتغير وتتبدل، والشدائد لا تشغل أهل الإيمان عن أمر الدين، والمسيرة الدعوية لا ترتبط بأحد، ووجوب اتباع النبي × وحدوث الخلاف بين المؤمنين ورده إلى الكتاب والسنة، وجعل الدعوة مقرونة بالعمل، ومكانة الشباب في خدمة الإسلام، وروعة الآداب الإسلامية في الجهاد وتحقيق جيش أسامة لأهدافه، فقد ضعفت جبهة الردة في الشمال وأصبحت من أضعف الجبهات.
31- إن الردة التي قامت بها القبائل العربية بعد وفاة رسول الله × لها أسباب، منها: هول الصدمة بموت رسول الله، ورقة الدين والسقم في فهم نصوصه، والحنين إلى الجاهلية ومقارفة موبقاتها، والتفلت من النظام والخروج على السلطة الشرعية، والعصبية القبلية، والطمع في الملك، والتكسب بالدين، والشح بالمال، والتحاسد، والمؤثرات الأجنبية؛ كدور اليهود والنصارى والمجوس.
32- وأما أصناف الردة: فمنهم من ترك الإسلام جملة وتفصيلاً وعاد إلى الوثنية وعبادة الأصنام، ومنهم من ادعى النبوة، ومنهم من عاد إلى ترك الصلاة، ومنهم من بقي يعترف بالإسلام ويقيم الصلاة ولكنه امتنع عن أداء الزكاة، ومنهم من شمت بموت الرسول × وعاد أدراجه يمارس عادات الجاهلية، ومنهم من تحير وتردد وانتظر على من تكون الدبرة، وكل ذلك وضحه علماء الفقه والسير.
33- كان موقف الصديق  من المرتدين لا هوادة فيه ولا مساومة فيه ولا تنازل، يرجع إليه الفضل الأكبر –بعد الله تعالى- في سلامة هذا الدين وبقائه على نقائه وصفائه وأصالته، وقد أقر الجميع وشهد التاريخ بأن أبا بكر قد وقف في مواجهة الردة الطاغية ومحاولة نقض عرى الإسلام عروة عروة موقف الأنبياء والرسل في عصورهم، وهذه خلافة النبوة التي أدى أبو بكر حقها، واستحق بها ثناء المسلمين ودعاءهم إلى أن
يرث الله الأرض وأهلها.
34- إن من الحقائق الأساسية حول هذه الفتنة، أنها لم تكن شاملة لكل الناس كشمولها الجغرافي، بل إن هناك قادة وقبائل وجماعات وأفرادًا تمسكوا بدينهم في كل منطقة.
35- في حروب الردة باليمن ظهرت صورتان مختلفتان للنساء؛ صورة المرأة الطاهرة العفيفة التي تقف مع الإسلام وتحارب الرذيلة، وتقف مع المسلمين لكبح جماح شياطين الإنس والجن مثل «آزاد» الفارسية زوج شهر بن باذان وابنة عم فيروز الفارسي. وصورة أخرى كالحة مظلمة، وهي ما قامت به بعض بنات اليمن من يهود ومن لف لفهن في حضرموت، فقد طرن فرحًا بموت رسول الله فأقمن الليالي الحمراء مع المجان والفساق يشجعن على الرذيلة ويزرين بالفضيلة، فقد رقص الشيطان فيها معهن وأتباعه طربًا لنكوص الناس عن الإسلام، والدعوة إلى التمرد عليه وحرب أهله.
36- كان بعض أهل اليمن لهم مواقف عظيمة في الثبات على الحق والدعوة إلى الإسلام، وتحذير قومهم من خطورة الردة، ومن هؤلاء كان مران بن ذي عمير الهمداني أحد ملوك اليمن وعبد الله بن مالك الأرحبي، وكان من أصحاب النبي × وشرحبيل بن السمط، وابنه في بني معاوية من كندة.
37- بعد حروب الردة تجمعت اليمن تحت قيادة مركزية عاصمتها المدينة المنورة، وقسم اليمن إلى أقسام إدارية لا وحدات قبلية، فقد قسم إلى ثلاثة أقسام إدارية: صنعاء والجند وحضرموت، ولم تعد العصبية القبلية أساسًا في الزعامة أو في التولية، ولم تعد القبلية سوى وحدة عسكرية لا سياسية، وأصبحت المقاييس المعتبرة هي المقاييس الإيمانية؛ التقوى والإخلاص والعمل الصالح.
38- كان لهزيمة طليحة الأسدي في معركة بزاخة أثر كبير في رجوع كثير من القبائل إلى حظيرة الإسلام، فقد أقبلت بنو عامر بعد هزيمة بزاخة يقولون: ندخل فيما خرجنا منه، فبايعهم خالد على ما بايع عليه أهل بزاخة من أسد وغطفان وطيء.
39- إن مقتل مالك بن نويرة بسبب كبره وتردده فقد بقي للجاهلية في نفسه نصيب، ولذلك ماطل في التبعية للقائم بأمر الإسلام بعد رسول الله × وفي تأديه حق بيت مال المسلمين عليه المتمثل بالزكاة.
40- قام الصديق بالتحقيق في مقتل ابن نويرة وانتهى إلى براءة ساحة خالد من تهمة قتل مالك بن نويرة، فقد كان الصديق في هذا الشأن أكثر اطلاعًا على حقائق الأمور، وأبعد نظرًا في تصريفها من بقية الصحابة؛ لأنه الخليفة وإليه تصل الأخبار.

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:58 PM
41- إن من كمال الصديق توليته لخالد واستعانته به؛ لأنه كان شديدًا ليعتدل به أمره ويخلط الشدة باللين، فإن مجرد اللين يفسد ومجرد الشدة يفسد، فكان يقوم باستشارة عمر وباستنابة خالد، وهذا من كماله الذي صار به خليفة رسول الله.
42- كان للمثنى بن حارثة دور كبير في إخماد فتنة البحرين، والوقوف بقواته بجانب العلاء ابن الحضرمي، وقد سار بجنوده من البحرين شمالاً ووضع يده على القطيف وهجر حتى بلغ مصب دجلة، وقضى في سيره على قوات الفرس وعمالهم، وقد كانت أخباره تصل إلى الصديق، وسأل عنه أصحابه فقال له قيس بن عاصم المنقري: هذا رجل غير خامل الذكر ولا مجهول النسب ولا ذليل العماد، هذا المثنى بن حارثة الشيباني.
43- تعتبر هزيمة بني حنيفة في اليمامة أمام جيوش خالد قاصمة الظهر لحركة الردة، وكان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثير من حفظة القرآن. وقد نتج عن ذلك أن قام أبو بكر  بمشورة عمر بن الخطاب  بجمع القرآن من الرقاع والعظام والسعف ومن صدور الرجال، وأسند الصديق هذا العمل العظيم والمشروع الحضاري الضخم إلى الصحابي الجليل زيد بن ثابت الأنصاري .
44- تحققت شروط التمكين ولوازمه كلها في عهد الصديق والخلفاء الراشدين من بعده، وكان للصديق الفضل بعد الله في تذكير الأمة بهذه الشروط، ولذلك رفض طلب الأعراب في وضع الزكاة عنهم وأصر على بعث جيش أسامة، والتزم بالشرع كاملاً ولم يتنازل عن صغيرة ولا كبيرة.
45- كان إعداد الصديق في حروب الردة شاملاً معنويًا وماديًّا؛ فجيَّش الجيوش وعقد الألوية واختار القادة لحروب الردة، وراسل المرتدين وحرض الصحابة على قتالهم، وجمع السلاح والخيل والإبل وجهز الغزاة، وحارب البدع والجهل والهوى، وحكَّم الشريعة، وأخذ بأصول الوحدة والاتحاد والاجتماع، وأخذ بمبدأ التفرغ، وساهم في إحياء مبدأ التخصص؛ فخالد لقيادة الجيوش، وزيد بن ثابت لجمع القرآن، وأبو برزة الأسلمي للمراسلات الحربية. واهتم بالجانب الأمني والإعلامي، وغير ذلك من الأسباب.
46- تظهر آثار تحكيم شرع الله في عصر الصديق في تمكين الله للصحابة؛ فقد حرصوا على إقامة شعائر الله على أنفسهم وأهليهم، وأخلصوا الله في تحاكمهم إلى شرعه، فالله -سبحانه وتعالى- قوَّاهم وشد أزرهم ونصرهم على المرتدين، ورزقهم الأمن والاستقرار.
47- كان الجهاد الذي خاضه الصحابة في حروب الردة إعدادا ربانيا للفتوحات الإسلامية؛ حيث تميزت الرايات وظهرت القدرات وتفجرت الطاقات واكتشفت قيادات ميدانية، وتفنن القادة في الأساليب والخطط الحربية، وبرزت مؤهلات الجندية الصادقة المطيعة المنضبطة الواعية التي تقاتل وهي تعلم على ماذا تقاتل، وتقدم كل شيء وهي تعلم من أجل ماذا تضحي وتبذل، ولذا كان الأداء فائقا والتفاني عظيما.
48- توحدت شبه الجزيرة العربية بفضل الله ثم جهاد الصحابة مع الصديق تحت راية الإسلام لأول مرة في تاريخها بزوال الرؤوس أو انتظامها ضمن المد الإسلامي، وبسطت عاصمة الإسلام (المدينة) هيمنتها على ربوع الجزيرة، وأصبحت الأمة تسير وراء زعيم واحد بفكرة واحدة، فكان الانتصار انتصارًا للدعوة الإسلامية ولوحدة الأمة بتضامنها وتغلبها على عوامل التفكك والعصبية، كما كانت برهانًا على أن الدولة الإسلامية بقيادة الصديق قادرة على التغلب على أعنف الأزمات.
49- أثبتت أحداث التاريخ أن أية محاولة للتمرد على دين الإسلام سواء أقام بها فرد أم جماعة أم دولة إنما هي محاولة يائسة، مآلها الإخفاق الذريع والخيبة الشنيعة؛ لأن التمرد إنما هو تمرد على أمر الله المتمثل بكتابه الذي تكفل بحفظه وحفظ جماعة تلتف حوله وتقيمه في نفوسها وواقعها مدى الدهر، وبحكمه القاضي بالعاقبة للمتقين وبالمن على المستضعفين أن يديل لهم من الظالمين.
50- ما إن انتهت حروب الردة واستقرت الأمور في الجزيرة العربية التي كانت ميدانًا لها، حتى شرع الصديق في تنفيذ خطة الفتوحات التي وضع معالمها رسول الله ×، فجيش الجيوش لفتح العراق والشام.
51- إن الأوامر التي وجهها الصديق إلى قادة فتوح العراق «خالد وعياض» تشير إلى الحس الاستراتيجي المتقدم الذي كان يملكه الصديق ، فقد أعطى جملة تعليمات عسكرية استراتيجية منها وتكتيكية؛ فحدد لكل من القائدين المسلمين جغرافيا منطقة للدخول إلى العراق، كأنما هو يمارس القيادة من غرفة العمليات بالحجاز، وقد بسطت أمامه خارطة العراق بكل تضاريسها ومسالكها.
52- خاض خالد في العراق عدة معارك كانت السبب في فتح العراق؛ كمعركة ذات السلاسل، ومعركة المذار والولجة وأليس وفتح الحيرة والأنبار وعين التمر ودومة الجندل ووقعة الحصيد ووقعة المصيخ ووقعة الفراض.
53- عزم الصديق على فتح الشام فاستشار كبار الصحابة ثم استنفر أهل اليمن للجهاد، وعقد الألوية للقادة وأرسل أربعة جيوش لبلاد الشام، وكان قادة الجيوش كلا من: يزيد بن أبي سفيان، وأبي عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة.
54- كانت الجيوش المكلفة بفتح الشام تلاقي صعوبة في تنفيذ المهمات الموكلة إليها، فقد كانت تواجه جيوش الإمبراطورية الرومانية التي تمتاز بقوتها وكثرة عددها، فراسلوا الصديق وأعلموه بوضعهم الحرج، فأمر الصديق الجيوش بالانسحاب إلى اليرموك والتجمع هناك، وأمر خالدًا بالسير بنصف جيش العراق نحو جبهات الشام وأمره بقيادة الجيوش هناك.
55- استطاع خالد بن الوليد أن يحقق انتصارات عظيمة على جيوش الشام من أهمها: معركة أجنادين واليرموك.
56- يمكن للباحث أن يستنبط أهم معالم السياسة الخارجية في دولة الصديق، وهي: بذر هيبة الدولة في نفوس الأمم الأخرى، مواصلة الجهاد الذي أمر به الرسول ×، والعدل بين الأمم المفتوحة والرفق بأهلها، ورفع الإكراه عن الأمم المفتوحة وإزالة الحاجز البشري بينهم وبين الإسلام.
57- إن المطالع للفتوحات في عهد الصديق  يمكن له أن يستنتج خطوطًا رئيسة للخطة الحربية التي سار عليها، وكيف تعامل هذا الخليفة العظيم مع سنة الأخذ بالأسباب؟ وكيف كانت هذه الخطة المحكمة عاملا من عوامل نزول النصر والتمكين من الله -عز وجل- للمسلمين، ومن هذه الخطوط ما يلي: عدم الإيغال في بلاد العدو حتى تدين للمسلمين، التعبئة وحشد القوات، تنظيم عملية الإعداد للجيوش، تحديد الهدف من الحرب، وإعطاء الأفضلية لمسارح العمليات، عزل ميدان المعركة، التطور في أساليب القتال، سلامة خطوط الاتصال مع القادة، ذكاء الخليفة وفطنته.
58- بيَّن الصديق في توجيهاته للقادة والجنود حقوق الله تعالى؛ كمصابرة العدو، وإخلاص قتالهم لله، وأداء الأمانة، وعدم الممالأة والمحاباة في نصر دين الله. ووضع حقوق القادة على الجنود والرعية؛ كالتزام طاعته، والمسارعة إلى امتثال أمره، وعدم مسارعته في شيء من قسمة الغنائم، وغير ذلك من الحقوق. وفصَّل الصديق  من خلال وصاياه ورسائله في حقوق الجند؛ كاستعراضهم، وتفقد أحوالهم، والرفق بهم في السير، وأن يقيم عليهم العرفاء والنقباء، واختيار مواضع نزولهم لمحاربة العدو، وإعداد ما يحتاج إليه الجند من زاد وعلوفة، والتعرف على أخبار العدو بالجواسيس الثقاة لسلامة الجند، وتحريضهم على الجهاد، وتذكيرهم بثواب الله وفضل الشهادة، ومشاورة ذوي الرأي منهم، وأن يلزمهم بما أوجبه الله من حقوق، وأن ينهاهم عن الاشتغال عن الجهاد بزراعة أو تجارة، وكل هذه الحقوق قد استخرجت من رسائله ووصاياه للقادة.
59- إن المتأمل في حركة الفتح الإسلامي يرى توفيق الله تعالى لجيوش الخليفة أبي بكر ؛ فقد استطاعت تلك الجيوش المظفرة أن تكسر شوكة الرومان والفرس وفتح تلك الديار في وقت قياسي في تاريخ الحروب، ومن أهم أسباب تلك الفتوح: إيمان المسلمين بالحق الذي يقاتلون من أجله، تأصل الصفات الحربية في المسلمين، سماحة المسلمين وعدالتهم مع تلك الشعوب، رحمة المسلمين في تقدير الجزية والخراج ووفاؤهم بعهودهم، ثروة المسلمين الواسعة من الرجال والقادة العظام، إحكام الخطة الإسلامية الحربية، وغير ذلك من الأسباب.

إسلام سعيد
27-08-2009, 11:59 PM
- عندما نزل المرض بالصديق وأشرف على الموت قام بعدة إجراءات عملية لتتم عملية اختيار الخليفة القادم، وهي: استشار كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، وبعد أن تم ترشيح الصديق لعمر ووافق معظم الصحابة على ذلك، كتب عهدًا مكتوبًا يقرأ على الناس في المدينة وفي الأمصار، وأخبر عمر بن الخطاب بخطواته القادمة وعرفه ما عزم عليه وألزمه بذلك، وأبلغ الناس بلسانه واعيًا مدركًا حتى لا يحصل أي لبس، وتوجه بالدعاء إلى الله يناجيه ويبثه كوامن نفسه، وكلف عثمان بن عفان أن يتولى قراءة العهد على الناس وأخذ البيعة لعمر قبل موته، وقام بتوجيه الفاروق عندما اختلى به.
61- إن الخطوات التي سار عليها أبو بكر الصديق في اختيار خليفته من بعده لا تتجاوز الشورى بأي حال من الأحوال، وإن كانت الإجراءات المتبعة فيها غير الإجراءات المتبعة في تولية أبي بكر نفسه، وهكذا تم عقد الخلافة لعمر بالشورى والاتفاق، ولم يرد في التاريخ أي خلاف وقع حول خلافته بعد ذلك، ولا أن أحدًا نهض طوال عهده لينازعه الأمر، بل كان هناك إجماع على خلافته وعلى طاعته في أثناء حكمه، فكان الجميع وحدة واحدة.
62- خرج أبو بكر الصديق من هذه الدنيا بعد جهاد عظيم في سبيل نشر دين الله في الآفاق، وستظل الحضارة الإنسانية مدينة لهذا الشيخ الجليل الذي حمل لواء دعوة الرسول × بعد وفاته، وحمى غرسه عليه الصلاة والسلام، وقام برعاية بذور العدل والحرية وسقاها أزكى دماء الشهداء، فآتت من كل الثمرات عطاء جزيلاً، حقق عبر التاريخ تقدمًا عظيمًا في العلوم والثقافة والفكر، وستظل الحضارة مدينة للصديق؛ لأنه بجهاده الرائع وبصبره العظيم حمى الله به دين الإسلام في ثباته في الردة، ونشر الله به الإسلام في الأمم والدول والشعوب بحركة الفتوحات العظيمة.
63- إن هذا المجهود المتواضع قابل للنقد والتوجيه، وما هي إلا محاولة متواضعة هدفها معرفة حقيقة عصر الخلافة الراشدة، لكي نستفيد منها في حركتنا المستمرة لتحكيم شرع الله ونشر دعوته في دنيا الناس، وبيني وبين الناقد قول الشاعر:
إن تجد عيبًا فسد الخللا
جَلَّ مَنْ لا عيب فيه وعلا

وأسأل الله العلي العظيم رب العرش الكريم أن يتقبل هذا الجهد قبولاً حسنًا، وأن يبارك فيه، وأن يجعله من أعمالي الصالحة التي أتقرب بها إليه، وأن لا يحرمني ولا إخواني الذين أعانوني على إكماله من الأجر والمثوبة ورفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وأختم هذا الكتاب بقول الله تعالى: +رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" [الحشر: 10]، وبقول الشاعر ابن الوردي لابنه:
اطلب العلم ولا تكسل فما
أبعد الخير على أهل الكسلْ

احتفل للفقه في الدين ولا
تُشْغل عنه بمال وَخَوَلْ

واهجر النوم وحصِّلْه فمن
يعرف المطلوب يُحَقِّر ما بذلْ

لا تقل قد ذهبت أربابه
كل من سار على الدرب وصلْ

«سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك».
«وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين».