مشاهدة النسخة كاملة : عن الاستفزاز وماجنوتن واشياء من هذا القبيل ... للدكتور احمد خالد توفيق


الدكتورة مها
14-05-2009, 01:43 AM
عن الاستفزاز وماجنوتن
وأشياء من هذا القبيل

الليل حار رطب، والبعوض يحوم حولك ثم يلتصق بالعرق فيموت غرقًا، بينما المحاسب سهران حتى هذه الساعة المتأخرة يجمع مصفوفة طويلة من الأرقام.. كلما قارب النهاية أخطأ فعاد يبدأ من الأول، والسبب هو ذلك النفير اللعين.. نفير سيارة تحت نافذته لا يتوقف لحظة
خرج أكثر من مرة وصاح طالبًا من سائق السيارة أن يكف بالله عليه، فلديه الكثير من العمل الذي يجب أن يسلمه صباح غد
توسل.. هدد.. تكلم بالعقل.. لكن سائق السيارة -وهو فتى متأنق سمج يلمع شعره بالفازلين- ينظر له ثم يضغط على النفير أكثر ويضحك
هنا تأتي اللحظة.. يثب المحاسب إلى مكتبه فيلتقط مزهرية ثقيلة ضخمة، ومن دون أن يعرف ما يفعله يقذف بها بأقصى قوة نحو رأس الفتى الواقف جوار سيارته.. طبعًا لتتحول رأس الفتى إلى كتلة دموية ويموت فورًا.. يتهاوى المحاسب على ركبتيه دامعًا نادمًا
تبدأ محاكمة القاتل، وبما أننا في بلدة أمريكية فهم يعملون بنظام المحلفين الذين يجتمعون في فندق لا يخرجون منه ويقضون وقتهم في مناقشة وقائع القضية. يأتي يوم النطق بالحكم فينتظر المحاسب في رعب معرفة مصيره.. يقول رئيس المحلفين المرهق منتفخ العينين: لقد توصلنا إلى أن المتهم ليس مذنبًا!.. براءة.. يغادر المحاسب المحكمة وسط التهاني، ويبحث عن زوجته طويلاً لأنه كان يتوقع أنها تنتظره.. في النهاية تلحق به بالسيارة وتعتذر له بشدة.. كان عليها أن تستبدل بطارية السيارة التي نفدت. ولماذا نفدت؟.. تقول في خبث: ظللت طيلة الليل أدق النفير تحت نافذة الفندق الذي يسهر فيه المحلفون لاتخاذ قرارهم
*******
هذه القصة الجميلة أوردها (هتشكوك) في مجموعات مختاراته، وهي تلخص كل شيء
أحيانًا يبلغ الاستفزاز درجة لا يمكن تصورها إلا بمعايشتها، وكما يقول المثل الشعبي على لسان المسمار: لو كنت تعرف الدق اللي على راسي كنت عذرتني
*******
ما مناسبة هذا الكلام؟.. المناسبة هي أننا نعيش في موسم عجيب من الذبح والتمزيق، حتى صارت جملة: قطع قصبتها الهوائية وحنجرتها.. عادية جدًا وربما مملة كذلك. عندما يرتكب رجل أعمال من الجدد جريمة، فإن عنده خلفية نفسية مناسبة من اقتناص الفرص والشراسة والتحايل والأنانية المطلقة والشخصية الفمية التي لا تقبل الخسارة بأي شكل، ويمكن بسهولة فهم هذا النمط الذي يحرق ما لا يقدر على امتلاكه من منطلق: أنا مليونير.. هذا هو ديني.. دعك من أن البهدلة على صفحات الصحف قد تروق لهؤلاء لأنها نوع من الدعاية المحببة
اللغز الحقيقي هو قصة أستاذ الطب الذي قتل تاجر الأدوات الكهربية. هنا فيلم رعب آخر يتضمن رأسًا محروقًا وأطرافًا مبتورة بالمنشار وطلقات رصاص... إلخ. هذا أستاذ طب ناجح، وله ثلاث عيادات بمصر الجديدة وشارع عبد الخالق ثروت والمهندسين، ومن ردود الكثيرين من طلابه على الإنترنت واضح أنه معلم فاضل وأنه لم يبخل بعلمه الغزير في الغدد الصُمّ على أجيال من الطلبة
*******
يعرف كل من يعمل بالسلك الجامعي أنه مرغم أحيانًا على ابتلاع غضبه، وقد يتجاهل حقوقه عمدًا، لأن الصراع حتى لو كان الحق في جانبك يمزق ثيابك ويبعثر الغبار من حولك، فلا تبقي سوي البهدلة وأن يراك الناس في وضع مهين.. لعلك تفضل الظلم على البهدلة. فما هو مدى الاستفزاز الذي أوصله له القتيل حتى فعل ما فعل مضحيًا بسمعته الحميدة وحريته وثروته وربما حياته ذاتها؟. الجواب ببساطة هو أن بطء إجراءات التقاضي وألعاب بعض المحامين التي تجعل (الحق على المقتول)، وازدهار قيم البلطجة وعدم احترام القانون.. كل هذه العوامل تجعلك تعرف يقينًا أنك لن تظفر بحقك.. قد تظفر بحكم لكنك لن تستطيع تنفيذه
ما أكثر قضايا الشيكات بدون رصيد، وما أكثر أحكام التمكين من عقار التي لا يتم تنفيذها لألف سبب.. يكتشف الناس في النهاية أن عليهم الذهاب لقهوة شيحة حيث يجلس البلطجي حسن سنجة مع رجاله.. هؤلاء هم القانون
عرف الطبيب الكبير أنه لن ينال حقه بالقانون أبدًا، ولا شك أن المشادة كانت عنيفة وأن الكهربائي القتيل أهانه بشدة وعنف. هنا يتوقف العقل الواعي ليتولى ما تحت قشرة المخ السيطرة، وتمتد اليد الغاضبة نحو المسدس.. وينتهي فصل كامل من حياة رجل محترم. أعرف كثيرين حاولوا الحصول على حقوقهم بشكل متحضر وعندما فشلوا بدت فكرة البلطجة غير ممجوجة إلى هذا الحد. لي صديق أستاذ جامعي يقف حشد من المراهقين تحت شرفة بناته يتبادلون السباب البذيء كل ليلة، وفشل تمامًا في منعهم، وقد نصحه ضابط الشرطة بأن يستأجر لهم بعض البلطجية!.. هذا الصديق بدأ يفكر جديًا في بعض الأفكار التي تبدأ بماء النار وتنتهي بإلقاء البنزين مع عود ثقاب مشتعل عليهم!. لو ظهر غدًا في صفحة الحوادث فلن أندهش كثيرًا
*******
ليس هذا الكلام مبررًا لأن ينفذ المرء القانون بيده طبعًا، لكن المعادلة الكيميائية معقدة جدًا وتتضمن عدة عوامل، منها درجة الاستفزاز ومنها الاستعداد النفسي.. أعتقد أن من يقتل يحمل استعدادًا نفسيًا معينًا في خلايا عقله، وهذا الاستعداد يعلن عن نفسه في ظروف خاصة
لقد قضى فقيد الطب النفسي والأديب الموهوب د.عادل صادق ثلاث سنوات بين ليمان أبي زعبل وسجن القناطر يفحص فيها مرتكبي جرائم القتل، وقد تبين له أن 60% من القتلة لديهم موجات دماغية غير طبيعية، وبعضهم يعاني الشيزوفرنيا.. الفصام.. مما يؤدي لتبلدهم الوجداني، وبعضهم يعاني تدنيًا مروعًا في الذكاء، وبعضهم شخصيات سيكوباتية ولدت شريرة وستظل كذلك مهما عوقبت.. حتى بصمات أصابعها مختلفة.. هكذا آمن د. عادل صادق أنه لو تم فحص كل قاتل بعناية من قبل طبيب نفسي، فإن نسبة 70% منهم سيودعون في المصحات بدلاً من إعدامهم
*******
هل تعرف دانييل ماجنوتون؟.. هذا قاتل بريطاني حاول اغتيال رئيس الوزراء لكن رصاصته أخطأت هدفها وقتلت سكرتيره. استطاع محامي الرجل أن يثبت أنه كان مصابًا بالبارانويا وقد اعتقد أن رئيس الوزراء يريد قتله لذا قرر أن يقتله أولاً. تمت تبرئة الرجل وأودع مصحة عقلية مدى الحياة، لكن اسمه صار مصدر قواعد ماجنوتن أو: مجناتن.. التي تطبق في بلدان عدة بالعالم. تقضي هذه القواعد بافتراض أن كل إنسان مسئول عن أفعاله إلى أن يتضح العكس، ولكي يمكن الدفاع عن المتهم باضطراب حالته العقلية، فإن على الدفاع أن يثبت أن المتهم لم يكن يعرف ما يفعله، أو هو عرف لكنه لم يدرك أن هذا خطأ
هناك مثالان مشهوران في القانون البريطاني لكون القاتل لا يعرف ما يفعله: أن يذبح امرأة معتقدًا أنه يقطع رغيف خبز.. وأن يقطع رأس رجل نائم كي يتسلى بمشاهدة الرجل يبحث عن رأسه عندما يصحو.. ليس الإقرار بالجنون فرارًا مريحًا في الدول التي لا تنفذ عقوبة الإعدام كما نتصور، لأن معنى الجنون أن يمضي المريض باقي عمره في المصحة، بينما الإدانة تعني أن يقضي خمسة عشر عامًا في السجن لا أكثر
*******
الخلاصة: لا تستفز شخصًا يئس من العدالة.. لا تستفز شخصًا تنطبق عليه قواعد ماجنوتن أو يظهر رسم مخه موجات غير طبيعية.. لا تستفز شخصًا يعتقد أنه فوق القانون وأنه قادر على عمل ما يريد بلا حساب
*******
-د.أحمد خالد توفيق

waelgad
14-05-2009, 08:14 AM
هايلة المقالة والله إنت قلت اللى كان فى دماغى و ماكنتش عارف أعبر عنه

الدكتورة مها
15-05-2009, 04:35 AM
ربنا يكرمك اخى الفاضل على المرور والرد

الدكتورة مها
15-05-2009, 04:35 AM
ربنا يكرمك اخى الفاضل على المرور والرد

tosoro
15-05-2009, 01:40 PM
http://www.geocities.com/bluegulef/3731ca3ba8.jpg
بارك الله فيك:clap::clap::clap:

الدكتورة مها
15-05-2009, 04:01 PM
وفيكي يا قمر

نورتي الموضوع

نور_84
16-05-2009, 06:24 AM
ما شاء الله مقالة رائعة و للأسف تعبر عن واقعنا المرير فالشخص عوضا عن الاستعانة بالقنون و الدولة لقضاء مصالحه و الظلم أصبح كما يقولون(يأخذ حقه بيده) لكونه متأكد أن لن ينصفه القانون الحالي و نذكر هنا عصر الرسول -صلى الله عليه و سلم- و الصحابة الكرام-رضي الله عنهم-جميعا حين كان المسلمين في كل كبيرة و صغيرة يلجأون للقضاء لحل مشاكلهم مهما كانت بسيطة ويتم الحل و الإنصاف
فلا حول و لا قوة إلا بالله

AHMAAAD
16-05-2009, 11:32 AM
ربنا يستر
الصراحة أنا فاهم كلامك بالضبط لأن أنا موعود برئيسة فى العمل أجارك الله
وأحيانا أنا و زمايلى بنبقى مخنوقين منها لدرجة .....
ولا بلاش أحسن الموقع يطلع متراقب و ييجوا يعملولى رسم مخ و تبقى مشكلة!!!

صقر قريش
16-05-2009, 06:13 PM
اعتقد ان الدكتو احمد خالد ينطق بافكار كثير نشعر بها بدون ان تستطيع طرحها بهدة الاسلوب الرائع
مشاركة رائعة للدكتور ة مها دكتورة هو تخصصك ايه بالضبط...

kimoo87
17-05-2009, 07:25 AM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
مقالة غاية فى الروعة و الجمال للدكتور احمد خالد توفيق
انا عن نفسى أتفق معه فى أخر جمله
((الخلاصة: لا تستفز شخصًا يئس من العدالة.. لا تستفز شخصًا تنطبق عليه قواعد ماجنوتن أو يظهر رسم مخه موجات غير طبيعية.. لا تستفز شخصًا يعتقد أنه فوق القانون وأنه قادر على عمل ما يريد بلا حساب ))
شكر خاص للدكتورة مها على نقلها المقالة
:sadwalk::sadwalk::sadwalk:

هاني الصياد
01-06-2009, 12:05 AM
شكرااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا

jocole
01-06-2009, 12:17 AM
اكيد الشعور بالظلم يولد الانفجار خصوصا لو كان القانون-مع الاسف-اعمي في اوقات كتير موضوع ممتاز د مها تقبلي مروري:icon30:

nor
06-08-2009, 12:32 AM
مقال رائع يا مها , سلمت يمينك على نقلك الممتاز .

فعلاً , لا تستفز شخصاً يائساً من تنفيذ العدالة , فالضغط يولِد الإنفجار .

الدكتورة مها
07-10-2009, 08:37 PM
:clap::clap::clap::clap::clap::clap:


أشكر لكم مروركم وردودكم العطرة

pink_mercury
12-11-2009, 07:19 AM
هحاول ماستفزش حد بالمنظر ده وربنا يستر:tears:

أن تدخلنى ربى الجنة
12-11-2009, 08:21 AM
مشكورررررررررررررررر

طلال كريم
12-11-2009, 09:12 AM
مقال رائع كالعاده من الدكتور احمد خالد توفيق
والشكر الجزيل لك اختي الدكتوره مها عللى نقل هذا المقال المميز

dr.eman
12-11-2009, 11:18 AM
مقال رائع

Eng. Mariam
12-11-2009, 11:43 AM
بوركتى على النقل المميز حبيبتى مها :icon30:

nedoismilk206306
21-11-2009, 12:17 AM
شكرا:icon31::icon31::icon31::icon31::icon31:

nedoismilk206306
21-11-2009, 12:17 AM
:blush-anim-cl::blush-anim-cl::blush-anim-cl:

nedoismilk206306
21-11-2009, 12:17 AM
:happy::happy::happy::happy::happy::happy::happy::happy:

nedoismilk206306
21-11-2009, 12:18 AM
:shiny01::shiny01::shiny01::shiny01::shiny01::shiny01::shiny01::shiny01::shiny01::shiny01::shiny01::shiny01::shiny01::shiny01::happy::happy::happy::happy::happy::happy::happy::happy::happy::happy:

الشفق الوردى
04-12-2009, 11:12 PM
مشكورة على المجهود
والمقال رائع كما عودنا د أحمد خالد توفيق
وربنا يهدى المستفزين

eng_qassam
14-06-2010, 09:54 PM
:happy::happy::happy::happy::happy::happy::happy::happy::happy: